|
تعرفت
معرفة بدائية إلى التراث الثقافي لشعبنا في الجامعة
اللبنانية، وفي معهد الفنون الجميلة تحديدا. وقد كان ذلك
في سياق مادتين من مواد منهج قسم الرسم والتصوير هناك حيث
كنت أدرس بين العامين 1975 و 1979. هاتان المادتان كانتا
تاريخ الفن، ومادة الميثولوجيا حيث يتعرف الطالب الى روائع
الأساطير التي لا تقتصر على الأساطير المحلية، بل تتعداها
الى العالمية (الإغريقية، الرومانية، الهندية , العربية
وغيرها). هذه المادة (الميثولوجيا) تعرف الطالب الى كيفية
صياغة فهم العالم القديم، عالم ما قبل الدين المعاصر، إلى
الحياة والكون، حيث كون الإنسان القديم الأساطير تبعا
لفهمه أللاعلمي (الخيالي) لما كان يجري حوله من ظواهر لا
يجد لها تفسيرا منطقيا عقليا كافيا.
أما في مادة
تاريخ الفن، فيتعرف الطالب الى تعاقب الحضارات البشرية
بدءا من إنسان الكهوف (النياندرتال) الذي كان صيادا، الى
عصر الاستقرار والحضارات، حتى أيامنا.
وفي
المادتين المذكورتين، كان من حظي الكبير أن استاذي كان
الباحث والمؤرخ الدكتور يوسف الحوراني الذي ضخ كما هائلا
من المعلومات والمعطيات الثقافية والحضارية التاريخية، ما
فتح ذهني على نواح كانت مظلمة فيه، واستطعت من خلال
المعلومات من المادتين المذكورتين، أن أكوِّن تصوراً، أنا
مقتنع اليوم، أنه أشبه باليقين، فيما يتعلق باللغات
القديمة والتسميات المنبثقة منها، خاصة مسألة انبثاق معظم
التسميات للقرى والأماكن من نظام التعبد للآلهة، الذي كان
يسير حياة الأقدمين، ويلعب الدور الأكبر في تكوين مفاهيمهم
وذهنيتهم الخلاقة والحضارية. وإذ نستعيد بعضاً من هذه
المعلومات في مجال التسميات التي أطلقت على المدن والقرى
والدّساكِر والمواضع داخل القرى، فذلك ليس من باب "تمجيد"
الوثنية كما يمكن أن يفهم البعض، ولكن لتبرير التسميات
التي أعتقد أنها لم توضع عبثا. ولكن، وفي هذا المجال،
أسمح لنفسي أن أسجل للتاريخ "الوثني" قدرته على فتح آفاق
الخيال والعقل في فهم الوجود، كما أسجل له ببالغ التقدير،
قدرته على حل مشاكل لم يستطع الفكر الديني-الزجري-
المعاصر أن يحلها كما حلها الأقدمون. وللتأكد، أقترح
الرجوع إلى كتاب التواريخ الذي وضعه هيرودوتس المؤرخ
الإغريقي، وقد جال في العالم القديم ورأى بأم العين وسجل
رؤيته. زار هيرودوتس بلادنا قبل موته بزمن قصير (وهو
المتوفي قرابة العام 425 ق. م.). من هذه المسائل التي
استطاع الوثنيون حلها، عقدة العذرية النسائية، وعقدة
التماسك العائلي، والتناغم بين الإنسان والطبيعة وغيرها من
المسائل التي لم تزل تشكل عقدا للدين المعاصر.
وأهم ما كان
من هذه العلاقة التفاعلية مع الدكتور حوراني، أنه، وخلال
سنوات الدراسة، صدر له كتاب مهم. هذا الكتاب هو" البنية
الذهنية الحضارية في الشرق المتوسطي الآسيوي القديم" الذي
صدر عن دار النهار، وما زال يتصدر المراكز الأولى في
المبيعات حتى اليوم. ثم صدر له فيما بعد، كتاب آخر هو"
لبنان في قيم تاريخه"، وفيه كم هائل من المعلومات الثقافية
الحضارية عن الكنعانيين. وكان قبل ذلك قد أصدر كتابا قيما
بعنوان " نظرية التكوين الفينيقية" وهو عنوان فيه تحد لسفر
التكوين اليهوهي، يعرض فيه ما وصل من كتابات المؤرخ
الفينيقي البيروتي سانخونياتن( الذي يعني اسمه" صديق
الحقيقة") الأمر الذي يدل على أن هيرودوتس لم يكن في
الحقيقة وحده "أبا التاريخ" كما يسمى، بل أن هناك من أرخ
مثله من أهلنا الذين سبقونا بالتواجد على هذه البقعة
المميزة من العالم. في هذه الكتب المشار اليها، زبدة بحوث
العشرات من كتبة التاريخ يناقش الدكتور حوراني ما أوردوه
في تواريخهم. فيعرب القمح من الزوءان، والغث من السمين
منها. لكنه يوضح لنا صورة هذه الحضارة الرائدة ابتداء من
العصر السومري مرورا بالأكادي والكاشي والآرامي وغيرها.
وعلى ضوء هذه المعلومات، نستطيع فهم الكثير من غوامض
الأمور، خاصة تسميات المدن والقرى التي ما زلنا نتداولها
دون أن نربطها بمعانيها أو رموزها التي تحتويها.
وما كنت
لأزيد على معلومات أستاذي، ولا أنا أدعي أنني أول من كشف
عنها، لكنني، وبعد أن مرت مناسبتان اتضح لي من خلالهما
أهمية أن أشير وأنير ما استطعت، هذه الناحية المظلمة، (
وأتمنى أن أكون مصيبا في ذلك). المناسبة الأولى التي
حفزتني إلى إخراج المعلومات المكتنزة لدي، عندما كنت
مستلقيا مرة، استمع إلى برنامج في "صوت الجبل" استضاف
الدكتور شفيق المصري ودار موضوعه حول معاني أسماء القرى
والقصبات في جبل لبنان، وفيها درس الدكتور المذكور الأسماء
من خلال اللغة العربية، فقرّب التسميات من بعض ألفاظها ما
يدل دلالة واضحة على نية الدكتور "تعريب" الأسماء مخضعا
التسميات التي كانت موجودة آلاف السنوات قبل انتشار
العربية لدلالات العربية اللغوية، وذلك كان إتباعا منه
التاريخ، لتوجهاته الفكرية "ألعروبية" ولإيمانه بـ"عروبة"
المنطقة، في منطق لا يخدم (كما أتصور) هذه العروبة.
