|
مكتبة في "المؤنسة"
جاءني عبدالله ضو مرةً
يخبرني أن الأمين عجاج المهتار قد تبرّع بقطعة أرض يملكها
في أحد أحراج عرمون من أجل إقامة مكتبة عامة عليها،
يستفيد منها أهالي عرمون واهالي البلدات المحيطة بها.
كانت قطعة الأرض تلك في موقع يدعوه الناس "المؤنسة"، ربما
بسبب موقعها الجميل. كانت الفكرة أنه يمكن البدء بإقامة
مخيم دائم هناك مع تخصيص خيمة في عدد من صناديق الخضار
الخشبية التي يمكن ان تستعمل كرفوف توضع عليها الكتب، حيث
يمكن أن تتطور مع الوقت وبواسطة بذل الجهود اللازمة لجمع
التبرعات للمشروع حيث يمكن إقامة مبنى لذلك الغرض. كان
تعليقي على كلام الرفيق عبدالله أنني أعتقد أن الأمين عجاج
قد تأخر على مشروعه خمسة وعشرين سنة على الأقل. إذ ماذا
كان يمكن ان يحصل لو أن الأمين عجاج كان قد قام بمثل ذلك
المشروع في الخمسينات أو الستينات، فكم كان استقطب حوله
من نشاطات الشباب باسم ذلك المشروع الذي لم يكن من
الضروري اقامته باسم الحزب، إذ كان يكفي وجود الأمين عجاج
على رأسه للتدليل على هويته. أما أن يطرح مثل ذلك المشروع
وفي وقت بدأ الناس فيه يتشوقون الى منظر السلاح جهلاً منهم
للنهاية التي يمكن أن يأخذهم إليها ذلك السلاح، فكان فكرة
في غير محلها.
لقد أمنّت منفذية الغرب
بعض الخيم وأقامة مخيماً عينت له آمراً لا يحضرني اسمه.
قررت القيام بزيارة لذلك المخيم في احد الأيام برفقة
الرفيق نبيل صعب الذي كان مدرباً لمديرية الشويفات، على أن
نمضي فيه بضع ساعات فقط. لقد حملنا أسلحتنا الفردية في
زيارتنا تلك بالرغم من أنه لم نكن بحاجة فعلية الى السلاح
هناك. أذكر هذه الحادثة للدلالة على صعوبة العمل الحزبي
عندما لا تكون إمكاناته المادية غير متوفرة وعندما يصاحب
العمل الجاد والمسؤول عقلية تتميز بالمراهقة والنزاقة.
لقد كنت قد خسرت سيارتي قبل ذلك، ولم أكن قادراً على شراء
سيارة بديلة، فكان علي الإعتماد على الرفقاء في جميع
تنقلاتي الحزبية.
عندما وصلنا الى المخيم
وقضينا بعض الوقت هناك، قرر الرفيق نبيل صعب عدم مغادرة
المخيم ذلك اليوم وقضاء ليلته هناك. ربما كانت تلك هي
المشكلة الأولى التي واجهتها في عملي الحزب، بسبب عدم توفر
سيارة خاصة لي. كنت أكره نقل السلاح في غير موضعه، لذلك لم
أر من اللائق أن أمشي على الطرق العام وأنا أحمل رشاشاً
بغير مبرر. عندما رفض الرفيق نبيل إيصالي الى الشويفات
كان علي أن أتدبّر أمري بالتي هي أحسن، لذلك مشيت في
الأحراج الى بلدة الفساقين القريبة، حيث كان يوجد بيت
لقريبٍ لي، الذي قام بإيصالي بدوره إلى الشويفات.
على ذكر نقل السلاح،
كان معروفاً عني أنني لم أكن أحمل أي سلاح في تنقلاتي في
المهمات أو الاعمال الحزبية في منطقة الغرب. حدث مرة أن
كنت في عمل حزبي مع الرفيق سليم صعب وفي سيارته وكان
مقرراً ان يرافقنا فيه الرفيق عبدالله ضو. عندما صعد
الرفيق عبدالله الى السيارة كان يحمل رشاشاً بالرغم من عدم
وجود أي مبررٍ على الإطلاق لذلك. عندما قلت للرفيق
عبدالله إنه لا ضرورة لحمل السلاح، أجابني: "إنت بتتنقّل
بدون سلاح؟ أنا ما فيي روح لمطرح بدون ما يكون معي سلاح!"
حاولت كثيراً ان أجد أي معنى لقلق الرفيق عبدالله، فكان
نصيبي دائما الإخفاق في إيجاد إيجابة تعطي أي مصداقية
لإعلانه ذاك!
