إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   

 

 

حركة ابو واجب 

يختصر الرفيق عبدالله سعاده في كتابه "اوراق قومية" مرحلة ما بعد إستقالة الرفيق يوسف الأشقر بما يلي:

"....ولكن الإنقسام لم يكن رغبة لدى طرف واحد، بل كان كامناً لدى الطرف الآخر.  فما أن قبلت إستقالة رئيس الحزب الرفيق يوسف الاشقر، حتى أعلن الفريق الثاني المحافظ تنظيمه المستقل بمؤسساته الكاملة، وكان قد سبق ذلك عدة حركات تمرد إحداها بقيادة الرفيق ابو واجب (وسيم زين الدين)".

لم يتعلّم الرفيق عبدالله سعاده كثيراً ولم يستفد من التجارب التي مرّ بها خلال عمله الحزبي.  نحن نعلم أنه أملى(تولت الرفيقة زينب عبد الساتر كتابة ما كنا يمليه عليها الرفيق عبدالله) هذه المذكرات وهو في حالة المرض الشديد، الأمر الذي قد يكون منعه من التأمل الهاديء والنقد الرصين لمراحل عمله الحزب، كي تأتي مدوناته ثروة تستفيد من عِبَرِها الأجيال القادمة.  لكنه وهو في حالات المرض الشديد لم يستطع سوى أن يكابر ويتعامي عن أخطائه مضفياً على كل عمل قام به هالة من الممصداقية والحكمة والحصافة وبعد النظر، وهو لم يبرهن في معظم هذه الأعمال أنه كان يملك شيئاً منها. 

لو قيّض للرفيق عبدالله سعاده أن يتأمل جيداً في تاريخ عمله الشخصي والحزبي، لكان توصّل الى مجموعة حقائق قيمة يستفيد منها كل المعنيين بالعمل القومي الإجتماعي.  الحقيقة الأولى، هي انه كان طبيباً ناجحاً وإن الحقل الطبي كان يجب أن يكون الحقل الأول والأخير له.  لقد كان بإمكانه لو إقتصر تركيزه على هذا العقل أن ينجح نجاحاً عظيماً خاصة وأنه بوادر ذلك النجاح كانت قد بدأت من خلال تأسيسه لأول مستشفى له في السعودية، وكان على وشك شق طريقه الى الشهرة والثروة معاً من خلال مهنة الطب.  لقد كان يمكن للرفيق عبدالله أن يقدّم خدمة عظيمة لحزبه لو تابع ذلك الطريق وخصص نسبة مئوية من ثروته للحزب.  الحقيقة الثانية، هي أن لم يكن بحاجة أن يكون عنده أي طموح نيابي، ولم يكن بحاجة للتجاوب مع أي تشجيع من أي كان في خوضه الإنتخابات النيابية، لان نجاحه في الحقل الطبي، شهرة وثروة، كانا أهم بكثير مما كان يمكن أن يقوم به وهو نائب في البرلمان اللبناني. لقد أضاع أموالاً في هذا السبيل على غير طائل.  الحقيقة الثالثة أنه جرّ حزبه الى كوارث متنوعة عندما تولى مسؤولية الرئاسة فيه.

أي قاريء نبيه يلاحظ أن الرفيق عبدالله قد مرّ بسرعة خاطفة على الأحداث التي يريد أن ينساها أو يطمسها والتي تعرّض مصداقيته للإنهيار، لكنه يتمهل جداً في شرح الأحداث التي يظن أن الإستفاضة في شرحها يخدم شخصه ويخدم ومصداقيته.

هو لا يذكر أن إنتخابه كرئيس للحزب عام 1974 كان إنتخاباً غير دستوري، وهو لا يذكر أن عند إنتخابه الإحتيالي كرئيس للحزب دخل مركز الحزبي مرة واحدة على رأس جريدة مسلحة ومعه داود باز والمطرود توفيق الصفدي. وهو لا يذكر أنه لم يستطع أن يمارس مسؤولية تلك الرئاسة إلاّ على المنحرفين الذي كانوا معه أصلاً في "التنظيم الثوري القومي"، حيث كانت إجتماعاتهم تعقد في بيت كامل حسان في بشامون. 