وبالمناسبة، فانني أعتبر أن ضبط اللغات القديمة من أكادية
وأمورية وكنعانية وعبرية، يجب أن يتم من خلال العربية دون
غيرها، نظرا لكونها من الأرومة "السامية" نفسها، لا بواسطة
العبرية المعاصرة كما يفعل مؤرخو اليوم، لأن العربية ما
زالت لغة قليلة التأثر باللغات الأخرى ومستمرة دون تغيير
قي قواعد الصرف والنحو، بعكس العبرية المعاصرة التي هي لغة
"يديشية" لم تعد تمتلك من الألفاظ الأصلية إلاّ القليل.
وقد اختفت تقريبا لغة التوراة الأصلية وصارت لغة غير
مفهومة لأنها غير مضبوطة بالأساس وغير محكية من أجل الفهم
السليم للغات القديمة من خلالها. ألا أن ذلك لا يعني أن
شرح التسميات التي سبقت العربية يجلو من خلالها، لأنها
نشأت في بيئة مغايرة لبيئتنا وكانت التسميات منبثقة من
بيئتنا نحن لا من البيئة العربية.
لذلك، وبما
انني كنت استمع لهذه "التحويرات" غير المقبولة علميا، ومن
الوجهة التاريخية أيضا، قررت أن ادلي بدلوي من خلال ما
تيسر لي معرفته من معلومات.
المناسبة
الثانية، وهي بينما كنت عائدا ذات يوم من الجامعة التي
أدرس فيها، وكنت استمع إلى برنامج يلي الأخبار في هيئة
الإذاعة البريطانية، علق معد البرنامج على خبر مفاده أن
محامية لبنانية رفعت دعوى قضائية لتغيير اسم قرية "شارون"
من قرى جرد عاليه لتطابق اسمها مع اسم رئيس وزراء العدو-
اريئيل شارون- وكان أن اتصل معد البرنامج بأستاذي الكريم
حافظ الصايغ، وكان يومها رئيسا لبلدية شارون للتعليق على
الدعوى المقدمة من المحامية ( وأظن ان اسمها مي الخنسا).
كان رأي الأستاذ حافظ طبعا الرفض، وكما قال يومها أن هذا
التطابق هو شكلي فقط لأن اسم شارون يهودي، بينما اسم شارون
القرية- كما قال- محرف من "شير الروم". وبما أنني كنت على
بينة شبه أكيدة من أن اسم شارون القرية الجردية ليس تحريفا
ل"شير الروم"، بل كان اسما رافديا سومريا واضحا، هممت بان
أكتب لأستاذي الذي أكن له كل الاحترام، بهذا الخصوص، وهو
رئيس بلديتها ويجب أن يكون معنى الاسم واضحا لديه، لكنني
تهيبت الموقف الذي ينقلب فيه "التلميذ" استاذا، فصبرت
منتظرا الفرصة المؤاتية كي أشير الى المراجع التي تشرح اسم
القرية دون أن أقلب الأدوار.
ثم ان هناك
اسبابا أخرى تدعو الى البحث في أصول الأسماء. تسمعون
أحيانا ممن حولنا من الناس آراء في أصول الأسماء هي أقرب
الى الأساطير والخرافة منها الى الحقيقة العلمية
التاريخية، وما أكثرها، علما بأن جهدا متواضعا قد يفتح
عيون أهلي الى حقيقة تسميات أماكن ولادتهم أو نشأتهم أو
اقامتهم كما تتواصل بهم مع تاريخ أمة عريقة ما زال
المنقبون يكشفون يوما بعد يوم عن عظمة تقديماتها للحضارة
البشرية، كما يوضح لهم هويتهم الحقيقية التي ما زالوا
يقتتلون كل مدة لأجلها، ثم أنه يضع الأمور في نصابها، ومن
منا لا يرضى بذلك؟
البدء
من اللغات
انتشرت
في بلادنا عدة لغات منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى اليوم.
منها ما هو حي حتى اليوم وفي التداول، ومنها ما اندثر كلغة
محكية كالسومرية التي بقيت منها ألفاظ محدودة فقط. اللغات
التي كانت قيد التداول، محكية ومكتوبة، تنقسم إلى قسمين
رئيسيين: الهندوأوروبية الأصل (وهي تحديدا السومرية
والكاشية والحثية)، والسامية الأصل وهي أربع لغات(الأكادية
والآرامية والكنعانية والعبرية القديمة). وقد ورثناها في
لغتنا العربية التي نتكلمها اليوم، ولا يجوز القول أنها
اندثرت إلا من حيث كونها محكية (باستثناء الآرامية أو
السريانية التي ما زالت لغة محكية في الشمال السوري
والموصل وشرقي دمشق).
تمكن راولنسن
المنقب الأثري الإنكليزي في بداية القرن العشرين من حل
رموز اللغة السومرية انطلاقا من ثلاثة نصوص ما زالت موجودة
في "بهشتان" بالقرب من كرمنشاه الإيرانية، وهي منقوشة على
صخر مرتفع لا يمكن الوصول إليه بسهولة، الأمر الذي مكنها
من البقاء غير متلفة. في صخر بهشتان هذا ثلاثة نصوص أولها
من اللغة الفارسية القديمة التي ما زالت حية في كتب
الزردشتية، وثانيها بالأكادية، وثالثها باللغة العيلامية.
وفي العام 1839 استطاع ومن خلال أسماء الأشخاص الواردة
نفسها في النصوص الثلاثة التعرف إلى طريقة لفظ وكتابة بعض
الحروف والكلمات. وتعرّف كذلك الى الفوارق التي كانت ضمن
الكتابة المسمارية الواحدة وتمييز السومرية عن الأكادية.
وبناء على اكتشافاته وعلى دراسات آخرين عملوا في المجال
نفسه، أصبحت اللغة السومرية والأكادية معروفتي اللفظ
والكتابة. تبين أن السومرية لغة "مقطعية" أي أن الصورة
ليست حرفا بل مقطعا، والأكادية بدأت مقطعية كما السومرية،
وانتهت حروفية بعد تطورها.
أما الكنعانية،
فقد حلت رموزها من خلال المقارنة مع النصوص الإغريقية
وتكونت من أبجدية حروفية ما زال ترتيبها معتمدا حتى
أيامنا، ( أبجد هوّز حطي كلمن سعفص قرشت). ومنها تطورت
الكتابة الحروفية الإغريقية التي نستعمل بعضها اليوم في
اللغات الأوروبية.
بحل رموز
السومرية والأكادية، تم التعرف الى كلمات ما زالت حية في
الاستعمال اليومي. وقد وصلتنا كما كانت من خلال العربية
القريشية. لكن، يجب الانتباه الى أن اللغات السومرية
والآرامية والكنعانية موجودة بوفر أكبر في لغتنا العامية،
وهذه ملاحظة يجب التوقف عندها.
