|
الديموقراطية
واصولها السورية, بقلم سعادة:
"إن
الديمقراطية التي يفتخر بها العالم
الآن فهي من صنع سوري أيضاً، لأن أول فكرة ديمقراطية تعطي
الشعب حقه في إبداء الرأي في سائر شؤونه ظهرت في سورية،
وبلا شك هي الغرسة الأولى في هذا الباب التي أعطت الثمار
الكثير للعالم كله، ولا يزال البشر يجاهدون في إيصال هذه
الفكرة "حقوق الإنسان" الى حد الكمال."
(خطاب سانتياغو)
هذا ما قاله سعاده سنة 1940 وكان قد كتب مثله في نشؤ
الأمم سنة 1937. في كلامه على الدولة السورية المدينية
يقول: "في
هذه المدينة وضع أساس الحقوق
المدنيّة الّتي ارتقت في قرطاضة وبلغت أوجها في رومة.
في المدينة السّوريّة البحريّة، الّتي
طبعت ثقافتها على البحر المتوسّط
كلّه، تحوّلت الرّابطة القبيليّة القديمة إلى الرابطة
الاجتماعيّة
الواسعة. فزال باكراً ذلك الخضوع الأعمى للملك وزالت عن
الملكيّة تلك
الصّبغة الإلهيّة الّتي كانت لا تزال ترافق الملك والأسرة
المالكة في
الإمبراطوريات البرّيّة، وأصبح الملك فيما بعد ينتخب
انتخاباً لمدّة
الحياة، فكان ذلك أصل الدّيمقراطيّة والجمهوريّة."
(نشؤ الامم)
أيضاً في مقالة،"ليست سورية في الشرق، إنها أمة مديترانية"،
يقول: "أنني ألفت النظر الى أن سوريا هي عنوان الديمقراطية
التي أعطتها للعالم منذ قرون عديدة، والتي كانت مثالاً
عديم النظير في إنتخابها ملوكها على طريقة الإستفتاء
الشعبي."
وأيضاً، "وباكراً
أسس الفينيقيون الملكية الإنتخابية وجعلوا الملك منتخباً
لمدة الحياة فسبقوا كل الشعوب والدول التاريخية الى تأسيس
الديمقراطية"
(نشؤ الامم – الإثم الكنعاني)
إن الهدف من وضع هذه النصوص لسعاده في هذه الدراسة، هي
لإعادة الإعتبار ورفع الحيف والظلم والتجني والكفر الذي
لحق بسورية وسعاده على يد من يفترض أنهم رافعوا لواء سوريا
وسعاده وهاتفين بحياة سوريا وحياة سعاده. فالديمقراطية
"التي يفتخر بها العالم"، والتي "هي من صنع سوري"، والتي
"كانت مثالاً عديم النظير"... الخ، تجد اليوم من يريد أن
يدخلها الى حزب سعاده، كأن حزب سعاده خالٍ منها، ويريد ان
يدخل حزب سعاده "الى ساحات الديمقراطية" ويرى "أن
الديمقراطية في الحزب إنطلقت من مؤتمر ملكارت".
(أنظر مجلة صباح الخير-البناء عدد 962- تاريخ
6/3/1999-صفحة 37)
يا للسخافة، يا للهذيان، يا لخجل سعاده بالبعض من تلاميذه،
بل بالبعض ممن أصبحوا رؤساء في حزبه!
يجب أن يكون بديهياً ومحسوماً أن يكون الحزب السوري القومي
الإجتماعي حزباً ديمقراطياً بإمتياز للذين يعرفون المباديء
الاولى والمعاني الاولى للقومية وللديمقراطية، فها هي
القومي ديمقراطية، والديمقراطية قومية، وعلى لسان سعاده
ايضاً:
علاقة الديمقراطية بالقومية
"وما الدولة الديمقراطية سوى دولة الشعب أو دولة الأمة، هي
الدولة القومية المنبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده
وكيانه."
