حالة طواريء
نشر الأمين السابق في الحزب السوري القومي الإجتماعي السيد إبراهيم
يموت بعض الملاحظات المتعلقة بالحركة القومية الأجتماعية مسجلا فيها
شجاعة المعارضين وقلقهم على المصير القومي، متمنيا الا يخرج هذا التحرك
عن نطاق العمل الديمقراطي الواضح والشفاف؛ معتبرا أن هذه الديمقراطية
الشفافة يؤمنها نظام الحزب الذي يفترض أن يحترمه المعارضون والمسؤولون
على السواء.
نحن نعرف الدافع الذي يكمن وراء هذه الملاحظات، وهو غيرة الأمين
إبراهيم يموت على النهضة القومية الأجتماعية وتشوقه في أن يراها كما
يجب أن تكون عليه من قوة ونشاط وفاعلية لتحقيق الأمر التي إنشئت من
أجله. لكننا لا نستطيع إلا أن نلاحظ هذه الطوباوية التي تغلف هذه
التمنيات كأن صاحبها لم يعرف سعاده ولم يستوعب إبعاد أعماله وتوجهاته
وأفعاله، لذلك سمح لنفسه أن يقارن بين قيادة يعشش فيها الفساد
والأنتهازية والمصلحة الفردية واللامبالة، مع قيادة سعاده الرائدة
والفريدة. ولا نعلم ما يعني الأمين أبراهيم عندما يتكلم عن
الديمقراطية الشفافة التي يؤمنه الحزب. فهو يعرف قبلنا، أن
الديمقراطية في الحزب لم تكن ولا يوما شفافة بعد إستشهاد سعادة، بل
كانت ديمقراطية أفراد يستقطبون الولاء حول إشخاصهم فتنشأ بينهم
المماحكات التي كانت تكون بالسر أحيانا، وأحيانا أخرى علنية أثارت
حولها ضجيجا كبيرا. ألم يحدث هذا الأمر في أوائل الخمسينات عندما
أستقال عبد المسيح وأنتخب المحايري ثم عاد عبد المسيح عن أستقالته
وأستقال المحايري؟ وماذا عما حدث بعد منتصف الخمسينات عندما أستقوت فئة
بالظروف المحيطة بها وما كان لها من علاقات سياسية خارج نطاق الحزب حيث
طردت جورج عبد المسيح ونشرت قرار الطرد على صفحات الجرائد قبل أن تبلغه
لعبد المسيح؟ ألم يشهد الحزب عندها الأنشقاق الأول له وكان الأمين
إبراهيم من جملة غالبية القوميين التي إنشقت بقيادة عبد المسيح.
فالأزمة لم تكن يوما أزمة نظام ولا أزمة ديمقراطية، بل أزمة أشخاص
حاولوا دائما القفز على النظام والقفز على الديمقراطية حيث كانوا
يتشاطرون على تطبيق النظام ويكيفونه بحسب حاجاتهم وإراداتهم بشكل يخدم
ما كان عندهم من إغراض أقل ما يقال فيها إنها مخالفة ومخالفة ولا
تتطابق مطلقا مع أهداف القضية القومية.
ماذا يريد الأمين أبراهيم من شفافية أوضح من شفافية هذا الفساد المتحكم
بإرادة القوميين والمتكلم بإسمهم والمقيد لحركتهم؟ أذا كانت القيادات
الحزبية في الماضي تستطيع أن تبرر مواقفها وتتمكن من تغطية عورات
أعمالها عن أعين القوميين، ما الذي يوجد عند هذه القيادة وعند هذه
المعارضة على حد سواء، تتمكن بواسطته أن تغطي به عورة الفساد والسرقات
والقتل والإرتهان والعمالة والمصلحة الفردية؟ ألم يصبح التسابق الى
مراكز السلطة بالحزب تسابقا على ما يمكن أن ينتج عنه من خيرات شخصانية،
تتراوح من طمع بمعاش التفرغ عند بعضهم، الى طمع في مركز نيابي أو وزاري
يعملون له ليل نهار من خلال الحرص على أن يكون عندهم شهادة حسن سلوك من
مراجع معينة خارج الحزب. لذلك ترى المؤيدين والمعارضين يتسابقون على
التزحفط الى تلك المراجع وترى كلا منهم يتباهى أن تلك المراجع تدعمه،
لذلك فأن على الحزب أن يدعمه.