نحن في العالم
العربي كله نمتلك لغتين، العامية والفصحى، بخلاف كافة لغات
العالم. السبب في وجود لغتين، يعود إلى أن اللغة العربية
التي فرضت بعد الإسلام كلغة القرآن الكريم (وان تكن موجودة
في بعض نواحي بلادنا قبل الإسلام لغة لبعض القبائل
كالمناذرة والغساسنة والكعبيين وبكر وتغلب التي كانت تتجول
ما بين الجزيرة والهلال الخصيب) بقيت في الإطار الديني لغة
عربية رسمية. اللغة العامية أو المحكية هي المزيج الحاصل
من اللغة الدينية الرسمية واللغات السامية التي كانت
موجودة فبل انتشار العربية في إطار الدولة الإسلامية
العربية. فالأكادية مثلا، كانت لغة بلادنا الرسمية منذ
عهد سرغون الأكادي (2370ق. م. ) حتى العصر الفارسي. ثم
أكملت شقيقتها الآرامية التي تحولت الى لغة البلاد الرسمية
ابتداء من نهاية اجتياح الإسكندر (عام333ق. م.) أما
الكنعانية، فكانت لغة أهل السواحل المتوسطية من مرسين وحتى
مصر، وشرقا حتى حدود البقاع لآلاف السنوات. وطبيعي أن لا
تختفي لغة حية، لأنك تستطيع إبادة شعب بكامله، لكنك لا
تستطيع إبادة ثقافته، ومنها لغته.
وفي لغتنا
المحكية ألفاظ من لغات أخرى كالفارسية والإغريقية والحثية
والتركية وغيرها. وحديثا نشهد دخول ألفاظ أجنبية غربية،
كون اللغة الرسمية بطيئة التطور.
نقول هذا لأننا
سننطلق من اعتبار اللغة المحكية هي الأساس في تحديد
التسميات. ومن سمات هذه اللغة المحكية انها تخرج، بخلاف
الفصحى، على بعض القواعد ومنها:
- ان اللغة
المحكية يمكن أن تبدأ بحرف ساكن( بتاكل؟ - شربت- حلمت)
وآلاف اللفظات غير هذه. وفي التسميات يجوز الابتداء بحرف
ساكن بخلاف الفصحى، كما في: بحمدون- قماطية- بتاتر وغيرها.
- انه في اللغة
المحكية يجوز استعمال فعلين ماضيين دون فواصل، فنقول: قمت
مشيت.
- أنه يجوز في
اللغة المحكية اختصار كلمة ببداية حروفها، فالباء في بداية
بحمدون أو بسرين، إنما هي اختصار لكلمة "بيت" التي يمكن أن
تعني بيتا أو "معبدا".
نسوق هذه
الملاحظات لندل على دخول اللغات القديمة في لغتنا العربية
المحكية. هذا هو الحاصل عندنا، ونفس الشيء حصل في مصر لدى
دخول العربية اليها، حيث بقيت بعض ألفاظ الفرعونية في
اللغة المحكية في مصر، وبقيت بعض الألفاظ البربرية
والأمازيغية في اللغة المحكية في موريتانيا والمغرب، أما
في تونس وليبيا، فبقيت بعض ألفاظ من اللغة الكنعانية نتيجة
قيام مملكة قرطاجة لمدة طويلة ولهجرة الكنعانيين اليها.
من الألفاظ السومرية التي ما زلنا نستعملها اليوم كلمة
هيكل(إي كال) أي البيت الكبير أو المعبد. وكذلك كلمة سمسم
ونعنع وأل التعريف التي دخلت من السومرية الى اللغة
العربية وقد استعملها السومريون للتعميم( مرأة- المرأة).
أما اللغة الأكادية، فان التقارب بينها وبين العربية يكاد
يصل الى حدود التطابق، ومن شاء التأكد والاستزادة، فعليه
الرجوع الى كتاب للدكتور عامر سليمان بعنوان:"اللغة
الأكدية" وهو أستاذ التاريخ القديم في جامعة بغداد. ويكفي
أن نذكر أسماء الخضر والفواكه والأشجار وأسماء أشهر السنة،
التي نستعملها يوميا، لنقتنع أن الأكادية ما زالت حية في
لغتنا المحكية. فهي أكادية وليست عربية.
أما الكنعانية،
فما زالت قيد التداول بيننا، ويكفينا الرجوع الى أي نص
كنعاني لملاحظة التطابق مع لغتنا المحكية. وفي معظم
الأحيان، وحين التكلم بالكنعانية لا نستطيع التمييز بينها
وبين العربية الا بعض الألفاظ التي أصبحت بائدة وقليلة
الاستعمال(مثل كلمة شكارة – زيرة) وأهم ما تبين للباحثين
بعد فك رموز اللغات القديمة، التعرف الى نظام الألوهة
والتعبد الذي كان سائدا في العراق القديم وسوريا ولبنان
وفلسطين وقبرص، ومن خلاله إلى أسماء الآلهة التي سيكون لها
الأثر الأكبر في إطلاق التسميات على القرى والمدن والأماكن
كما سنرى.
نظام
الألوهة
يعنينا نظام
الألوهة في هذه المناسبة لأن غاية هذا البحث هو برهان أن
ما ذهب اليه شارحو أسماء القرى والمدن والأماكن، أخطأوا
حين تجاهلوا أن معظم أسماء قرانا والأماكن من حولنا إنما
هي أسماء مكرسة لنظام الألوهة والآلهات التي عبدها أجدادنا
منذ أقدم الأزمنة. ولذلك، فلا يمكن بأي شكل من الأشكال
قبول "تعريبها"، أي شرحها من خلال قرب اللفظ من شبيهه
العربي، خاصة وأنها كانت موجودة قبل انتشار العربية كما
تدل الآثار الباقية.
إن أساس نظام
العبادة التي نسميها اليوم"وثنية" أتانا من أرض الرافدين،
وادي العراق الكبير، حيث عبد الناس آلهة كانت تشخِّص قوى
الطبيعة وظواهرها. يدلنا نظام الألوهة على وجود تراتبية
تبدأ بالأله الأكبر"إن" او "آنو"أو"إل" الذي عرفه
الكنعانيون باسم"إيل" كبير الآلهة. (ومن اسمه اشتقت تسمية
القدرة الكبرى، الله، خالق السماوات والأرض). وفي
المدوّنات التي وصلت الينا من آثار راس شمرا التي كان
اسمها (أوغاريت) أو "أقرت"، لم تتغير صفة الله عز وجل من
العبادة الكنعانية الى اليوم، لأن الكنعانيين وصفوه بـ"
خالق السماوات والأرض". كان اسمه يكتب على شكل نجمة ويلفظ
"إن"، واللفظة تعني "السيد" بالسومرية. وتبين لباحثي
اللغات القديمة، أن هذه الكلمة فيما لو أضيفت إلى اسم
الجنس، أصبحت تفيد الإطلاق والتعميم. فاذا قلنا مثلا
"رجل" ينتظر السامع الإضافة، أما إذا قلنا "الرجل" أصبحت
اللفظة تعني "كل" رجل، الرجل بالمعنى المطلق العام. لذلك،
ورثت اللغة العربية" أل" التعريف بينما تختلف أداة التعريف
في الكنعانية أو العبرية (وهي هناك "ها"). والعربية وارثة
لأكثر من لغة قديمة، سواء في شكلها الفصيح أو العامي.