"أن المدينة كانت دائماً أصلح مكان لنمو الفكرة
الديمقراطية، هكذا نجد مدن إلمانيا وإيطاليا توجد الطرق
اللازمة لنشؤ الحركات الإجتماعية والسياسية التي أخذت تعد
السبيل لعصر جديد في عصور الدولة، هو عصر الديمراطية ونشؤ
القومية."
"وتحت تأثير عوامل القومية الآخذة في النشؤ إضمحل النظام
الإقطاعي وقويت الملكية المركزية لأنها كانت أقرب الى
تمثيل الأمة، وسلطة الفرد كانت دائماً أقرب الى
الديمقراطية من سلطة الأرستوقراطية المكونة من طبقة ممتازة
" (الإقطاعيين).
"الدولة الحديثة القائمة على مبدأي القومية والديمقراطية
المتجانسين."
"القومية لم تقف عند حد القضاء على سلطة الإقطاعيين وتوحيد
المرجع في الملك الذي أخذ تفرده في السلطة يتعاظم حتى أصبح
شديد الوطأة، بل سارت نحو الهدف الذي يبرر وجودها وهو أن
اقرار السياده مستمدة من الشعب وان الشعب لم يوجد للدولة
بل الدولة للشعب، هذا المبدأ الديمقراطي الذي تقوم عليه
القومية، فالدولة الديمقراطية هو دولة قومية حتماً."
نحن إذ نورد هذه النصوص نعرف سلفاً أنها نصوص قديمة ومقرؤة
مرات ومرات، ولكننا نعرف أيضاً أن بعض الذي يقرأوون لا
يجيدون القراءة. ليست القراءة مجرد تلاوة للكلمات، وليست
مجرد "فك حروف"، إنها عملية تلقٍ، إنها عملية فهم وإستيعاب
ومعرفة فكرة معينة.
عندما نقرأ الكتاب يجب ان نفتش عن فكرة معينة فيه،
نلاحقها، ونتابع تتطورها فيه الى أن نصل الى الخلاصة
والنتيجة التي يريد صاحب النص ان يوصلها إلينا.
نحن نريد من إعادة قراءتنا لتلك النصوص لسعادة، الواردة
فوق، أن نقارن بينها وبين ما يقوله مسؤولون مركزيون في
مؤسسة الحزب حالياً ونضع القوميين والمواطنين اما حقيقتين
إثنتين: حقيقة الفكرة القومية الإجتماعية الواضحة، وحقيقة
التأويل والسحر والشعوذة وإصطناع الأدوار وتلبّس البطولات
والعبقريات للذين يقدمون أنفسهم أنهم يناضلون ويكافحون
ويجاهدون لإدخال الديمقراطية و"ثقافة الديمقراطية" الى حزب
سعاده.
2- كيفية إنتقاد سعاده للديمقراطيات الموجوده وسببه
قد يقول قائل إن هؤلاء الذين يطالبون بإدخال الديمقراطية
الى الحزب هم يعرفون ان عقيدة سعاده ونظرته الى الحياة هي
ديمقراطية اصلاً ويعرفون أن القومية الإجتماعية لا يمكن أن
تكون إلاّ ديمقراطية، ولكنهم يعتبرون أن الحزب ابتعد عن
اصله وعقيدته وابتعد عن الديمقراطية التي يطالب هؤلاء
بإعادتها إليه.
نحن نعرف أن هؤلاء يقولون ذل كلما جوبهوا بحقيقة ديمقراطية
الحزب الأصلية "المتجانسة مع القومية"، لكننا نجد ان عنوان
حملتهم ليس إعادة الديقراطية الى حزب الديمقراطية الحقيقية
– حزب سعاده، بل إدخال الديمقراطية الى الحزب، هكذا، وبشكل
مطلق دون تحديد أي ديمقراطية، وأي شكل من أشكال
الديمقراطية وكأن الديمقراطية هي عقيدة واحدة موجودة خارج
الحزب وعلى الحزب أن يطعِّم عقيدته ونظامه بها.