عقلية الخضرمة والإرتجال
مع اواخر صيف عام 1975
كان قد مرّ على الاحداث العبثية في لبنان ثلاث جولات
إقتتال مميزة مع حصول حوادث أمنية متفرقة ومتجولة من مكانٍ
إلى آخر. لقد كان واضحاً أن جميع الاحزاب والمنظمات
والمجموعات كانوا منشغلين بتسليح أنفسهم وبناء قوتهم ليس
خوفا من الإنعزاليين، بل خوفاً من بعضهم بعضاَ ومن أجل
إثبات وجودهم وفرض سيطرتهم.
كنت في ذلك الوقت
مديراً لمديرية الشويفات، لذلك تلقيت دعوة من لجنة كانت
قد نشأت حديثاً من أجل العمل على "حماية" الشويفات. لم
يكن بمقدوري الذهاب شخصياً إلى ذلك الإجتماع، لذلك كلّفت
أخي الرفيق فرحان كي يقوم بتلك المهمة وطلبت منه أن يرفض
بشدة نزول أي مسلح إلى الشارع في الشويفات. كنت أعرف أننا
نسبتطيع القيام بمعركة لعدة ساعات، أو عدة أيام، لكننا لا
نستطيع تفريغ عناصر دائمة لنا تتجول في الشوارع أو تقف على
حواجز. لم نكن نملك مالاً، وكل رفيق من الرفقاء كان عليه
أن يعمل كي يؤمن معيشته وحاجاته. لقد أدركت أنه إذا سمحنا
بنزول السلاح إلى الشارع فإن ذلك سيكشف قوتنا الحقيقية.
لذلك طلبت من الرفيق فرحان أن يرفض تلك الفكرة، إذ أن رفض
تلك الفكرة، سيخلق نوعاً من الخوف والحذر عند الأفرقاء
الآخرين ولن يجرؤوا على النزول إلى الشارع بدوننا.
لقد صعقت عندما اخبرني
الرفيق فرحان أنه أتفق مع بقية أعضاء اللجنة على أن
القوميين سيقدمون عدداً معيناً من العناصر للحواجز
والدوريات الليلة التي قررها المجتمعون. إذ هو لم يطرح
الرأي الذي طلبت منه ان يبديه على الإطلاق، ظناً منه أنه
يملك حكمةً افضل من حكمتي ورأياً أسلم من رأيي. لقد كانت
تلك الحواجز مقدمة لنزول الطائفيين الجنبلاطيين إلى الشارع
في الشويفات وإرتكابه جرائم عدة على حواجزهم، ليس أقلها
قتلهم لذلك الرجل المسكين من أهالي طريق الجديدة الذي مرّ
على حاجز لهم على طريق صيدا-مفرق ديرقوبل، دون ان يقف على
حاجزهم نتيجة لخوفه من أنه كان حاجزاً كتائبياً.
عقلية الخضرمة
والإرتجال تقوم دائماً بما يصعِق المدارك ويدهش العقول.
جاءني مرة وفي تلك المرحلة بالذات الرفيق فهيم خوري مبعوثا
من مركز الحزب. أبلغني الرفيق فهيم أنه مرسل من عمدة
الدفاع من أجل الإتصال برفقاء لنا من النبي عثمان يعملون
في صحراء الشويفات من أجل العمل على تسليحهم. لا أستطيع
أن أصف ذلك العمل سوى بالغباء والجهل، إذ ما هي الدوافع
التي إعتقد فيها اولئك المسؤولون في المركز أن عليهم
إرسال مندوب مركزي للإتصال برفقاء يقعون ضمن النطاق
الجغرافي لوحدة حزبية قائمة وقوية؟ ثم لماذ كان أولئك
المسؤولون يعتقدون أن تسليح أولئك الرفقاء يعني أن الحزب
سيكون أقدر على المواجهة وإثبات الوجود بشكل أفضل؟ بينما
كان الرفيق فهيم يتكلم إلي في أمر مهمته التي كان يجهل
كيفية القيام بها، قد قفز إلى رأسي فوراً المثل الشعبي
القائل "إذا كانت هذه الرقصة رقصتك، وقمح بدِّك تاكلي".
لقد وزعنا عدداً من
قطع السلاح على رفقائنا هناك كانت أقصى ما فعلته فيهم هو
مواظبتهم على حضور الإجتماعات الحزبية التي كنت أعقدها لهم
بشكل دوري. لقد إختار عدد قليل منهم أخذ السلاح من إنعام
رعد ربما بسبب المنافسة على الوجاهة والمركز ضمن
عائلاتهم. فقد كان مثلا أخوة الرفيق ديب كردية يتعاملون
معنا بينما إختار رفيق آخر أن يتعاون مع إنعام رعد ،
واضعاً نفسه في مواجهة الرفيق ديب.