من الأشكال التي
يكتب بها اسم" إن"، كلمة "أون" المستعمل عندنا في غرب
الهلال الخصيب، وهو موروث من الآرامية. فاذا اعتبرنا أن
كلمة "شار" السومرية التي تعني "السماء"، أضيفت إليها
لاحقة "أون" أي الإله، أصبح واضحا أن اسم شارون سومري
الأصل يعني "سماء الإله" وقد أطلق اسم شارون على السهل
الساحلي الفلسطيني كله، كما تشير الخرائط التاريخية
العائدة لكتب التوراة وللتقسيم الذي كان معتمدا لفلسطين
أيام السيد المسيح، في بعض الأناجيل. يتبين أيضا أن اسم
شارون الذي سمي به رئيس وزراء العدو الإسرائيلي يعود الى
نسبة عائلته الى منطقة كان اليهود يظنون أنها "توراتية"،
وهي عادة يهودية في تسمية القبائل والأفراد نسبة الى
المنطقة التي ينسبون اليها. ( أسم "يهودا" أو "جلعاد" أو
"دان" هي أيضا تسميات لأماكن وردت اسماؤها في السياق
التوراتي. لذلك، وبما أن "ارض اسرائيل" لا يعرف مكانها
بالضبط حتى من اليهود أنفسهم، وجب على أريئيل شارون أن
يغير اسمه، لا على شارون البلدة الجردية القديمة.
أما كلمة "عين"،
(وهي كلمة "إن" نفسها)، فإذا أضيفت إليها كلمة "أون"، اسم
الإله الأكبر، صرنا أمام اسم قرية عين- أون ( عنقون)
الجنوبية. وهناك المئات من القرى التي أضيفت إليها لاحقة
"أون" تعود إلى اسم هذا الإله السومري القديم، وصلتنا من
خلال اللغة السريانية كقرى: دفون- كيفون- دلبون(آثارها قرب
معاصر الشوف) وريفون- والبترون، هذه الأسماء التي لا تعني
في اللغة العربية شيئا اللهم إلا اذا درست من خلال
الآرامية. وفي كتاب "المجهول والمهمل في تاريخ جبل عامل"
للدكتور حوراني، ورد أن "اون" لاحقة آرامية تعني مأوى أو
مقر، مستشهدا بأسماء قرى يارون وعيترون ومارون وشلعبون
ومجدلون وبتلون.
بالإضافة الى أن
هذا الإله عرف بأسمائه التي وردت على أكثر من شكل لفظي
واحد، فان هناك عادة قديمة في نظام الألوهة والعبادة، تقضي
بتجنب ذكر اسم الإله مباشرة، وهذه العادة ما زالت متبعة
حتى أيامنا، حيث نتجنب ذكر اسم الجلالة إلا ونتبعه بكلمات
أخرى ككلمة "عز وجل"، ونتبع اسم النبي بلفظة (صلعم)،
والسيد المسيح بكلمة "عليه السلام"، وأي من الأنبياء أو
الأولياء بكلمة "دستور من خاطرو". وفي هذا الإطار، تجنب
ذكر اسم الإله مجردا، كان الرافديون يستعيضون عن اسم الإله
برقمه، أي كان يذكر رقم يمثل الإله. ورقم "إن" او أون كان
- 60 – باعتبار أن الرقم 60 هو الرقم الكامل أو التام.
وقد اعتمد الرافديون هذا الرقم أساسا لحساب الوزن والقياس
والزمن (الإقة ست أواق، والذراع ستون سنتمترا، والساعة
ستون دقيقة والدقيقة ستون ثانية والسير يقاس ب6 ساعات
أحيانا مكررة أي نهارا كاملا) وعليه كان يرد اسم هذا الإله
على شكل رقم 60.
شكل "أيل"
الأكثر انتشارا في الغرب السوري، دليلا على استمرارية
الحضارة السومرية الرافدية في الآرامية والكنعانية، يبدو
أن هناك مناطق بكاملها كانت تتعبد له، وتسمي القرى
والأماكن باسمه، فنجد الأسم في تعنايل- سعدنايل- بدنايل-
برقايل وجبرايل، وفي قرية بيت أيلا، وغيرها الكثير. أما في
جبل لبنان، فله قرية قرنايل التي تقع على قمة من قمم
المتن. والحقيقة أن كلمة (ق ر ن) الكنعانية تعني "قمة"
أضيف اليها اسم "ايل" فأصبحت "قمة أيل" ( وقد أطلق اسم( ق
ر ن)على كل قمة عالية في المناطق التي سكنها الكنعانيون،
فجبل أيطو في الشمال اللبناني اسمه قرن أيطو، والجبل الذي
يقع فوق مدينة قرطاجة في تونس له قمتان، فسماه الكنعانيون"
جبل بو قرنين" اي ذات القمتين)
من هنا نفهم
أسماء قرنة شهوان، وقرنة الحمرا، وكل "قرنة" أخرى. وهذه
التسمية ليست نسبة لأله، بل تسمية "جغرافية" كنعانية وغير
عربية.
اسم مدينة
"عاليه" مكرس أيضا للأله أيل هذا.ذلك لأنه وفي اللغة
السومرية، تعتبر الهمزة و"العين" حرفا واحدا. وما زلنا في
اللغة العربية نحفظ هذا الإرث الكتابي، فنضع للهمزة حرف ع
صغير، في دلالة على وحدة الحرفين. وعليه، فكلمة عاليه (إل
إي) أو ( عل إي) وتعني "منزل ايل" (أي المعبد) .
وتعتبر اللاحقة
"اين" لفظا محرفا لأيل, تضاف الى أسماء قرى بالمئات مثل
قرى عبرين وصغبين وبقاعصفرين وهي منتشرة في كامل الغرب
السوري من أنطاكية وحتى فلسطين.