إن الديمقراطية أو الديمقراطيات الموجودة خارج الحزب قد
إنتقدها سعادة إنتقاداً شديداً كما سنرى لصالح ديمقراطية
جديدة افضل منها، تقدمها النظرة القومية الإجتماعية
الجديدة الى الحياة وتشكل "إنقلاباً
جديداً تجيء به الفلسفة القومية الإجتماعية"
كما سنرى.
إن كلام هؤلاء عن "الديمقراطية"، هكذا دون تحديد اي
ديمقراطية، قديمها أو جديدها، يعني أنهم يعيدون الإعتبار
لما إنتقده سعاده ورفضه، يعني أنهم يُنْكرون على سعاده أنه
جاء بشيء جديد، يعني أنهم لا يصدقون سعاده، يعني أنهم لا
يؤمنون به. إن كلامنا هذا صحيح ودقيق والدليل سنراه بعد
قليل.
إن مطالبة هؤلاء بإدخال الديمقراطية الى الحزب هو مجرد
رياء وتزلّف معيب لا يتفق مع رصانة الفكر القومي
الإجتماعي.
ليس هناك اوضح من سعاده، من يريد ان يناقش سعاده فسعاده
موجود كله معنا، وأن عباراته منذ ستين سنة هي أحدث وأجدد
وأوضح من عباراتهم وأكثر تحديداً. إنه يقول:
الديمقراطية أجناس والوان وأشكال
"إن الديمقراطية من حيث أنها تعني أن الشعب هوصاحب السيادة
ومصدر السلطة هي أساس ثابت لا يزعزعه شيء، أما التلاعب
بهذه اللفظة حتى تعني الفوضى والرياء والزلفه فأمر يعيب
الأمة". (مقالة مرشحو الديمقراطية)
"إن الديمقراطية اسم تنطوي تحته شكال عديدة، وكل شكل له
خصائص سياسية وإدارية تعطي نتائج تختلف عن التي يعطيها شكل
آخر." (مقالة بحث الديمقراطية عن عقيدة)
"الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى اليوم لم
تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية-الإقتصادية التي نشأت مع
تقدم عهد الآلة وأرتقاء التخصص في الأعمال وتحديدها." (نفس
المصدر)
"السوريون القوميون يجب أن يعرفوا واجبهم في هذه القضية
الخطيرة، وأن العالم باسره ينتظر منهم تفكيراً جديداً، ولا
سيما من الوجهة الديمقراطية التي أصبحت الآن مبهمة،
فالسوري القومي يجب أن يعالجها من جديد ويدفعها الى العالم
كاملة... فالسوري المفكر يجب أن يهتم في إنقاذ الديمقراطية
من الهلاك، وذلك بأن يزيل ما دخل إليها من الفساد ويدخل
إليها تفكيراً ينطبق على ما وصل إليه الناس من العلم
والمعرفة فتصير صالحة لنفع الإنسان وتكفل حقوق الإنسان من
كل مهاجمة وتعدٍ". (سانتياغو)
"إن الديمقراطية الحاضرة قد إستغنت بالشكل عن الأساس،
فتحولت الى نوع من الفوضى لدرجة أن الشعب اخذ يئن من شلل
الأشكال التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة وصار
ينتظر انقلاباً جديداً. وهذا الإنقلاب الجديد هو ما تجيء
به الفلسفة القومية الإجتماعية القائلة بالعودة الى الأساس
والتعويل على التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل
الإرادة العامة، الذي هو شكل ظاهري جامد." (نفس المصدر)
"سورية القومية تضع أمام العالم اليوم فكرة التعبير عن
الإرادة العامة بدلاً من فكرة تمثيل الإرادة العامة التي
لم تعد تصلح للأعمال الأساسية لحياة جديدة."
"فالتفكير السوري القومي الجديد هو إيجاد طريقة جديدة
اسمها – التعبير عن إرادة الشعب – وقد يكون التعبير بواسطة
الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفق أن يوجد."
"فهذه الفكرة الجديدة، أي التعبير عن إرادة الشعب، هي
الإكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما
بعد، هو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد
دائما كما تريد الأمة."