هموم الدفاع عن مركز الحزب
لقد كان الهجوم الأول
على مركز الحزب نذيراً على أن الإنعزاليين المسيحيين لن
يمتنعوا عن تكرار محاولاتهم حتى يتم لهم ما يريدون. لذلك
شكّلت مسألة الدفاع عن المركز هماً عند بعض القوميين.
أقول بعضهم، لانه لم يكن هناك جهود موحدة وخطة واضحة
كاملة. كان يبدو أن التعاون مفقود وكل مجموعة ترى المسائل
من زاوية معينة دون محاولة الإنتباه الى الصورة الكاملة
للأحداث. لقد كان كلّ شيء إرتجالاً بإرتجال.
لقد كان إنشاء مخيم
للحزب في الضهور الشوير من وحي عقلية الإرتجال تلك، إذ لم
يلحظ قرار إقامته أي أمرٍ مهمٍ على علاقة بإقامة مثل ذلك
المخيم، سوى الحاجة إليه! من سيقيم في المخيم؟ كيف يمكن
أن تؤمن استمرارية حماية المخيم؟ مدى استعدادات القوميين
للإلتحاق بذلك المخيم؟ كلها من الأمور التي لم يجر بحثها
ابداً، بدليل ما كان لاحقاً من نتائج. كان المسؤولون عن
المخيم يطلقون الصرخة تلو الصرخة من أجل المساعدة في حماية
المخيم لليلة أو ليلتين لإنتفاء القدرة على تأمين الحراسة
على أمد طويل.
كان يصلني في الشويفات
إتصال يومي تقريباً من الحاجة الى عنصر أو إثنين للذهاب
الى ضهور الشوير. في إحدى المرات طلب مني ثلاثة رفقاء
فكان علي أن أذهب بنفسي مع أخي الرفيق عبدالله والرفيق
وجدي عبد الملك لتلبية ذلك الطلب، حيث قضينا في المخيم
ليلتين. كانت تلك هي المرة الأولى التي أتعرف فيها على
الرفيق شفيق فياض الذي كان رئيساً للحرص على مدى هاتيك
الليلتين، كما كانت هي المرة الأخيرة، إذ كان الرفيق شفيق
على موعد مع الاستشهاد بعد اسبوعين أو ثلاثة من ذلك
التاريخ.
إتصل الرفيق شاهين عبد
الخالق من مجدل بعنا مرة ليبلغني أنهم بجاجة الى جريدة
كاملة في المخيم بسبب التوتر الشديد في الوضع الأمني هناك.
لذلك ارسلت خمسة رفقاء من الشويفات. عندما وصل أولئك
الرفقاء الخمسة الى بيت الرفيق شاهين في مجدل بعنا، وجدوا
هناك أكثر من خمسين رفيقاً مسلحاً، فأستغربوا الحاجة إليهم
بينما كان يتوفر عند الرفيق شاهين ذلك العدد من الرفقاء.
هذا يذكرنا ببيت شعر لشاعر إنكليزي يقول ما معناه: "مياه،
مياه، في كل مكان، لكنه لا يوجد نقطة صالحة للشرب"!
لقد كان الوصول إلى
ضهور الشوير والخروج منها محفوفاً بالمخاطر إبتداءً من
منتصف تشرين أول 1975 تقريباً، بسبب الحواجز الطيارة التي
كان يقيمها الكتائب في غابة بولونيا. لقد نجا في إحدى
المرات الرفيقان وجدي عبد الملك وعبدالله حيدر بإعجوبة، إذ
كان يفصلهم بين الموت والحياة لحظات قليلة، وهي اللحظات
التي كان الكتائبيون خلالها ما يزالوا يعملون على تثبيت
حاجزهم.
الرفقاء من عائلة
الأشقر (أسد، يوسف، غسان، نظام) كانت لهم حساباتهم وهمومهم
فكان هناك تركيز منهم على حماية ديك المحدي. كما كان
عليهم مراعاة مصالحهم الإقتصادية، إذ كانوا يملكون معملاً
لإنتاج الحرامات.
اما أمر حماية المركز
فقد ترك للرفيق ياسين عبد الرحيم. لذلك في محاولة منه
لوضع خطة لذلك وتوفير العناصر البشرية الكافية لها إتصل
بالرفيق شاهين طالباً منه أن يذهب لمقابلته في المركز.
