لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

هذه هي الديمقراطية التعبيرية(1)

مخطط البحث

1.     معنى الديمقراطية وأصولها السورية وعلاقتها القومية.

2.     كيفية إنتقاد سعادة للديمقراطيات الموجودة وسببه.

3.     نظرة سعاده الجديدة الى الديمقراطية: التعبير بدلاً من التمثيل.

4.     طريقة تطبيق مبدأ التعبير في الحزب وفي المجتمع.

 مقدمة:

إن الدرس والفهم ووضوح الحقائق وجلائها ووضوح الفكر وتحديد الامور وتعريفها، شؤون لا يمكن الإستغناء عنها في كل سعيِ لشرح نظرة وفلسفة وفهمها وإفهامها للناس وتقديمها لهم نظيفة وصحيحة.  غير ذلك يعني بلبلة وميعان وتفسّخ فكري ونفسي وإلتباس وغموض وإستبداد.

عندما نقرأ المحاضرة الأولى والثانية لسعادة في الندوة الثقافية سنة 1948، بعد عودته من مغتريه القسري "لإعادة الأمور الى نصابها"، ونعرف كيف عالج سعاده تلك الأمور، نعرف من أين نبدأ وكيف نبدأ بمعالجة المسائل الفكرية والعملية التي تواجهنا اليوم بعد ستين سنة من إستشهاده.

وضوح، جلاء، فهم، إدراك، معرفة صحيحة…. صفات لعقيدة سعاده وبلسانه: 

·        "المعرفه والفهم هما الضرورة الأساسية الأولى للعمل الذي نسعى لتحقيقه.

·        إذا كنا نريد فعلاً تحقيق النهضة القومية الإجتماعية وتأسيس المجتمع الجديد بتعاليمها ودعائمها كان الواجب الأول على كل قومي إجتماعي في الأوساط الثقافية الإطلاع على الأمور الأساسية، وفي صدر وسائل الإطلاع والمعرفة الصحيحة، الندوة الثقافية.

·        بعد الإطلاع يمكن تكوين رأي، وحينئذ لا يبق مجال لحدوث بلبلة كما حدث في الماضي في غيابي.

·        يجب علينا أن نفهم هدفنا فهماً صحيحاً لنكون قوة فاعلة محققة ولك نتمكن من العمل المنتج.

·        يجب أن نكون مجتمعاً واعياً مدركاً وهذا لا يتم إلاّ بالدرس المنظم والوعي الصحيح.

·        علينا أن نفهم فلسفة الحركة لندرك كيف يمكن أن نعالج الامور.

·        إن النهضة لها مدلول واضح عندنا وهو، خروجنا من التخبط والبلبلة والتفسخ الروحي بين مختلف العقائد إلى عقيدة جلية صحيحة واضحة نشعر أنها تعبر عن جوهر نفسيتنا وشخصيتنا القومية الاجتماعية. إلى نظرة جلية ، قوية، إلى الحياة والعالم.

·        النهضة هي خروج من التفسخ والتضارب والشك الى الوضوح والجلاء والثقة واليقين والإيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة. هذا هو معنى النهضة لنا.

·        ليست المباديء إلا مراكز إنطلاق في اتجاه واضح إذا لم نفهما صعب علينا أن نفهم حقيقة ما تعني لنا وكيف نؤسس بها حياة جديدة أفضل من الحياة التي لا تزال قائمة خارج نطاق نهضتنا."

 وفي المحاضرة السادسة يقول:

"كل لا وضوح لا يمكن أن يكون أساساً لإيمان صحيح، وكل لا وضوح لا يمكن أن يكون قاعدة لأي حقيقة من جمال أو حق أو خير، فالوضوح-معرفة الأمور والإشياء معرفة صحيحة، هو قاعدة لا بد من إتباعها في أي قضية للفكر الإنساني والحياة الإنسانية.

أوردنا هذه النصوص لنبرهن أن نظرة سعادة واضحة جلية عندما ندرسها، ومن لا يزال يتكلم عن "إشكالية" هنا وإشكالية هناك ومن لا يزال "يحاول مقاربة" نظرة سعاده، معترفاً أنه لا يعرفها, فهو لم يطّلع كفاية، لم يدرس كفاية، والأفضل له  ولقرائه أن يكمل درسه اولاً حتى إذا ما توفر له الإدارك الواضح واليقين،  يعود ويساهم في إيصال المعرفة للآخرين.  إنها إساءة كبيرة أن نتكلم أو نكتب في موضوع نحن لا نعرفه تماماً أو لسنا متأكدين منه، فالذي يريد ان يحاول فليحاول أن يدرس ويتعلّم قبل أن يحاول أن يشرح ويعلِّم. 

أولاً: معنى الديمقراطية واصولها السورية وعلاقتها بالقومية. 

الديموقراطية كلمة يونانية مركبة من كلمتين: ديمو-قراط.  ديمو تعني الشعب، وقراط تعني السلطة أو الحكم.  وديمقراطية تعني سلطة الشعب أو حكم الشعب.  وهكذا أيضاً يمكن فهم تكنوقراطية وبيروقراطية مثلاً كما أرسطوقراطية واوتوقراطية وغيرها.

الديموقراطية نستعملها إذاً للدلالة على سلطة الشعب أو السلطة التي تكون مستمدة من إرادة الشعب، الحائزة على ثقته وقبوله ورضاه وأختياره، وليست هابطة عليه من خارجه، مفروضة عليه من ارادة غير ارادته, من نفوذ خارجي او طغيان محلي, نتيجة قوة أو نفوذ مالي أو عسكري أو إقطاعي أو غيره، أو مستمدة أيضاً من امر إلهي (زعماً) لا يكون للشعب فيه إختيار.  سعاده يعرفها في كتاب نشؤ الأمم ب "سيادة المتحد وحكمه نفسه".

أما تعبير "الدولة" فهو أشمل من السلطة.  الدولة شأن ثقافي سياسي إجتماعي ( نشؤ الأمم – نشؤ الدولة) ليست السلطة فيه إلاّ الجهاز التشريعي والتنفيذي الذي بيده عنصر القوة الذي تستعمله الدولة لفرض النظام.

نقرأ في نشؤ الأمم تحت عنوان الثقافتان المادية والنفسية ما يلي:

"ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان".

وأن كون الدولة شأن ثقافي- أجدر الشؤون الثقافية تمثيلاً للحياة العقلية- لا ينفي كونها شأن سياسي لأن الثقافة تشمل السياسة ولأن الدولة لا وجود لها إلاّ في المجتمع المركب ولو تركيباً بسيطاً، ووظيفتها هي العناية بترتيب علاقات أجزاء هذا المجتمع المركب بشكل نظام يعين الحقوق والواجبات, وهذا سياسة. فالثقافة إذاً، بهذا المعنى, تشمل السياسة.  وإن كون الدولة شأن سياسي لا ينفي كونها شأن إجتماعي لأن السياسة لا وجود لها دون الإجتماع.

 يقول سعادة عن كل ذلك معرفاً الدولة ووظيفتها ما يلي:

وبديهيّ أنّ الدولة شأن ثقافيّ بحت، لأنّ وظيفتها، من وجهة النّظر العصريّة، العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعيّن الحقوق والواجبات إمّا بالعرف والعادة, في الأصل, وإمّا بالغلبة والاستبداد. فهي إذن شأن من شؤون المجتمع المركّب، لا وجود لها إلا فيه, وهي لذلك شأن سياسي بحت, ومع  ذلك فهي ليست شأناً لا اجتماعياً, فكما الدولة لا وجود لها الا في المجتمع كذلك السّياسة لا وجود لها بدون الاجتماع." (سعاده – نشؤ الأمم – الفصل السادس)

نحن لا نعرف غير سعاده, إستطاع أن يعرّف هذا الشأن الشامل المعقد المتشّعِب وأن يعطيه حقه بتعريفه وتعريف وظيفته بعبارات قليلة مكثّفة وبنفس الوقت واضحة جلية وشاملة.

إن تعريف سعاده للدولة ووظيفتها يشكل أساساً للنظر في شؤونها، في أنواعها وصفاتها وتطور هذه الأنواع والصفات.  وإذا أردنا التفكير في مسألة الديمقراطية، التي هي صفة من صفات الدولة، وإنبثاق السلطة وعلاقة الدولة بالمجتمع والمجتمع بالدولة، وجب علينا الإرتكاز والإنطلاق من معنى الدولة ووظيفتها، وفهم معنى الثقافة، الثقافة المادية والثقافة النفسية وعلاقتهما، فهم معنى السياسة، سياسة المجتمع، السياسة في المجتمع المركّب لترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام معيّن، وبالتالي فهم المجتمع ومعنى المجتمع واقع إنساني طبيعي ينشأ ويتطور بتأثير عوامل يجب درسها وفهمها فهماً علمياً يستعمل الحقائق والحقائق فقط، وجب علينا درس نشؤ الأمم.

إن فهم الديمقراطية وأنواعها وأجناسها وألوانها وأشكالها يرتكز على هذا الدرس.

قمة الصفحة

الديموقراطية واصولها السورية, بقلم سعادة: 

"إن الديمقراطية التي يفتخر بها العالم الآن فهي من صنع سوري أيضاً، لأن أول فكرة ديمقراطية تعطي الشعب حقه في إبداء الرأي في سائر شؤونه ظهرت في سورية، وبلا شك هي الغرسة الأولى في هذا الباب التي أعطت الثمار الكثير للعالم كله، ولا يزال البشر يجاهدون  في إيصال هذه الفكرة "حقوق الإنسان" الى حد الكمال."  (خطاب سانتياغو)

هذا ما قاله سعاده سنة 1940 وكان قد  كتب مثله في نشؤ الأمم سنة 1937.  في كلامه على الدولة السورية المدينية يقول: "في هذه المدينة وضع أساس الحقوق المدنيّة الّتي ارتقت في قرطاضة وبلغت أوجها في رومة. في المدينة السّوريّة البحريّة، الّتي طبعت ثقافتها على البحر المتوسّط كلّه، تحوّلت الرّابطة القبيليّة القديمة إلى الرابطة الاجتماعيّة الواسعة. فزال باكراً ذلك الخضوع الأعمى للملك وزالت عن الملكيّة تلك الصّبغة الإلهيّة الّتي كانت لا تزال ترافق الملك والأسرة المالكة في الإمبراطوريات البرّيّة، وأصبح الملك فيما بعد ينتخب انتخاباً لمدّة الحياة، فكان ذلك أصل الدّيمقراطيّة والجمهوريّة." (نشؤ الامم)

أيضاً في مقالة،"ليست سورية في الشرق، إنها أمة مديترانية"، يقول: "أنني ألفت النظر الى أن سوريا هي عنوان الديمقراطية التي أعطتها للعالم منذ قرون عديدة، والتي كانت مثالاً عديم النظير في إنتخابها ملوكها على طريقة الإستفتاء الشعبي."

وأيضاً، "وباكراً أسس الفينيقيون الملكية الإنتخابية وجعلوا الملك منتخباً لمدة الحياة فسبقوا كل الشعوب والدول التاريخية الى تأسيس الديمقراطية" (نشؤ الامم – الإثم الكنعاني)

إن الهدف من وضع هذه النصوص لسعاده في هذه الدراسة، هي لإعادة الإعتبار ورفع الحيف والظلم والتجني والكفر الذي لحق بسورية وسعاده على يد من يفترض أنهم رافعوا لواء سوريا وسعاده وهاتفين بحياة سوريا وحياة سعاده. فالديمقراطية "التي يفتخر بها العالم"، والتي "هي من صنع سوري"، والتي "كانت مثالاً عديم النظير"... الخ، تجد اليوم من يريد أن يدخلها الى حزب سعاده، كأن حزب سعاده خالٍ منها، ويريد ان يدخل حزب سعاده "الى ساحات الديمقراطية" ويرى "أن الديمقراطية في الحزب إنطلقت من مؤتمر ملكارت". (أنظر مجلة صباح الخير-البناء عدد 962- تاريخ 6/3/1999-صفحة 37)

يا للسخافة، يا للهذيان، يا لخجل سعاده بالبعض من تلاميذه، بل بالبعض ممن أصبحوا رؤساء في حزبه!

يجب أن يكون بديهياً ومحسوماً أن يكون الحزب السوري القومي الإجتماعي حزباً ديمقراطياً بإمتياز للذين يعرفون المباديء الاولى والمعاني الاولى للقومية وللديمقراطية، فها هي القومي ديمقراطية، والديمقراطية قومية، وعلى لسان سعاده ايضاً:

علاقة الديمقراطية بالقومية

"وما الدولة الديمقراطية سوى دولة الشعب أو دولة الأمة، هي الدولة القومية المنبثقة من إرادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه."

"أن المدينة كانت دائماً أصلح مكان لنمو الفكرة الديمقراطية، هكذا نجد مدن إلمانيا وإيطاليا توجد الطرق اللازمة لنشؤ الحركات الإجتماعية والسياسية التي أخذت تعد السبيل لعصر جديد في عصور الدولة، هو عصر الديمراطية ونشؤ القومية."

"وتحت تأثير عوامل القومية الآخذة في النشؤ إضمحل النظام الإقطاعي وقويت الملكية المركزية لأنها كانت أقرب الى تمثيل الأمة، وسلطة الفرد كانت دائماً أقرب الى الديمقراطية من سلطة الأرستوقراطية المكونة من طبقة ممتازة " (الإقطاعيين).

"الدولة الحديثة القائمة على مبدأي القومية والديمقراطية المتجانسين."

"القومية لم تقف عند حد القضاء على سلطة الإقطاعيين وتوحيد المرجع في الملك الذي أخذ تفرده في السلطة يتعاظم حتى أصبح شديد الوطأة، بل سارت نحو الهدف الذي يبرر وجودها وهو أن اقرار السياده مستمدة من الشعب وان الشعب لم يوجد للدولة بل الدولة للشعب، هذا المبدأ الديمقراطي الذي تقوم عليه القومية، فالدولة الديمقراطية هو دولة قومية حتماً."

نحن إذ نورد هذه النصوص نعرف سلفاً أنها نصوص قديمة ومقرؤة مرات ومرات، ولكننا نعرف أيضاً أن بعض الذي يقرأوون لا يجيدون القراءة.  ليست القراءة مجرد تلاوة للكلمات، وليست مجرد "فك حروف"، إنها عملية تلقٍ، إنها عملية فهم وإستيعاب ومعرفة فكرة معينة.