هو يوحي في الفقرة المنصوصة فوق أن "الطرف الآخر" كانت له مؤسساته  الكاملة فور إستقالة يوسف الأشقر وقد مرّ مروراً عابراً في الكلام عن "حركات التمرد التي سبقت ذلك"! ثم أنه كان من المخجل أن يتكلم عن "الفريق الثاني المحافظ" بعدما شهد على مدى إثنين وعشرين سنة، من بعد تاريخ المرحلة التي يتكلم عنها،  نشؤ أطرفٍ وأفرقاء في الحزب لا يحصى عددها، حيث صار واحدنا لا يعرف ماهية هذا الفريق أو ذاك ك ولم يعد يعرف من مع من؟

هل كان الرفيق عبدالله يعاني ضعفاً في ذاكرته خلال إملائه لذكرياته حتى كان يهذي بهذا الشكل وحتى أتى تذكّره للاحداث إنتقائياً؟  لا نظن ذلك.  إن ما يشهد على بقاء ذاكرته في حالة جيدة بالرغم من مرضه، هو أنه لم ينسَ أدق التفاصيل في روايته للأحداث التي كان يعتبر الإستفاضة فيها لصالحه.  لم ينسَ، مثلاً، في معرض تعبيره عن المرارة التي سببا له إنعام رعد أن يعرض لجميع قباحات إنعام رعد.  لقد كان الرفيق عبدالله يعاني كثيرا من هذه المرارة وهو لم يكن يتوقع يوماً أن يغدر إنعام رعد به، وهو لم يخطر في باله أبداً أنه سيكون بإمكان إنعام رعد أن يغدر به في وقتٍ من الأوقات.  لقد فشل حقيقة في فهم نفسية ذلك الشخص على حقيقتها فلم يتوصل إلى رؤية  ما أحتوت عليه تلك النفسية من حقارة وكيدية وخساسة وسفالة وغدر.

المرارة التي كان يعاني منها الرفيق عبدالله سعاده في أعماق نفسه، دفعته ان يكون حريصاً على تذكّر كل الإساءات التي قام بها إنعام رعد لشخص عبدالله سعاده وللحزب معاً. لذلك رأيناه يبوح بكل أسرار خيانة إنعام رعد وجبانته وغدره وخساسته.  ومن المؤسف حقاً ان يكون مقص الرقيب (الرفيقين غسان مطر وبدر الحاج) قد إقتطع جزءً يسيراً من تلك الأسرار، فحرم القوميين من التعرف أكثر على ما أنغمست فيه نفسية إنعام رعد من حقارة وتدجيل. حتى في مجالسه الخاصة وقبل أن يقعده المرض كان الرفيق عبدالله سعاده حريصاً على كشف سرٍ لم يكن يعرفه احد غيره من الناس، ذلك السر الذي كنا قد أشرنا إليه سابقاً ونعيد الى التذكير به الآن.  لقد كان إنعام رعد يخاف من إنتقام الرفيق عبدالله منه بسبب خيانته له ولرفقائه في الإعتقال، لذلك إستبق إنعام رعد أي محاسبة من قبل الرفيق عبدالله له بأن ذهب إليه وأرتمى على قدميه وقبّل حذاءه  طلباً الرحمة والغفران!

من المؤسف حقاً أن يأتي كتاب الرفيق عبدالله سعاده، كتاباً لا قيمة إيجابية أو تاريخية له، وإن كان يلقي أضواءً للباحثين والدارسين على العقلية التي ساهمت في تخريب الحزب وتدميره. 

لم يكن عند الرفيق  نواف حردان كثيرا من الخبرات القيادية التي يستطيع أن يوظفها لقيادة الحزب في تلك المرحلة الدقيقة،  فأن يشعر أحدهم على قدرة عنده في ممارسة المسؤوليات الكبرى شيء، والممارسة الفعلية لتلك المسؤوليات شيء آخر. لذلك أصاب القوميين الإجتماعيين في مختلف الفروع نوعاً من اليأس والتقاعس والإشمئزاز وعدم الثقة، فكان تجاوب معظمهم لمطلبات العمل الحزبي ضئيلاً جداً..

بعد مرور شهرين أو ثلاثة أشهر على تكليف الرفيق نواف حردان برئاسة الحزب، وبينما كنت في كلية العلوم، إلتقيت بالرفيق مفيد قنطار الذي طلب أن نتكلم على إنفراد.

أخبرني الرفيق مفيد أنه وثلاثة عشر رفيق آخرين يخططون للقيام بإنتفاضة في الحزب، وسألني إذا كنت أرغب في الإنضمام إليهم.  أجبت الرفيق مفيد أنه بقدر ما أتفق مع أولئك الرفقاء على الأسباب التي تدعوهم الى القلق وتدفهم الى القيام بتلك الخطوة، وبقدر ما هي وجهة نظري متطابقة مع وجهات نظرهم في شؤون الحزب العقائدية والسياسية، فأنا لا أجد في العمل الذي كانوا مقدمين عليه حلاً لمشكلة الحزب، خاصة أنه بإمكاننا أن نبذل نفس الجهود عن طريق النظام الحزبي لنحقق الغاية المنشودة.

