|
قرأت بشهية مقالة الرفيق حنا الشيتي
بعنوان "حقيقة الفرد الإنسانية الصغرى"، والتي يناقشني
فيها في مقالتي بعنوان: "الإنسان-المجتمع، الفلسفة
المنسية".
أولا:
أنا أشكر الرفيق حنا، وأتعلم منه
وأستفيد.بعض الناس يحاربون للدفاع عن فكرة أو رأي لهم
لمجرد أن أحداً ما قد خالفها أو وجّه لها نقداً، أما أنا
فأدافع عن فكرتي طالما أراها صحيحة، وأتخلى عنها عندما
ابدأ بالشك بها، ولا حرج في ذلك ابداً.
ثانياً:
أعتقد أن الرفيق حنا قد اساء قراءة
فكرتي، مع أن عباراتي كانت واضحة ولا تحتمل التأويل.
مثلاً:
أنا لم أنفِ فكرة الإحتمال بالمعنى
الذي أفاضَ الرفيق حنا فيه ، وهو إحتمال أن ينمي الفرد
إمكانياته وقواه وطاقاته، إمكانية النمو والإرتقاء عنده،
وأنا مقتنع بكل ما ورد على لسان الرفيق حنا في هذا المجال،
وهو كان مؤيداً ما قلته انا بهذا الخصوص, في معرض هجومه
العنيف على فكرة "نفي الإحتمالية" التي نسبها إلي. ما
قلته كان واضحاً، قلت:
" طبعاً, لا سعادة ولا غيره ينفي امكانية – احتمال ان يطور الفرد امكانياته
ومؤهلاته ومعارفه وخبراته وقواه الجسدية والعقلية والنفسية
بالدرس والجهد والاجتهاد, وليس في ذلك فلسفة. "
"هذه
الأمكانية – الأحتمال ليست هي "الأمكانية" المقصودة في
تعبير سعادة الفلسفي : " الفرد امكانية انسانة". الأمكانية
- الأحتمال الذي نريد ان نستبعده هو احتمال ان يصبح الفرد
انساناً كاملاً, وليس احتمال ان يزيد من مستوى
امكانياته..."
"اذاً,
هناك احتمال ان يقوي الفرد من
امكانياته لكن ليس هناك احتمال ان يحمل صفة
الأنسان الكامل..."
فهل عند الرفيق حنا أي إعتراض على هذا
القول؟ أوليس كل إستفاضة وشرح الرفيق حنا عن "الألف
إحتمال وإحتمال" يؤيد هذا القول؟
ألم يكن الرفيق حنا يطمئنني بأن
"الإمكانية الإنسانية" لا تعني أن الفرد يمكن أن يصبح
إنساناً كاملاً؟ هذا المعنى الذي وصفه "بالغريب والفاسد
بالمرة"، ويزيد "لو
كان سعادة قد قال أن الفرد هو
إمكانية
إنسان،
لحق للرفيق الغاوي أن يخاف كل
الخوف، لأن هذه تعني أن الفرد لديه
"القدرة" أو "الاحتمال"
لأن يصبح إنساناً تاماً، وهذا قول يتضارب
مع أفكار سعادة
الأساسية..."
عظيم جداً، على ماذا كان يعترض الرفيق حنا
إذاً؟
أنا لا أخاف أن يكون سعاده يعني أن الفرد
يمكن أن يصبح إنساناً تاماً لأني أعرف أن سعاده لا يعني
ذلك، وكل همي كان أن ابرهن أن سعاده لا يعني ذلك، لأن كثير
من الرفقاء والكتاب يعتقدون أن سعاده كان يعني ذلك. فأنا
كنت أناقشهم واحاول أن ابين خطأ اعتقادهم، فما الذي لم
يعجب الرفيق حنا في ذلك؟
أنا كنت مهتماً أن ابين أين تكمن فلسفة
سعاده، أين هي القيمة الفلسفية لفكرة سعاده الجديدة وكيف
يجب أن نفهم العبارات الفلسفية ونميّز بينها وبين الكلام
الأدبي والكلام الحسن الجيد المفيد والمتداول خارج نطاق
الفلسفة. فلا اعتقد أنه كان هناك إرتباك في أفكاري، إن
الإرتباك يبدو في مكانٍ آخر، وسوف نراه بعد قليل.
ثالثاً:
يقول الرفيق حنا: "كذلك
الارتباك باد في جزمه(يعني جزمي شخصياً) أن سعادة لم
يستعمل كلمة
"الإنسان"
حين كان يريد أن يشير إلى الفرد، وهذا غير صحيح.."