عندما نقرأ الكتاب يجب ان نفتش عن فكرة معينة فيه، نلاحقها، ونتابع تتطورها فيه الى أن نصل الى الخلاصة والنتيجة التي يريد صاحب النص ان يوصلها إلينا.

  نحن نريد من إعادة قراءتنا لتلك النصوص لسعادة، الواردة فوق، أن نقارن بينها وبين ما يقوله مسؤولون مركزيون في مؤسسة الحزب حالياً ونضع القوميين والمواطنين اما حقيقتين إثنتين: حقيقة الفكرة القومية الإجتماعية الواضحة، وحقيقة التأويل والسحر والشعوذة وإصطناع الأدوار وتلبّس البطولات والعبقريات للذين يقدمون أنفسهم أنهم يناضلون ويكافحون ويجاهدون لإدخال الديمقراطية و"ثقافة الديمقراطية" الى حزب سعاده. 

2- كيفية إنتقاد سعاده للديمقراطيات الموجوده وسببه 

قد يقول قائل إن هؤلاء الذين يطالبون بإدخال الديمقراطية الى الحزب هم يعرفون ان عقيدة سعاده ونظرته الى الحياة هي ديمقراطية اصلاً ويعرفون أن القومية الإجتماعية لا يمكن أن تكون إلاّ ديمقراطية، ولكنهم يعتبرون أن الحزب ابتعد عن اصله وعقيدته وابتعد عن الديمقراطية التي يطالب هؤلاء بإعادتها إليه.

نحن نعرف أن هؤلاء يقولون ذل كلما جوبهوا بحقيقة ديمقراطية الحزب الأصلية "المتجانسة مع القومية"، لكننا نجد ان عنوان حملتهم ليس إعادة الديقراطية الى حزب الديمقراطية الحقيقية – حزب سعاده، بل إدخال الديمقراطية الى الحزب، هكذا، وبشكل مطلق دون تحديد أي ديمقراطية، وأي شكل من أشكال الديمقراطية وكأن الديمقراطية هي عقيدة واحدة موجودة خارج الحزب وعلى الحزب أن يطعِّم عقيدته ونظامه بها.

إن الديمقراطية أو الديمقراطيات الموجودة خارج الحزب قد إنتقدها سعادة إنتقاداً شديداً كما سنرى لصالح ديمقراطية جديدة افضل منها، تقدمها النظرة القومية الإجتماعية الجديدة الى الحياة وتشكل "إنقلاباً جديداً تجيء به الفلسفة القومية الإجتماعية" كما سنرى.

إن كلام هؤلاء عن "الديمقراطية"، هكذا دون تحديد اي ديمقراطية، قديمها أو جديدها، يعني أنهم يعيدون الإعتبار لما إنتقده سعاده ورفضه، يعني أنهم يُنْكرون على سعاده أنه جاء بشيء جديد، يعني أنهم لا يصدقون سعاده، يعني أنهم لا يؤمنون به.  إن كلامنا هذا صحيح ودقيق والدليل سنراه بعد قليل.

إن مطالبة هؤلاء بإدخال الديمقراطية الى الحزب هو مجرد رياء وتزلّف معيب لا يتفق مع  رصانة الفكر القومي الإجتماعي.

ليس هناك اوضح من سعاده، من يريد ان يناقش سعاده فسعاده موجود كله معنا، وأن عباراته منذ ستين سنة هي أحدث وأجدد وأوضح من عباراتهم وأكثر تحديداً.  إنه يقول:

الديمقراطية أجناس والوان وأشكال

"إن الديمقراطية من حيث أنها تعني أن الشعب هوصاحب السيادة ومصدر السلطة هي أساس ثابت لا يزعزعه شيء، أما التلاعب بهذه اللفظة حتى تعني الفوضى والرياء والزلفه فأمر يعيب الأمة". (مقالة مرشحو الديمقراطية)


"إن الديمقراطية اسم تنطوي تحته شكال عديدة، وكل شكل له خصائص سياسية وإدارية تعطي نتائج تختلف عن التي يعطيها شكل آخر." (مقالة بحث الديمقراطية عن عقيدة)

"الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى اليوم لم تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية-الإقتصادية التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وأرتقاء التخصص في الأعمال وتحديدها." (نفس المصدر)

"السوريون القوميون يجب أن يعرفوا واجبهم في هذه القضية الخطيرة، وأن العالم باسره ينتظر منهم تفكيراً جديداً، ولا سيما من الوجهة الديمقراطية التي أصبحت الآن مبهمة، فالسوري القومي يجب أن يعالجها من جديد ويدفعها الى العالم كاملة... فالسوري المفكر يجب أن يهتم في إنقاذ الديمقراطية من الهلاك، وذلك بأن يزيل ما دخل إليها من الفساد ويدخل إليها تفكيراً ينطبق على ما وصل إليه الناس من العلم والمعرفة فتصير صالحة لنفع الإنسان وتكفل حقوق الإنسان من كل مهاجمة وتعدٍ".  (سانتياغو)

"إن الديمقراطية الحاضرة قد إستغنت بالشكل عن الأساس، فتحولت الى نوع من الفوضى لدرجة أن الشعب اخذ يئن من شلل الأشكال التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة وصار ينتظر انقلاباً جديداً.  وهذا الإنقلاب الجديد هو ما تجيء به الفلسفة القومية الإجتماعية القائلة بالعودة الى الأساس والتعويل على التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة، الذي هو شكل ظاهري جامد." (نفس المصدر)

"سورية القومية تضع أمام العالم اليوم فكرة التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من فكرة تمثيل الإرادة العامة التي لم تعد تصلح للأعمال الأساسية لحياة جديدة."

"فالتفكير السوري القومي الجديد هو إيجاد طريقة جديدة اسمها – التعبير عن إرادة الشعب – وقد يكون التعبير بواسطة الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفق أن يوجد."

"فهذه الفكرة الجديدة، أي التعبير عن إرادة الشعب، هي الإكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد، هو دستورنا في سورية  الذي نعمل به لنجعل البلاد دائما كما تريد الأمة."

"التمثيل أهون من التعبير، لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما قد حصل اما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد.  هذا هو الخلل الإجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن يصلحه، تفهّم إرادة الشعب وإعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة."

"إننا نشق طريقاً جديداً نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في تفكيرنا الخاص، وسوف يكون هذا الطريق من جملة الإنتاج الذي يأخذه الناس عنّا.  أن التفكير الحاضر دخل طور الشيخوخة في العالم كله، والبشرية بأسرها تنتظر تفكيراً جديداً تنال به سعادتها وراحتها وحريتها، وهذا البضاعة الجديدة سيخرج أكثرها وأفضلها من سورية بلاد العبقرية والنبوغ." (نفس المصدر)

ملاحظة: أن خطاب سانتياغو ليس "مجرد خطاب" يمكن أن يسترسل صاحبه ويأخذه الحماس والإثارة وتجاوب الجماهير... فيبالغ.

إن سعاده ليس من هذا النوع، فضلاً عن ذلك فأن ذلك الخطاب لم يسجله أحد عندما ألقي في 8 نيسان 1940. لقد إستعاد سعادة أفكاره الرئيسية وكتبه بنفسه ونشره في جريدة سورية الجديدة – سان باولو – عدد 67 تاريخ 25 نيسان 1940 أي بعد أسبوعين من إلقائه.

نلاحظ أن كل نص من النصوص الواردة فوق يتضمن فكرتين إثنتين: نقد للديمقراطية الموجودة، وذكر البديل الجديد.

نحن لا زلنا لحد الآن ندرس الفكرة الأولى، فكرة النقد، وسنركز عليها الآن قبل الإنتقال الى القسم الثاني من هذا البحث الذي سنتوسع فيه في الفكرة الثانية الموجودة في هذه النصوص، فكرة البديل الجديد، فكرة التعبير عن الإرادة العامة، "الإنقلاب الذي تجيء به الفلسفة القومية الإجتماعية".

إن سعاده قد وصف الأشكال الديمقراطية الحاضرة بنعوت قبيحة ودعى العالم كله لتغييرها والإنقلاب عليها، وذلك بعبارات لا تحمل تأويلا مثل: "أصبحت مبهمة"، "إنقاذ الديمقراطية من الهلاك"، "إزالة ما دخل إليها من الفساد"، الخلل الآجتماعي, "الديمقراطية الحاضرة استغنت بالشكل عن الأساس"، "تحولت الى نوع من الفوضى"، "الشعب أخذ يأن من شلل الأشكال التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة"، "تمثيل الإرادة العامة هو شكل ظاهري جامد"، "التفكير الحالي دخل طور الشيخوخة"، "لم تتمكن من حل الأضاليل الإجتماعية الإقتصادية"...

كما أصبح واضحاً ايضا أن سعادة أتى بنظرة جديدة وشكل جديد ليحل محل النظرة القديمة والشكل القديم، وذلك ايضاً بعبارات وكلمات واضحة لا تحمل تأويلاً مثل: "بضاعة جديدة"، "طريقاً جديداً"، "تفكيراً جديداً"، "طريقة جديدة"، "فكرة جديدة"، "إنقلاباً جديداً"، "معالجة جديدة".

وهذا الشيء الجديد هو: التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة. وهو الإكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد، وهو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة.  إذاً التعبير بدلاً من التمثيل.  فما هو التمثيل وما هو التعبير وما الفرق بينهما وما العلة في التمثيل وما الجيد في التعبير ولماذا؟

هذا هو الموضوع الرئيسي الذي سندرسه جيدا، هذه هي النقطة التي إذا ما صارت واضحة إنجلت النظرة الفلسفية الجديدة جلاءً تاماً.  هذا ما سنشرحه فيما يلي، لكن قبل ذلك تعالوا نرى ماذا يقول عميد للإذاعة في الحزب السوري القومي الإجتماعي مخالفاً عقيدة سعاده ومسفها أياها ومجرداً لها من جديدها، رغماً عن سعاده ووضوح سعاده، بل نكاية به وبالمؤمنين به معاً:

"إن تناول النظام الديمقراطي التمثيلي بالطعن ليس سوى نزعة نخبوية."

"إن الديمقراطية التمثيلية هي أساس لنظام الحكم وهي ما يجب أن تقوم عليه الأمة السورية المقبلة".

"إن الزعيم رسم قاعدة لإختيار قيادة جديدة للحزب إنطلاقا من الديمقراطية التمثيلية." (هنا يعتبر العميد أن مرسوم الطواريء هو قاعدة)

 "إننا نجزم أن سعادة قد أوجد ضمن الحزب وفي ظل قيادته أساس الديمقراطية التمثيلية."

"إن الديمقراطية التعبيرية هي وقف على باعث النهضة وعى حزب النهضة، أما ضمن المجتمع الجديد-الحزب أو الدولة في المستقبل فان النظام المعمول به فهو حتماً نظام الديمقراطية التمثيلية."

لقد وردت هذه الإذاعة الحزبية الرسمية حرفياً في جريدة "الحزب" الرسمية البناء عدد 962 تاريخ 6/3/1999 ضمن مقالة سعاده والديمقراطية وقد أوردناها هنا لأننا وعدنا أننا سنقدم الدليل على أن أصحاب حملة إدخال الديمقراطية الى الحزب وإدخال الحزب الى "ساحات الديمقراطية"، يعيدون الإعتبار لما رفضه سعاده وانتقده وهم ينكرون عليه أنه جاء بشيء جديد وهم لا يصدقون سعاده وهم لا يؤمنون به.

الديمقراطية التمثيلية

أن عملية تمثيل الإرادة العامة نسميها ديمقراطية تمثيلية لأنها بالدرجة الأولى تنتج سلطة أو قيادة هي نسخة طبق الأصل عن المجتمع واحواله واوضاعه.  هي مثله، على مثاله، تحمل صفاته، تتمثل فيها فئاته، طباقته الأقوى، قواه الوضعية المسيطرة المهيمنه التي تقوده إجتماعياً وإقتصادياً، فتقوده سياسياً.

إنها سلطة عادلة، بمعنى أنها تمثل مجتمعها افضل تمثيل.  انها سلطة ديمقراطية لأن الشعب نفسه قد اوصلها وجاء بها، هو إقترع وصوت لها وإنتخبها، هي منه ومثله.

ألسنا منصفين مع الديمقراطية التمثيلية؟  ها نحن قلنا عنها ديمقراطية عادلة، تمثل مجتمعها خيل تمثيل، هي منه ومثله!  إنها فعلاً ديمقراطية، وهي افضل من الطغيان والقهر والإستعباد والجور و...  فلماذا رفضها سعاده إذاً ولماذا انقلب عليها ولماذا جاء بما هو "بديل" عنها؟

ليتنا نتعمق فيها أكثر ونشاهدها من مسافة أقرب، ونتمثلها بما هو امامنا مثالاً حياً متحركاً.

لنتصور ديمقراطية تمثيلية نموذجية وأنتخابات حرة ونزيهة وعادلة ومتوازنة وشفافه.... الى آخر الأوصاف المتداولة عادة في مواسم الإنتخابات النيابية في بيروت.  إننا في قلب ديمقراطية تمثيلية مثالية في لبنان، فماذا نرى؟  نرى ما يلي:

بما أن الشعب تنخره الطائفية وقد تحولت مذاهبه الدينية الى احزاب سياسية وأديانه الى جبهات داخلية حامية، فسينتخب هذا الشعب نواباً طائفيين ويصنع مجلسا نيابياً أعضاؤه يسعى كل منهم حسب إنتمائه الطائفي الى تأمين حقوق طائفته.  فمن منهم شيعي يطالب بحقوق الشيعة، من منهم درزي يطالب بحقوق الدروز، ومن كان منهم ماروني يطالب بحقوق الموارنة الخ.... وستزول من الحكم  صورة الحقوق العامة الواحدة للمجتمع الواحد.

وبما أن الشعب لم يتحرر من الإقطاع ونفوذ العائلات ومن صورة الولاة والرعايا، فسينتخب إقطاعيين وزعماء عائلات وعشائر وهؤلاء سيعززون في الحكم نفوذ العائلات وحقوق وحصص العائلات والإقطاعات والولاة... وستزول من الحكم  صورة الحقوق العامة الواحدة للمجتمع الواحد.