"التمثيل أهون من التعبير، لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما
قد حصل اما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد. هذا
هو الخلل الإجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن
يصلحه، تفهّم إرادة الشعب وإعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة."
"إننا
نشق طريقاً جديداً نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في
تفكيرنا الخاص، وسوف يكون هذا الطريق من جملة الإنتاج الذي
يأخذه الناس عنّا. أن التفكير الحاضر دخل طور الشيخوخة في
العالم كله، والبشرية بأسرها تنتظر تفكيراً جديداً تنال به
سعادتها وراحتها وحريتها، وهذا البضاعة الجديدة سيخرج
أكثرها وأفضلها من سورية بلاد العبقرية والنبوغ."
(نفس المصدر)
ملاحظة: أن خطاب سانتياغو ليس "مجرد خطاب" يمكن أن يسترسل
صاحبه ويأخذه الحماس والإثارة وتجاوب الجماهير... فيبالغ.
إن سعاده ليس من هذا النوع، فضلاً عن ذلك فأن ذلك الخطاب
لم يسجله أحد عندما ألقي في 8 نيسان 1940. لقد إستعاد
سعادة أفكاره الرئيسية وكتبه بنفسه ونشره في جريدة سورية
الجديدة – سان باولو – عدد 67 تاريخ 25 نيسان 1940 أي بعد
أسبوعين من إلقائه.
نلاحظ أن كل نص من النصوص الواردة فوق يتضمن فكرتين
إثنتين: نقد للديمقراطية الموجودة، وذكر البديل الجديد.
نحن لا زلنا لحد الآن ندرس الفكرة الأولى، فكرة النقد،
وسنركز عليها الآن قبل الإنتقال الى القسم الثاني من هذا
البحث الذي سنتوسع فيه في الفكرة الثانية الموجودة في هذه
النصوص، فكرة البديل الجديد، فكرة التعبير عن الإرادة
العامة، "الإنقلاب الذي تجيء به الفلسفة القومية
الإجتماعية".
إن سعاده قد وصف الأشكال الديمقراطية الحاضرة بنعوت قبيحة
ودعى العالم كله لتغييرها والإنقلاب عليها، وذلك بعبارات
لا تحمل تأويلا مثل: "أصبحت مبهمة"، "إنقاذ الديمقراطية من
الهلاك"، "إزالة ما دخل إليها من الفساد"، الخلل
الآجتماعي, "الديمقراطية الحاضرة استغنت بالشكل عن
الأساس"، "تحولت الى نوع من الفوضى"، "الشعب أخذ يأن من
شلل الأشكال التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة"،
"تمثيل الإرادة العامة هو شكل ظاهري جامد"، "التفكير
الحالي دخل طور الشيخوخة"، "لم تتمكن من حل الأضاليل
الإجتماعية الإقتصادية"...
كما أصبح واضحاً ايضا أن سعادة أتى بنظرة جديدة وشكل جديد
ليحل محل النظرة القديمة والشكل القديم، وذلك ايضاً
بعبارات وكلمات واضحة لا تحمل تأويلاً مثل: "بضاعة جديدة"،
"طريقاً جديداً"، "تفكيراً جديداً"، "طريقة جديدة"، "فكرة
جديدة"، "إنقلاباً جديداً"، "معالجة جديدة".
وهذا الشيء الجديد هو: التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من
تمثيل الإرادة العامة. وهو الإكتشاف السوري الجديد الذي
ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد، وهو دستورنا في سورية الذي
نعمل به لنجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة. إذاً
التعبير بدلاً من التمثيل. فما هو التمثيل وما هو التعبير
وما الفرق بينهما وما العلة في التمثيل وما الجيد في
التعبير ولماذا؟
هذا هو الموضوع الرئيسي الذي سندرسه جيدا، هذه هي النقطة
التي إذا ما صارت واضحة إنجلت النظرة الفلسفية الجديدة
جلاءً تاماً. هذا ما سنشرحه فيما يلي، لكن قبل ذلك تعالوا
نرى ماذا يقول عميد للإذاعة في الحزب السوري القومي
الإجتماعي مخالفاً عقيدة سعاده ومسفها أياها ومجرداً لها
من جديدها، رغماً عن سعاده ووضوح سعاده، بل نكاية به
وبالمؤمنين به معاً:
"إن
تناول النظام الديمقراطي التمثيلي بالطعن ليس سوى نزعة
نخبوية."