بإختصار لسيت الأزمة الحزبية مسألة موالاة أو معارضة، إنها مسألة
أخلاقية بالدرجة الأولى، وهي مسألة عقلية مريضة ليس لها أي علاقة
بالعقلية القومية الإجتماعية وهي ليست منها وليست لها. أننا نستغرب أن
يقع مجموع كبير من القوميين في فخ هذه العقلية دون التفتيش عن الجوهر
وعن الأساسيات المبدئية ليكون لهم وعندهم قدرة على التصحيح وقدرة على
النهوض. هم يتجاوبون مع هذا الجنوح الأخلاقي والمبدئي بشكل يترك أي
مراقب واع وفاهم للأمور بحالة إندهاش وتعجب وإشمئزاز. فهم لا يرون
حرجا من التكلم عن قيادة اللون الواحد. ماذا يعنون باللون الواحد وما
هو هذا اللون وما هي الألوان المطلوبة؟ شخصيا أنا عاجز عن فهم كل
ذلك، ربما تقصير مني في الوصول الى هذا النوع من الفهم الذي بقيت
دونه! ما هو اللون الذي يمثله أسعد حردان ومن معه في القيادة؟ هل كان
لون محمود عبد الخالق في الأمس القريب مختلفا عن لون أسعد حردان ثم
أندمج اللونان فأصبحا لونا واحدا؟ وماذا نقول عن لون مروان فارس الذي
إندمج في لون أسعد حردان ثم بهت هذا الأندماج ليصبح لونه متميزا قليلا
عن لون أسعد؟ وما يقال عن لون فارس يقال عن ألوان أخرين ليس أقلها لون
بهيج أبي غانم الذي لم يكن فقط خارج نظام العمل الحزبي بل خارج النظرة
القومية جملة والذي يرى أن سعاده قد أخطأ في رفضه لقرار التقسيم (تقسيم
فلسطين طبعا)؟ ثم ما هي ألوان هؤلاء المعارضين؟ ألم يساعد معظمهم
ويمهد الى سياسة الألوان والتلون الذي جر إليه الحزب والتي نمت وتأصلت
فيه في الأستنقاع والعبثية والتضييع والضياع؟
أننا لا نرفض هذه القيادة لأن لها لون واحد، بل لأن ليس لها لون قومي
إجتماعي معبر عن قضية الأمة وعامل لمصلحتها. نحن نرفض هذه القيادة
لأنها قيادة إغتصبت السلطة أصلا خلال زمن ظروف مساعدة على التشبيح
والتشبيح والمضاد، وعلى التسلط والتسلط المضاد، وعلى الترهيب والترهيب
المضاد، والقتل والقتل المضاد، حيث كان لا دور للعقل والحكمة والمنطق
والنزاهة، وحيث كانت الرغبة في الإستماع الى العقل والحكمة والمنطق
معدومة كليا. لم تستطع هذه القيادة أن تنقل الحزب الى المناج السليم
ليس لعدم قدرتهاعلى ذلك، بل لأن ذلك يتعارض مع مصالحها ومع نظام
المحاصصة بين الفاسدين من أكلة الجبنة المهترئة، ضاربة بالمصلحة
القومية عرض الحائط. نحن لا نلوم هذه القيادة، بل نلوم القوميين الذين
يغمضون عيونه عن فهم عقيدتهم ومبادئهم وقضيتهم، هذا على إفتراض من أنهم
يفهمون أصلا بشكل شامل وواضح مضامين عقيدتهم ومبادئهم وأهداف قضيتهم.
إنهم لا يرون أي كارثة يعيشونها وتعيشها قضيتهم ونهضتهم أو إنه لا
يدرون بأنهم يعيشون كارثة. ما أصح قول الشاعر بهم:
أن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
أي تشدق بالنظام هو جهل للنظام. النظام يخلقه المؤمنون به لا المستغلون
له والمقوطبون عليه. النظام تخلقه الأخلاق الباعثة والمسيرة له والتي
بها يستضيء طريقه ويستنير مسالكها.
حالة طواريء؟ من أجل ماذا؟ هل أن الأمين إبراهيم جدي بهذا الأقتراح؟
هل أن ما نشكوا منه هو حالة ركود في القاعدة الحزبية وأن القيادة
الحزبية تعاني من هذا الركود ليصح مقارنة الوضع الحالي مع ما كان يتخذه
الزعيم من إجراءات؟ هل نعاني حالة ركود في القاعدة أم حالة فساد في
القيادة؟
نحن مع إعلان حالة طواريء يعلنها القوميون الأجتماعيون الواعون
والنزهاء والشرفاء الذين لا مصلحة لهم الا مصلحة الحزب ومصلحة الأمة،
فيتداعون لتدارس الوضع القومي ووضع الأسس العملية والجدية لأعادة الحزب
الى الطريق الذي شقه سعاده وعبده بدمه. أننا مع إعلان حالة طواريء
يتحدى بها القوميون أنفسهم، ويجندون أنفسهم بدون كسل أو ملل لقطع دابر
الفساد والأفساد ونشر الوعي القومي الصحيح، وزرع الأخلاق القومية
الصحيحة، والهداية الى طريق العمل القومي الصحيح. طواريء من هذا
النوع هو مطلبنا، لكننا لا يختلط علينا الأمر بين طواريء وطواريء.
|