وبما أن الشعب منهك وكاد ان يفقد معنى الحرية والعز والكرامة لان ليس له ضمانة من دولة واحدة هي كلها له, وهي له كله بالتساوي, فانه يصبح بضاعة يشتريها اصحاب الراس مال المتوحش المجرم المتامر مع الراس مال الاجنبي, فسينتخب هؤلاء الشارين ليصيروا رؤساء حكومات سوف تعزز هيمنة هذا الراس مال وسوف تحميه وتسن له القوانين التي يريدها ويرتاح اليها دونما النظر الى... الحقوق العامة الواحدة للمجتمع الواحد.

 وبما أن الشعب هكذا فسينتخب أشخاصاً مثله، على صورته ومثاله في أوضح صورة للديمقراطية التمثيلية وأعدل صورة!!

وهل لمجلس تشريعي مؤلف من إقطاعيين وطائفيين وزعماء عائلات وعشائر وأصحاب شركات عالمية قابضة ينتظر منه "تكييف" حياة المجتمع وتغيير أوضاعه الى الأحسن أو وإنشاء شيء جديد صالح فيه؟

أم أن هذا المجلس سيكون مرتبطاً بمراكز القوى الوضعية في المجتمع وتابعاً لها وخادماً لمصالحها و"حقوقها" ومنافعها الذاتية الكاسرة المتناقضة والمتفارقة مع المصلحة العامة للشعب؟  إنه سيكون ضامناً لبقاء هذه القوى ومعززاً لوجودها وبقاء المجتمع خاضعاً لها.

إنه نظام ديمقراطي هذا الذي نسميه النظام البرلماني التمثيلي الذي راينا نموذجاً عنه فوق، أنه يمثل الإرادة العامة، يمثل الناس، هم أوصلو سلطته وأنتخبوها وأنتجوها.  ولكن الشعب، وكما قال سعاده بالضبط، اصبح يئن من شلل الأشكال التي أخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة.  هذه الديمقراطية لم تتمكن من جلّ الأضاليل الإجتماعية الإقتصادية كما قال سعاده.  هذا النظام البرلماني "لا سلطة له على التكييف" كما ذكر سعاده في الخطاب المنهاجي الاول سنة 1935.

هناك أسباب كافية إذاً لرفض سعاده هذا النوع من الديمقراطية واعلانه أنها لم تعد تصلح للأعمال الأساسية لحياة جديدة.

رب قائل: ليست كل المجتمعات تعاني من إنقسامات إجتماعية حادة مثل الطائفية أو غيرها، والأسباب التي دعت سعاده لرفض تمثيل الإرادة العامة ليست موجودة في كل المجتمعات، فضلاً عن أن مجتمعنا نحن نفسه يمكن له ان يتحرر يوماً من إنقساماته وأوضاعه الموصوفة فوق، فتنتفي عندئذ الأسباب والمحاذير التي تدعو الى تبديل فكرة تمثيل الإرادة العامة.

حسناً، لنتمثل مجتمعاً خال من الإنقسامات الإجتماعية الحادة الموصوفة أنفاً، مجتمعاً قومياً شاعراً بوحدة حياته ووحدة مصالحه في الحياة ولنطبق مبدأ تمثيل الإرادة العامة فيه، في دولته.  إن مجتمعاً من هذا النوع سيبقى يحتضن قوى إجتماعية-إقتصادية مسيطرة، قوية، قائدة إجتماعياً وإقتصادياً، وان الديمقراطية التمثيلية دائماً تنتج سلطة تمثل الفئات الإجتماعية الإقتصادية الاكثر قدرة مالية واعلامية ودعائية، وهذه سوف تعمل على صيانة امتيازاتها وحقوقها بالدرجة الأولى، أن هذه سوف تفهم من المصالح العامة ما يعني مصالحها هي قبل أي شيء آخر.  لذلك قال سعاده بأن "الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى اليوم لم تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية الإقتصادية التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وأرتقاء التخصص في الأعمال وتحديدها."

إذا عرفنا أن سعاده ينظر الى الحياة نظرة جديدة، ينظر الى الإنسان نظرة جديدة، الإنسان-المجتمع، المجتمع هو الحقيقة الإنسانية الكاملة، والقيم الإنسانية العليا هي قيم إجتماعية، نعرف أن مفهوم المصلحة العامة والحقوق العامة والإرادة العامة أصبح يتخطى بكثير مفهوم الفئة المسيطرة إجتماعياً وإقتصادياً.

إن نظرة سعاده الى الحياة والإنسان والمصلحة العامة والإرادة العامة والحقوق والواجبات والسلطة والدولة لا تقبل بما يسمى اقلية وأكثرية، والأكثرية تحكم والأقلية تقبل بحكم الأكثرية، الأكثرية تصدر تشريعات وقوانين تحمي مصالحها ومصالح من أتى بها، والأقلية تعارض وتنتظر دورها.

إن القول بلعبة الأكثرية الحاكمة والأقلية المعارضة، والمعجبين بمبدأ تداول السلطة بين أكثرية تصبح أقلية وأقلية تصبح أكثرية، دون حروب أهلية ودون أزمات خطيرة، هكذا "بروح ديمقراطية"، يعني القبول بمبدأ أن المصلحة العامة تقررها أكثرية عددية حتى ولو كانت 51%، والحقوق العامة في المجتمع تعينها أكثرية عددية أيضاً، وأن هذه المصالح وهذه الحقوق تتبدل وتتغير مع تبدل وتغير الأكثرية والأقلية.

إن المصالح العامة والحقوق العامة التي تقررها وتعينها أكثرية، ليست هي المصالح العامة الحقيقية والحقوق العامة الحقيقية للمجتمع، للهيئة الإجتماعية الواحدة حسب نظرة سعاده الى المجتمع والقيم الإجتماعية التي تقول  بأن "شرط الحق ليكون حقاً أن لا يعلن نفسه ساعة ويختفي، وان لا يختزنه العدد في نطاقه الخاص فيفنى فيه، أن لا يكون حقاً عددياً بل حقاً إجتماعياً لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به العدد بل يمتد في المجتمع بلا حدود."

هذا إذا أفترضنا أن الأكثرية هذه هي فعلاً أكثرية حقيقية، فماذا لو عرفنا انها أكثرية مزعومة ووهمية، كما سنرى بعد قليل؟

هناك أضاليل اخرى كثيرة للممعنين النظر في شلل الأشكال التي اخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامة، ليس أقلها أن الأكثرية والأقلية هما دائماً من صنف واحد، هما أطراف الفئة الواحدة المسيطرة أقتصادياً ومالياً وإعلامياً في المجتمع، أما الأكثرية الشعبية الحقيقية فلا حول ولا مال لها ولا إعلام ولا أية وسائل أخرى.

ألسنا نرى مثلاً في أميركا وأوروبا أو أوستراليا واليابان وحتى في روسيا والباكستان والهند كيف يفرض على الشعب، وبطريقة ليس للشعب فيها إختيار، مرشحين إثنين أو ثلاثة ليختار واحداً منهما رئيسا له، وغالباً، بل دائماً ما يكون هذين الإثنين من نفس الفئة المسيطرة إقتصادياً وإجتماعياً؟

إن المطبخ الحقيقي للقيادات ليس في الشعب، بل عند أصحاب المصالح الإقتصادية الكبرى التى يكون لها امتدادات خارج الحدود، عند اصحاب الإستراتيجيات الإقتصادية العابرة للمجتمعات.  وكل بهرجات إستطلاعات الرأي ومهرجانات الوعود الإنتخابية التي يتلهى فيها الشعب خلال سنة قبل أجراء الإنتخابات هي واجهة لحسابات تتم وتحضّر في الخفاء تقوم بها أطراف "غير شعبية" تهيّئ الناس نفسياً وتحضرهم للقبول بهذا أو ذاك وتسوقهم سوقاً في يوم معين كل أربع سنوات مرّة ليدلوا بأصواتهم لتظهير هذا أو ذاك من الذين طبخهم المطبخ الحقيقي في مكان آخر، ومسحه رئيساً.

اما البرامج الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تسوّقها الأحزاب السياسية المتنافسة فهي متشابهة كثيراُ، وأذا لم تكن كذلك فليس بالشيء المهم كثيراُ، وغالباً ما يتم تجاوزها والتخلي عنها بعد الفوز بالإنتخابات بحجة "الظروف الموضوعية" و"مقتضيات المصلحة الوطنية".

أحد قادة الأحزاب في اوستراليا وعد الناخبين بأنه سيعفيهم من رسوم المرور على جسر "الهاربر بريدج" الحيوي، الذي يربط شمال مدينة سدني بجنوبها والذي يكبّد السكان ملايين الدولارات يومياً.  عندما فاز، وبعد ثلاثة أشهر من فوزه، اعلن أنه تبيّن له بعد إستلامه للسلطة إستحالة الغاء هذا الرسم دون تعريض مصلحة الخزينة، وبالتالي المصلحة العامة، للخطر!!

إن السطحيين يفتخرون بممارسة واجبهم وحقهم بالذهاب لصناديق الإقتراع مرة كل أربع سنوات ليختاروا "بملء إرادتهم وحريتهم" الشخص الذي سيكون رئيسهم، غير مدركين أنهم مخدوعون كثيراً، وأن غيرهم قد إختار لهم من سينتخبون، ان غيرهم قد اختار لهم إثنين أو ثلاثة مرشحين وهم عليهم ان يسموا واحدا منهم، إن  كل دورهم هو فقط تسمية واحد منهم.

جميل جداً أن يذهب بائع الجرائد في نيويورك أو عامل التنظيفات في بلديتها ليختار رئيس الولايات المتحدة الأميركية وأن يقول لنفسه او تقول له هذه الديمقراطية، أرأيت، إن حقك مقدس، ان حقك في إختيار الرئيس لا يقل عن حق اي مليونير أو اي أستاذ جامعه او عالم ذره أو رائد فضاء في هذا الموضوع.  إن صوتك يساوي أي صوت آخر لأي مواطن أميركي!!  جميل جداً هذا الشكل، بغض النظر عن مدى العدالة في هذه المساواة، أما الأساس... فهو في مكان آخر.

الشكل هو إنتخابات وبرامج ودعايات وإذاعات واستطلاعات رأي وصناديق إقتراع ومواعيد تصويت وفرز نتائج، اما أساس الديمقراطية الحقيقية فغير ذلك، إنه "سيادة الشعب وحكمه لنفسه",انه ايجاد سلطة يمكنها تفّهم ارادة الشعب ولديها وسائل التنفيذ الموافقة. إن الديمقراطية الحاضرة قد أستغنت بالشكل عن الأساس فتحولت الى نوع من الفوضى لدرجة ان الشعب أخذ يئن ... إن السوريين القوميين يجب أن يعرفوا واجبهم في هذه القضية الخطيرة، وأن العالم بأسره ينتظر مهم تفكيراً جديداً. 

3- االتعبير بدلاً من التمثيل-الديمقراطية التعبيرية

لقد استعرضنا شيئاً من الأسباب العامة التي تجعلنا نقول إن الديمقراطية الحالية والتفكير الحالي قد دخل في طور الشيخوخه، بقي هناك سبب خاص ينطبق علينا نحن في سورية وفي المجتمعات التي تشبهنا من ناحية حاجتنا وحاجتها للنهوض والتغلّب على انقساماتنا العمودية، لاستعادة هويتنا القومية وتركيز وعينا لوحدة حياتنا ووحدة مصالحنا في هذه الحياة، حاجتنا للتطور الإجتماعي الإقتصادي والخروج من تحت الاحتلال والسيطرة الأجنبية، وتوحيد وطننا وبسط سيادتنا على انفسنا وعلى موارد حياتنا في وطننا الواحد.

إن ذلك يحتاج لقيادات قادرة على تحقيقي أهداف كبرى، باستطاعتها انجاز نقلات نوعية باتجاه الأهداف الكبرى، عندها القوة المادية والروحية التي تمكنها من الفعل والتكييف والتغيير والتطوير.

إن ذلك يحتاج "لقيادة صالحة" تتوفر فيها "الشروط المؤهلة للقيادة" وهذه الشروط تتخطى بكثير، بما لا يقاس، مجرد أن تأتي بها أكثرية الشعب، أن تأتي بالإنتخاب – الإقتراع – التصويت، وتنال أكثرية المقترعين.

إن ذلك يحتاج بكل تأكيد لقيادة تحوز على ثقة الشعب وتأييده ورضاه  وقبوله أكان ذلك عن طريق الانتخاب أم عن غير طريق الانتخاب، لكن الأهم ان تحوز على المؤهلات والقدرات والصفات والمواهب التي تجعلها قادرة   على الفعل والتكييف والتغيير والتطوير و"إنشاء شيء جديد" حسب تعبير سعاده.

الديمقراطية التمثيلية، حتى تلك الخالية من الخداع والدعاية والأضاليل والمؤثرات المادية والإعلامية هي دائماً تنتج سلطة تمثيلية، تمثل مجتمعها كما هو وليس عندها لا الإرادة ولا القوة والقدرة لتكييفه وتطويره وتغييره ونقله نوعياً الى حالة اخرى افضل.  لذلك يقول سعاده إن التمثيل هو دائما أهون من التعبير لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما حصل، أما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد، ويزيد: هذا هو الخلل الإجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن يصلحه، تفهّم إرادة الشعب واعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة.

فما هو التفكير السوري الحديث، ما هو التعبير عن الإرادة العامة، وكيف يؤدي التعبير إلي إنشاء الشيء الجديد ويعطي إرادة الشعب وسائل تنفيذها الموافقة؟  

ما هو التعبير؟

يجب الانتباه هنا أن "الديمقراطية التعبيرية" عبارة لم ينطق بها سعاده.  سعاده لم يستعمل هذا المصطلح بل استعمل مصطلح "التعبير بدلاً من التمثيل" والتعبير عن الإرادة العامة بدلا من تمثيل الإرادة العامة.  "الديمقراطية التعبيرية" اسم جئنا به نحن، تلاميذ سعاده، لنصف ديمقراطية سعاده الجديدة، نظرته الجديدة للديمقراطية، لنسميها مقابل اسم الديمقراطية التمثيلية،  وأن هذا الاسم الجديد ينطبق تماماً على ما اراده سعاده للديمقراطية من أن تكون التعبير عن الإرادة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة التي تؤدي إليه الديمقراطية التمثيلية.