"إن
الديمقراطية التمثيلية هي أساس لنظام الحكم وهي ما يجب أن
تقوم عليه الأمة السورية المقبلة".
"إن الزعيم رسم قاعدة لإختيار قيادة جديدة للحزب إنطلاقا
من الديمقراطية التمثيلية." (هنا يعتبر العميد أن مرسوم
الطواريء هو قاعدة)
"إننا
نجزم أن سعادة قد أوجد ضمن الحزب وفي ظل قيادته أساس
الديمقراطية التمثيلية."
"إن الديمقراطية التعبيرية هي وقف على باعث النهضة وعى حزب
النهضة، أما ضمن المجتمع الجديد-الحزب أو الدولة في
المستقبل فان النظام المعمول به فهو حتماً نظام
الديمقراطية التمثيلية."
لقد وردت هذه الإذاعة الحزبية الرسمية حرفياً في جريدة
"الحزب" الرسمية البناء عدد 962 تاريخ 6/3/1999 ضمن مقالة
سعاده والديمقراطية وقد أوردناها هنا لأننا وعدنا أننا
سنقدم الدليل على أن أصحاب حملة إدخال الديمقراطية الى
الحزب وإدخال الحزب الى "ساحات الديمقراطية"، يعيدون
الإعتبار لما رفضه سعاده وانتقده وهم ينكرون عليه أنه جاء
بشيء جديد وهم لا يصدقون سعاده وهم لا يؤمنون به.
الديمقراطية التمثيلية
أن عملية تمثيل الإرادة العامة نسميها ديمقراطية تمثيلية
لأنها بالدرجة الأولى تنتج سلطة أو قيادة هي نسخة طبق
الأصل عن المجتمع واحواله واوضاعه. هي مثله، على مثاله،
تحمل صفاته، تتمثل فيها فئاته، طباقته الأقوى، قواه
الوضعية المسيطرة المهيمنه التي تقوده إجتماعياً
وإقتصادياً، فتقوده سياسياً.
إنها سلطة عادلة، بمعنى أنها تمثل مجتمعها افضل تمثيل.
انها سلطة ديمقراطية لأن الشعب نفسه قد اوصلها وجاء بها،
هو إقترع وصوت لها وإنتخبها، هي منه ومثله.
ألسنا منصفين مع الديمقراطية التمثيلية؟ ها نحن قلنا عنها
ديمقراطية عادلة، تمثل مجتمعها خيل تمثيل، هي منه ومثله!
إنها فعلاً ديمقراطية، وهي افضل من الطغيان والقهر
والإستعباد والجور و... فلماذا رفضها سعاده إذاً ولماذا
انقلب عليها ولماذا جاء بما هو "بديل" عنها؟
ليتنا نتعمق فيها أكثر ونشاهدها من مسافة أقرب، ونتمثلها
بما هو امامنا مثالاً حياً متحركاً.
لنتصور ديمقراطية تمثيلية نموذجية وأنتخابات حرة ونزيهة
وعادلة ومتوازنة وشفافه.... الى آخر الأوصاف المتداولة
عادة في مواسم الإنتخابات النيابية في بيروت. إننا في قلب
ديمقراطية تمثيلية مثالية في لبنان، فماذا نرى؟ نرى ما
يلي:
بما أن الشعب تنخره الطائفية وقد تحولت مذاهبه الدينية الى
احزاب سياسية وأديانه الى جبهات داخلية حامية، فسينتخب هذا
الشعب نواباً طائفيين ويصنع مجلسا نيابياً أعضاؤه يسعى كل
منهم حسب إنتمائه الطائفي الى تأمين حقوق طائفته. فمن
منهم شيعي يطالب بحقوق الشيعة، من منهم درزي يطالب بحقوق
الدروز، ومن كان منهم ماروني يطالب بحقوق الموارنة الخ....
