لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

ملاحظة: أرسل هذا المقال الى جريدة الأخبار اللبنانية لنشره في صفحة الآراء الحرة فيها.  ولما لم تعمد الصحيفة الى نشر هذا المقال، وبما أننا نعتقد أننا قد أعطينا الصحيفة المذكورة فرصة كافية لنشره، لذلك نعمد الى نشره هنا كي يكون في متناول قراء هذا الموقع.

الدروس المفيدة مقابل الدروس المضرّة

 

نشر السيد معن بشور في عدد يوم الخميس 29 تشرين الثاني 2007 من جريدة الأخبار مقالاً بعنوان: "درس آخر من أوستراليا" ، يشير فيها الى تقليل وسائل الإعلام الأميركية من عامل إحتلال العراق في خسارة السيد جون هوارد والتحالف الذي يقوده حزب الأحرار الأوسترالي الإنتخابات الفدرالية التي جرت يوم السبت الماضي، متسائلاً إذا كان السياسيون في لبنان والمنطقة قد تعلموا درساً جديداً من خسارة هوارد حيث يتوصّلون الى إدراك حقيقة  "أنّ الإدارة الأميركية ليست قدراً لا يمكن ردّه، وأنّ السياسة الأميركية ليست السحر الذي لا يُقاوَم، وأن حفنة من رجال الأمّة في العراق وفلسطين وجنوب لبنان وأفغانستان والصومال، يعيدون بمقاومتهم صياغة أوطانهم والعالم". 

يبدو السيد معن بشور مرتاحاً كثيراُ في الاحكام التي يطلقها والإستنتاجات التي توصل إليها سواءً بتناوله شؤون الإنتخابات الأوسترالية وعوامل النجاح والسقوط فيها الى بعض تفاصيل عنها، أو تناوله ما آلت إليه النتائج السياسية في إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا واليابان وصولاً الى ما تواجهه سياسة جورج بوش داخل الولايات المتحدة نفسها، محاولاً ربط النتائج في كل هذه البلدان بعامل أساسي واحد وهو إحتلال العراق. 

المشكلة هنا تكمن في خطورة إرتياح السيد معن بشور في إستنتاجاته هذه وتقديمها الى الرأي العام في وطننا وكأنها زبدة الحقيقة وواقع ما يجري في العالم، ودفع هذا الراي العام الى الإعتقاد بأن رياح التغيير في بلادنا ولصالح شعبنا آتية حتماً إلينا. 

نحن بعكس السيد معن بشور لا نجرؤ على أطلاق أحكامٍ قطعية عامة على حقيقة ما جرى في إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا واليابان، من خلال القراءات البعيدة لمجريات الأمور في هذه الدول مهما كانت عميقة وواسعة، ولا نجرؤ على ربط معطيات الأوضاع السياسية في هذه البلدان وغيرها من البلدان الدائرة في الفلك الأميركي بمستقبل الأوضاع في وطننا ومنطقتنا. أكثر من ذلك، نحن لا نجرؤ على بناء آمالٍ كبيرة في نفوسنا حول مستقبل الأوضاع عندنا بمجرد سقوط بوش وحزبه في الإنتخابات الأميركية القادمة.  لا بل نحن نصاب بالهلع إذا ما حاولنا نقل مثل هذه الآمال في حال نشوئها عندنا الى الرأي العام في بلادنا لأننا لا نرى في مثل هذا الأمر لو اقدمنا عليه سوى تذاكياً وتقديم آمالٍ كاذبة وفارغة له.  

في الوقت الذي نفتقد فيه الجرأة على مشاركة السيد معن بشور إرتياحه في إستنتاجاته المشار إليه آنفاً، نسارع الى القول أن وضعنا يختلف عندما يتعلق الأمر بقراءة الأوضاع السياسية الأوسترالية وما يكون فيها من نتائج، إذ أننا لا ندّعي أي  تواضع بهذا الخصوص.  بناءً عليه نسارع أيضاً الى الدلالة الفورية على إفتقار الإستنتاجات والأحكام التي توصل إليها السيد معن بشور بخصوص قراءته للوضع السياسي في أوستراليا والإنتخابات الفدرالية الأوستراليه الأخيرة، الى الدقة والصوابية الكاملة. 

قبل أن نبين المطبّات التي وقع فيها السيد معن بشور في إستنتاجاته وأحكامه ومعلوماته الأوسترالية، نرى ضرورة الإشارة الى  عادة سيئة يعتمدها معظم المتعاطين بالشأن العام في وطننا من كتاب ومفكرين ومنظرّين.  تتمثل هذه العادة بمحاولات هؤلاء المتعاطين بالشأن العام الى أخذ العِبَرِ من ملاحظاتهم البسيطة لما يجري من أحداث في بلدان العالم وما يصاحبها من نتائج في محاولة منهم لسحبها على ما يجري في وطننا من أحداث وترويجها كنماذج يمكن الإحتذاء بها من قبل شعبنا.  جانب أساسي من هذه العادة ايضاً إعتقاد هؤلاء أنه من أجل  الفهم الصحيح لما يجري عندنا من أحداث وما يكون لهذه الأحداث من نتائج، عليهم أن يعرفوا حقيقة ما يجري في الصين وكوبا واليابان وأيطاليا وأميركا وكل بلدان العالم، حيث يغرقون في فلسفة الأوضاع هناك لينتهوا بعدها الى فلسفة الأوضاع في بلادنا.   