عندما يستعمل سعاده كلمات معينة ليدل بها عن أفكار جديدة، يجدر بنا الإنتباه جيداً الى المعنى الفلسفي لهذه الكلمات وعدم الإكتفاء بمعناها القاموسي.  القاموس يفيد ولكنه لا يعطي معنى الفكرة الجديدة من الناحية الفلسفية.  لنصل إلى معنى الفكرة الفلسفية ونفهمها يجب ان نستعرض كل استعمالات  سعاده لهذه الكلمة ونفهم عما كان يتكلم وعن ماذا كان يريد ان يعبّر واي فكرة كان يريد ان يوصل للناس.  الفلسفة هي خلاصة، يصوغها الفلاسفة بعبارات قليلة، بعناوين، بكلمة أو كلمتين.  هكذا هي المدرحية، وهكذا هو الإنسان-المجتمع، والفرد امكانية إنسانية، وهكذا هو التعبير بدلاً من التمثيل.

إذا راجعنا جميع استعمالات سعاده لكلمة تعبير، عندما كان يتكلم عن نظرته الجديدة للديمقراطية، نجد انه استعملها ليدل على الفعل والإنجاز والتنفيذ والقدرة على التكييف والتطوير والتغيير وإنشاء شيء جديد وجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة.

إذاً التعبير بالمعنى الفلسفي الجديد والنظرة الجديدة للديمقراطية لم يكن المقصود به مجرد ان يحسن أحدنا التعبير عن رأيه، ليس هو التعبير الحسن عن الرأي، فيمكن أن نعبّر عن رأينا ولا نستطيع تحقيق إرادتنا بتنفيذ هذا الرأي.  يمكن أن نعبّر جيداً عن رأينا ونعجز عن فعل شيء لتحقيق هذا الرأي.

التعبير المقصود في النظرة الجديدة ليس مشتقاً من "عبارة" أي الكلام المفهوم، بل من فعل "عَبَرَ"، من عبور.  ولعلّ العبارة نفسها هي مشتقة من فعل عبر بمعنى العبور أي الإنتقال من مكان الى آخر أو من حالة الى أخرى.

نعتقد أن هذا هو ما أراد سعاده ان يوصله، سعاده معني بتطوير المجتمع ونقله من وضعية الى أخرى، العبور به من حالته الحاضرة السيئة الى حالة جديدة أفضل، سعاده معني بفعل وإنجاز وتحقيق وتنفيذ اشياء جديدة.

هكذا يصير التعبير عن الإرادة العامة يعني تنفيذ الإرادة العامة وتحقيقها، "اعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة"... "لجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة".  وهكذا نفهم لماذا يكرر سعاده كلمات الجمود والشلل، الشيء الجامد والشكل الجامد وشلل الأشكال، عندما ينتقد فكرة تمثيل الإرادة العامة.  وهكذا نفهم لماذا يستعمل ويكرر عبارات إنشاء شيء جديد وجعل البلاد دائما كما تريد الأمة وأعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة، عندما يريد الإضاءة على فكرة التعبير عن الإرادة  العامة.

يجب أن نلاحظ أن سعاده يستعمل عبارة الإرادة العامة وليس المصلحة العامة وليس الرأي العام.  الإرادة أقوى من الرأي، أقوى من المصلحة، المصلحة بحاجة لإرادة تحققها وتؤمنها.  أما الإرادة العامة فهي أن نفعل ونحقق وننفذ ما يريده الشعب وليس مجرد أن نشرح ونبيّن ونعرف ماذا يريد الشعب.

القادة التعبيريون ليسوا هم الذين يحسنون شرح وايضاح ماذا يريد الشعب، في البرلمان، ليسوا من يجيد التعبير عن رأي الناس وما هي مصالح الناس، وحسب، بل القادة التعبيريون هم الذين يتفهمون إرادة مجموع الشعب وعندهم القدرة ووسائل التنفيذ لتحقيق تلك الإرادة.

وما هي الإرادة العامة اصلاً؟  الإرادة العامة هي ما يريده الشعب بالإجماع وليس ما تريده أكثرية أو أقلية.  الإرادة العامة هي ما يتوحد حوله الشعب ويكون مطلبه كله.  يقول سعاده:

"إن الأمم كلها تريد الخير والفلاح ولكن المشكل هو في إيجاد التعبير الصالح عن هذه الإرادة.  فالإرادة العامة إذا لم تجد التعبير الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة تصبح عرضة لأن تقع فريسة المآرب التمثيلية." (من خطاب سانتياغو 1940)

سعاده يريد ديمقراطية تمكن من إيصال قيادة صالحة، صالحة لماذا؟  صالحة للفعل ولجعل البلاد دائما كما تريد الأمة.  ولكي تكون هكذا وجب ان تتألف من أشخاص مؤهلين للفعل، جديرين كفوئين يتمتعون بقوى عقلية معرفية وقوى نفسية ممتازة تمكنهم من الفعل وتحقيق الإرادة العامة وتنفيذها.

قيادة ديمقراطية وتعبيرية، يعني قيادة جائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته، من جهة، ويتمتع أشخاصها بقوى وقدرات ومؤهلات تمكنهم من تحقيق ما يريده الشعب، من جهة أخرى.  هذا هو معنى الديمقراطية التعبيرية وهذا هو الفرق الحاسم بينها وبين الديمقراطية التمثيلية.

القيادة التمثيلية هي ديمقراطية ولا شك، لأنها قيادة منتخبة وحائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته، ولكنها لا تكفل ولا تضمن الإتيان بقيادات مؤهلة تتمتع بالقدرة والفعالية التي تحقق وتنفذ ما تريده الأمة.  إن برلمانات العالم مليئة بالأميين والسطحيين والسخفاء، إذا لم نقل المرتشين والإنتهازيين والعملاء.  إن برلمانات العالم مليئة بالقيادات التي ليس فقط لا تستطيع، بل لا تريد تغيير شيء في احوال المجتمع واوضاعه، لأنها هي اساساً اتت بفضل تلك الأوضاع فكيف تريد تغييرها؟

ربّ قائل هنا: بلى، أن مجتمعات العالم الديمقراطية التمثيلية يحدث فيها تغيير وتطوير وتحسين ومن السهل رؤية ذلك من الحرب العالمية الثانية إلى اليوم في أوروبا وأميركا واليابان وحتى في الهند وباكستان وتركيا وغيرها.  جوابنا هو أن هذا التغيير والتطوير والتحسين لم يكن بفضل الديمقراطية التمثيلية بل بالرغم عنها.  إنه تغيير وتطوير وتحسين نشاهده في كل مكان، في المجتمعات الديمقراطية التمثيلية وفي غيرها وهو نمو طبيعي تفرضه الحياة ونواميسها.  إنه تطور صنعته الحياة, صنعته  الشعوب ومؤسساتها الإجتماعية والعلمية بفضل السلم الداخلي فيها اكثر بكثير مما صنعته مؤسساتها السياسية، دولها.  إنه تطوير وتحسين في وسائل الحياة وأدواتها ومظاهرها، وهذا نمو طبيعي، لا في مستوى المعيشة وقدرة الفرد على تأمينها والوفاء بمتطلباتها، وهذا من وظيفة الدولة ومؤسساتها.  إنه تطوير وتحسين علمي تقني وليس اقتصادي-اجتماعي تقوده الدولة.  والدليل هو أن التفاوت الإجتماعي  يزداد ولا ينقص، وقدرة الفرد على تأمين ضروريات حياته قد ضعفت، ففي الولايات المتحدة وحدها هناك عشرون مليون انسان دون ماوى ودون عمل ودون رعاية صحية...

ثم أن التطوير والتحسين الذي نتكلم عنه في مقارنتنا هو ذلك الذي تحدثه القيادات الديمقراطية في احترام الإرادة العامة وتحقيقها.  على هذا الصعيد بالضبظ نقول إن الديمقراطيات  التمثيلية لم تكن ناجحة ابداً، لم تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية الإقتصادية، كما يذكر سعاده، بل زادتها وفاقمتها.  فها هي الإرادة العامة لشعوب اوروبا وأميركا لم تحترم في مواضيع اساسية وخطيرة: شعوب اوروبا واميركا لا تريد الحرب على العراق، ولا تريد الحرب، أي حرب.  شعوب أوروبا وأميركا لا تريد البطالة ولا الفقر.  شعوب أوروبا وأميركا قالت كلمتها بأن رئيسا الولايات المتحدة واسرائيل هما اكبر خطرين يهددان الأمن  والسلام في العالم، وهذه كانت حصيلة عمل مؤسسات رصد مستقلة متخصصة محايدة، وخارج مواسم الإنتخابات.

رغم ذلك فإن ديمقراطيات أوروبا وأميركا ذهبت الى الحرب وزوّرت اسبابها وصرفت مئات المليارات، سرقتها من ميزانيات شعوبها وصرفتها على تقتيل الشعوب وتخريب اوطانها وتدمير حياتها.  وإن ديمقراطيات أوروبا وأميركا اشادت وافتخرت بخرقها لإرادة شعوبها عن طريق تلميع وتزيين قرارتها غير الديمقراطية بالشجاعة الفائقة.  فجورج بوش وطوني بلير وجون هاورد وغيرهم كانوا شجعان جداً لأنهم استطاعوا اتخاذ "قرارات غير شعبية" ونفذوها!

إن الديمقراطيات التمثيلية الغربية لم تشهد تحسيناً في مجال احترام الإرادة العامة لشعوبها، ولا عجب أن نراها تستعمل الحرب والغزو وتبرر الحرب والغزو بتزوير الحقائق والمعلومات واستعمال الأكاذيب في مجلس الأمن، يعني أمام العالم كله، لاخضاع الشعوب لمفاهيمها هي للديمقراطية, لتلقين الشعوب بالقوة العسكرية مفاهيمها هي للديمقراطية,  الديمقراطية بالقوة!

لكن وراء الأكمة ما وراءها كما يقول المثل البليغ، إن الأهداف الحقيقية لهذه الديمقراطيات الغربية ليست نشر الديمقراطية ابداً، إنها المصالح الكبرى للفئات المسيطرة داخل مجتمعات الغرب، مصالح رؤوس الأموال الضخمة في الاستثمار في الحرب والتوظيف خارج الحدود، مصالح شركات التأمين وشركات النفط وشركات صنع الأسلحة، ومصالح الطبقات الأقوى المهيمنه اقتصاديا وسياسياً، رعماً عن الإرادة العامة للشعب.

هذه جزء من "الأضاليل الإجتماعية الإقتصادية" التي تكلم عنها سعادة عندما قال إن "الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى اليوم لم تتمكن من حلّ الأضاليل الإجتماعية التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وارتقاء التخصص في الأعمال وتحديدها." (بحث الديمقراطية عن عقيدة)

أما الديمقراطية التعبيرية، فإنها تحترم ليس فقط إرادة الأكثرية بل الإرادة العامة الواحدة للشعب وتحقق مطلبها وتجعل البلاد دائما كما تريد الأمة.

 

قمة الصفحة

4- تطبيق الديموقراطية التعبيرية في الحزب – نظام الحزب

كيف نحصل على قيادة ديمقراطية وتعبيرية؟  ما هي الآلية والوسيلة والطريقة لإيجاد هكذا قيادة وهكذا سلطة؟

تلك هي "مهمة التفكير السوري القومي الجديد"، الإجابة على هذه الأسئلة وعلى مثلها وغيرها مثل: هل التصويت هو الطريقة الوحيدة لممارسة الديمقراطية؟ هل التصويت يعني ديمقراطية وهل الديمقراطية تعني تصويت؟  هل التصويت مرفوض أم مفروض أم مقبول أم مقبول بشروط؟  وما هي شروطه وما هو نطاقه وحدوده؟

لكي نفهم طريقة انتاج قيادة ديمقراطية وتعبيرية يجب أن نفهم نظام الحزب- دستوره. النظام القومي الإجتماعي، دستور الحزب، هو الطريقة العملية التي تؤدي الى انتاج قيادة ديمقراطية تعبيرية.  النظام القومي الإجتماعي هو "العقيدة الواضحة والقيادة الصالحة" التي يتضمنها الدستور.

فما هو نظام الحزب وما هي علاقته بالعقيدة وما هي علاقته بنظام الدولة القومية؟  هل يصلح نظام حزب أن يصير نظام دولة؟
أولاً:

نظام الحزب نسميه النظام السوري القومي الإجتماعي.  رأساً وفوراً وصفناه أنه قومي إجتماعي، فهو إذاً نظامٌ خاصٌ، محدّدٌ، وليس نظاماً مطلقاً، ليس أي نظام، إنه نظام معيّن.  يقول سعاده "إن نظامنا ليس نظاماً هتلرياً ولا فاشستياً، إنه نظام قومي إجتماعي بحت لا يقوم على التقليد بل على الإبتكار الأصلي الذي هو من مزايا شعبنا."

إنه نظام قومي إجتماعي لأنه منبثق من العقيدة القومية الإجتماعية.  إنه منبثق منها وانه يتضمنها بالوقت نفسه.  العقيدة أوجدته وقررته وهو وحده يحققها.  إن الأحزاب العقائدية لا تستعير نظامها بل هي تولّده من عقيدتها، من نظرتها الى الحياة.  هكذا فالقوميون الإجتماعيون لا يطيعون نظامهم وحسب، لا ينضبطون في نظامهم وحسب، إنهم يعتنقونه اعتناقاً، تماماً كعقيدتهم.  إنه جزء من عقيدتهم، إنه عقيدتهم.

"أن يدين بالقومية السورية الإجتماعية ويعتنق مباديء الحزب ونظامه" (هكذا كان واحد من الشروط الخمسة التي يجب ان تتوفر في طالب الإنتماء – المادة 9 من الدستور).  ونقرأ في المحاضرة الثانية: "نظاماً جديداً ذا أساليب جديدة يستمد حياته من القومية الجديدة هو نظام الحزب السوري القومي الإجتماعي."

"إن نظام الحزب هو حقيقة بالمباديء، بالأسس الفكرية والمباديء الأساسية التي يقوم بها هذا النظام."

ثانياً: سعاده يستعمل كلمة نظام ليعبّر عن امور عديدة يختلف معناها ويتدرّج من مجرد الإنضباط والطاعة، صعوداً الى العقيدة نفسها.  معنى النظام يبدأ من مستوى القانون والإنضباط تحت سلطته المادية الى أن يصل الى مستوى "نظام الفكر" اي العقيدة.