الإله
التالي لأيل
أما الإله الذي
تلا أيل في التراتبية، فكان "انليل"، واسمه مكون من
كلمتين، "إن" وتعني السيد، و"ليل" وتعني الفضاء اللغة
السومرية. وعليه، يكون انليل "سيد الفضاء". والفضاء
المقصود هو الفراغ ما بين "قبة السماء" والأرض. ولكن هذا
الإله لم يكن ذا اختصاص، أي أنه لم يكن أله مزروعات أو
مطر، فكانت الرياح من أعماله. وفي الفضاء بين الأرض
والسماء، يتعاقب الليل والنهار، لذلك بقي اسمه حاضرا في
تسمية الليل، حيث يغيب الأله "شمش" ليحل محله، كما أنه ما
زال حاضرا في مناجاتنا الغنائية الى جانب الإله "إن او
عين" فنردد في هذه المناجاة: يا ليل، يا عين.
المهم أن الأله
إنليل كما الإله الذي فوقه، يرمز إليه بالرقم 50، وبما أن
الرياح التي تهب في الفضاء هي من اختصاصه، فما زلنا نطلق
على الرياح التي تهب في بداية الربيع اسم الرياح
"الخمسينية" نسبة لهذا الإله. وكان أجدادنا يحتفلون بغياب
هذا الإله في اليوم الخمسين بعد بداية السنة، ( والسنة
كانت عند قدماء سكان الهلال الخصيب تبدأ في الأول من
نيسان)، فقد استمر هذا التقليد بعد انتشار المسيحية،
فيحتفل المسيحيون في اليوم الخمسين بعد الفصح ( الذي يصادف
في فترة بداية نيسان)، بعيد يسمى "العنصرة، واسمه في
اليونانية ما زال
pentakostos"،
أي الخمسين.
وفي الشام
أسماء قرى عدة تحمل اسم هذا الإله منها قرية سمعليل على
طريق حمص- مصياف.
الأله
الثالث- إيا
الإله الذي كان
يلي انليل هو الإله إيا، وهو الإلة اللصيق بالأرض، فلقبه
السومريون بـ "داموزي أو تموز" ويعني بالسومرية "أبن الأرض
الحقيقي". يفهم من صفاته أنه ابن الأرض أي "الماء" الذي
ينبثق من جوف الأرض. فهو بالتالي إله المياه وإله الخصب (
كلمة ميّة العامية تعود الى اسمه). هو المسؤول عن إنبات
الزرع والغلال، لذلك كان إله خير، محبوبا، عرف الى جانب
أسمائه بالرقم 40، وسنأتي على تفاصيل هامة في هذا الشأن.
عرف بألقاب
كثيرة أهمها "البعل" وآدون، وداغان، وتموز، وحدد، وفي معظم
البقاع السورية، كانت المرتفعات العالية تكرس أماكنا
لعبادة هذا الإله. (الأماكن المنخفضة كانت تكرس للإلاهة
عشتار أو البعلة أو إثرت، أو عناة، زوجة البعل ( إيا)
وسنأتي على توسيع ذلك في حينه.
لنبدأ باسمه
الرافدي إيا، وهذا الإسم ما زال حيا في الكثير من القرى في
كامل المشرق. وتدخل على اسمه سوابق كثيرة مثل "مجدل"
أو"كفر"( كلمة "مجدل" آرامية معناها الحصن، وكلمة" كفر"
سامية موجودة في كافة اللغات السامية ومعناها الأرض
المغطاة بالزرع). نفهم بعد هذا معنى أسماء مجدليّا،
وكفريّا، وراشيا وحاصبيا ومئات غيرها تنتهي باسم الإله
إيا.
وكما قلنا، فمن
النادر ما كان الإسم يلفظ مجردا من اللواحق أو الإضافات.
وكذلك عرف باسم "الأربعين".
عرف هذا الإله
باسم "إيون" إله المطر، وكما قلنا فإن الهمزة والعين في
السومرية حرف واحد، من هنا نسمي ينابيع الماء باسم "عيون"
وبالعامية ما زلنا نسمي المطر المتواصل باسم "عيانة" نسبة
لهذا الإله. وبسب ذلك, يظن الكثيرون أن كلمة "عيون"
الواردة في أسماء الكثير من القرى والبلدات، عربية، وهي
تسبق اللغة العربية بآلاف السنين، لأن الإسم هو نسبة لإيون
هذا، كاسم مرجعيون، و"إيون شيميم" أو إيون السماوات وهي
"عيون السيمان"، وعيون أرغش في أعالي جبل لبنان. من قراه
أيضا، مجدليون وبرحليون.
من ألقابه أيضا
"آدون" وتعنى السيد، وما زالت حية في العبرية كاسم من
أسماء "يهوه" (ويهوه هو إله وثني لأنه خاص بفئة من الناس
وليس إلها لكل الناس). زاد الإغريق على اسم آدون لاحقة
السين، كعادتهم، فصار يعرف باسم آدونيس. معبد آدون أو بيت
آدون، اسم قرية بدادون قرب عاليه (آدون في الأسطورة أبن
إيل من زوجته بيروت) فتأملوا في موقع بدادون بين معبد
والده ايل "عاليه" ومعبد والدته "بيروت"، لا يمكن أن يكون
الإسم اعتباطيا.
ومن محيط منطقة
آدون في الجبل، بلدة بحمدون، وهي برأيي مكونة من: الباء
(مختصر بيت أو معبد، حمى، وهي كلمة آرامية تعني "غابة"، أو
أرض مشجرة، وكثير من قرى جوار بحمدون تحوي أماكن اسمها
"حمى" في شانيه وبتاتر وعين الحلزون، ومدينة حماه السورية
ليست سوى "الغابة" ومحيط مدينة حماه، كان قبل تجفيفه من
المياه منطقة غابات واسمها ما زال "الغاب"). ثم اسم الإله
آدون، وعليه تكون بحمدون "معبد غابة آدون".
ويبدو أن كافة
منطقة بحمدون وخاصة المرتفعات، مكرسة لهذا الإله بكافة
ألقابه، فاسم البعل ما زال حيا في بلدة "بعلشميه"-بعل
شميم- أو بعل السماوات، كما أن اسمه الآخر – داغان- ما زال
حيا في اسم قرية بدغان (بيت داغان) ويسمى البعل باسم داغان
كإله للحنطة في كافة الساحل السوري، وما زالت الحنطة في
منطقة الساحل السوري الشمالي تعرف ب"دغن"، او" دجن" حتى
اليوم. وهناك قرية أيضا في الجوار، اسمها "دقون" تحمل اسم
هذا الإله.
أما اسمه
"العربي" فكان "النعمان"، وتتربع قرية رويسة النعمان في
أعلى الجرد، ومن الملاحظ تكريس المرتفعات للإله بعل
بأسمائه المتعددة ، وهذا الموضوع برأيي له ما يبرره.