هذه العادة هي التي تساعد على تغريب المتعاطين بالشأن العام عندنا عن معرفة حقيقية وقعنا وبالتالي  فشلهم في المساهمة الإيجابية لتحسين هذا الواقع.  ونحن لا نرى في إعلان السيد معن بشور من أن " حفنة من رجال الأمّة في العراق وفلسطين وجنوب لبنان وأفغانستان والصومال، يعيدون بمقاومتهم صياغة أوطانهم والعالم" سوى من قبيل هذا التفكير المغترب عن الواقع.  فهو يرتاح في تكفيره أن "حفنة من رجال الأمه" هؤلاء سيعيدون صياغة العالم دون أن يشرح لنا كيف ولماذا وكأن الامة لم تر ولم تشهد مثل هؤلاء الرجال من قبل!  لماذا فشل عبد الناصر؟ لماذا فشل البعث في العراق؟ لماذا فشل البعث في الشام؟ لماذا تقلّص العمل الفدائي الفلسطيني الى شخص محمود عباس؟ لماذا لم تنجح الأحزاب الشيوعية؟  لماذا لم ينجح الحزب السوري القومي الإجتماعي؟ لماذا لم تنجح الحركات القومية واليسارية الأخرى؟  يبدو أن مثل هذه الأسئلة وأمثالها لا محل لها في تفكير المتعاطين بالشأن العام عندنا وهي غير مهمة بالنسبة لهم، ويبدو أنهم يستطيعون فهم الأوضاع عندنا وتحديد وجهة سيرها بالقفز عن فهم المراحل السابقة لنضال شعبنا! 

قبل أن ندخل الى الشأن الأوسترالي أيضاً لا بد لنا من إبداء ملاحظة مهمة بالنسبة للتأييد الدولي للعدوان الأميركي على العراق.  إذ أننا نعتقد بقوة أن الدعم الذي حصلت عليه الولايات المتحدة من دول مثل بريطانيا وإيطاليا واليابان وأوستراليا وغيرها من الدول في عدوانها على العراق، ليس من الأهمية بمكان مقارنة مع الدعم الظاهر والباطن لدولٍ لمعظم الدول العربية ومنها دول النفط والمال.  وإذا كانت الديمقراطية في أوستراليا وإيطاليا وإسبانيا واليابان كفيلة بإسقاط الحكومات في هذه البلدان بسبب ما قدمته من تأييد ودعم الى الولايات المتحدة في ذلك العدون، فما هو الشيء أو الإجراء الذي يقترحه السيد معن بشار لإسقاط حكومات العالم العربي التي كان له دور أساسي في حقن العدوان الأميركي بمستلزماته المادية والسياسية؟ 

نأتي الى إستنتاجات السيد معن بشور الأوسترالية وما عرضه من بعض مشاهد إنتخاباتها.  هنا يؤسفنا أن نقول إن معلومات السيد معن بشور قد تخولّه الدخول في مسابقات المعلومات العامة مثل "من سيربح المليون" وغيره من البرامج المماثلة، لكنها حتماً لا تخولّه أن يكون ناقداً سياسياً للأوضاع السياسية الأوسترالية يمكن الرجوع إليه والإستئناس أو الأخذ برأيه. 

هنا نسارع الى القول إنه غير صحيح أن التحالف الأوسترالي الذي يقوده حزب الاحرار قد فشل في الإنتخابات الفدرالية الأخيرة بسبب تأييد حكومة جون هوارد لجورج بوش في عدوانه على العراق، وإن كان هناك صحة في القول إن هناك من الأوستراليين من المعارضين لذلك التأييد، لكن هؤلاء أقلية وأسباب معارضتهم قد تختلف عن الأسباب التي يعتقدها لهذه المعارضة السيد معن بشور.  نقول هذا ونحن على علمٍ بحجم المظاهرة التي أشار إليها السيد بشور ومن الذين شاركوا  فيها ونحن نعلم ما كانه موقف جون هوارد منها. 

إنه من الخطأ الكبير أن يعتقد السيد بشور أن حزب العمال الأوسترالي سيقف موقفاً مغايراً لموقف التحالف بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وافغانستان.  إن ما يمكن أن يقوله السياسي الأوسترالي في الشؤون الخارجية  وهو في موقع المعارضة هو غير ما يمكن أن يقوله بعد ان يصل الى سدة المسؤولية.  التوافق السياسي مع الولايات المتحدة هو قرار أوسترالي في الصميم لا يوجد له معارضة من قبل الأوستراليين الأنلكو-ساكسون او الأوستراليين الذين تكاملوا معهم.  فهؤلاء جميعاً يعتبرون أن أوستراليا مهددة بإستمرار من قبل دول مثل أندونيسيا واليابان والصين، لذلك هي بحاجة الى تأييد أميركا لمنع حدوث أي إعتداء عليها.  هذا الأمر هو من المسلمات الأوسترالية. 