"النظام شيء عميق جداً في الحياة" يقول سعاده، "إنه نظام الفكر والنهج، ثم نظام الأشكال التي تحقق الفكر والنهج". فلنأخذ الأمثلة التالية على لسان سعاده:  " هكذا نرى أن هذه المبادئ ليست أقوالاً جامدة أو كلمات ميتة أو حروفاً متناسقة، بل قوة حية فاعلة تتولد فيها مقررات مبدئية أساسية هامة وتبنى عليها خطط في السياسة المصلحية وفي السياسة الأخلاقية وفي السياسة الفكرية أيضاً في السياسة النظامية، في السياسة التي تتجه إلى تقرير الاتجاه والاعتناء بالقيم الهامّة، الأساسية الجوهرية، السامية التي هي جوهر القضية السورية القومية الاجتماعية وجوهر النظام القومي الاجتماعي." (المحاضرة الثالثة)

وسعاده يتكلم عن نظام فكري عقلي إجتماعي: "هذه النهضة تقيم نظاماً فكرياً عقلياً، إجتماعيا جليا صحيحاً قد اقامته في وسطها وهو يمتد وستقيمه في الوطن كله" (المحاضرة العاشرة) .  ويتكلم عن النظام الحقوقي في شرح المباديءالإصلاحية فيقول: "هذا النظام ليس للحزب فقط بل للأمة كلها، يجب تحطيم الحواجز المذكوره لجعل الوحدة القومية حقيقة ولإقامة النظام القومي الإجتماعي الذي يهب الأمة الصحة والقوة" (المحاضرة السابعة). وعن النظام المناقبي والروحي: "النظامية الفكرية والروحية والمناقبية التي كانت العامل الأساسي في نشؤ النهضة..." (المحاضرة الأولى).  وعن النظام الإقتصادي، في المقارنة بين الصحراء السورية  والصحراء العربية يقول : "كل هذه العوامل جعلت هذه البقعة تتحول الى صحراء لكنها يمكنها ان تتحول ثانية إلى مروج خضراء عندما نتمكن من إقامة نظامنا الذي يعيد هذه الأراضي إلى سابق عهدها الخصيب المنتج". (المحاضرة الرابعة)  "وحدة الأرض الزراعية هي اساس وحدة الحضارة السورية ووحدة الإنتاج السوري بانواعه، هي أساس الإقتصاد القومي في سورية، وإيجاد نظام جديد لهذا الإنتاج واغراضه هو الإنشاء الأساسي لقيام النهضة السورية القومية الإجتماعية." (المحاضرة الخامسة)

"أظن أن ما قلناه الآن يكفي تمهيداً لهذا البحث الذي يجب أن يتناول في المستقبل محاضرات اختصاصية في كل باب وناحية من نواحيه ليعطي صورة حقيقية عن النظام القومي الإجتماعي." (المحاضرة الثامنة).

في المحاضرة التاسعة يتكلم عن "نظامنا الحربي"، وفي العاشرة عن "نظام جديد للحياة" و"إقامة نظام قومي جديد" و"قصدنا الاتجاه نحو إقامة نظام جديد للحياة القومية بأسرها."

إذاً، معنى النظام يتدرّج من معنى الطاعة والقيام بالواجب وتنفيذ اوامر وقرارات المسؤولين، الى معنى العقيدة والفلسفة والنظرة الى الحياة.  النظام بمعنى الطاعة واحترام قرارات الإدارة نقرأه في المحاضرة الاولى عندما كان سعاده يرفض قبول الخروج العقائدي لدى القياديين، من قبل الرفقاء، بحكم النظام.  يقول: "والظاهر أن الحزب قبل انتشار "الواقع اللبناني" بحكم النظام فقط لأنني وجدت أن مجموع القوميين الاجتماعيين لم يتقيدوا بفكر واحد من هذه الأفكار. ولكن قبول هذا الخروج العقدي، وإن يكن في الظاهر فقط، يكون مسألة من المسائل الخطيرة."

أما النظام بمعنى نظام الفكر، أي الفلسفة والنظرة الجديدة الى الحياة والكون والفن، فنقرأه في مقالة سعادة التى عنوانها "النظام الجديد" وهي منشورة في المجلد الثامن- صفحة 159.

ثالثاً:

إن ما يهمنا في هذا الموضوع الآن هو بالتحديد نظام النهج، أوالإسلوب والطريقة التي بواسطتها نصنع قيادة للحزب والمجتمع، سمِّه النظام السياسي إذا شِئت، نظام توليد القيادة الديمقراطية التعبيرية أي القيادات الحائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته من جهة، والتي يتمتع اصحابها بقوى وقدرات ومؤهلات تمكنهم من تحقيق ما يريده الشعب، من جهة أخرى.

ولأن فهم معنى النظام بشموله هو ضروري لفهم النظام السياسي الخاص بموضوع انبثاق السلطات الديمقراطية التعبيرية أثبتنا مختلف معاني فكرة النظام في الأمثلة الواردة آنفاً.

في موضوعنا الخاص المحدد هذا نقع على وصف النظام القومي الإجتماعي لأول مرة في الخطاب المنهجي الأول الذي ألقاه سعاده سنة 1935.  يقول: "إنه النظام الذي لا بد منه لتكييف حياتنا القومية الجديدة ولصون هذه النهضة العجيبة، التي ستغير وجه التاريخ في الشرق، من تدخل العوامل الرجعية التي لا يؤمن جانبها والتي قد تكون خطراً عظيماً يهدد كل حركة تجديدية بالفساد في ظل النظام البرلماني التقليدي الذي لا سلطة له في التكييف. أزيد أيضاً أن نظامنا لم يوضع على قواعد تراكمية تمكن من جمع عدد من الرجال يقال إنهم ذوو مكانة يقفون فوق أكوام من الرجال تمثل التضخم والتراكم بأجلى مظاهرهما، بل على قواعد حيوية تأخذ الأفراد إلى النظام وتفسح أمامهم مجال التطور والنمو على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم. لقد بلغني وطرق أذني مراراً أن أعضاء دخلوا الحزب متوقعين أن يروا أصحاب المكانة المتضخمة على رأسه ولكن عجبهم لم يلبث أن تحول إلى إعجاب حين وجدوا أن سياسة الحزب الداخلية تتجه على الاعتماد على القوة الحقيقية، قوة السواعد والقلوب والأدمغة، لا على قوة المكانة. إن مكانة كثيرين من رجال الزمن الذي نريد أن يزول مستمدّة بالأكثر من مبادئ لا تتفق في جوهرها ولا في شكلها مع المبادئ التي سنجدد بها حيوية أمتنا."

"إن مبادئنا القومية الاجتماعية قد كفلت توحيد اتجاهنا، ونظامنا قد كفل توحيد عملنا في هذا الاتجاه ونحن نشعر أن التغيير يفعل الآن فعله الطبيعي"

هذا الوصف هو نموذج عن كتابات سعاده وأقواله التي يحشد فيها أفكارا كبيرة وأساسية ويصوغها بعبارات قليلة غنيّة وواضحة وضوح الشمس.

سنستخرج من هذا النص الافكار الرئيسية التالية:

·        "النظام الذي لا بد منه"، هو وحده، لا نظام غيره، وهو " كفل توحيد عملنا.."

·        " لتكييف حياتنا "، التكييف هو التطور والتغيير وإنشاء الشيء الجديد.

·        النظام البرلماني التقليدي (اي التمثيلي) "لا سلطة له في التكييف" أي لا قدرة له على تحقيق التطوير والتغيير وإنشاء الشيء الجديد.

·         النظام البرلماني التقليدي(التمثيلي، الإنتخابي، العددي، الأكثري) "يهدد كل حركة تجديدية بالفساد"  ويفسح في المجال لتدخل "العوامل الرجعية التي لا يؤمن جانبها والتي قد تكون خطراً عظيما..."

·        نظامنا مبني على "قواعد حيوية"، فيها حياة ونمو، "تأخذ الأفراد إلى النظام"، يتدرجون في المسؤوليات، حسب مواهبهم ومؤهلاتهم، أي إمكانياتهم ورتبهم.  قلنا رتبهم مع أن النص لا يتضمن هذه الكلمة، كلمة المؤهلات الواردة فيه تشير الى معنى الرتب الواردة في نص آخر، في المادة الخامسة من الدستور.  الرتب هي شهادة بالمؤهلات.

إن الأساس العقائدي لهذا الوصف، أي الجذور العقائدية الفلسفية للنظام القومي الإجتماعي هو في نظرة سعاده الى الإنسان حيث أن "مصدر القيم من حقيقة وخير وجمال وحق ومقياسها هو الإنسان" وحيث "أن المجتمع هو الوجود الإنساني الكامل والحقيقة الإنسانية الكلية". 

"إن عقيدتنا إجتماعية، تنظر الى الإنسان من زاوية الحقيقة الإنسانية الكبرى - حقيقة المجتمع، لا من زاوية الفرد، الذي هو، في حد ذاته، وضمن ذلك الحد، مجرد إمكانية إنسانية.  إذا غلط امرؤ في استنتاج أو تأويل أو في حس ما فيصلح غلطه باستنتاج امرؤ آخر أو تأويله او حسه الصحيح.  شرط الحق في الإنسانية ليكون حقاً أن لا يعلن نفسه ساعة ويختفي  وأن لا يختزنه العدد الفردي أو المجموعي في نطاقه الخاص، فيفنى فيه أن لا يكون خقاً عددياًـ بل حقاً إجتماعياًـ لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به العدد، بل يمتد في المجتمع بلا حدود."

الفرد إذاً هو إمكانية إنسانية، أي فعالية، قدرة، طاقة، قوة إنسانية، إن الأفراد يختلفون في مواهبهم ومؤهلاتهم واخلاقهم وقواهم النفسية والروحية، يختلفون في امكانياتهم وانواعها ودرجاتها.

هذه هي الخلفية الفكرية الفلسفية التي جعلت نظام الحزب يأخذ الأفراد الى النظام حسب مواهبهم ومؤهلاتهم، إمكانياتهم، وما المؤهلات والمواهب والإمكانيات غير الشروط التي تؤهّل صاحبها لبلوغ رتبة معينة موجودة في صلب مواد الدستور، قبل صدور المراسيهم الدستورية، موجود نصّها في المادة الخامسة منه التي تقول: "نظام الحزب مركزي تسلسلي حسب الرتب والوظائف التي تنشاً بمراسيم يصدرها الزعيم."

الرتب ليست وساماً ولا تنويهاً ولا ترضية ولا تشجيعاً معنوياً، تبقى مع حاملها، ملكاً له، بل هي شهادة بمؤهلاته يفقدها إذا أخلّ بشروطها.  هي شهادة بمؤهلاته وأمكانياته التي تخوله وتسمح له بتحمل مسؤولية معينة، وظيفة معينة تلائم رتبته.

إن أصحاب السلطة يجب ان تتوفر فيه شروط معينة ومؤهلات معينة لرتبة معينة تلائم درجة مسؤولياتهم ووظائفهم وخطورتها.

إن أصحاب الوظائف-السلطات في نظام الحزب ينتقون من افضل المؤهلين، أصحاب المواهب والمؤهلات، اصحاب القوى المعرفية العلمية والأخلاقية والنفسية والعملية والتجارب، أصحاب  الإمكانيات التي تلائم درجة وخطورة وظائفهم الدستورية وسلطاتهم.

هذه هي القواعد الحيوية التي تأخذ الأفراد الى النظام وتفسح امامهم مجال التطور والنمو والتي يقوم عليها نظام الحزب.  هذا النظام لا يقوم على قواعد تراكمية جامدة تمثل التراكم والتضخم بأجلى مظاهرهما، رجال يقفون فوق أكوام من الرجال، يا يقوم على قاعدة إن هذا ينال عدداً أكبر من الأصوات فينجح وذلك ينال عدداً أقل من الأصوات فيسقط، إن الحق ليس عددياً!  لذلك يقول سعاده في المحاضرة الثانية: "إننا نعتقد أن النظام الإنتخابي الحاضر لا يمكن أن يكون الواسطة الصالحة لتحقيق المباديء الجديدة ولتحقيق التغيير اي لنقل الأمة من حياة وحالة  حياة الى حياة وحالة حياة آخرى لأن في هذه النظام الإستمرار والتراكم هما اللذان لهما اليد العليا على الخلق والفاعلية."  ويقول في المكان نفسه: "أي فرد من افراد الامة فيه مبداً حياة هو الذي يهمنا، أكان ذا مكانة تراكمية أم لم يكن، لان فيه فاعلية الحياة والنمو التي لا توجد في الأشياء التراكمية."

رابعاً:

إن نظام الحزب مركزي تسلسلي حسب الرتب والوظائف، والرتب هي جمع رتبة، وهذا يعني أن في الحزب رتب بالجمع وليس فقط رتبة واحدة.

وفي المادة الرابعة عشرة من الدستور الاساسي، قبل المراسيم، نقرأ: "كل من عين في وظيفة أو رتبة يؤدي القسم التالي: (قسم المسؤولية)"  وهذا يعني أيضاً، في ما يعني، أن في الحزب أكثر من رتبة واحدة وحيدة مفردة.  إن المرسوم الدستوري عدد سبعة، الذي أنشأه الزعيم، ينص: "تنشأ في الحزب رتبة عليا تسمى رتبة الامانة...".  وهذا يعني أيضاً ان في الحزب أكثر من رتبة واحدة وحيدة مفردة، لأن كلمة رتبة عليا تعني أن هناك رتب أدنى سوف تنشا في الحزب.

إن سعاده بدأ بإنشاْء الوظائف من الأعلى الى الأدنى، من العمدات الى المنفذيات الى المديريات، وبدأ بإنشاء الرتب من الأعلى الى الأدنى، فأنشأ الرتبة العليا أولاً ولفظ رتباً أخرى ولحظها في أعماله الإنشائية قبل ان يكتبها مراسيم دستورية مثل: رتبة العضد ورتبة صدر ورتبة الهام ورتبة العقيد ورتبة المجازين ورتبة المذياع العام.  في مرسوم إنشاء لجنة النقد العقائدي ورد أنها مؤلفة من "المجازين" في العقيدة، ومن منا لم يسمع بالشهيد الصدر عساف كرم؟

خامساً: هل طبِّق نظام الحزب المركزي التسلسلي حسب الرتب والوظائف بعد استشهاد سعاده؟  هل استكملت الرتب بعد أن أنشأ سعاده رتبة الأمانة، الرتبة العليا، في المرسوم عدد 7؟ بل هل تم منح او اكتساب رتبة الأمانة نفسها مع احترام شروطها الدستورية الصريحة الواضحة التي لا تقبل التأويل أم تمّ ضخها وتوزيعها على الأتباع والمحاسيب في اقبح عملية تزوير وغشٍ علنية لنظام سعاده وقواعد الحيوية؟

إنه رغم هذه النصوص الواضحة الصريحة لسعاده في دستوره وخطابه المنهاجي الأول  وشروحه في العقيدة والنظام لا نزال نشهد الى اليوم مسؤولين مزكزيين ينكرون هذه القواعد ويرفضون نظام سعاده ويتجاوزون مبدأ المواهب والمؤهلات والإمكانيات العملية المادية والنفسية، ويصرون على مبدأ القواعد التراكمية والمكانة التراكمية والمفاهيم الرجعية نكاية بسعاده وامعاناً في التمرد عليه وخرق عقيدته ونظامه.