في مساء ذلك اليوم نفسه كنا نسهر في منزل إبراهيم حتى  شقيق الرفيق انطون حتى، في عين الرمانه، حيث لم يكن صاحب المنزل هناك، وكان عددنا حوالي الثلاثين رفيقاً ورفيقة.  لقد سهرت شخصياً مع المجموعة التي كانت تمضي سهرة عادية، بينما كان الرفقاء الذين ذكرهم الرفيق مفيد قنطار  يجتمعون في الطابق العلوي من المنزل.

عندما أعلن الرفيق ابو واجب عن حركته بعد مرور يومين أو ثلاثة على تلك السهره لم أفاجأ بذلك الإعلان، كما أنني لم ألعنه ولم أتحمس له.

لقد خلق ابو واجب حماساً كبيراُ بين القوميين منذ اللحظة الأولى لإعلانه عن حركته، خاصة أنه حمل في طيات إنتفاضته فرصة توحيد صفوف القوميين بما فيهم الرفقاء العاملين في "جناح عبد المسيح".  في الحقيقة، لقد كان هناك عدد من الرفقاء العاملين  في جناح عبد المسيح من المتعاونين مع الرفيق ابو واجب في تلك الحركة. لقد كان بينهم الرفقاء  دريد ابو شقرا، أمين عطيه، حسن الطويل، نجم مطر، وبديع عطية. 

لقد عمل ابو واجب بديناميكية مميزة وبدون هدؤ، حيث كان حريصاً أن يزور الوحدات الحزبية واحدة واحدة وفي جميع المناطق في لبنان.  في نفس الوقت كان الرفيق أبو واجب يبذل أقصى جهوده لإطلاق ورعاية "منظمة الزوبعة". 

عندما طلب أبو واجب من بعض الرفقاء في الشويفات أن يقوم بزيارة لهم، لم أعترض شخصياً على ذلك الأمر بل شجعتهم أن يستقبلوه بأكبر عددٍ ممكنٍ من بينهم، بينما بقيت شخصياً بعيداً عن ذلك الإجتماع. 

أبو واجب لأول مرة 

في مساء أحد الأيام كنت مع رفقاء آخرين في سيارة الرفيق حاتم ابو فخر حيث كنا متوجهين الى بيروت في مشوار ترفيهي.  لم نكن قد قطعنا بعد أكثر من مئة متر على الطريق العام حتى تجاوزتنا سيارة آخرى وإنعطفت بسرعة أمامنا، حيث أومأ من فيها لنا بالوقوف، فوقفنا.  ترجل من تلك السيارة شخص، وإقترب من سيارتنا سائلاً:"مين منكم الرفيق منير حيدر؟"  أجبته: "نعم ماذا تريد؟"  أجابني: "تفضل معنا؟"  لم أحاول أن أسأل ذلك الرفيق الذي كنت لا أعرفه عن سبب طلبه ولم أحاول التخفيف من عنفوانه ولهجته الآمرة، بل تجاوبت معه خاصة أن تقديرات لذلك الأمر كانت في محلها.

صعدت الى سيارة الرفقاء الذين جاءوا في طلبي، بينما لحق بنا  الرفيق حاتم في سيارته..

عندما توقفت السيارة قرب "الغومون بالاس"، عرفت أنني على وشك التعرف على أبو واجب لأول مرة. 

في سيرنا من مكان وقوف السيارة الى جريدة "البناء" إلتقيت بالرفيق دريد ابو شقرا، وذلك بعد خمسة عشر عاماً على آخر مرة  رأيته فيها.  بادرني الرفيق دريد: "الرفيق منير؟" فأجبته بعد أن أمعنت النظر إليه: "الرقيق دريد؟ لم اعرفك في باديء الامر فأنت تختبيء وراء لحيتك". فكان سرورنا في اللقاء متبادلاً. 

في مكتب جريدة البناء طلب مني الرفيق ابو واجب أن أساعده في تنظيم منفذية الغرب وأن أقوم بمهمة المنفذ فيها.  إعتذرت منه، وكان جوابي له مشابهاً لجوابي للرفيق مفيد من قبل، لكنني زدت عليه انه، بما أن حركة الإنتفاضة أصبحت أمراً واقعاً، فإني أتمنى له النجاح، ووعدته بإيجاد أشخاص في منفذية الغرب من القادرين على التعاون معه، كما وعدته بأني سأقدّم لاولئك الأشخاص كلّ ما أراه مفيداً من النصائح التي تساعدهم على النجاح في عملهم.

