العلوج
الفكرية
(2003)
وقع نظرنا ونحن نتصفح موقعا على الأنترنت على بضعة سطور من مقالة للسيد
غسان الإمام يبدو إنها نشرت في جريدة الشرق الأوسط. في هذه
الأسطر القليلة أثار السيد الإمام نقاطا عدة حول الحزب السوري القومي
الإحتماعي، ليؤكد لنا أنه علج من علوج الفكر ومستفكر كبير يحسب له
حساب. النقاط التي أثارها هذا السيد اللوذعي هي التالية:
1 – هو أشار سابقا الى نشأة الحزب السوري القومي الإجتماعي وصنفه بين
الأحزاب الفاشية العربية.
2 – أن هذا الحزب وغيره من الأحزاب الفاشية، دائما بالنسبة الى
المستفكر السيد الأمام، تأسس مع إزدهار الفاشية الأوروبية في
فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
3 – الحزب السوري القومي الإجتماعي يعبد شخصا، بالإضافة الى كونه فاشي.
4 – طرح الحزب الإيديولوجي هو طرح غريب عن العروبة والدين.
5 – هذا الطرح الأيديولوجي هو الذي أثار الرفض المطلق للحزب، والشكوك
حول سلوكه وغرضه وعلاقته الأجنبية.
6 – ضرورة مواصلة الحزب السوري القومي الإجتماعي المراجعة.
7 – ضرورة تهوية الحزب من الداخل.
8 – التخفيف من عبادة شخصية الزعيم التاريخية.
9 – التخلص من كل رموزه وشعاراته الفاشية: الزوبعة الشبيهة
بالصليب المعقوف، والتحية شبه العسكرية برفع قبضة اليد وضم الإليتين
وضرب كعب الحذاء بالكعب الآخر.
يبدو مما ورد في مقالة السيد الأمام انه من الذاهبين الى الحاج في
الوقت الذي نرى جميع الناس عائدة منه. ويخالطنا شعور هنا خاص: هل
نصاب بالغثيان او ننفجر من الضحك. فالمسكين يحاول ان يرينا انه
ضليع معرفة، فاهم للسياسة، قاريء جيد للتاريخ ومحلل كبير للأحداث؛
لهذا كله هو حريص أن يظهر بمظهر المجتر الجيد لكل ما كتب في مراحل
العقود السبعة الماضية عن الحزب ونشأته وزعيمه وفكره من قبل إغبياء
الفكر المتحجر والعشوائي.
لا نعرف سبب حرص السيد الإمام للكتابة عن الحزب السوري القومي
الإجتماعي؛ ولا نعرف سبب حرصه ان يرى تهوية داخلية ضمن الحزب طالما هو
يلاحظ ان الحزب مرفوض من العروبة والدين. فإذا كان الحزب مرفوضا
بسبب إيديولوجيته من قبل العروبة والدين، فلماذا يكلف السيد الإمام
نفسه عناء مطالبة الحزب بالتخلص من أساليبه الفاشية؟ فنحن نريد
ان نفهم ماذا يريد هذا الفاهم: هل يريد منا التخلص من أساليب الحزب
الفاشية اما التخلص من إيديولوجية الحزب؟ ام هو يريدنا ان نتخلص
من الأثنين معا؟
التخبط الفكري هو ميزة من ميزات العلوجة الفكرية. هذا التخبط هو
ما يجعلنا نفكر ما هي غاية هؤلاء العلوج الفكريين من خلال هذا الهذيان
الذي ينشرونه على صفحات الجرائد مقالات وأبحاث. لسنا هنا في صدد
الإجابة على السيد الإمام حول هذه النقاط التي حبلت صفحات الجرائد
والكتب بالشروحات حولها وعنها؛ ليس على كل متنطح للمعرفة ان يعود
إليها للتدقيق والتمحيص والبحث للتخلص من أي هذيان عنده. حسبنا
هنا ان نعطي السيد الأمام ما يستحق. كما نحاول ان نستفسر منه
أكثر عن ما يعنيه عندما يتكلم عن العروبة والدين. أي عروبة هي
هذه التي يقصدها السيد الإمام؟ هل عنده فهم للعروبة غير تلك
المساوية للدين؟ هل هي عروبة أمجاد الفتوحات العربية الأول وما
تبعها من أمبرطوريات عربية إزدهرت ثم زالت ولم يبق منها غير تاريخها؟
ام هي عروبات وقت الحاضر؟ على أي عروبة منها يقع قلبه؟ اهي عروبة
مصر أم عروبة السعودية؟ أهي عروبة الخليج ام دول المغرب العربي؟
أهي عروبة السودان ام عروبة اليمن؟ ما هو النموذج العربي الذي
يحاول عقل السيد الإمام تزيينه وتسويقه لنا؟
ثم لماذا ما زال السيد الإمام يركز على الدين؟ لقد كان الدين
موجودا عندما إستعمرنا الأتراك لأكثر من خمسة قرون؛ بل هم إستطاعوا ان
يستعمرونا كل تلك المدة بفضل إدعائهم حكمنا بإسم الدين. لقد كان
الدين موجودا عندما إغتصبت منا فلسطين؛ لقد كان الدين موجودا
عندما سلبت منا كليكية والأسكندرون؛ ولقد كان الدين موجودا عندما هزمنا
في حزيران 1967 وعجزنا عن الأنتصار في عام 1973 ! ثم لقد خسرنا العراق
والدين بحالة نشوة وإزدهار.
