إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   

 

 
 

السبت الأسود

كان يوم السبت في السادس من كانون الثاني 1975 محطة أخرى من محطات دفع الأحداث العبثية باتجاه التصعيد والفلتان والعبثية والجنون الكامل.  فمن إغتيال الشهيد معروف سعد في شباط من تلك السنة، الى مجزة "بوسطة عين الرمانة" في نيسان من تلك السنة ايضاً،  الى كل حوادث الخطف والخطف المضاد والقتل والقتل المضاد التي كانت تحدث على نحوٍ  متكررٍ، جاء السبت الأسود تتويجاً لكل تلك المحاولات التي قصد منها أن تكون وقوداً للمؤامرة وزيتاً يصب على نارها المشتعلة.  الذين كانوا يرغبون في إطفاء النار فعلياً لم يكن لهم أي دور ولم يكونوا قادرين على القيام بأي دور.  الساحة كانت ملك الجامحين من أصحاب المطامح، أشخاصاً كانوا أم مجموعات أم أحزاب ام دول، حيث كان كل منهم يعتقد أنه سيكون الرابح والمنتصر في المحصلة النهائية.  أما خيوط المؤامرة، أما خيوط اللعبة، فقد لها محرك واحد: وهو الموساد الصهيوني.

رداً على ما زعم من مقتل أربعة عناصر كتائبية، قامت عناصر من ميليشيا الكتائب بقيادة  العميل بشير الجميل في صباح 6 كانون الثاني بقتل حوالي 200 شخص من الأبراياء في محيط الدوره- مرفأ بيروت، كان معظمهم من العمال الأكراد والشاميين والمصريين.

خلال تلك العملية كان أخي الرفيق عبدالله حيدر يراقب من مكتبه القائم في الطابق الخامس من مبنى الجمارك اللبنانية، ما يجري في الشوارع المحيطة بذلك المبنى وهو يتمزق غضباً كونه لم يكن قادراُ على فعل شيء.  كان المجرمون الإنعزاليون يقتربون من ضحاياهم ويطلقون عليهم النار بأعصاب باردة دون تردد أو سؤال.  

لقد وضع أخي ووضع الموظفين المحديينً  من زملائه في وضع حرج، لم ينقذهم منه سوى المخلّص في الجمارك اللبنانية فؤاد روكز، وهو كان من قادة العناصر الإنعزالية. لقد رافقهم فؤاد روكز من مبنى الجمارك في المرفأ الى قرب أوتيل فينسيا حيث كان بإمكانهم أن يتابعوا الطريق الى منازلهم دون أن يشعروا أن هناك ما يهدد حياتهم.

إخلاء مركز الحزب في جل الديب

عندما هاجم الإنعزاليون مركز الحزب، كان واضحاً أنهم مصممون احتلاله باي ثمن.  لفد كانت مواجهة الرفقاء لهم مواجهة بطولية نادرة، ظن معها المعتدون أن المدافعين عن مركز الحزب يعدون بالمئات.  لذلك لم يعمدوا إلى متابعة هجومهم قبل أن تكتمل إستعدادتهم لمواجهة ما كانوا يعتقدونه من عدد للقوميين في مركز الحزب.  لذلك أحضروا مقاتليهم من كل حدب وصوب،  حيث كان العدد الأكبر منهم من المردة الزغرتاويين.  لذلك أيضاً،  قبلوا التفاوض مع القوميين.

عندما دخل الرفيقان يوسف الأشقر ووديع الحلو اللذين كانا يفاوضان باسم الحزب، معمل السكر حيث كانت تتجمع قوات الإنعزاليين، وشاهدوا حجم القوة الإنعزالية هناك، والتي كانت تعد بالمئات، لم يكن عندهم خيار سوى التوصل إلى إتفاق يحفظ كرامة القوميين.  لم يكن هناك خيار بديل.  الخيار البديل هو أن يكون بإمكاننا إرسال دعم كبير لرفقائنا المدافعين عن مركز الحزب، الأمر الذي لم يكن ممكناً ولم يكن متوفرا عندناً.

لقد كان على اي قوة داعمة لرفقائنا في جل الديب أن تسلك واحداً من ثلاث إتجاهات: الجهة الشرقية (ضهور الشوير-ديك المحدي)، الجهة الجنوبية (سن الفيل-النبعة)، والجهة الشمالية، بالتحديد من مخيم الضبية.  كانت القوات الإنعزالية تسيطر على جميع تلك المسالك، مما يعنى أن أي دعمٍ ممكن نظرياً، كان يجب أن يكون من الحجم، عدداً وانواع سلاح، ما يكفي لقهر الإنعزاليين والوصول الى جل الديب.

