العنب المر
(8/5/2006)
قرأت على موقع "صدى النهضة" مقالة للرفيق جاك حشمه، يرد فيها على
محاضرة الرفيق أمين حامد بعنوان: "الحوار: تحليل ومقترحات". كنت
قبل ذلك قرأت بشكل سريع محاضرة الرفيق أمين حامد ولم ألاحظ فيها أي شيء
يشدني أو يدفعني الى قراءتها على مهل توخيا لإستخلاص أفكار وعبر
ومعلومات جديدة كنت أجهلها أو لم أطّلع عليها من قبل. على عكس
الإنطباع الذي تكوّن عندي خلال قراءتي السريعة لمحاضرة الرفيق أمين
حامد، لقد كان هناك ما يجذبني كثيرا إلى قراءة رد الرفيق جاك حشمه على
المحاضرة، وذلك بدءا من العنوان الذي إختاره لها: "يلي ما يطول العنب
حامضا عنه يقول". لكن هذا الإنشداد لم يقتصر فقط على الرغبة في
قراءة رد الرفيق حشمه على المحاضره، بل أوجد عندي حاجة للعودة الى
المحاضرة أولا وقراءتها قراءة متأنية هذه المره، ربما أكتشف فيها ما
فشلت عن إكتشافه من قبل.
عند قراءتي الثانية لمحاضرة الرفيق أمين حامد، تأكد لي أن الإنطباع أو
الفهم الذي خرجت به من قراءتي السريعة الأولى لها، كان فهما وافيا، شمل
جميع النقاط التي تناولتها. فمناخ المحاضرة لم يكن مختلفا
عن مناخ العمل القومي الذي إنتهجه الرفقاء فيما سمي بإنتفاضة 1957، منذ
وقت طويل. عندما حدثت الإنتفاضة، تجاوب معها بشكل كثيف
معظم القوميين. فقد كان الرفيق عبد المسيح مالئا للأسماع ومالئا
لقلوب الكثيرين من القوميين وعقولهم، وحاصلا على ثقتهم. كانت أي
مقابلة صحفية معه تعني أن عدد الصحيفة أو المجلة الناشرة للمقابلة
ستباع سريعا. فماذا حصل بعد ذلك؟ لماذا تراجع كثيرون من مؤيديه
وأنكفأوا عنه؟ الجواب لهذا السؤال يختصربأن العمل القومي الذي
قاده الرفيق عبد المسيح قد تحول الى عمل روتيني جدا، ممل وفاتر.
يصعب أن تجد في هذا العمل كذبا أو نفاقا أو تدجيلا أو مراوغة أوأخطاء
أو مماحكة أو إنحرافا عن الحرف العقائدي، أو متاجرة بالعمل القومي، أو
غيرها من عناصر الفساد المضرة أو المعطلة لهذا العمل؛ لكنك أيضا
لا تجد فيه ما يدل على وجود الحيوية والديناميكية والخلق والإبداع
والمبادرة في العمل أو غيرها من العناصر الأساسية التي يتطلّبها
ويحتاجها العمل النهضوي، التغييري،التجديدي، الهادف، والتي وحدها
يمكن أن تحوّل الحرف العقائدي الى نبضات تنطلق في شرايين المجتمع دليلا
على تفعيل الحياة فيه، والى مؤسسات حيّة تنغرس في حياة الناس، هداية
وقيادة وتنظيما.