تنفيذا لوعدي للرفيق ابو واجب، إتصلت بالرفيق عادل قائدبية وأقنعته بالتعاون مع ابو واجب وهكذا كان.  

مقاطعتي لأبو واجب

بعد ذلك اللقاء الأول مع ابو واجب صرت أمر عليه من وقت الى آخر في مكتبه في جريدة البناء.  في أحدى تلك الزيارات علمت أنه سيعقد في اليوم التالي مؤتمراً صحفياً، فأستوضحته عن طبيعة ذلك المؤتمر.  عندما أخبرني عن فحواه، طلبت منه صرف النظر عنه، لأنني لم أر أية فائدة له.   على العكس من ذلك أخبرته، أنه لا يكفي أن يقف شخص من الأشخاص ليقول "أنا القائد"، ليكون بإمكانه إتخاذ القرارات الكبيرة متوقعاً تأييد الناس له.  إذ لم أكن مقتنعاً أن ذلك الأسلوب ممكن ولم أكن مقتنعاً أن أزمة الحزب تحلً بتلك الطريقة. 

لقد حاولت كثيراً أن أقنع ابو واجب بوجهة نظري بدون جدوى، عندها، قلت له إني كما تمنيت له النجاح سابقاً أعود وأتمنى له النجاح ثانية، لكنني لا أرى نفسي قادراً على التعاون معه بعد ذلك.

في مؤتمره الصحفي، راح أبو واجب يوزع قرارات الفصل والطرد وألغاء قرارات فصل وطرد يميناً وشمالاً وكأنه يملك السلطة الفعلية القادرة على وضع تلك القرارات موضع التنفيذ إيجاباً أو سلباً. 

لقد حاول ابو واجب تقليد الزعيم في كل شيء، ناسياً أن التقليد لا يعطيه الصفة الأصلية.  لقد كان ابو واجب فاهماً للقضية القومية الإجتماعية، مؤمناً ومخلصاً في إيمانه، وكان شجاعاً يدرك أهمية ربط المواقف النظرية بالمواقف العملية عكس كثيرين من القوميين الإجتماعيين.  كان ابو واجب يحاول أن يقتدي بالزعيم في كل حركاته، من تعامله مع رفقائه، الى قيامه بدوره في الحراسة، الى ثباته في مواقفه، الى إحترام ما يمثل حيث كان حريصاً على هيبة مركزه، الى ما هنالك من أمور يجب أن ينتبه إليها أي قائد.  لكن الامر الذي غاب عن ذهن ابو واجب أنه لم يكن الزعيم نفسه.

لم يعجبني أيضاً في ذلك المؤتمر جلوس الرفيق جهاد ابو جوده الى جانب ابو واجب، حيث عرفت لأول مرة ان الرفيق جهاد يدعم ابو واجب، وحيث عرفت بالأساس لأول مرة أن جهاد ابو جوده له علاقة بالحزب على الإطلاق.  شخصياً لا أرى فائدة من الأشخاص الذين يهبطون فجأة على العمل الحزبي.  حتى أني لا أؤمن بالعضوية السرية في الحزب سوى في بعض حالات نادرة يكون فيها العضو قادراً على تأدية فوائد كبرى للحزب من خلال عضويته السرية.  أما أن تكون السرية لحماية ذلك الرفيق نفسه، فلماذا يختار أن يكون عضواً في الحزب أساساً، في الوقت الذي يستطيع أن يؤيد الحزب ضمن حدود قدرته وبالشكل الذي يناسبه.

ليس الحزب نظاماً دينياً شعائرياً كي يشعر أحد أنه يجب أن يقوم بواجباته الروحية تجاهه، فيندفع الى الإنتساب إليه ومن ثم يختفي تحت ركام السرية والخوف على مصالحه الخاصة.  الحزب السوري القومي الإجتماعي عمل، الحزب مواجهة، الحزب صراع، الحزب ثورة، الحزب إعلان عن الحقيقة التي لا يمكن أن تحصل من خلال بقاء الأشخاص أعضاء سريين.

 لم أسمع قل ذلك المؤتمر الصحفي أن الرفيق جهاد ابو جوده قد قام بأي عمل حزبي مهمٍ خلال الستينات، اي في الوقت الذي كان العمل الحزبي بحاجة الى من يرعاه ومن يسانده ومن يسير به، ولم أسمع أنه عبر عن رأيه في أية مشكلة من مشاكل الحزب قبل ذلك، فكيف ينتقل فجأة من حالة نائمة الى حالة تفرض نمط جديد في مسيرة الحزب؟  أن يظهر فجأة في حركة إنتفاضة في الحزب، فلا بد من أن يثير كثيراً من التساؤلات!  