لقد رأينا أن الرفيق داود باز الذي كان يعمل تحت قيادة إنعام رعد، إتصل بالرفقاء في مركز جل الديب واعداً إياهم بالتدخل والمساعدة، لكن الرفيق داود باز كان يكذب، ليس لأنه يحب الكذب، وليس لأنه لا يريد أن يمد يد المساعدة إلى رفقائه، بل لأنه كان لا يملك من المقاتلين سوى عدد بسيط جداً، وكان أعجز من أن يفي بما وعد بالقيام به.  كان مثل الرفيق داود مثل كل الذين يعملون تحت قيادة إنعام رعد، يحاربون بالكلام ويحاربون بتزوير الحقائق ويتكلمون عن أمجاد لم يساهموا في صنعها ولم يكن لهم فيها أية علاقة لا من قريب ولا من بعيد. كانوا يفعلون الكثير بالكلام وعلى الورق، خاصة في مجلة صباح الخير الذي كانت مسرحاً لكذب وتدجيل إنعام رعد والجوقة المحيطة به.  لقد كان إنعام رعد يحاول أن يظهر أنه يتكلم بأسم جميع القوميين وأنه هو من يمثل الحزب لذلك كان يتذاكى في محاولاته للفصل ما بين القوميين من العاملين تحت قيادة الرفيق الياس جرجي، وبين قيادة الياس جرجي نفسها.  إن  تقديم البراهين على هذا الكلام وإبراز نماذج من تدجيل إنعام رعد وخزعبلاته سبتم لاحقاً في حلقة خاصة بهذا الشأن.  إننا إذ نكرر الكلام عن  قباحات هذا الشخص، فذلك لأننا نؤمن إيماناً كلياً بمسؤوليته الأساسية عن الخراب الذي وصل إليه الحزب الآن.  لذلك نعتقد بقوة أن الأجيال القادمة من حقها أن تتطلع على الحقائق كما هي بدون تزوير أو تزيين او تحريف.

لقد كان ممكناً أن يكون هناك دعم للرفقاء في مركز جل الديب من مخيم الضبية، لكنه كان واضحاً أن منظمة فتح كان لها حساباتها الخاصة التي ليس أقلها السماح بسقوط كل المواقع التي تختلف مع الإنعزالية المسيحية وتتناقض معها، وإخلاء المخيمات الفلسطينية في المنطقة الشرقية، تمهيداُ لإقامة دولة عرفات البديلة.  إذ عندما يكون هناك مجال لإقامة دويلة مسيحية إنعزالية، يكون من السهل إقامة دولة تكون حلاً لمشكلة المشردين الفلسطينيين ويحقق فيها عرفات مع اعترى رأسه من غرور واحلام.

لقد كان " مأمون"، مسؤول المخيم في حركة فتح، يكذب في وعوده بمساعدة رفقائنا في المركز.  مأمون هذا استمر بالكذب حتى بعد أن سقط مخيم الضبية،  حيث حاول في حديث صحفي مع مجلة إنعام رعد صباح ان يتهم رفقائنا القوميين بتسليم مركز جل الديب تسليماً مجانياً دون أن ينسى أن يكيل التهم المختلفة للرفيق أسد الأشقر.

خلال حصار مركز الحزب كان يجري إحتلال حي الغوارنه في إنطلياس.  عندما كان أخي فرحان يتكلم على الهاتف مع غسان التويني طالباً منه التدخل مع كميل شمعون وبيار الجميل لوقف هجومهم على مركز الحزب، اجابه غسان التويني إن الأمر إنتهى، وأنه يملك صوراً لموقوفين من القوميين بعد أسرهم.  عندما أخبرني أخي عما كان يسمعه من غسان التويني قلت له إنه على خطأ، ذلك أنني كنت قد أتصلت بمركز الحزب قبل نصف ساعة من ذلك الكلام.  لقد عاد أخي وأكد لغسان التويني أن مركز الحزب لم يسقط ولم يقع أي من القوميين في الأسر وبالتالي فإن ما يملك من معلومات لم تكن صحيحة.  كان واضحاً أن غسان التويني لم يكن سوى واحد من الإنعزليين وبوق كبير لهم.

عندما قمت باتصالي الهاتفي الذي ذكرته أنفاً بمركز الحزب، كان الصوت الذي أجابني صوتاً أنثوياً، لذلك ظننت أن الرقم الذي طلبته غير الرقم الذي قصدت أن أطلبه، إذ لم أتوقع أن يكون هناك أية من الرفيقات في المركز وفي تلك الظروف بالذات.  عندما عرفت الرفيق على نفسها وسألتها من كانت، أجابتني أنها الرفيقه "ناديا".  لقد شعرت بإعتزاز أن يكون بيننا رفيقات من ذلك النوع.  الرفيقه "ناديا" لم تكن سوى الرفيقة ماري سهوة.  لقد أصبح من ذلك الوقت موقع كبير من الإحترام في نفسي للرفيقة ماري، فهي كانت من الرفيقات القليلات اللواتي كن قادرات على تحمل مثل تلك الظروف.    لقد برهنت الرفيقة ماري عن شجاعة وبطولة حقيقية الى جانب إيمانها العميق ووعيها الكبير.  لقد أبت إلا أن تشارك الرفقاء هناك بصمودهم، تحضر لهم طعام ء وتسعف جراحهم، كما بقيت لليلتين تحرس جثة الرفيق الشهيد حسين نزهة.