إن ترديد الحرف العقائدي قد يحفظ هذا الحرف في قاموس التداول، لكنه
أعجز من تغيير الواقع وإصلاحه وتجديده، الغاية التي من أجلها أوجد ذلك
الحرف، ومن أجلها كانت تلك العقيدة، وما تشتمل عليه من أسس بناء
المجتمع، قومية أو سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية أو فلسفية أو غيرها
من شؤون حياة المجتمع وتقدمه ورقيه. عندما يتقلص الحزب الى جماعة دينية
تكتفي بممارسة الطقوس وترديد الشعارات، يبطل أن يكون الحزب نهضة يستطيع
أن يدعي بأنه يسعى الى تغيير حياة المجتمع ويعمل على حماية مصالح هذا
المجتمع. إن أي نهضة لا تتحول الى مؤسسات متنوعة وفاعلة في حياة
الناس والمجتمع، هي نهضة محكومة بالإنكفاء والفشل. فإذا لم يعمل
الحزب لتكون له " المؤسّساتِ التربويّة والإقتصاديّة والسياسيّة
والإجتماعيّة والإعلاميّة البروباغانديّة، من مدارس وجامعات وفرق
كشفيّة ورياضيّة وجمعيّات نسائيّة وشبابيّة وتلفزيونات وإذاعات وصحف
ومجلاّت ومجمّعات سكنيّة ومصالح مهنيّة وحتّى وزارات خارجيّة." (أقرأ
مقالة الرفيق نديم محسن بعنوان:"الديكتاتورية المنافقة")،
يصبح محكوما بالإستمرارية والجمود المؤدين الى الفشل الحتمي.
إختبارنا ومعرفتنا لواقع العمل القومي الذي ينتهجه رفقاؤنا في إنتفاضة
عام 1957، هي التي جعلتنا نقرأ محاضرة الرفيق أمين حامد بدون أن نرى
حاجة الى التعليق أو الرد. فالكلام الذي يعني صاحبه فقط، ولا
يحمل ضررا أو فائدة لا يستوجب في رأينا ردا أو تعليقا أو مداخلة.
وكلام الرفيق أمين حامد لا يخرج عن هذا النطاق. فأنا لا أعتقد أن
الكثيرين في لبنان أو غير لبنان يفتقدون وجود الرفقاء في إنتفاضة
عام 1957 على "طاولة الحوار" الدائر في لبنان، وبالتالي لا يهمهم أن
يعرفوا سبب غيابهم عنها. إذا كان هناك من جمهور عنده مثل هذه
الأسئلة، فالمحاضرة تخص ذلك الجمهور وتجيب على أسئلته، ويعود له حق
الإقتناع بتلك الردود أو الرفض لها. فالمحاضرة لا تشكل موقفا
قوميا عاما يمكن أن يقدم أو يؤخر في حل مشاكلنا أو مسائلنا القومية، بل
هي نوع من الرأي نسمعه ونأخذ علما به، لكنه أبعد من أن يخلق
عندنا تأثيرا أو يدفعنا الى عمل.
لم نكن لنكتب هذا المقال لو لم نجد حاجة ماسة الى التصحيح والتوضيح.
إذ أن رد الرفيق جاك حشمه على المحاضرة يحمل الكثير من الفهم المغلوط،
ذات الفهم الذي نعمل على محاربته وتدميره وإزالته من أذهان القوميين،
ليحل محله الفهم النهضوي الصحيح، القادر على التأثير في حياة المجتمع
وقياد هذا المجتمع في عملية التغيير والإصلاح والتجديد.
لو كان رد الرفيق جاك حشمة مقتصرا على فكرة أن المحاضرة التي عنوانها:
"الحوار: تحليل ومقترحات"، تفتقر الى "التحليل العميق والمقترحات
الفعّالة" والى الغوص في أعماق هذا الحوار فتعرّيه وتعطيه حجمه الحقيقي
وتوضح كل ما يحيط به من أسباب ومبررات ودوافع، لتصل الى تحديد نوعية
الحوار المطلوب، لكنا قدّرنا جهده دون أن نرى حاجة الى المداخلة،
وأعتبرنا أن كلامه هو كلامنا نحن، ورايه هو رأينا. لكن إستطراد
الرفيق حشمه وتناوله أمور أخرى بشكل بدا فيها وكأنه لا يعرف عنها شيئا،
كان سببا كافيا لدفعنا الى كتابة هذا التعليق.
لم يوفّق الرفيق جاك حشمه كثيرا في إختيار عنوان ردّه المشار إليه.