جاءني الرفيق شاهين على أثرها يطلب مني مرافقته الى ذلك
الإجتماع وكان معه الرفيق الرفيق جهاد عبد السلام. لم يكن
الوصول الى جل الديب من الطرق الساحلية ممكناً، كما كان
طريق ضهور الشوير – بكفيا – ديك المحدي – جل الديب محفوفاً
بالمخاطر بالرغم ما قيل عن تفاهم بين الرفيق اسد الأشقر
والكتائبيين على إلا يكون هناك توتر في بلدات المتن
الشمالي، ذلك الإتفاق الذي لم يحترمه الكتائبيون في حال
أنه كان صحيحاً. بسبب ذلك عمدنا أن نحطاط للأمر قدر
المستطاع. كان الرفيق شاهين يقود سيارته "الفولس
فاكن" بينما كان مسدسه في متناول يده وجاهزاً للإستعمال،
أما أنا فقد كنت أجلس الى جانبه وفي يدي رمانة يدوية نزعت
مسمار أمانها، بينما جلس الرفيق جهاد في المقعد
الخلفي وهو يحمل رشاش كلاشينكوف.
عندما وصلنا الى جل
الديب التقينا الرفيق ياسين الذي عرض معنا مسألة الدفاع عن
المركز طالباً منا المساعدة في تأمين العناصر الكافية لذلك
الأمر. كان رأينا واضحاً للرفيق ياسين، انه بإمكاننا
تأمين بعض العناصر ولكن ليس كلها إذا أن الرفقاء الذي
يستطيعون أن يتفرغوا لذلك العمل قلائل جداً. عندما هوجم
مركز الحزب للمرة الثانية، كان هناك اكثر من عشرة رفقاء من
منفذية الغرب بينهم الرفيق الراحل البطل سامي الصايغ
والرفيق البطل أخوه جميل والرفيق جهاد حميدان.
الهجوم الثاني على مركز
الحزب
في السابع أو الثامن من
شهر كانون الثاني 1975 شنت القوات الإنعزالية المسيحية
هجوماً كبيراً على مركز الحزب، لكن الرفقاء الذين كانوا
يدافعون عن المركز والذين لم يكن عددهم يتجاوز الأربعين
رفيقاً، قاتلوا ببسالة ومنعوا المعتدين من الوصول إليه.
خلال ساعات القتال
الشديدة، وبينما كان الرفيق جميل الصايغ ذاهباً
للتزود بالذخيرة اللازمة، إذ به يسمع رنين جرس الهاتف.
عندما رفع الرفيق جميل سماعة الهاتف، كان المتصل الرفيق
داود باز من النبعه. شدد الرفيق داود من عزيمة الرفيق
جميل وأخبره أنه قادم لنجدة المركز مع مجموعة كبيرة من
الرفقاء. لقد سرّ الرفيق جميل بسماع ذلك الخبر كونه لم
يكن يعرف طبيعة الحماسة التي كانت موجودة عند الرفيق داود
والتي تجعله يتعهد بما لا يستطيع القيام به. عندما عاد
الرفيق جميل وأخبر الرفيق سامي بالأمر قال له الرفيق سامي
أن لا يتوقع الكثير من كلام الرفيق داود وأن لا يأخذه على
محمل الجد.
في صباح العاشر من
كانون الاول 1975 كان الرفيق الشهيد حسين نزهة يكمن في
موقعه عندما خطر له أن يقف كي يريح جسمه قليلاً. فما كان
من الرفيق الذي كان معه في الموقع نفسه، أن حذره من خطر
القنص، فأجابه الرفيق حسين بلهجته النبيعثمانية: "هودي
رصاصهم ما بيأتلش (لا يقتل)"، ما أن أكمل عبارته تلك حتى
أستقرت رصاصة في جبينه وقتلته على الفور.
لقد كان لاستشهاد
الرفيق حسين نزهة تأثير عميقاً في نفوس رفقائه الآخرين،
لذلك قرر خمسة منهم، بينهم الرفيقان أسعد حردان وسامي
الصايغ القيام بأي شيء تعبيراً عن نقمتهم. يجدر الإشارة
أن ما أنقله هنا هو ما كان اخبرني معظمه الرفيق اسعد حردان
وبعضه الرفيق سامي الصايغ.
لقد قرر الرفقاء
الخمسة الصعود الى الغابة التي تقع تحت دير الصليب وهي
منطقة تشرف على مركز الحزب، وأخذوا معهم مدفع هاون 60
بالإضافة الى اسلحتهم الفردية. يبدو ان هؤلاء الرفقاء
كانوا قد احتاطوا لذلك الامر من قبل، فعمدوا إلى إقامة
حفرٍ في تلك الغابة تحسباً لامكانية استعمالها مستقبلاً. 