وستزول من الحكم صورة الحقوق العامة الواحدة للمجتمع
الواحد.
وبما أن الشعب لم يتحرر من الإقطاع ونفوذ العائلات ومن
صورة الولاة والرعايا، فسينتخب إقطاعيين وزعماء عائلات
وعشائر وهؤلاء سيعززون في الحكم نفوذ العائلات وحقوق وحصص
العائلات والإقطاعات والولاة... وستزول من الحكم صورة
الحقوق العامة الواحدة للمجتمع الواحد.
وبما أن الشعب منهك وكاد ان يفقد معنى الحرية والعز
والكرامة لان ليس له ضمانة من دولة واحدة هي كلها له, وهي
له كله بالتساوي, فانه يصبح بضاعة يشتريها اصحاب الراس مال
المتوحش المجرم المتامر مع الراس مال الاجنبي, فسينتخب
هؤلاء الشارين ليصيروا رؤساء حكومات سوف تعزز هيمنة هذا
الراس مال وسوف تحميه وتسن له القوانين التي يريدها ويرتاح
اليها دونما النظر الى... الحقوق العامة الواحدة للمجتمع
الواحد.
وبما أن الشعب هكذا فسينتخب أشخاصاً مثله، على صورته
ومثاله في أوضح صورة للديمقراطية التمثيلية وأعدل صورة!!
وهل لمجلس تشريعي مؤلف من إقطاعيين وطائفيين وزعماء عائلات
وعشائر وأصحاب شركات عالمية قابضة ينتظر منه "تكييف" حياة
المجتمع وتغيير أوضاعه الى الأحسن أو وإنشاء شيء جديد صالح
فيه؟
أم أن هذا المجلس سيكون مرتبطاً بمراكز القوى الوضعية في
المجتمع وتابعاً لها وخادماً لمصالحها و"حقوقها" ومنافعها
الذاتية الكاسرة المتناقضة والمتفارقة مع المصلحة العامة
للشعب؟ إنه سيكون ضامناً لبقاء هذه القوى ومعززاً لوجودها
وبقاء المجتمع خاضعاً لها.
إنه نظام ديمقراطي هذا الذي نسميه النظام البرلماني
التمثيلي الذي راينا نموذجاً عنه فوق، أنه يمثل الإرادة
العامة، يمثل الناس، هم أوصلو سلطته وأنتخبوها وأنتجوها.
ولكن الشعب، وكما قال سعاده بالضبط، اصبح يئن من شلل
الأشكال التي أخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة. هذه
الديمقراطية لم تتمكن من جلّ الأضاليل الإجتماعية
الإقتصادية كما قال سعاده. هذا النظام البرلماني "لا سلطة
له على التكييف" كما ذكر سعاده في الخطاب المنهاجي الاول
سنة 1935.
هناك أسباب كافية إذاً لرفض سعاده هذا النوع من
الديمقراطية واعلانه أنها لم تعد تصلح للأعمال الأساسية
لحياة جديدة.
رب قائل: ليست كل المجتمعات تعاني من إنقسامات إجتماعية
حادة مثل الطائفية أو غيرها، والأسباب التي دعت سعاده لرفض
تمثيل الإرادة العامة ليست موجودة في كل المجتمعات، فضلاً
عن أن مجتمعنا نحن نفسه يمكن له ان يتحرر يوماً من
إنقساماته وأوضاعه الموصوفة فوق، فتنتفي عندئذ الأسباب
والمحاذير التي تدعو الى تبديل فكرة تمثيل الإرادة العامة.