فنحن لا نرى مبررا لإختيار مثل الشعبي الخليجي(؟): "يلي ما يطول العنب
حامضا عنه يقول"، عنوانا لهذا الرد. فعن أي عنب يتكلم الرفيق
حشمه، وفي أي كرمة يوجد هذا العنب؟ هل يتكلم عن عنب الحوار، وهل
يعرف مذاق ذلك العنب، أم هو عنب المناصب والمصالح؟ أم إن العنب
المقصود هو عنب القضية القومية وأن هناك من يقف على قمة هذه القضية حيث
يتمكن من توجيهها وإدارتها وقيادتها الى تحقيق أهدافها؟ فعندما
يتكلم الرفيق حشمه عن العنب، بينما نحن لا نرى عنبا، من حقنا أن نشك
بأنفسنا من أننا لا نعرف العنب أو مذاقه، فنحاول أن نعرف ذلك، أو نبين
بالبرهان عدم معرفة الرفيق جاك حشمه بالعنب أو قدرته على التمييز بين
مذاقاته، حلوة كانت أو حامضة أو مرة.
إننا نتمنى، ونحن قرأنا أن الرفيق جاك حشمه هو المدير الإداري لمجلة
رؤى ثقافية، أن تكون الرؤى الثقافية التي تطلقها أو تنشرها المجلة،
مختلفة عن الرؤى الواردة في هذا الرد، وأكثر دقة وفائدة منها. في
نهاية رده المذكور، كتب الرفيق حشمه ملاحظة تحدد أن ما ورد في ذلك
الرد، موجه الى الفريقين الحزبين، كونهما معا أستثنيا من الوجود حول
طاولة الحوار. وكان قبل ذلك يوجه كلامه الى فريق الرفيق أمين
حامد متسائلا عن سبب عدم قيامه بهذا الأمر أو ذاك، وهي الأمور التي
يعرف أن الفريق الثاني قد قام بها أو حاول القيام بها. فقد كان بين
أيدي الفريق الثاني بعض السلاح، وإشترك في الإقتتال العبثي الذي حصل في
لبنان، وكان منه طليعة من الأبطال المقاومين، شقوا طريق المقاومة
ونوعية تلك المقاومة، وبالرغم من كل ذلك فهو ليس على طاولة الحوار.
في معرض رشق الرفيق جاك حشمه الرفيق أمين حامد بأسئلة من النوع الذي
أشرنا إليه، يصل الى القول:"فمن يطلب منكم حمل السلاح لقتال أبناء
الأمة؟ ألم يكن بالإمكان أن تفعلوا ما فعله حزب الله والمقاومة
البطلة؟". هذا الإستنتاج يدل على واحد من إثنين: أو أن الرفيق
جاك حشمه لا يعرف شيئا عن المقاومة وعن السلاح وعن حزب الله وعن القدرة
على إمتلاك السلاح، أو أنه يتجاهل ما يملك من معرفة ليستعيض عنها
بتساؤل هو أقرب الى السذاجة منه الى الحكمة والمنطق.
عندما نتكلم عن المقاومة يجب أن نميز بين الكلام عن تاريخ المقاومة
والكلام عن ما هو موجود من مقاومة. لقد نشأت المقاومة كرد على
إجتياح المغتصبين اليهود لجزء كبير من الكيان اللبناني. لقد كانت
تلك المقاومة تعتمد بشكل رئيسي على بضعة أفراد من هنا وبضعة أفراد من
هناك، لكنها كانت كافية لفرض إنسحاب الجيش المغتصب تدريجيا حيث أخلى في
مرحلة لاحقة، مواقعه مناطق بعبدا- عاليه والشوف. وهو لم يفعل ذلك
قبل أن تأكد من حتمية حصول مذابح متبادلة بين الطوائفيين وإشعال حرب
اضافت الكثير الى مأساة المواطنين اللبنانيين. ثم أخذت المقاومة إتجاها
جديدا ودفعا جديدا مع الشهداء سناء محيدلي ووجدي الصايغ وبلال حرب.