فالجرد قليل المياه بصفة عامة، وهذا هو السبب من وراء
تكريس الأعالي لبعل. فكما يسمي الرجل إبنه على اسم قديس
ليكون شفيعه، كذلك سمى الأقدمون الأماكن المرتفعة باسم
البعل، إما لإيمانهم بأن المرتفعات هي مسكن البعل، أو لكي
يكون البعل شفيع هذه المنطقة القليلة المياه. ما زلنا حتى
اليوم، نسمي الأراضى غير المروية أراض "بعلية" لأن البعل
هو المسؤول عن ريها.
الا انني ألفت
الانتباه الى أن اسم رويسة النعمان التي ورد فيها اسم
البعل بشكله العربي (الذي استعمله المناذرة كاسم لأمرائهم)
واركز على كلمة "رويسة" التي توحي بأن المكان "رأس" جبل،
ومع أن مكان موقع القرية هو مرتفع جبلي، ولكن، وبالمقارنة
مع اسمين آخرين لا يقعان في مكان مرتفع، وهما بلدة
"الرويس" قرب كفرشيما، ورويسة البلوط التي تنخفض عن
"بعلشميم" أو (بعلشميه)، فان شرط المرتفع لا يصح للتسمية
في المثلين الآخرين. هذا يشير الى ان معنى "الرويسة" ليس
بالضرورة يفيد الارتفاع.
الحقيقة انه،
وبالعودة الى اسطورة أدونيس (وهذا ما لاحظه الدكتور يوسف
حوراني وليس أنا)، نعلم أن خنزيرا بريا قتله بينما كان
يصطاد. لكن، وفي التفاصيل، أن ألها آخرا كان يريد الزواج
من عشتروت، تحول إلى شكل خنزير وهاجم أدونيس وقتله. هذا
الإله كان اسمه آريس، واقتران اسم "الرويسة" بالنعمان،
و"ببعلة" (تحولت في العربية الى بلوط)، يجعلني شبه أكيد من
أن المقصود ب"رويس" هو الإله آريس، وليس برويس بمعنى
الارتفاع. انه آريس النعمان، وآريس بعلة، وليست رويسة
البلوط ورويسة النعمان.
وللتأكد من هذه
الصلة، من المفيد أن نذكر أن مغارة آريس أو الرويس، تقع
مباشرة فوق مغارة أفقا حيث جرت المعركة الأسطورية بين
أدونيس وآريس المتحول الى خنزير. هناك مواضع فوق بتاتر
وقرب صوفر اسمها "الروس" ربما هي التي تدل على المكان
المرتفع، وليس "الرويسة".
قلنا إن هذا
الإله كان يرمز اليه بالرقم 40. وأيام وجوده فوق الأرض –
حسب الأسطورة-في أقسى أيام المطر، وهي الأربعين يوما التي
تمتد بين 21 كانون الأول، وأول شباط. لذلك، أطلق الأقدمون
على هذه الفترة اسم "المربعانية"، وتسمى "فحل الشتاء".
أما فترة غياب البعل تحت الأرض – حسب الأسطورة بعد أن
أخفاه آريس- فهي الفترة التي ينحبس فيها المطر، وتقع في
أوائل الصيف من 21 حزيران، وحتى أول آب، وتسمى أيضا
"مربعانية الصيف" وفي المربعانيتين، تذكير برقم الإله 40
أو البعل(أو حدد، أو داغون، أو تموز، أو أيون، أو آدون، أو
ديونيسيوس، أو إيا).
في بيروت، وقرب
كنيسة مار جرجس المارونية القائمة في مواجهة اللعازارية،
كان هناك درج يقود من الشارع الرئيسي بجانب الكنيسة الى
الوسط التجاري القديم. هذا الدرج كان يسمى "درج الأربعين".
وفي سبب الأسم، صرح أحد المطارنة في إحدى الصحف أن سبب
التسمية تعود الى "الأربعين شهيدا مسيحيا أيام
ديوكليتيانوس". ومع كامل احترامي لمعرفة المطران وثقافته،
فهو يعلم أكثر مني أن شهداء المسيحية الأولى أيام
ديوكليتيانوس بلغوا بأعدادهم الآلاف، وليسوا أربعين فقط.
لقد سمي هذا الدرج باسم درج الأربعين, نسبة الى الإله 40
أو البعل الذي كان الدرج ينزل من جانب معبده الذي اكتشفت
أطلاله في أساس كنيسة مار جرجس، وآثاره باقية حتى اليوم
لمن شاء أن يراها. ومما يؤكد ما أقوله، أن مار جرجس (
ويعلم ذلك جميع المطارنة)، وكذلك المثقفون، ليس سوى البعل
نفسة، ورثته المسيحية من الوثنية وبقيت قداسته معتبرة من
كافة المذاهب المسيحية والإسلامية أيضا ( في جنوب بيروت،
مزار للنبي يونان، أو يونس يقع في خلدة يقدسه المسيحيون
والمسلمون على حد سواء ويحوي كنيسة ومسجدا، ويونس فيما لو
أزلنا اللاحقة الإغريقية أي السين، يبقى أسم إيون –
البعل).
الألاهة
الأم
ألمحنا في
السابق الى أن المرتفعات في كافة أرجاء الهلال الخصيب،
كانت مكرسة للبعل، أو لإيل الإله الأكبر، أما الأماكن
الخفيضة فكانت مكرسة للبعلة، أو الألاهة الأم. في الأسطورة
الكنعانية، أن الإله إيل كانت له رفيقة \ زوجة، كان اسمها
"بيروت" أما أبناء إيل من زوجته بيروت، فكانوا: البعل،
حدد، آريس، وموت. فلنتأمل في موقع بيروت، وكيف يحيط
أبناؤها بها، البعل (في بيت مري) ومعبده قائم فيها حتى
اليوم، وحدد (بلدة الحدث التي يلفظ أبناؤها اسمها حدد،
وليس حدث) آريس، وما زال اسمه حيا في "الرويس" قرب الحدد،
وموت الذي ما زال اسمه حيا في نهر صغير شمال بيروت اسمه
"نهر الموت". فهل هذا من قبيل الصدفة؟
وتسوق
الأسطورة، أن لكل من الآلهة رفيقة \ زوجة. البعل كانت
رفيقته "عناة"واسمها
ما
زال في التداول، وما زالت هذه الإلاهة حية في أسماء بلدات
عانا (
Anna).