مساء يوم الإنتخابات الأوستراليا كنت مع بعض الزملاء الأنكلو-ساكسون في نزهة بحرية.  معظم أولئك الزملاء هم من المؤيدين لحزب العمال.  في حديثنا حول العراق ذكر أحدهم أنه من المؤسف ان جورج بوش وحلفاءه فشلوا في إرساء الديمقراطية في العراق.  فما كان مني سوى المسارعة الى القول: "لا شك أنك تمزح! فهل تعتقد أن جورج بوش ذهب الى العراق لتحقيق الديمقراطية فيه؟  إذا كان جورج بوش قد قتل حتى الآن 800 ألف عراقي، فما هو عدد الضحايا العراقيين الذين يحتاجهم جورج بوش لتحقيق الديمقراطية في العراق؟  لا يا صديقي، فإنه من المعرفة العامة اليوم، حتى في الغرب، من أن جورج بوش ذهب الى العراق وأفغانستان من أجل النفط والغاز وليس لشيء آخر وكان له ما أراد."   وقد وافق معي صديق أن "كفين رد"، رئيس الوزراء الأوسترالي الجديد لن يكون له موقف مختلف كثيراً في السياسة الخارجية للموقف الذي كان يتخذه جون هوارد. 

الأوستراليون يقررون نتائج الإنتخابات على أسس داخلية محضة. فمسائل فرص العمل وحقوق العمال والتربية والتعليم والإستشفاء والضمان الإجتماعي هي أبرز المسائل التي على ضوئها يمنح الناخب الأوسترالي صوته أو يحجبه.   

إن مستوى البطالة في أوستراليا شدهدت أدنى مستوياتها مع حكومة التحالف بقيادة جون هوارد، كما وصلت معدلات الفوائد الى أدنى مستوياتها أيضاً.  والإقتصاد الأوسترالي يشهد نمواُ كبيراً، فماذا إذن سبب في سقوط جون هوارد؟  إنه قانون "إتفاقات أمكنة العمل"، (work place agreements) ،  وليس أي شيء آخر.  إن هذا القانون يقلص تأثير إتفاقات العمل الجماعية ويقلص بالتالي من دور النقابات والإتحادات العمالية، ويترك العمال تحت رحمة أصحاب العمل، وهذا ما ترفضه الغالبية العظمى من الأوستراليين. 

يبقى أن نتمنى على السيد بشور، من موقع الإحترام والمحبة، التدقيق في مصدر معلوماته وقراءة تلك المعلومات بشكلٍ جيدٍ.  إذ أن سرده لبعض المعلومات ليس صحيحاً على الإطلاق.  فالسيدة ماكسين ماكيو  قد تكون ربة منزل لكنها حتماً ليست صحافية مغمورة، علماً أنها عملت طويلاً كمقدمة للأخبار في المحطة التلفزيونية التي يعتبرها غلاة الأوستراليين إيقونة لهم. 

ثم أننا لا نعرف كثيراً عن دموع جون هوارد وغزارتها.  هزيمته كانت كبيرة وعظيمة نعم، لكن مسألة الدموع هذه لا نعرف عنها الكثير. 

أما المطب الأكبر الذي وقع فيه السيد بشور فهو حين يقول: "لقد جاءت فضيحة صغيرة في الانتخابات الأسترالية الأخيرة لتكشف الفضيحة الكبرى، وذلك حين زوّر أحد محازبي هاورد منشوراً منسوباً لحزب العمّال المنافس لحزب هاورد، يعلن أنّ هذا الحزب معادٍ للمسلمين، وهو ما يؤكّد حجم المسألة الخارجية، أي مسألة العلاقة بين العرب والمسلمين، في الهزيمة الداخلية". 

الحقيقة الوحيد في هذه الجملة أن المنشور أُعِدّ من قبل محازب لهوارد وهو زوج لمرشحة حزب الأحرار في المنطقة التي وُزِّع فيها المنشور.  لكن المنشور لم يظهر عداء حزب العمال للمسلمين، بل هو كان يزعم أن حزب العمال في حال النجاح في الإنتخابات سيطلب عدم تنفيذ أحكام الإعدام بالمسؤولين عن تفجير الملهى ب"بالي"- إندونيسيها، وهو التفجير الذي أودى بحياة عدد كبير من الرعايا الإوستراليين.  أما "العلاقة بين العرب والمسلمين" وتأثيرها في هزيمة هوارد، فإننا ندعو السيد بشور الى مراجعة هذا الإستنتاج من أجل مصداقية الراي عنده.