لكن سعاده كان عارفاً لمستوى المؤهلات النفسية لدى من كان حوله من الأشخاص وكان عارفاً ما سيفعله "بطرس" (قبل صياح الديك) وكيف سيسير "البطاركة" بالحزب القهقرى وكيف سيحولونه من حزب-دولة الى مجرد "تشكيل سياسي قابل للإستخدام" بين التشكيلات السياسية العادية، فقال: "إذا انفك جميع القوميين الإجتماعيين عني فأنني ادعو للعقيدة القومية الإجتماعية أجيالاً لم تولد بعد."

سادسا: كيفية تحصيل الرتب

إن النظر لمعنى الرتب ومحلها في نظام الحزب وديمقراطية التعبير بدلاً من التمثيل من خلال حاملي رتبة الأمانة الحاليين، لا شك أنه يشوّه سمعة رتبة الأمانة ومبدأ الرتب كله ويشوِّه ايضا صورة دستور سعاده ونظامه وفلسفته ونظرته الى الحياة.

إن عملية نصبٍ وأحتيال وسرقة وتزوير قد حصلت في الحزب فيجب ألا يكون القوميون الإجتماعيون الواعون من ضحاياها.  يجب ألا نكون مخدوعين بالمظاهر الحالية فنكفر بنظام سعاده، "بالنظام الجديد للحياة الجديدة"، بسبب تلك المظاهر السيئة. 

إذاً فهمنا نظام سعاده ومعنى الرتب ومحلّها في هذا النظام، نعرف أن الرتب يجب أن تحصّل تحصيلاً، تكتسب اكتساباً، تبنى درساً درساً وبرهانا برهاناً، يومياً ودائما في مسيرة نشاط ونضال وصراع مستمر يبنى العضو خلالها  نفسه وينمو ويتطور ويصعد في النظام، يتدرج في الرتب والمسؤوليات ولا أحد يعطيه رتبة، يمن عليه برتبة، يغريه برتبة، يشتريه برتبة.

إن سعاده كان هو "يمنح" رتبة الأمانة للعضو الذي يستحقها، كما كان هو يعين أعضاء في المجلس الأعلى كونه هو مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية وكون الحزب لا يزال في المرحلة التأسيسية ولم تكن قد وجدت كل مؤسساته الفرعية وكل اجهزته الملحوظة في الدستور انها ستنشأ.

إذا كان سعاده هو نفسه من كان يمنح الرتب فلا يجوز لنا بعد غياب سعاده ان نفتّش عمن ستولى "المنح" بعده.  يجب أن نتجاوز مبدأ المنح بعد سعاده وننظر إلى استكمال مؤسسات ودوائر الحزب الملحوظة في الدستور  وهذه وحدها تعطي العضو شهادات يستحقها بناءً على طلبه، من عمدة الداخلية، من الندوة الثقافية، من عمدة الإذاعة، من عمدة الدفاع، من عمدة القضاء، خاصة عمدة القضاء، وليس من من مجلسٍ أعلى أو لجنة "منح".  إذا كان لا بد من المنح فيجب أن تتولاه عمدة القضاء أو أحد أجهزتها.  عند ذلك يصبح المنح تتويجاً لسعي العضو نفسه ومصادقة على مراحل تحصيله وعمله الذي يجب أن تكون موثقة ومحفوظة في العمدات المختصة.  يصبح المنح فقط موافقة على إعطائه شهادة استحقها بعمله وسعيه وجدارته هو.  تماماً كما تقدم لجنة خاصة في الجامعة بمنح الطالب رتبة دكتوراه دون أن تكون قد تدخلت في مراحل درسه وسعيه وابحاثه، دون أن تكون هي من جرى له الإمتحان، هي فقط صدّقت على صحة وسلامة المراحل الطويلة السابقة، بعدما راجعتها، والتي أدّت إلى وصوله إلى درجة الدكتوراه.

في الدول الديمقراطية المستقلة لا تتدخل الأجهزة السياسية في البت باستحقاق الرتب العلمية والعسكرية والقضائية، ولا دخل للبرلمانات والحكومات في ذلك، لا صلاحية لها في ذلك.  كذلك لا يجوز أن تتدخل اجهزة الحزب السياسية في ذلك لا صلاحية للمجلس الاعلى ولا لمجلس العمد في ذلك.  وكما لا يرشح طالب طالباً لنيل شهادة مدرسية أو جامعية، كذلك لا يجوز أن يرشّح عضو في الحزب عضواً آخر لنيل رتبة الأمانة، فالطالب يجتهد لنيل شهادته، وكذلك العضو لنيل رتبته، بعد الإمتحان!

إن شرط "الأهلية" لا تصدّق عليه سلطات سياسية بل سلطات فنية، مختصة، مدرسة أو جامعة أو معهد قضاء أو شعبة عسكرية الخ... لكن شرط الأهلية واجب الوجود من أجل تولي السلطات السياسية.

إن شرط الأهلية معمول به في جميع مجتمعات العالم في مستوى المصالح الإجتماعية غير السياسية، وأن سعاده نقل العمل به الى مستوى المؤسسات السياسية العليا في الدولة، حيث هو أكثر وجوباً وأكثر لزوماً في الديمقراطية التعبيرية.

إذا راجعنا شروط الأهلية لرتبة الأمانة، الشروط الخمسة، نجدها شروط امتياز في الشجاعة والبطولة والمعرفة والإدراك العالي والحنكة والتجربة والإخلاص والإيمان... فهي يجب أن تتوفر في الذين يقودون إدارة الدولة حيث الدولة هي مؤسسة الشعب الكبرى التي تقرر في مصالحه العامة الأساسية، في مصيره كله.

فكما أنه لا يحق لك أن تكون رئيساً للجامعة إذا لم تكن دكتوراً، أو للمحكمة إذا لم تكن قاضياً، أو للجيش إذا لم تكن لواء، فكيف يحق لك أن تكون وزيراً أو عضواً في البرلمان او رئيساً للحكومة او للجمهورية إذا لم تكن أميناً؟ كيف يحق لك أن تكون منفذا عاماً في منطقتك إذا لم تكن مؤهلاً؟  كيف يحق لك ان تكون مدير لمديرية قريتك او بلدتك أو ناحيتك إذا لم تكن جديراً؟

في المادة الخامسة من قانون رتبة الأمانة: "...ينتدبون للأعمال التي تقتضي صفات ممتازة" فمن إذاً غير الأمناء للسلطات الحزبية العليا التي بيدها القرارات الخطيرة والفاصلة في مصير الحزب؟

سابعا:

لقد إقترح كثيرون من الرفقاء على مدى تاريخ الحزب رتباً مثل رتبة الأركان ويسمى صاحبها ركناً، رتبة الصدر ويسمى صاحبها صدراً، رتبة المجازين ويسمى صاحبها مجازاً في العقيدة، رتبة الأهلية، رتبة الجدارة، رتب تتدرج من الأعلى الى الأدنى أو العكس، وكل موّظف أو صاحب مسؤولية إدارية او سياسية معينة يجب أن يكون حاملاً لرتبة موازية تلائمها عملاً بنظام الرتب والوظائف ولتأمين القواعد الحيوية للنظام القومي الإجتماعي الجديد.  إذا درسنا الشروط الخمسة لرتبة الأمانة يمكننا أن نستخرج شروطاً أسهل لنيل رتب أدنى يتقدم طالبها شخصياً لنيلها من مؤسسات الحزب المختصة.  مثلا: من يكون قد مضى سنة كاملة على اعتناقه العقيدة والنظام، متمماً لواجباته المالية، مسدداً ضرائبه، إذا لم يكن معفى منها، وواجباته النظامية، غير متخلف عن واحد من الاجتماعات الدورية والاحتفالات العامة والمهمات الموكولة إليه جميعها، يتقدم لنيل إفادة بذلك من نظارة المالية ثم ناموسية المنفذية ويأخذها لعمد القضاء فتحقق هذه العمدة من صحة الإفادات وتمنحه رتبة "جدير" التي تمكنه من شغل وظيفة مدير مديرية او عضو في هيئة مديرية.  وإذا ما ثبت لعمدة القضاء أن الإفادات مطعون بها وغير صحيحة اوقفت الملف واحالته الى المحكمة للتحقيق في أمر الموقعين على الإفادات المزورة.

ومن يكو جديراً (حاملاً لرتبة الجدارة) وأظهر تفوقاً جلياً في الإيمان والإدراك الصحيح للعقيدة والنظام وأثبت ذلك كتابة او خطابة أو أي مساهمة موثقة، تقدم بطلب للحصول على إفادة بذلك من لجنة النقد العقائدي او نظارة الإذاعة او الندوة الثقافية، ويأخذها لعمدة القضاء لتنظر في ملفه وتتحقق من صحته فإذا ثبت لها أن الإفادات التي يتضمنها هذا الملف صحيحة ووافية منحته رتبة الأهلية التي استحقها والتي تؤهله ليشغل وظيفة ناظر إذاعة أو ناموس في عمدة الإذاعة أو الثقافة أو أي دائرة من دوائرها.  وإذا وجدت عمدة القضاء، ان تحقيقاتها قد أوصلتها الى نتائج توجب الطعن في صحة الإفادات المرفوعة إليها اوقفت الملف واحالته الى المحكمة للتحقيق في امر الموقعين عليها.

ومن يكون مؤهلاً ويكون مناضلاً ممتازاً بالفكر والفعل في سبيل القضية والعقيدة مجاهراً بها وقد قام بأفعال وتضحيات غير اعتيادية في سبيل العقيدة والنظام، ويكون في جيمع الظروف السهلة والصعبة مثالاُ في الإيمان بالزعيم والعقيدة والنظام... يتقدم بطلب للحصول على إفادات بذلك من المؤسسات الشاهدة على ذلك، قد تكون عمدة الداخلية او الدفاع او احد اجهزتها، ويرفع ذلك الى عمدة القضاء التي تمنحه رتبة الصدر او ركن حسب درجة مؤهلاته....

الصدور هم ابطال الحركة، رتبهم تؤهلهم للمهام التي تقتضي الشجاعة والصلابة في المجالات العسكرية والسياسية وفي المهام السرية الخطيرة والخطرة.  الصدور هم الإداريون والعسكريون ورجال المخابرات المركزية، هم المنفذون العامون وهم أمّار مخيمات التدريب وقادة الوحدات المقاتلة الذين ينتصرون أو يستشهدون.

الأركان يتصفون بصفات فكرية ونفسية ونضالية وأخلاقية عالية، هم ممثلو الحزب في المجالات التي تقتضي الوعي والصلابة والرجولة، في مجالات السياسة والمفاوضات والإتفاقات، ينتدبون للمهام الحزبية وللأعمال التي تتطلب صلابة في الإيمان وصلابة في الفكر وصلابة في السلوك والأخلاق، ولا بأس بأن يشارك الأركان مع الأمناء في انتخابات المجلس الأعلى.

ومن يكون ركناً ويبرهن عن ثقافة عامة او متخصصة في مصالح الحياة القومية وقضاياها الإقتصادية أو الحقوقية أو التربوية او العسكرية او السياسية او الدولية، يتقدم بطلب لعمدة القضاء مرفقاً بإنجازاته الموثّقة في هذه المجالات او في إحداها، فتدقق هذه في طلبه وتحيله الى المحكمة المركزية التي لها ان تصدر حكمها بإعطائه رتبة الأمانة ام لا، او تحيله العمدة الى لجنة خاصة تابعة لها للبت به، ولصاحب الطلب حق رفع ملفه الى المحكمة الحزبية المركزية للبت به إذا لم يكن راضياً عن قرار عمدة القضاء.

وصف  أحد الرفقاء، واسمه "(؟) سيف"،  ديمقراطية سعاده بديمقراطية الإمتحان. إن هذا الرفيق قد أصاب قلب الحقيقة.

ثامناً:

أين هي الديمقراطية في "ديمقراطية الإمتحان"، في تكوين القيادات من الرتباء، هل اصحاب الرتب يشكلون طبقة أو طبقات، هل حكم المؤهلين اصحاب الرتب العليا هو نوع من انواع الأورستقراطية، هل في الحزب امتيازات وفوارق في الحق بالسلطة؟

هذه اسئلة وجيهة ومشروعة نسمعها اليوم كثيراً في ظل الواقع السيء والصورة المشوهة، بل المزورة، لكل عملية "المنح" الحالية.  هذه الأسئلة وغيرها كثير من الإتهامات والخصومات والسلبيات البشعة المكروهة والتي امعنت بالحزب تمزيقاً وتهشيما و تهميشاً سببها عدم تطبيق نظام الحزب، سببها تزوير نظام الحزب، وبالتحديد "تزوير الشروط المؤهلة للقيادة" حسب تعبير الرفيق هنري حاماتي، ,ان ذلك مسؤول عنه القيادات غير المؤهلة التي تنتج نفسها او نسخاً عنها باستمرار.  إن نظام الحزب الحالي لا يشبه نظامه الصحيح الحقيقي المفترض أن يكون، بشيء.  إن النظام ليس بالنظام والحزب ليس بالحزب!

إن الديمقراطية من حيث هي "حكم الشعب نفسه" تعنى أن الشعب يكون راضياً بحكامه، قابلاً بهم، واثقاً بهم، مريداً لهم، مقتنعاً بهم، أكان كل فرد من أفراد الشعب قد شارك بتسميتهم، عن طريق التصويت، أم لم يكن. 

الشعب هنا هم أعضاء الحزب.  أعضاء الحزب حالياً لا يريدون الأمناء الحاليين، لا يثقون بهم، لا يحترمونهم في أغلب الاحيان، أوقل لا يحترمون أكثرهم، وبالتالي فالديمقراطية مفقودة الآن في الحزب بفضل تزوير نظامه والقوميون الإجتماعيون هم اليوم خارج الحزب بأغلبيتهم الكبيرة والباقون "في الداخل" ليسوا راضين.