وما زال اسمها حيا في اسم قرى عانوت وعيناتا. و في منطقة
الجرد بلدة اسمها "مجدل بعنة" والبعنة هنا ليست سوى
"البعلة" لذلك، فالكتابة الصحيحة لاسم هذه البلدة هو
هكذا. (هناك قرية قرب القدس في فلسطين اسمها" البعنة")
ومجدل بعنة أرض منخفضة بالنسبة لـ"بيت داغون- بدغان، أو
البعل.
وكذلك عرفت
عناة بأسماء متنوعة، منها عشارا – شارا – عشتروت – عناة –
إثرت، فقرية العشارة على الفرات (قرب دير الزور) ليست سوى
اسمها. والأسم شارا ليس سوى اسم سارة زوجة ابراهيم \
وأخته كما ورد في التوراة وابراهيم نفسه ليس سوى أدونيس
(ونهر أدونيس في لبنان أسمه نهر ابراهيم)، واسم عشتروت حي
في اسم بلدة شتورة، أما اسم إثرت أو عثر، فما زال حيا في
اسم بلدة بتاثر (والأسم بالثاء وليس بالتاء كما ورد في
تاريخ بيروت لصالح بن يحي). وهو بيت إثرت أو بيت عثر، وفي
بتاتر مكان ما زال يسمى مغارة الست سارة (شارا) حسب اللفظ
الرافدي. وكذلك ما زال اسمها حيا في اسم بلدة عثرين
الشوفية، وهي تقابل تماما بلدة عين البعل (عينبال) أو عين
بعل. واسم عناة ما زال حيا كذلك في اسم بلدة حمانا،
وأعتقد أنها "حمى"(غابة) و"عناة"، وهي أيضا منطقة منخفضة.
أما في
الشمال السوري، فقد عرفت هذه الإلاهة باسم " عاثة" كما فصل
موضوعها جيمس فريزر في فصل " أدونيس في سورية" من مؤلفه
الضخم " الغصن الذهبي" وعاثة لم يزل اسمها حيا في أسماء
يلدات سلعاتا وعيثا الفخار وعيتا الشعب (عاثة تشوب، وتشوب
اسم إله الطقس- وكلمة شوب العامية التي تعني الحر، تستعمل
للدلالة على حالة محددة في الطقس) وفي أسم بلدة عيتا
الجنوبية. أما اسم بقعاتا الموجود في الشوف وفي شرق صيدا
وفي كسروان، وفي جبل الدروز في الشام، فهو أسم عاثة مسبوقا
بـ" ب ق ع " الني تعني "أرض"، والتي ما زالت اسما لمنطقة
البقاع وحاضرتها الكبرى(ب ع ل ب ق ع )، أو بعلبك.
عرفها
الصيداويون باسم" تانيت" وقد يعني أسمها "الثانية، أي التي
تأتي ثانية بعد البعل أو" ثانيته" وما زال الأسم حيا في
أسم بلدة عيتنيت، وعرفت أيضا باسم سيرين أو سيلينا، واسمها
حي في اسم قرية " بسرين" وعرفها السوريون في الداخل
والساحل باسم " أورانيا" حيث أطلق اسمها على السهل الواسع
المعروف بـ" سهل حوران" واذا صح قول بعض الباحثين أن أسم
حوران هو اسم حورا الإلاهة السورية الحورية، فحورا هذه
تكون أحدى شخصيات البعلة عاثة أو عشتروت. واسم أورانيا ما
زال حيا في اسم بلدة "الورهانية" الشوفية.
آلهة
أخرى
ناك
آلهة أخرى ما زالت قرانا تحتفظ بأسمائها. هناك إله سومري
آخر كان اسمه "زو". كان الرافديون يطلقون اسم هذا الإله
على الغيمة الماطرة المرعدة، وكان السومريون يصورونه على
شكل نسر له رأس أسد. تعبيرا عن تحليقه في السماء و صوته
المرعب (الرعد). وكان اسمه يكتب "زو" أو زون، وما زالت
قريتا " بزون" و قرية "مجدل زون" تحملان اسمه. وهناك بلدة
قرب زغرتا اسمها " طورزا" (طور زو) أي جبل زو، كذلك قرية
في الجرد اسمها العزونية كذلك تحمل اسمه. واسم العزونية
مركب من عين زون إيا. وهكذا تتجاور القرى التي تحمل أسماء
سومرية في الجرد وهي شارون – بدغان – العزونية – عاليه،
بينما تتجاور القرى التي تحمل أسماء كنعانية وهي بحمدون –
بتاتر – بسرين – رويسة النعمان – بعلشميه – رويسة البلوط
وغيرها.
وهناك إله
سومري آخر كان يسمى " سن" وكان إله القمر. وكما نعلم، فان
السين والشين هما حرف واحد في الكنعانية، كما الهمزة
والعين. فبلدة رشميا مثلا، لا تتغير اذا قلبنا الشين فيها
سينا "راس مية" واسم سمعان لا يتغير اذا قلبناه الى
"شمعون".
فاذا قلبنا
السين في سن (شينا)، نتعرف الى قريه "بيسان" او "بيت شان"
في فلسطين وهو" بيت سن" اله القمر. وفي الجرد ايضا قريه
اسمها" شانيه"، تبدأ باسم اله القمر شان (او سن) و (اي)
(المنزل أو المعبد). والاسم كذلك سومري يتجاور مع بدغان
وشارون وعاليه وغيرها من الاسماء ذات الاصل السومري.
وقد ورد في
ملحمتي غلغامش و اينوماإيليش اسم الإله سموقان، واسمه حي
في اسم قرية السمقانية الشوفية.
أما الإله
السومري آبو، فكان إله المراعي، وهو يلي تموزفي الأهمية
كما يلي شهره (شهر آب) شهر تموز، لأن شهر آب يحمل اسم هذا
الإله. وقرب عاليه بلدة ما زالت تحتفظ باسمه، وهي بلدة عين
آب (عيناب)، وكذلك كل قرية تحتفظ بنهاية اسمها بكلمة آب،
مثل كفرحباب، وحيداب ومعراب وغيرها. وحتى بلدة قرطبا أيضا
تحمل اسم الإله آبو (قرت آبو).
واذا أضفنا
الى الآلهة السومرية والكنعانية، آلهة إيبلا من الحوريين،
نرى أسماءهم في بعض قرانا (وقد أورد الدكتور يوسف حوراني
اسماءهم في كتاب المجهول والمهمل في تاريخ الجنوب
اللبناني).
·
كورا- أحد
آلهة مجلس إيبلا من الحوريين، واسمه حي في اسم منطقة
الكورة في لبنان والشام. شوب- هو كما قلنا سابقا إله
الطقس واسمه حي في بلدة كفرشوبا.
·
قوزح -
وتحمل اسمه قرية القوزح في الجنوب اللبناني.