حسناً، لنتمثل مجتمعاً خال من الإنقسامات الإجتماعية
الحادة الموصوفة أنفاً، مجتمعاً قومياً شاعراً بوحدة حياته
ووحدة مصالحه في الحياة ولنطبق مبدأ تمثيل الإرادة العامة
فيه، في دولته. إن مجتمعاً من هذا النوع سيبقى يحتضن قوى
إجتماعية-إقتصادية مسيطرة، قوية، قائدة إجتماعياً
وإقتصادياً، وان الديمقراطية التمثيلية دائماً تنتج سلطة
تمثل الفئات الإجتماعية الإقتصادية الاكثر قدرة مالية
واعلامية ودعائية، وهذه سوف تعمل على صيانة امتيازاتها
وحقوقها بالدرجة الأولى، أن هذه سوف تفهم من المصالح
العامة ما يعني مصالحها هي قبل أي شيء آخر. لذلك قال
سعاده بأن "الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى
اليوم لم تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية الإقتصادية
التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وأرتقاء التخصص في الأعمال
وتحديدها."
إذا عرفنا أن سعاده ينظر الى الحياة نظرة جديدة، ينظر الى
الإنسان نظرة جديدة، الإنسان-المجتمع، المجتمع هو الحقيقة
الإنسانية الكاملة، والقيم الإنسانية العليا هي قيم
إجتماعية، نعرف أن مفهوم المصلحة العامة والحقوق العامة
والإرادة العامة أصبح يتخطى بكثير مفهوم الفئة المسيطرة
إجتماعياً وإقتصادياً.
إن نظرة سعاده الى الحياة والإنسان والمصلحة العامة
والإرادة العامة والحقوق والواجبات والسلطة والدولة لا
تقبل بما يسمى اقلية وأكثرية، والأكثرية تحكم والأقلية
تقبل بحكم الأكثرية، الأكثرية تصدر تشريعات وقوانين تحمي
مصالحها ومصالح من أتى بها، والأقلية تعارض وتنتظر دورها.
إن القول بلعبة الأكثرية الحاكمة والأقلية المعارضة،
والمعجبين بمبدأ تداول السلطة بين أكثرية تصبح أقلية
وأقلية تصبح أكثرية، دون حروب أهلية ودون أزمات خطيرة،
هكذا "بروح ديمقراطية"، يعني القبول بمبدأ أن المصلحة
العامة تقررها أكثرية عددية حتى ولو كانت 51%، والحقوق
العامة في المجتمع تعينها أكثرية عددية أيضاً، وأن هذه
المصالح وهذه الحقوق تتبدل وتتغير مع تبدل وتغير الأكثرية
والأقلية.
إن المصالح العامة والحقوق العامة التي تقررها وتعينها
أكثرية، ليست هي المصالح العامة الحقيقية والحقوق العامة
الحقيقية للمجتمع، للهيئة الإجتماعية الواحدة حسب نظرة
سعاده الى المجتمع والقيم الإجتماعية التي تقول بأن "شرط
الحق ليكون حقاً أن لا يعلن نفسه ساعة ويختفي، وان لا
يختزنه العدد في نطاقه الخاص فيفنى فيه، أن لا يكون حقاً
عددياً بل حقاً إجتماعياً لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به
العدد بل يمتد في المجتمع بلا حدود."
هذا إذا أفترضنا أن الأكثرية هذه هي فعلاً أكثرية حقيقية،
فماذا لو عرفنا انها أكثرية مزعومة ووهمية، كما سنرى بعد
قليل؟
هناك أضاليل اخرى كثيرة للممعنين النظر في شلل الأشكال
التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة، ليس أقلها أن
الأكثرية والأقلية هما دائماً من صنف واحد، هما أطراف
الفئة الواحدة المسيطرة أقتصادياً ومالياً وإعلامياً في
المجتمع، أما الأكثرية الشعبية الحقيقية فلا حول ولا مال
لها ولا إعلام ولا أية وسائل أخرى.