أما نظام الحزب الحقيقي فهو ارقى أنواع الديمقراطية لأن اصحاب الرتب، القيادات على جميع مستوياتها المحلية والمركزية، يحوزون ليس فقط على قبول وثقة واحترام أكثرية اعضاء الحزب، بل على قبول وثقة واحترام جميع اعضاء الحزب.  إن أعضاء الحزب جميعهم ليس فقط يؤيدون ويحترمون اصحاب الرتب بل يفرحون بهم ويعتزون، يحتفلون بنيل أحدهم رتبة معينة ويفتخرون به.  هذه ديمقراطية راقية لا تخالطها دعاية ولا تسويق ولا إعلانات ولا غسل أدمغة، لا أكثرية تربح ولا اقلية تخسر، مرة كل اربع سنوات، إنها عملية انتخاب يومية دائمة، عملية امتحان واختبار يومي دائم ليس فيها تزوير ومشاحنات وخصومات وفئويات.  لا هذا يزعل ويتعاطى سلبياً مع الإدارة لانها لم تمنّ عليه برتبة، ولا ذاك يتعجب ويفقد ثقته لأن فلاناً اصبح أميناً وهو يعرف محدوديته وحقيقة مؤهلاته ويعرف نقاط ضعفه التي تمنعه من الأهلية لهذه الرتبة.

تاسعاً:

ما هي الخطوة الأخيرة؟  كيف يتم تسمية – إنتقاء – إنتخاب القيادة المركزية، المجلس الأعلى ورئيس الحزب؟  ما هي شروط التصويت ونظامه وحدوده في المناطق وفي المركز، ما هو الفرق بين السياسة والإجتماع؟  ما هو المرسوم الدستوري عدد 4 وما هو  "المجلس التمثيلي" في كل منفذية؟

قمة الصفحة

خاتمة

لقد ذكرنا مراراً أن الإنتخابات العامة، التي يشترك فيها الشعب كله، هي شكل من أشكال ممارسة السيادة، شكل من أشكال ممارسة الديمقراطية.  أما الديمقراطية نفسها فلا تعني انتخابات، ليست بالضروة انتخابات، وأن الإنتخابات لا تعني "دئماً" ديمقراطية.

إن الديمقراطية هي أن تكون السلطة حائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته أكان ذلك عن طريق اشتراك جميع افراد الشعب بتسمية رجال السلطة، عن طريق الانتخابات، ام لم يكن. وقلنا إن  الديمقراطية التمثيلية تحتاج حتماً لإنتخابات شعبية تفرز الشعب أكثرية وأقلية والسلطة تمثل الأكثرية، تعمل بإرادة الأكثرية، أما الديمقراطية التعبيرية فتحتاج إلى "شرط الأهلية" ان يكون متوفراً في رجال السلطة الى جانب أن يكونوا حائزين على قبول ورضى وثقة الشعب.  كما قلنا إن "شرط الأهلية" لا تقرره أكثرية أو أقلية، ويعني ذلك أن الإنتخابات-التصويت الذي يؤدي إلى أكثرية وأقلية ليس هو الطريقة التي يتم بواسطتها تأمين شرط الأهلية، وقد شرحنا كيف ان شرط الأهلية، كيف أن المواهب والمؤهلات، كيف أن الرتب، تكتسب اكتسابا وتحصّل تحصيلا، وتبنى درساً درساً وبرهاناً برهانا في مسيرة جهاد وصراع مستمر يومياً ودائماً...الخ، ولا تمنح منحاً ودورياً أو موسمياً.

الأن وصلنا إلى نقطة هي أن لدينا مئة أو مئتين أو ثلاثمئة أمين وركن في الحزب، اكتسبوا رتبهم اكتساباً وحصّلوها تحصيلاً، والأمناء كما نعرف "ينتدبون للاعمال التي تقتضي صفات ممتازة" اي هم المؤهلون لتولي المسؤوليات المركزية العليا التي تقرر في المصالح العامة الرئيسية للشعب، بيدها مصالح الشعب ومصيره كله.

وماذا بعد؟  كيف ننتقي عشرة أو عشرين منهم ليكونوا اعضاء المجلس الأعلى؟ بالإنتخابات؟  بالتصويت؟

إذا كان الجواب نعم، ألا نكون قد عدنا إلى الأكثرية والأقلية وإلى الديمقراطية التمثيلية التي رفضها سعاده واعتبر ديمقراطيته التعبيرية انقلاباً عليها؟ 

وإذا كان الجواب لا، فبأي طريقة إذاً ننتقي أعضاء المجلس الأعلى؟

جوابنا هو ما يلي:

لننتبه أين تكمن فكرة "التمثيل" في الإنتخابات.  إن فكرة التمثيل تكمن في ان الهيئة الناخبة تتكون من فئات مختلفة، من مصالح مختلفة وأن من ينال أكثرية يكون يمثل مصالحها، يعمل ببرنامجها الذي يمثل مصالحها، مصالح الفئة الأقوى والأكثر عدداً، وبالتالي سوف يعمل على حماية تلك المصالح بعينها، أما المصلحة العامة والإرادة العامة فشيء آخر.  أما إنتخابات في هيئة ناخبة ليس فيها فئات ومجموعات ومصالح مختلفة، مثل المئة أو الثلاثمئة أمين، فلا يصح ان نصفها بانتخابات تمثيلية، لا نكون قد عدنا إلى الديمقراطية التمثيلية في إنتخابات الأمناء لأعضاء المجلس الأعلى.  إن من ينال العدد الأكير هنا وينجح، لا يمثل فئة انتخبته، لا يمثل مصالحها، لا شيء من ذلك أبداً.

إن الأمناء، الهيئة الناخبة، هم هيئة متجانسة، متضامنه، موّحدة العقيدة، موحدة الهدف، وإذا ما اقترعت-صوتت، فليس لتعيين أن من ينال الأكثرية له الحق ومن لا ينال الأكثرية ليس له الحق، الإثنان لهما الحق، وإنما التصويت فهو لتظهير من سيكون عضواً في المجلس الأعلى لا أكثر ولا أقل.

إن التصويت  في الهيئة الناخبة المؤلفة من الأمناء متوفرة شروطه بشكل كامل.  إن للتصويت شروطاً ذكرها سعاده أكثر من مرة، اقلها أن تكون الهيئة الناخبة تتمتع بحد أدنى من الوعي والوحدة، لا نعني بالوحدة وحدة راي بل وحدة إجتماعية، أن تكون هيئة إجتماعية واحدة شاعرة بكيانها الواحد ومصالحها الواحدة، أن لا تكون منقسمة على نفسها كيانيا، عمودياً، كما في الجماعات المتناحرة عشائرياً او طائفياً.  يقول سعاده في هذا الصدد:

"متى تضاربت الاتجاهات الأساسية في امة من الأمم وختلفت العقائد والعوامل الثقافية، وَلّدَ هذا التضارب وهذا الاختلاف رأياً عاماً مبلبلاً منقسماً لا يتمكن من الإجماع على قضية عامة او مصلحة عامة، وزعزع الوجدان القومي الصحيح ومنع ما يسمى في العلوم السياسية، الإرادة العامة." (من مقالة الراي العام تاريخ 13/11/37 مجلد 2 صفحة 266)

أما في مقالة "تشبيه" (المصدر نفسه صفحة 193) يقول:

"التصويت الموقوت هو احد الحقوق الأساسية التي يمارس الشعب بواسطتها سيادته في الدولة البرلمانية الإنتخابية، وهذا الحق هو في الحقيقة تكميلي لحق طويل عريض يبدأ في الحريات الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الحر المتضامن، وأن من ضروريات ممارسة السيادة بواسطة التصويت الشعبي العام أن يكون المجتمع حاصلاً  على تربية قومية صحيحة  توجه الفرد نحو النظر في مصلحة المجموع دائماً."

رغم  ذلك، فالانتخابات ليست الطريقة الوحيدة او الممر الإجباري لإنتقاء أعضاء المجلس الاعلى، وسعادة لم يذكر انتخاب اعضاء المجلس الأعلى بل ذكر إنتقاء اعضاء المجلس الأعلى في المادة الثالثة عشر الإنتقالية من الدستور.  تنص المادة:"إن مدة ولاية الرئيس المنتخب وطريقة انتخابه وطريقة إنتقاء اعضاء المجلس الأعلى ونظامه الداخلي تحدد فيما بعد بمرسوم يصدره الزعيم على حدة ويكون له صفة المراسيم الدستورية".

إن طريقة الإنتقاء لم يجزم بها سعادة.  لقد جزم بانتخاب الرئيس، لقد جزم بطريقة إنتقاء الرئيس وقال إنها إنتخاب، إنما اعضاء المجلس الأعلى فلم يجزم بها، ذلك يعني أنها ليست بالضرورة انتخاب، ليست كلها انتخاب.

كيف إذاً؟  كاتب هذه الدراسة يتصور الطريقة المفترضة كما يلي:

يجتمع الأمناء (والأركان) ويتدارسون احوال الحزب واحوال الأمة وحاجاتها في هذه المرحلة، يُقَيِّمون الفترة السابقة ويستفيدون من تجربتها ودروسها، يتناقشون في الأولويات وضرورات المرحلة المقبلة، ثم يتوزعون على مجموعات تتكون على أساس التصنيف الفني الإختصاصي لمؤهلاتهم، حسب "المصالح العامة الرئيسية" التي عينها سعاده في المادة الثالثة من المرسوم الدستوري عدد 1 وهي: الداخلية (الإدارة) والمالية والخارجية والإذاعة والقضاء والإقتصاد والدفاع والثقافة والفنون الجميلة.

من الأمناء من يكون في مجموعة الإدارة أو مجموعة الدفاع... إلخ، حسب المصلحة العامة الرئيسية التي هو متخصص بها، ويبدأ الأمناء في كل مجموعة بانتقاء عضوٍ  أو عضوين منهم.

مجموعة القضاء (لندعوها المجموعة الأولى)، مثلاً، تطوّع أمين واحد ليكون عضواً في المجلس الأعلى عنها.  لقد تمّ انتقاء اول عضو.

في المجموعة الثانية لم يتقدم أحد.  يتداول الأمناء في ذلك ويحاولون اقناع واحد او أكثر للتقدم، إذا نجحوا يكون قد تم انتقاء عضو ثانٍ.  وإذا لم ينجحوا في إقناع احد، يتقدم عضو آخر من مجموعة أخرى لا تختلف بإختصاصها كثيراً عن المجموعة الثانية، فيكون قد تم انتقاء العضو الثاني، وإذا لا، يستمر التداول حتى يتم اقناع احد او تبقى تلك المجموعة غير ممثلة.

إذا تقدم إثنين أو أكثر في مجموعة معينة يتم إنتخاب واحد عن طريق التصويت.  وتستمر هذه العملية، في اجتماع او اثنين أو عشرة طيلة شهر تشرين أول ونصف تشرين الثاني حيث يجب أن يكون قد تمّ انتقاء جميع  اعضاء المجلس الأعلى ويكون عندنا مجلس أعلى جديد في السادس عشر من تشرين الثاني-عيد التاسيس.

يكون عندنا مجلس أعلى مكوّن من امناء مؤهلين في جميع الإختصاصات، جميع المصالح الرئيسية العامة، فإذا ما ارادوا التشريع في هذا المجال او ذاك يكون لديهم أعضاء اختصاصيين فيه.  وهذا يشبه اللجان النيابية في الأنظمة البرلمانية.

أما انتخاب رئيس الحزب، فإني من القائلين بوجوب انتخابه من الأمناء أو الأمناء والأركان، حسب ظروف الحزب، وليس من قبل المجلس الأعلى فقط.

إذا كانت المادة الحادية عشرة من الدستور تنص على أن المجلس ينتخب الرئيس فلا ننسى أن هذه المادة هي انتقالية مهمتها الإنتقال من مرحلة زعامة سعاده، مرحلة التأسيس، إلى مرحلة ما بعد الزعامة، ما بعد التأسيس.  في تلك المرحلة كان الأمناء فليلون جداً كأنهم كلهم مجلس أعلى، وكأن المجلس الأعلى كان كله هم.

الأمناء كلهم ينتخبون الرئيس وليس أعضاء المجلس الاعلى فقط، لأن نظامنا رأسي وليس برلماني، أي السلطة الننفيذية هي للرئيس وعند ذلك يكون الرئيس منتخباً من الشعب وليس من البرلمان، وفي هذه الحال من الامناء وليس من المجلس الأعلى. إن مجلس العمد يعاون الرئيس، وهو له رئيسه، رئيس مجلس العمد.  السلطة التنفيذية في المادة الثانية عشرة هي للرئيس وليس لمجلس العمد.  تنص المادة 12: "يكون للرئيس المنتخب السلطة التنفيذية فقط وتحصر السلطة التشريعية من دستورية وغير دستورية بالمجلس الأعلى." 

ملحوظة أولى: الفرق بين السياسة والإجتماع

يعتقد بعض الرفقاء بأن السبب في حصر انتخاب القيادة المركزية باصحاب الرتب العليا هو ما ورد في نشؤ الأمم حول الفرق بين السياسة والإجتماع، حيث يقول سعاده:

" ولكنّ الحقوق السّياسيّة وفي المدينة السّوريّة البحريّة لم تقع قطّ في ورطة استبداد الجمهور بواسطة تدخّل الأفراد، كما حدث في أثينة المدينة الإغريقيّة لعهد بركلس الذّهبيّ حيث كان يحقّ لكلّ فرد أن يتّهم أيّ موظّف في الدّولة، حين انتهاء مدّته، بالخروج على القانون، داعماً تهمته بأيّة صفة من هذه الصّفات المطّاطة: عدم دستوريّة أعماله، أو أنّها غير مرغوب فيها أو أنّ نيّاته كانت سيّئة الخ."

"إنّ العقل السّوريّ العمليّ لم يكن يميل إلى تخيّلات فاسدة من الوجهة العمليّة. ولذلك فهو قد اكتفى من التّجربة الإغريقيّة للحكم الشّعبيّ، بواسطة الشّعب أجمع، بالمشاهدة. إنّه لخيال بديع، في نظر غيري، وخيال سخيف في رأيي أن يكون كلّ فرد من أفراد المدينة المعترف بهم شريكاً فعليّاً في إدارة الدّولة. إنّ المدينة السّورية ظلّت محافظة على الفرق بين السيّاسة والاجتماع واضحاً. وهذا الفرق هو ما مكّن الدّولة من اطّراد تقدّمها."