عندما وصل الرفقاء الى
تلك الحفر كان الليل مظلما والطقس ممطراً، لذلك قضوا ليلهم
في تلك الحفر الممتلئة بالماء. عندما انبلج الفجر وهدأت
عاصفة الطبيعة، سمع الرفقاء الخمسة أصواتاً على
مقربة منهم. لقد أدركوا انهم محاطون باعداد كبيرة من
المقاتلين الإنعزاليين. كان الرفيقان أسعد حردان وسامي
الصايغ هما الأقرب الى نيران الإنعزاليين لذلك قررا القفز
من مكمنهما الى موقع أكثر إنخفاضا من الموقع الذي كانا
فيه. عندما قفز الرفيق أسعد أولاً أنهمر عليه سيل كثيف من
الرصاص لكنه لم يصب بأذى. طلب أسعد من الرفيق سامي أن
يبقى في كمينه لأن المقاتلين الإنعزاليين كانوا قد تنبهوا
الى وجود أشخاص آخرين هناك. لم يرضخ الرفيق سامي الى طلب
الرفيق اسعد لذلك قفز بسرعة، لكن الرصاص كان أسرع في
الإنهمار عليه ايضا. كيف لم يصب الرفيق سامي ولماذا لم
يقتل في الوقت الذي لم يكن هناك مناص من موته، لم يكن عند
الرفيق اسعد او الرفيق سامي تفسيراً لذلك. فيه صح قول
الشاعر:
"وقفت
وما في الموت بد لواقف كأنك في جفن الردى وهو
نائم"
عمل ليس كبقية الأعمال
عندما كان الرفقاء
الخمسة يحاولون إيجاد طريقهم الى مركز الحزب، فعلوا
ذلك كل على حدة للأسباب الواضحة. الرفيق أسعد حردان كان
عنده فكرة ليست كبقية الافكار وخطة ليست كبقية الخطط،
فنتج عن ذلك عمل فريد، رائع لم يكن كبقية الاعمال.
كان الرفيق انطون
انطكلي قد أصيب في المعركة وأسر من قبل الإنعزاليين. ربما
كان ذلك الأمر من الأسباب التي جعلت الرفيق أسعد يفكّر
بخطته. حمل الرفيق أسعد رشاشه على كتفه وراح يمشي الهوينا
على الطريق العام الذي يقع فوق مركز الحزب ويبعد عنه نحو
المئة متر على ما أذكر. لقد كان معظم المقاتلين
الإنعزاليين المنتشرين على سطوح المنازل والبنايات وعلى
شرفاتها من المقاتلين الزغرتاويين أو الغرباء عن جل الديب.
عندما رأى احدهم الرفيق اسعد يمشي بتلك الصورة، صوب
بندقيته باتجاهه، فما كان من الرفي أسعد سوى أن ابتسم له
وأشار له بيده أنه قادم إليه للدلالة على أنه كان مقاتلاً
منهم. بعد ذلك دخل الرفيق اسعد الى بناية يسكن في طابقها
الاول المسؤول الكتائبي في جل الديب والذي يملك سيارة
"كاديلاك" (على ما أذكر) يعرفها جميع الإنعزاليين في تلك
المنطقة.
عندما قرع الرفيق أسعد
جرس الباب، فتحت له الباب زوجة المسؤول الكتائبي، فاسرع
الرفيق أسعد بالكلام سائلاً عن "الرفيق" زوجها (ذكر لها
اسمه) وعرف عن نفسه بانه كتائبي من الشمال وهو يقوم بمهمة
مستعجلة. عندما قابله على الفور المسؤول الكتائبي اعاد
عليه التعريف عن نفسه وانه يحتاج أن ينتقل بسيارته في مهمة
لا تقبل التأجيل.
عندما صعد الإثنان
بالسيارة، راح أسعد يشير عليه إلى أي طريق كان عليه ان
يسلك، كما أخبره ألا يتوقّف على حواجز "العك...يت"
القوميين وأن يحافظ على اقصى ما يستطيع من السرعة. عندما
وصل المسؤول الكتائبي الى مدخل سبنية، أستغرب سلوكه ذلك
الطريق، فما كان من الرفيق اسعد سوى أن شهر مسدسه عليه،
واخبره أنه قيد الإعتقال. لقد تم تبادل ذلك المسؤول
الكتائبي بالرفيق أنطون أنطكلي الذي كان مخطوفاً من قبلهم. |