أي نوع من المجتمعات يريد لنا السيد الإمام؟ يبدو انه حريص على
تطورنا نحو الديمقراطية، فهل إيمانه بالديمقراطية هو ما يجعله مهتم
بدور الدين في المجتمع؟ ثم هل هو يعني الدين بألإطلاق ام يعني
الدين المحمدي بالتحديد؟ وإذا كان الأمر كذلك أين تقف ديمقراطيته من
أصحاب الأيمان الآخرين في المجتمع وبصورة خاصة أصحاب الأيمان المسيحي؟
هل يضمن لنا السيد الإمام ان التخلي عن إيديولوجتنا والتمسك
بإيديولوجيته سيعيد لنا كل حقوقنا المسلوبة والمغتصبة ويضمن لنا حقوق
مستقبلنا ومصالحه؟ أو هل ان هذه الحقوق تعنيه من قريب أو من
بعيد؟
يبدو أن السيد الإمام هو كغيره من الذين عقدتهم شخصية سعادة
وإيديولوجيته. فسعاده الذي أسس عقيدة الخلاص لمجتمعنا على
الحقائق الأجتماعية والتاريخية وغيرها من العلوم، لم يفعل ذلك من أجل
المساومة لكسب شخصي او مطامع شخصية. ثم هو خالف سياسة الهروب
التي طغت على مجتمعنا في حقبات التخلف الأخيرة، حيث واجه الموت بشجاعة
الرسل والأنبياء. هذا بالرغم من أن سعاده انما فعل ذلك بفعل
إيمانه بشعبه وبقومه.
قلنا أننا لا نريد من هذه المداخلة مناقشة السيد الإمام أفكاره، ليس
لأن هذه الأفكار هي إجترار وحسب، بل لأنه كما ذكرنا ذاهب الى الحاج
بوقت متأخر جدا. ففي هذا الوقت العصيب من تاريخ شعبنا السوري
وشعوبنا العربية الأخرى، لم يعد هناك مكان لهذيان السيد الإمام.
إن الوقت قد أصبح حرجا جدا، ولم يعد هناك من منقذ الا إيديولوجية أنطون
سعاده غضب السيد الأمام أم رضي. نقول له إن سعاده هو رجل المرحلة
ورجل المستقبل. إن نهوضنا يتوقف على مدى تمسكنا بعقيدة سعادة
وأفكاره او بعدنا عنها. أو أن نبقى محكومين بأوهام التاريخ واوهام
الماضي، أو أن نعمل بهدي التاريخ ونستفيد من عبره لرسم طريق مستقبلنا.
نحن لا نعلم على ماذا يراهن السيد الإمام عندما يحاول تعليمنا ماذا يجب
ان نفعل او لا نفعل، ولكننا نعلم جيدا أننا نعتمد على إصالة شعبنا
ووعينا وعملنا ومقاومتنا من أجل إستعادة حقوقنا وحماية مصالحنا.
نحن لسنا غيبيين ولا إتكاليين ولا قدريين، بل نحن نصنع قدرنا وتاريخنا
بأنفسنا، وبسبب ذلك إمتلأ تاريخنا بكثير من العرق والدموع والدم.
نحن انقذنا شرف الأمة وحيدين مرات كثيرة؛ لكنه يثلج صدورنا الآن
أننا لم نعد وحيدين بل نحن محاطون بالكثيرين من الشرفاء الذين يعبرون
عن أيديولوجيتنا وإن كانوا ظاهريا لا يعتقدون بها. ذلك لأن
إيديولوجتنا ليست في المحصلة الأخيرة الا تجميل حياة شعبنا وحماية هذه
الحياة بكل ما نملك من قوة وطاقات.
إننا ندعو السيد الإمام الى الإقلاع عن الهذيان والتخبط وطرد العقد
الرومانسية من مخيلته؛ كما ندعوه الى رحاب الفكر الذي أطلقه
سعاده كي يستطيع ان يكون فاعلا في مستقبل شعبه ووطنه. أما نحن
فنعرف جيدا مواضع ضعفنا ومواضع فشلنا تماما كما نعرف مواضع قوتنا وقمم
إنتصاراتنا. إننا نعرف جيدا ما نحتاج إليه وما يجب أن نفعله
لنزيد من فعاليتنا ونتمكن من النهوض بمجتمعنا كما نريد وكما نشتهي. |