ويقول أيضاً في المكان نفسه:

"إنّ محاولة الجمهوريّة الإغريقيّة ألغت الدّولة أو كادت تلغيها. وإنّ الأسلوب الّذي جرت عليه الدّولة في تقدّمها وارتقائها كان الأسلوب السّوريّ الّذي ارتقى في قرطاضة إلى الدّيمقراطيّة ووضوح الحقوق المدنيّة والحقوق الشّخصيّة مع بقاء الدّولة شيئاً متميّزاً عن الشّعب، مؤسّسة لا يمكن أن تعرّض لعبث الجمهور."

إن النصوص الواردة آنفاً هي سند ممتاز للقول "بشرط الأهلية" الذي يجب أن يتوفر في رجال إدارة الدولة، ولكنها لا تعني ابداً، أن الشعب لا يجب أن يكون له حق اختيار فيادة الدولة.  إن هذه النصوص تعني انه لا يحق "لكل فرد من أفراد المدينة المعترف بهم أن يكون شريكاً فعلياً في إدارة الدولة" ولا تعني أن الشعب لا يحق له أن يشترك في تسمية رجال الدولة عن طريق الإنتخاب. الاشتراك في الاختيار غير الشتراك في الادارة.

سعاده كان يتكلم عن عهود الدولة الأولية الإستبدادية ثم الأمبراطيورية الأرضية البرية فالدولة المدينية البحرية قبل انتقاله للكلام على الدولة القومية الديمقراطية، وسعاده كان دائما ينظر في "الحقوق" عندما يتكلم على الدولة في نشؤها وتعريفها وتطورها، في أي عهد من عهودها وأي طور من من أطوارها ، وذلك عملاً بالقاعدة التي رسمها في مستهل فصل "نشؤ الدولة وتطورها" حيث يقول: "ليست الدولة في حد ذاتها مقياساً للثقافة العقلية بل بما تنطوي عليه من حقوق، فلا بد لنا من القاء نظرة على بداءة الحقوق لكي نتمكن من فهم نشؤ الدولة وتطورها في ظروفها.  يجب أن ننظر إلى الحقوق إذا كنا نريد أننحصل على تحديد حقيقي للدولة."

النصوص موضوع هذه الملحوظة هي في سياق البحث عن الحقوق الشخصية والمدنية والسياسية في الدولة المدينية البحرية، وقد بدأه هكذا:

"في هذه المدينة وضع اساس الحقوق المدنية التي ارتقت في قرطاجة وبلغت اوجها في روما.."، ويقول:" في هذه المدينة ازدادت الحركة الاجتماعيّة والاختلاط الاجتماعيّ وأخذت المصالح الخاصّة تحلّ محلّ مصلحة العشيرة وابتدأ النّاس يشعرون باشتراكهم في حياة واحدة هي حياة المدينة، وفي هذا الشّعور نجد أصول مؤسّسة حقوق الاشتراك في دولة المدينة والاتجاه نحو الدّيمقراطيّة. ولكنّ الحقوق السّياسيّة وفي المدينة السّوريّة البحريّة لم تقع قطّ في ورطة استبداد الجمهور.." إلى آخر النص لذي يقول: "وإن الأسلوب الذي جرت عليه الدولة في تقدمها وارتقائها كان الإسلوب السوري الذي ارتقى في قرطاجة إلى الديمقراطية ووضوح الحقوق المدنية والحقوق الشخصية مع بقاء الدولة شيئاً متميزاً عن اشعب، مؤسسة لا يمكن تعرض لعبث الجمهور."

إعتقد أنه صار واضحاً أن سعادة يقول بحق جميع افراد الشعب في اختيار إدارة الدولة ولكنه يرفض أن يتدخل جميع افراد الشعب في إدارة الدولة، أن يكون شريكاً فعلياً في إدارة الدولة.

هذا هو الفرق بين السياسة والإجتماع، إنه الفرق بين العمل في الدولة والعمل في المجتمع، الأول للمؤهلين فقط، والثاني لجميع افراد الشعب.

اما السبب في عدم جواز أو عدم عدالة او عدم جدوى اشتراك جميع اعضاء الحزب بانتخاب المجلس الاعلى ورئيس الحزب، فهي أسباب غير تلك التي يعتقدها البعض والتي يسندها هذا البعض إلى نصوص سعادة حول السياسة والإجتماع والفرق بينهما.

إن السبب هو أن أعضاء الحزب ليسوا جميعهم مؤهلين لإدراك حاجات الحزب والأمة وأولويات العمل والصراع ومتطلباته وضرورياته، ليسوا جميعهم مؤهلين لمناقشة هذه الأمور التي على اساسها، وعلى أساسها فقط، يتم اختيار القيادة الحزبية التي ستتولى العمل فيها. 

لا خوف على الديمقراطية ابداً إذا حجب "حق" جميع أعضاء الحزب بالإشتراك في اختيار القيادة المركزية العليا، قيادة الدولة.

في الديمقراطية، حتى تلك الديمقراطية  التمثيلية الإنتخابية الاكثرية العددية، يوجد ما نسميه مبدأ الأنابة او التكليف.

في الديمقراطية البرلمانية مثلاً أعضاء البرلمان ينوبون عن الشعب بانتخاب رئيس الدولة ولا احد يطعن في الديمقراطية البرلمانية لهذا السبب بالذات، ويقول إن الشعب لم ينتخب الرئيس مباشرة فالرئيس إذاً ليس شرعياً او ليس ديمقراطياً.  إن البرلمان يستطيع أن ينوب عن الشعب بانتخابه الرئيس لأن البرلمان نفسه هو منتخب من الشعب اي يحوز على رضى الشعب وقبوله وثقته عن طريق الإنتخاب.  الشعب يبقى مصدراً للسلطات حتى ولو لم ينتخب رئيسه بنفسه.

أيضاً، الأمناء يستطيعون أن ينوبوا عن اعضاء الحزب بانتخاب المجلس الاعلى والرئيس لأن الأمناء انفسهم قد حازوا على رضى افراد الحزب وقبولهم وثقتهم عن طريق الاستحقاق، نيلهم رتبهم عن استحقاق.  وإن مجموع الحزب، القوميين الإجتماعيين، يبقى مصدراً للسلطات حتى ولو لم يشترك كل عضو في التصويت.

ثم ان مبدأ الإنابة-التكليف معمول به على مستوى مصالح الحياة الإجتماعية غير السياسية، ولا يوجد سبب يمنع العمل به على مستوى المصالح العليا والحقوق السياسية في الدولة.

ملحوظة ثانية:  شرط الأهلية في المركز والمناطق على السواء

بعض الرفقاء يعتقدون بديمقراطية تعبيرية مركزية على صعيد انبثاق السلطات العليا، ثم ديمقراطية تمثيلية محلية على صعبد المديريات والمنفذيات ودليلهم المرسوم الدستوري عدد 4 الذي ينص على إنشاء لجان المديريات ومجالس المنفذيات بالإنتخاب من قبل الأعضاء وسعادة يسمي مجلس المنفذية "مجلس تمثيلي استشاري".

إن هذا الإعتفاد في رأيي ليس سليماً للاسباب التالية:

إن التمثيل في عبارة "مجلس تمثيلي" لا يعني مطلقاً ما تعنيه فكرة تمثيل الإرادة العامة.  إن مجلس المنفذية مؤلف من ممثلين عن المديريات واحد عن كل مديرية، وليس عن الإرادة العامة لأعضاء الحزب أو أعضاء المنفذية أو اعضاء المديرية.  ليس كل ما قرانا كلمة تمثيل يجب أن تقفز إلى أذهاننا مسألة "الديمقراطية التمثيلية"!

في المرسوم عدد 4 اعضاء المنفذية لا يجتمعون وينتخبون مجلس منفذيتهم بل أن اعضاء كل مديرية هم الذين يجتمعون وينتخبون لجنة استشارية.  حولى خمسة وعشرون رفيقاً، أقل أو أكثر،  يجتمعون وينتخبون  ثلاثة او خمسة أعضاء يكونون لجنة مديريتهم  التي ستكون مهمتها محلية لا يتعدى القرية أو الناحية وشؤونها.  هذا من جهة، ومن جهة اخرى من قال إن كل إنتخابات تعني تمثيلاً؟

إن أعضاء المديرية يعرفون بعضهم بعضاً ومتفاعلون مع بعضهم يومياً، قضيتهم واحدة في القرية الواحدة وليس في المديرية فئات ومجموعات ومصالح مختلفة وأقلية وأكثرية، في هذه الحال لا يكون الإنتخاب تمثيلياً يفرز موالاة ومعارضة.  إن أعضاء المديرية ينتقون من بينهم، عن طريق التصويت، ثلاثة او خمسة اعضاء ليعاونوا هيئة المديرية في دراسة شؤون القرية الحزبية والسياسية وتقديم المشورة فيها.لو كان الانتخاب يعني تمثيل لكان سعادة سمى لجنة المديرية لجنة تمثيلية, وليس مجلس المنفذية "مجلس تمثيلي.

لجنة المديرية تنتخب رفيقاً ليمثلها في مجلس المنفذية، ليمثل المديرية.  إن مجلس المنفذية مؤلف من ممثلين عن المديريات وليس عن الإرادة العامة لأعضاء المنفذية.  إن عضو مجلس المنفذية يمثل مديريته فقط ولا يمثل إرادة القوميين في المنفذية.

ليس ممنوعاً استعمال كلمة "تمثيل" ومشتقاتها لمجرط ان سعادة يقول "بالتعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامة".

التمثيل موجود وواقعي وعملي في الحياة.  هل إذا طلب من الحزب أن يرسل من يمثله في احدى المناسبات العامة او الخاصة او في احد المؤتمرات نقول لا، نحن لا نرسل ممثلاً عن الحزب بل معبراً عنه؟! هذا ليس منطقاً واقعياً!

بلى، مجلس المنفذية مجلس تمثيلي وليس فقط مجلس المنفذية تمثيلي بل هيئة المنفذية نفسها ترسل "ممثلاً عنها" لحضور اجماعات مجلس المنفذية و"يجلس على يمين الرئاسة".  وعمدة الإذاعة ترسل ممثلاً عنها لحضور المخيم الذي تقيمه عمدة الدفاع، والمركز كله يرسل ممثلاً عنه في احتفال تقيمه منفذية حمص...الخ، فهل كل هذه الأعمال هي ديمراطية تمثيلية لأن فيها ممثلين عن المنفذية والعمدة والمركز؟!

إن سعادة قد انشأ في المرسوم عدد 4 "سلطات" محلية استشارية وتشريعية في الضرائب المحلية موازية للسلطات المحلية التنفيذية، بالضبط كما أنشأ السلطات التشريعية المركزية – المجلس الأعلى، الموازية للسلطات التنفيذية المركزية-رئاسة الحزب.

الحزب كله يسير سيراً ديمقراطياً  تعبيرياً في المركز والمناطق وأن مبدأ "شرطالأهلية" الذي يعطي للديمقراطية صفتها التعبيرية هو مبدأ معموبه في الحزب كله، في المركز والمناطق.

إن شرط الأهلية هذا موجود في نص المرسوم الرابع حيث ينص: " لا يجوز أن يتعبر ناخباً او مرشحاً إلا كل من هو متمم واجباته النظامية والمالية."

ولا ننسى أن سعاده لم يكن قد وصل الى المرسوم عدد 7، لم يكن قد بدأ بإنشاء الرتب، وإن عهد ما بعد الزعامة، ما بعد التأسيس، يجب ان يلحظ في الدستور المعدّل شرط الأهلية للجنة المديرية بتسمية رتبة الجدارة لمرشحي اللجنة.

إني اتكلم عن حزب سعاده وليس عن ما هناك من أشكال حزبية حالية. 

اما كيف نطبق الديموقراطية التعبيرية في المجتمع, فعن طريق العمل على محورين: الاول محور الديموقراطية والثاني محور التعبيرية.

في محور الديموقراطية, يجب تأمين الوحدة الأجتماعية, يجب ان يكون عندنا مجتمع واحد "حر متضامن" حسب تعبير سعادة. وحدة المجتمع هي شرط الديموقراطية الاول, لا ديموقراطية دون وحدة المجتمع.

ان المبدأ الأساسي "الأمة السورية مجتمع واحد" وما ينبثق عنه من مبادئ اصلاحية: فصل الدين عن الدولة, منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين, ازالة الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب,   هي المبادئ الذهبية لتكوين مجتمع "حر متضامن" صالح لتطبيق الديموقراطية الأنتخابية فيه (انظر مقالتي الراي العام وتشبيه لسعادة).

اما في محور التعبيرية فيجب ادخال مبدأ "شرط الأهلية" للعاملين في السلطات السياسية في الدولة, وذلك عن طريق فرض شروط لحق الترشح ولحق الأنتخاب.

يجب تطوير دروس الأجتماع والأقتصاد والسياسة في المعاهد والجامعات وجعل النجاح فيها شرط للمرشحين للعمل في سياسة الدولة.

يجب تحرير الديموقراطية من سلطة الأقطاع والمال, من هيمنة الطائفية والعشائرية والعائلية ووضعها في ايدي المؤهلين من ابناء المجتمع في المعرفة والأخلاص والأخلاق, يجب رفعها الى مرتبة "سيادة المجتمع وحكمه نفسه".

قمة الصفحة

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
خالد ولو رحل
رسالة الى الرفيق منير حيدر
نشؤ الامم كتاب علمي
في مفهوم الحزب السوري القومي الإجتماعي
الحوار الإسلامي المسيحي
ماذا يعني لي شرفي وحقيقتي ومعتقدي
فلسفة الإنسان الجديدة:الإنسان المجتمع
مداخلة على "حقيقة الفرد للرفيق حنا
هذه هي الديمقراطية التعبيرية
حدث معي في "هذا الحزب"
ملحق "هذه هي الديمقراطية التعبيرية"
قضية الإنتماء والحرية الصراع
قيادات لا تتحمل أبطالاً
قانون الإنتخابات والتوازن والتعايش
الفرق بين السياسة والإجتماع في كتاب نشؤ الأمم
نسبة كتاب نشؤ الأمم الى الفلسفة القومية الإجتماعية
مقالك رائع
شوقي خيرالله وحرب طواحين الهواء
عودة الى مقالة مسألة الإغتصاب اليهودي لفلسطين