أنا لم أقل ذلك ابداً، فسعادة قد استعمل
فعلاً كلمة إنسان ليشير الى الفرد، وإن نادراً أو قليلاً
جداً، وفي غير عباراته وشروحاته الفلسفية. انا قلت شيئاً
آخر، قلت: "إن
كلمة إنسان في كل عبارات سعاده(الفلسفية) وفي
كلّ مقالاته وشروحه وخطاباته, الا نادراً,
كانت تعني
واحداُ من إثنين: النوع الإنساني أو
المجتمع الإنساني. إن
فهمنا لعبارات سعاده الفكرية الفلسفية
يستقيم عندما نضع في
حسابنا هذا المعنى لكلمة إنسان..."
إن ما قلته هو غير ما نسبه الرفيق حنا
اليّ؛ إن ما قلته أنا هو صحيح ويمكن التأكد منه بالرجوع
الى فهرس المواضيع-المجلد الثاني عشر من "المجموعة
الكاملة"، والذهاب الى كلمة إنسان، فنرى أنها كانت تعني
النوع الإنساني والمجتمع الإنساني، ولم تعني الفرد إلّا ما
ندر.
لا بد هنا من إيضاح ما يلي: إنني
أتكلم عن فلسفة سعاده، عن نظرته الفلسفية الجديدة الى
الإنسان. في هذا الموضوع بالتحديد لا يجوز أن نعطي كلمة
إنسان معنى الفرد بل معنى المجتمع الإنساني. اما في
التداول العادي بين الناس فلا يجوز أن نقول لمحدثنا أنت
لست إنساناً، أو أنت لست حقيقياً، وإلاّ نكو ن نوجه له
إهانة، كأننا نقول له أنت حيوان!
رابعاً:
نقرأ للرفيق حنا ما يلي:
"ليس
من الجائز مثلاً أن نأخذ قولاً لسعادة فنطلق المعنى
لكلماته حيث يحصره، ونحاول حصر المعنى حيث
أطلقه، لا لسبب
إلا لأن القول هذا قد تضارب مع أفكار
وقناعات سابقة لنا.
فإذا قال سعادة مثلاً بأن "الفرد، بحد ذاته
وضمن هذا الحد"
فهو يعني هذه الحالة الخاصة جداً تحديداً.
وعلينا احترام
هذه الحصر للمعنى الذي يريده للفرد هنا...
.
كذلك لا يجوز لنا
أن نحصر معنى كلمة "إمكانية" لمجرد أن
معانيها الواسعة
توافقنا في منحى ولا توافقنا في غيره. فإن
كان قد أطلقها
هو فلا خوف علينا من أن نطلقها أيضاً بكل
معانيها. "
الرفيق حنا لا يكتفي بإبداء رايه وفهمه
لنصوص سعاده بل يريد أن يشكّك في مصداقية ونزاهة رأينا،
وذلك في عبارته: "لا لسبب إلاّ
لأن القول هذا قد تضارب مع أفكار وقناعات سابقة لنا"،
لا لسبب الاّ. وعبارته: "لمجرد
أن معانيها الواسعة توافقنا في منحى ولا تفوافقنا في غيره"،
لمجر أن.
لا بأس، لا مشكلة عندنا في ذلك، فلكل شخص
اسلوبه وطريقته في التعبير عن أفكاره.
إنني اوافق الرفيق حنا كل الموافقة بأن
سعاده قد حصر معنى الفرد بقوله: "
الفرد بحد ذاته وضمن ذلك الحد.."،
ولكنني لا اوافق الرفيق حنا بان سعاده قد اطلق المعنى
لكلمة "إمكانية". هنا أعتقد أن الرفيق حنا يجب أن يوافق
معي بأن سعاده قد حصر معنى عبارة "إمكانية إنسانية" حصراً
ينزع عنها صفة الإحتمال، وإحترام هذا الحصر. سعاده قال إن
الفرد هو مجرد إمكانية إنسانية، لننتبه لكلمة "مجرد" كما
انتبهنا لكلمة بحد ذاته وضمن ذلك الحد. إن كلمة "مجرد"
تمنع "الإمكانية" من حمل معنى الإحتمال والجواز. الفرد هو
إمكانية إنسانية بمعنى قوة إنسانية، فعالية إنسانية، فقط
لا غير ولا يمكن ولا يجوز أن تفهم بأن الفرد يمكن أن يصبح
إنساناً حقيقياً أو تاماً أو كاملاًن وإلاّ فما اللزوم
لكلمة مجرد؟ "الإنسان الحقيقي هو المجتمع لا الفرد، أن
الفرد هو مجرد إمكانية إنسانية"، هذا ما يقوله سعاده، أليس
واضحاً هذا القول؟
ثم أن الرفيق حنا في مكان آخر يوافقنا بحصر
"الإمكانية" في معنى القوة والقدرة والفعالية ويقول: "فجل
ما تعنيه كلمة
"إمكانية
إنسانية" هو أن الفرد قادر أن يفعل إنسانياً، أي
على تحقيق فعل إنساني! تماما كما أن نقول
فلاناً إمكانية
فكري..."