·
صبدو –
الملقب لـ "العلي" واسمه حي في بلدة صفد في فلسطين، وصفد
البطيخ في الجنوب اللبناني ( صبدو بتاخي)
·
أزارو – وهو
اسم إله سوري شمالي, لكن اسمه حي في قرية "عازور" قرب جزين
وفيها مزار للنبي "عازور"
·
نبطي – زوجة
الإله شيت الشهير الوارد في التوراة والقرآن كنبي من
أنبياء الله. واسم نبطي حي في بلدة "النبطية" الجنوبية.
·
تلفاسا –
وهي من المؤلهات من البشر, وكان الكنعانيون يؤلهون الذين
قدموا خدمات جلى للمجتمع من البشر, وهي أم قدموس الشهير,
واسم تلفاسا حي في قرية "طلوسة" الجنوبية. كذلك يورد
الدكتور حوراني أنه كان لها اسم آخر هو "عرغيوبا" واسمها
حي في عدة أمكنة من الوطن حيث نطلق اسم " عرقوب" على
مناطق عديدة على سفح جبل الباروك ( منطقة بمهريه وعين
زحلتا) وسفح جبل الشيخ.
·
صربند – وهي
رفيقة الإله مردوخ البابلي, واسمها حي في بلدة الصرفند
الساحلية.
·
صدّيق – وهو
أحد الآلهة الكنعانيين الكبار, وله مقامات عدة باسم النبي
"صدّيق" منها مقام هو عبارة عن قبر تشطره الحدود اللبنانية
– الفلسطينية الى شطرين، واسمه حي في بلدة صديقين
اللبنانية الجنوبية.
·
أشمون –
أكبر آلهة مدينة صيدا، واسمه يعني " الثامن" من الآلهة
الكبار. وله آثار معبد في مصب نهر الأولي شمال صيدا،
واسمه حي في اسم بلدة قبرشمون قرب عاليه.
·
بتاح – كذلك
من الآلهة الكنعانيين الكبار، ( ويكتب أيضا بتاخ لوحدة
حرفي الحاء والخاء في الكنعانية) واسمه حي في اسم
"بتخنيه".
أما شيت الذي
سبق ذكره، فقد كان واحدا من أهم آلهة الكنعانيين، لا بل ان
الجنوبيين في لبنان، عرفوا في التاريخ باسم "الشيتيين".
ويعتقد المؤرخون أنهم حملوا هذا الإله معهم الى مصر خلال
حكمهم لدولة "الهكسوس" وفرضوا على المصريين عبادته. واسمه
حي في قرى وبلدات عمشيت وحدشيت وجبشيت وعدشيت وبرعشيت، وفي
البقاع بلدة باسمه هي بلدة " النبي شيت". التوراة تعتبره
"ابن آدم" ويقدسه المسلمون أيضا. (حسب رواية ابي
ذرالغفاري الذي سأل النبي (صلعم) من هم أنبياء الله،
فأجابه: هم أربعة من السريان، وأربعة من العرب. آدم وشيت
ونوح وأخنوخ، من السريان، ومن العرب هود وصالح وشعيب ونبيك
يا أبا ذر).
نكتفي بهذا
النزر اليسير من التسميات العائدة لآلهة، والتي
يحاول"المعربون" نكران نسبتها الى الحضارات التي سبقت
انتشار اللغة العربية كلغة القرآن الكريم. وإذ ندافع عن
هذه الوجهة التفسيرية، فلأننا لا نحبذ ارتكاب مجزرة بحق
التاريخ، فقط لأننا ننكر أهمية ما سبق الحضارة العربية
الإسلامية في المشرق.
لا يعني
كلامنا أن كافة التسميات للقرى والأماكن كانت تكريسا لآلهة
شفعاء، أو لمزارات هذه الآلهة. فهناك الكثير من أسماء
القرى والمدن تحمل صفات جغرافية، كتوصيف لطبيعتها. منها
مثلا تسمية قرية بمهريه، التي أوردها المؤرخ صالح بن يحي
في كتاب "تاريخ بيروت" بشكل "بنهرين" لأنها بالفعل تقع بين
نهري الباروك والصفاء في منطقة العرقوب. وكذلك تسمية
"الرملية" أو "المشرفة" أو "المريجات"، أو البحصاص، أو
المشرف أو زحلة وهي عربية الأسماء، جغرافية الدلالة.كما أن
كثير من التسميات، وإن تكن آرامية الأصل، ولكنها تشترك مع
العربية لأن اللغتين تعودان الى جذر واحد. فالشويفات،
التصغير العربي للشوف، والشوير التصغير العربي للشير، تدخل
في هذا الإطار.
خاتمة
هناك الكثير من
الأسماء التي تبقى غامضة لا يستطيع الباحث تبين أصلها أو
سبب تسميتها. التأويل في هذه الحالة هو السبيل المتوفر،
إلا أنه غير كاف. ويصبح كافيا فقط حين تدعمه الحجة
التاريخية أو الأثرية.
يتبين المدقق في
ما سقناه، أن الغاية من هذا الدرس هي بيان الحقيقة في
النهاية. ولا أدعي أنني امتلكتها، ولكن لنقل أن في طرحنا
مادة للمناقشة. من غير المنطقي أن ننكر بداهة بعض
التسميات لصالح "أدلجة" الأسماء. كل قاريء للتاريخ يعلم
أن سيطرة العربية (القرآنية) متأخر نسبيا في التاريخ عن كل
ما سبقه من اللغات وشعوب ليست حتما السومرية أولها، وإن
تكن أول ما كتب منها. للأماكن أسماء ليست موضوعة عبثا، بل
هي بطاقة مرور لمعرفة التداخل الثقافي والتفاعل الذي أنتج
هذه الأمة وهذه الحضارة. أنها شاهد حي على اندماج
الإثنيات والثقافات المتعاقبة في إطار الحضارة الواحدة
المستمرة.
إطلاق صفة الجزء
على الكل أمر غير موضوعي تماما كإطلاق صفة الكل على الجزء.
لأن في الجزء دائما خصوصية إما أن تحتويها دورة الحياة أو
أن تلفظها خارجا كما حدث مع اليهودية. اليهودية لم تتداخل
في الحياة المجتمعية الخاصة في البلاد السورية، لذلك لا
نجد لها أثرا فيها وفي تسميات قراها ومدنها وأماكنها.
وبدلا من اختراع امتيازات والتشديد عليها، تعالوا نكتشف
معا ذلك الخيط الواحد الذي يجمع حبات هذا "العقد" (الحضارة
السورية) لنتقلده في جيدنا وساما نستحق حين نتقلده، لقب
"مهد الحضارة الإنسانية" الذي وهبنا إياه المؤرخون الثقات،
ونتردد نحن في تبنيه.
|