لكنه بالرغم من ذلك لم تصل الى إجبار المغتصبين على الإنسحاب الكامل من
لبنان. وحده حزب الله كان يمكنه أن يحقق ذلك. "المقاومة
البطلة" لم تكن تمتلك أسلحة غير عادية. ولم يكن لها عدد يخولها
القيام بما قام به حزب الله، لذلك فالخلط بين الكلام عن المقاومة وحزب
الله هو خلط غير دقيق. ليس هذا محاولة إنتقاص من حزب الله، ولكن
لفصل ظاهرة حزب الله عن غيرها من المقاومين. وحده حزب الله كان
بإمكانه التضحية بمئات الشهداء، ووحده يملك إمتدادا بشريا يمكن أن
يرفده في كل وقت، والأهم من كل ذلك، أنه وحده كان يمكنه إمتلاك ما يملك
من أسلحة. فحزب الله ومنذ بدايات تأسيسه عام 1982، كان يتلقى
أموالا أيرانية قدّرت بمايتين وخمسين مليون دورلا سنويا. وإيران
حافظت على تمويلها لحزب الله وتسليحها له وإمداده بكل أسباب القوة.
فهل هذه الأمور كان يمكن أن تتوفر لأمين حامد لو وجدت عنده الإرادة
والرغبة في ذلك؟ هل كان يمكن أن يوجد مثل هذا الدعم للفريق
الآخر، ممن وبأي ثمن؟
أن نلوم أنفسنا لأننا لم نعرف بناء مؤسساتنا المختلفة، وتطوير عملنا
القومي بحيث كان يمكننا أن يكون لنا مصادرنا المالية المستقلة، وأن
يكون لنا مصادر سلاحنا الذي نشتريه بمالنا، وأن يكون لنا إمتداد بشري
من خلال تأثيرنا بالأجيال الجديدة وقدرتنا على جذبها وتربيتها
وتوجيهها، أن نلوم أنفسنا على كل ذلك فهذا شيء، وطرح الأفكار عشوائيا
شيء آخر.
غير صحيح أن حزب الله لم يوجه السلاح الى صدر مواطنين أبدا، فالصدامات
بين حركة أمل وحزب الله معروفة ومؤرخة، وصدامات حزب الله مع القوميين
معروفة ومؤرخة. لكن ثروة حزب الله الكبيرة اليوم ليس ما يملك من
السلاح والمال، بل ما يملك من قيادة حكيمة، ماهرة، عارفة، مخلصة
وهادفة. هذه الثروة البشرية هي ما نحسد حزب لله عليه، وهي ذاتها
التي تجعلنا نحترمه ونؤيده وندافع عنه.
يستمر الرفيق جاك حشمه في رده المذكور في طرح أسئلة لا تختلف في
سطحيتها وسذاجتها عما أوردناه سابقا، ليصل الى القول:"تصور يا رفيقي ما
كان سيكون عليه وضعكم اليوم لو أنكم حملتم السلاح ووجهتموه الى العدو
اليهودي بدل ......". نحن لا نريد أن ننتظر تصور الرفيق أمين
حامد لتتوضح لنا صورة ما كان يمكن أن يحصل له وللإنتفاضة التي هو فيها،
بل نريد من الرفيق جاك حشمه أن يخبرنا عن تصوره إفادة لنا بذلك.
لا، بل أريد من الرفيق جاك حشمه أن يعيد النظر بكل ما أورده من مثل هذه
الأفكار، لأنها لا تدل على نضج قومي، بل تدل على محاولة في إحراج
الرفيق أمين حامد أكثر مما هو وضع خطة بناءة يمكن فيها للقوميين أن
يصبحوا قوة كبيرة كمثل قوة حزب الله أو أكثر.
لقد فوّت القوميون الإجتماعيون على أنفسهم وشعبهم وقضيتهم كثيرا من
العمل المنتج بسبب ما سيطر على مجموعهم من عقلية عمل بعيدة كثيرة عن
العقلية التي أراد سعاده إطلاقها في حزبه ونهضته. فهل يستطيعون
اليوم تعويض ما فاتهم أو على الأقل أن يبدأوا مسيرة الألف ميل؟
نطلق هذا السؤال ونحن نقرأ كل يوم، ونسمع كل يوم ما يكفي لأحباطنا
وإفقادنا أي أمل بذلك.
|