يحاضر او لا يحاضر

كان يوجد بعض التباعد بين مجموعة قليلة من الرفقاء وبين بقية الرفقاء في كلية العلوم.  لقد كنت تلك المجموعة الصغيرة تضم محمود خريباني وعبدالله حيدر والى حدٍ ما جوزيف غصوب.  لقد كان الرفيقان محمود خريباني وعبدالله حيدر يتعاونان مع المخربين في الحزب.  لذلك إتفقا مع إنعام رعد على أن يقدم محاضرة له في كلية العلوم وقاما بالتحضيرات اللازمة لتحقيق ذلك.

أخبرني الرفيق مفيد قنطار عن تلك المحاضرة  قبل نحو ثلاثة أيام من حصولها وبحثت أنا وإياه في أمرها حيث أتفقنا على منعها بالقوة.  لقد بلّغ الرفيق مفيد الى عبدالله حيدر قرارنا وحذره من إستمرار التحضيرات لتلك المحاضرة واخبره عما يمكن أن يكون للإصرار على إقامتها من نتائج وخيمة.

لقد كنا أنا ومفيد نريد وضع حدٍ لعبث إنعام رعد وتحدّيه مشاعر القوميين الإجتماعيين. من طبيعة الرفيق مفيد أنه عندما ينوي على شيء يصعب إقناعه بعكس ذلك.  إذ كان غير قابل للأخذ والعطاء حتى ولو كان على خطأ.

في مساء ذات اليوم الذي أتخنا فيه قرارنا في منع تلك المحاضرة، إتصل بي الرفيق الراحل فؤاد صعب، الذي كنت قد أشرت في أكثر من موضع في هذه المدونات على مدى الإحترام الذي كنت أكنه له، بسبب ما تميز به من مصداقية وصفاء وإخلاص ومناقب وأخلاق.

سألني الرفيق فؤاد عما إذا كان خبر منع المحاضرة صحيحاً فأجبته بالإيجاب.  ثم سألته أنا بدوري عن كيفية وصول الخبر إليه؟  أجابني أنه كان يجتمع بالرفيق عبدالله سعاده في الوقت الذي كان يتكلم فيه إلي.  

حدثني الرفيق فؤاد عن غلاوة الدماء القومية الإجتماعية، وعن خطورة سفك الدماء بين القوميين الإجتماعيين وإمكانية دخول أفرقاء آخرين لضرب القوميين الإجتماعيين ببعضهم بعضاً، راجياً مني ومن الرفيق مفيد أن نعيد النظر في موقفنا.  كنت أعرف أن موقفنا ذاك يشكل مأزقاً حقيقياً لنا، فمن جهة نضع حداً لعبثية إنعام رعد، ولكننا من جهة أخرى نفتح أبواباً كثيرة كانت مغلقة.  لذلك كان وعدي للرفيق فؤاد بصرف النظر عن محاولة منع المحاضر قاطعاً.

عندما إلتقيت بالرفيق مفيد في اليوم التالي وأخبرته عن قصة إتصال عبدالله سعاد بالرفيق فؤاد صعب وحواري مع الرفيق فؤاد ووعدي له بصرف النظر عن محاولتنا تلك، لم ينبهر الرفيق مفيد من موقفي ذاك، بل كان مستاءً جداً.

في الوقت الذي كانت تجري فيه محاضرة إنعام رعد في كلية العلوم، كنت مغادراً شخصياً الكلية حيث إلتقيت بكامل حسان الذي كان آتياً لحضور المحاضرة، فتبادلت وإياه شذر النظرات التي كانت تعبر عن الشرخ النفسي الذي كان قد حصل بين القوميين.

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
حلقات 1-40
حلقة واحدة وأربعون
حلقة إثنان واربعون
حلقة ثالثة وأربعون
حلقة رابعة واربعون
حلقة خامسة واربعون
حلقة سادسة وأربعون
حلقة سابعة واربعون
حلقة ثمانية وأربعون
حلقة تاسعة وأربعون
حلقة خمسون
حلقة واحدة وخمسون
حلقة إثنان وخمسون
حلقة ثلاث وخمسون
حلقة أربع واربعون
حلقة خامسة وخمسون
حلقة سادسة وخمسون
حلقة سابعة وخمسون
حلقة ثمانية وخمسون
حلقة تاسعة وخمسون
حلقة ستون
حلقة واحدة وستون
حلقة إثنان وستون
حلقة ثلاثة وستون
حلقة أربعة وستون
حلقة خامسة وستون
حلقة سادسة وستون
حلقة سابعة وستون

 

Text Box: حركة البناء القومي