عظيم جداً، فماذا إذاً يريد أن يأخذ علينا
الرفيق حنا؟
خامسا":
انا أقبل ما يسوقه الرفيق حنا ويوجهه لي من
نصائح حول وجوب الإيمان بسعاده دون محاولة مساعدة سعاده
وتصويب دقة عبارات سعاده. يقول الرفيق حنا: "فلا
تحاولوا أن تساعدوه، وتصوبوا دقة عباراته،
فتقولوا سعادة
قصد كذا، وسعادة لم يقصد كذا، كلما تصادمت
فكرتكم بفكرته،
بل آمنوا بأنه دائماً على حق، وليكن هذا
التصادم الفكري
بينكم وبينه إنذاراً لكم بأنكم قد أخطأتم
وحاولوا أن
تكتشفوا الخطأ الكامن في فكرتكم أنتم!"
أنا أوافق تماماً وأقبل تماماً وأويد
تماماً ما يقوله الرفيق حنا، لكن هل الرفيق حنا نفسه قد
طبّق ما يقوله على نفسه؟ لنرى:
Ø
يقول الرفيق حنا: "...إن
القول بأن المجتمع هو إنسان كامل هو قول
خاطئ! والصحيح أن نقول إنسان تام! وقد
نبهني إلى هذا
الأمين الراحل الياس جرجي قنيزح...".
أما سعاده فيقول: "المجتمع هو
الوجود الإنساني الكامل". فهل سعاده كان على خطأ؟
من يصحح لسعاده؟ من يصوّب عبارات سعاده؟
Ø
يقول الرفيق حنا: "نعم،
نحن ننظر إلى الإنسان من زاوية المجتمع، لا
من زاوية الفرد، لكن الفرد عندنا هو أيضاً
إنسان! ولا خوف
علينا من استعمال هذا التعبير.... الفرد
إنسان، وكل ما فيه إنساني، كل شعرة، وكل خلية، وكل
فكرة فيه هي إنسانية! لكنه ليس
إنسانا تاما!
المجتمع وحده هو الإنسان التام.."
أما سعاده فيقول إن الإنسان الحقيقي هو المجتمع لا
الفرد(لا الفرد، لا الفرد) وأن الفرد هو مجرد (مجرد، مجرد)
إمكانية إنسانية.
سعاده لا يقول ابداً بإنسان تام وإنسان
ناقص!
هل انا من يحاول مساعدة سعادة ويصوّب دقة
عباراته؟ هل أنا من تصطدم فكرته بفكرة سعاده وبحاجة
لإنذار لأعرف أن فكرتي هي الخطأ وليست فكرة سعاده، وأن على
أن أؤمن أن سعاده دائماً على حق؟
Ø
الرفيق حنا يعتبر أن الفرد هو "الحقيقية
الإنسانية الصغرى"، ويعود ويستدرك ويتساءل: "هل
الزعيم قال إن الفرد هو الحقيقة الإنسانية الصغرى"، ويجيب
نفسه رأساً: "ربما, لا
أدري". والرفيق حنا يتكلم عن إنسان تام وإنسان غير
تام، عن المجتمع الإنساني التام (وليس الكامل)، وبنفس
الوقت يتبنى قول سعاده "المجتمع
هو الوجود الإنساني الكامل".
Ø
يتحدث الرفيق حنا عن القيم الفردية التي تبقى
مستقلة عن القيم الإجتماعية
ويقول "بأن القيم الإجتماعية هي
حاصل تفاعل قيم الأفراد عبر تاريخ المجتمع". إني
اترك للرفيق حنا أن يراجع هذه المقولات فيتمسك بها
أو...يتخلى عنها. |