ألسنا نرى مثلاً في أميركا وأوروبا أو أوستراليا واليابان
وحتى في روسيا والباكستان والهند كيف يفرض على الشعب،
وبطريقة ليس للشعب فيها إختيار، مرشحين إثنين أو ثلاثة
ليختار واحداً منهما رئيسا له، وغالباً، بل دائماً ما يكون
هذين الإثنين من نفس الفئة المسيطرة إقتصادياً وإجتماعياً؟
إن المطبخ الحقيقي للقيادات ليس في الشعب، بل عند أصحاب
المصالح الإقتصادية الكبرى التى يكون لها امتدادات خارج
الحدود، عند اصحاب الإستراتيجيات الإقتصادية العابرة
للمجتمعات. وكل بهرجات إستطلاعات الرأي ومهرجانات الوعود
الإنتخابية التي يتلهى فيها الشعب خلال سنة قبل أجراء
الإنتخابات هي واجهة لحسابات تتم وتحضّر في الخفاء تقوم
بها أطراف "غير شعبية" تهيّئ الناس نفسياً وتحضرهم للقبول
بهذا أو ذاك وتسوقهم سوقاً في يوم معين كل أربع سنوات مرّة
ليدلوا بأصواتهم لتظهير هذا أو ذاك من الذين طبخهم المطبخ
الحقيقي في مكان آخر، ومسحه رئيساً.
اما البرامج الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي
تسوّقها الأحزاب السياسية المتنافسة فهي متشابهة كثيراُ،
وأذا لم تكن كذلك فليس بالشيء المهم كثيراُ، وغالباً ما
يتم تجاوزها والتخلي عنها بعد الفوز بالإنتخابات بحجة
"الظروف الموضوعية" و"مقتضيات المصلحة الوطنية".
أحد قادة الأحزاب في اوستراليا وعد الناخبين بأنه سيعفيهم
من رسوم المرور على جسر "الهاربر بريدج" الحيوي، الذي يربط
شمال مدينة سدني بجنوبها والذي يكبّد السكان ملايين
الدولارات يومياً. عندما فاز، وبعد ثلاثة أشهر من فوزه،
اعلن أنه تبيّن له بعد إستلامه للسلطة إستحالة الغاء هذا
الرسم دون تعريض مصلحة الخزينة، وبالتالي المصلحة العامة،
للخطر!!
إن السطحيين يفتخرون بممارسة واجبهم وحقهم بالذهاب لصناديق
الإقتراع مرة كل أربع سنوات ليختاروا "بملء إرادتهم
وحريتهم" الشخص الذي سيكون رئيسهم، غير مدركين أنهم
مخدوعون كثيراً، وأن غيرهم قد إختار لهم من سينتخبون، ان
غيرهم قد اختار لهم إثنين أو ثلاثة مرشحين وهم عليهم ان
يسموا واحدا منهم، إن كل دورهم هو فقط تسمية واحد منهم.
جميل جداً أن يذهب بائع الجرائد في نيويورك أو عامل
التنظيفات في بلديتها ليختار رئيس الولايات المتحدة
الأميركية وأن يقول لنفسه او تقول له هذه الديمقراطية،
أرأيت، إن حقك مقدس، ان حقك في إختيار الرئيس لا يقل عن حق
اي مليونير أو اي أستاذ جامعه او عالم ذره أو رائد فضاء في
هذا الموضوع. إن صوتك يساوي أي صوت آخر لأي مواطن
أميركي!! جميل جداً هذا الشكل، بغض النظر عن مدى العدالة
في هذه المساواة، أما الأساس... فهو في مكان آخر.
الشكل هو إنتخابات وبرامج ودعايات وإذاعات واستطلاعات رأي
وصناديق إقتراع ومواعيد تصويت وفرز نتائج، اما أساس
الديمقراطية الحقيقية فغير ذلك، إنه "سيادة الشعب وحكمه
لنفسه",انه ايجاد سلطة يمكنها
تفّهم ارادة الشعب ولديها
وسائل التنفيذ الموافقة.
إن الديمقراطية الحاضرة قد أستغنت بالشكل عن الأساس فتحولت
الى نوع من الفوضى لدرجة ان الشعب أخذ يئن ... إن السوريين
القوميين يجب أن يعرفوا واجبهم في هذه القضية الخطيرة، وأن
العالم بأسره ينتظر مهم تفكيراً جديداً.
3-
االتعبير
بدلاً من التمثيل-الديمقراطية التعبيرية |