لقد توصّل الرفيقان يوسف الأشقر ووديع حلو إلى إتفاق مع الإنعزاليين برعاية الرائد في الجيش اللبناني معلولي.  كان الإتفاق ينص على إنسحاب القوميين الإجتماعيين من مركز الحزب مع سلاحهم ومعداتهم وحاجاتهم وسياراتهم. 

عندما كان الرائد معلولي يشرف أمام مركز الحزب على تنفيذ الإتفاق، وعندما تجمّع الرفقاء أمام المركز وكان عددهم حوالى ال 28 رفيقاً، سال ممثل القوات الإنعزالية عن بقية المقاتلين الذين كان يجب أن ينسحبوا.  عندما علم ممثل الإنعزاليين أن أولئك الرفقاء كانوا جميع من كان في المركز من القوميين، حاول التملص من الإتفاق غير أن الرائد معلولي توجه إليه بالقول: "إذا بتفسخ الإتفاق بتصير مشكلتك معي مش مع القوميين".

قبل الإنسحاب من المركز علم الرفيق اسعد حردان أن الرفيق شفيق فياض قد ترك مخيم ضهور الشوير في محاولة منه للوصول الى مركز الحزب ولكن لم يصل.  لقد كانت هناك معلومات أن الرفيق شفيق كان مختبئاً في الأحراج قرب دير الصليب وكان قريباً من الطريق العام،  لذلك ذهب أسعد بمرافقة سيارة للجيش اللبناني كي يفتش في ذلك المكان.  لقد ذكر لي الرفيق سعد انه نادى الرفيق شفيق بصوت عالٍ وبشكل متكرر على مدى بضع دقائق لكنه لم يلق منه جواباً.  لقد كان من المرجح أن يكون الرفيق شفيق قد سمع صوت الرفيق أسعد لكنه ظن أن ذلك  كان نوعاً من الفخ أو الكمين له لذلك آثر أن يبقى في مكمنه.  لقد إكتشف الإنعزاليون مكان الرفيق شفيق بعد ذلك حيث إستشهد بتاريخ 11 كانون الثاني 1975.

لم أستطع المشاركة في مأتم الرفيق شفيق في بلدته صوفر، لكن الرفيق غسان حميدان  كان واحداً من الرفقاء الذين حضروا ذلك المأتم.  روى لي الرفيق غسان أنه رأى أحد الجنبلاطيين يتكلم مستعملاً جهازاً لاسلكياً حيث كان يحاول إيجاد مكان رفيق له.  عندما أجابه ذلك "الرفيق" على اتصاله سأله:"إين أنتى، إني أحاول الإتصال بك على مدى ساعتين!"  أجابه ذلك "الرفيق": "وراؤك تماماً"، إذ كان يبعد عنه بالفعل مترين أو ثلاثة أمتار. لقد بدأت تلك الحرب العبثية مع أطفال ولعب أطفال، وأنتهت مع قتلة ومجرمين وما ملكت أيدهم من أدوات الإجرام والقتل.

رئيس حزب سجين منزله

لقد كان إنعام رعد يسعى بشتى الطرق والأساليب لإقناع جميع الناس أنه يملك تأييد معظم القوميين الإجتماعيين.  الحقيقة تقال، إن فريقه كان يعمل بتضامن وتعاون  وتنسيق وتوزيع للأدوار بصورة ملفتة للنظر. لكنّ ذلك لم يكن ناتجاً عن مهارات قيادية مميزه عند أولئك الأشخاص، بل كان ناتجاً بشكل أساسي الى وجود المال بين أيديهم، حيث كان بإمكانهم أن يتفرغوا كلياً للعمل الحزبي، دون أن يكون عندهم هموم تأمين معيشتهم ومصاريفهم.   هذا لا  يعني أننا نقلل مما كان لإنعام رعد من ذكاء ونشاط وتصميم على تحقيق أهدافه، فالشخص كان يعمل بدون كلل أو ملل، مدفوعاً بأحلامه ومطامحه.   لقد كانوا يزور الحقائق ويكذب ويدجل، وكان مساعدوه على تناغم كامل معه، يكذبو ن مثله ويزورون مثله،  ويستعملون أساليب التدجيل التي كان يستعملها نفسها.

مقابل ذلك وصلنا نحن الى مرحلة لم نعد نسمع فيها شيء عن رئيس الحزب الرفيق الياس جرجي، لم نعد نسمع أن هناك عمد يقومون بمسؤولياتهم.  لقد كان الإرتجال سيد الموقف واصبحنا نشعر أنه ليس في الحزب  قيادة فعلية، فكان العمل الحزبي يتم بمبادرة من الرفقاء في منفذياتهم ووحداتهم الحزبية.  لقد كان الجامع  الأساسي بينهم رفضهم للإنحراف الذي كان يمثله إنعام رعد.  لقد كنا ننشط في منفذية الغرب بدوافع ذاتية، وكذلك كان يفعل الرفقاء في بقية المنفذيات.  لقد كان لرفقائنا بطولاتهم المميزة، وكان منهم شهداء ولم يكن بإمكاننا إبراز تلك البطولات وتكريم الشهداء بما يليق بهم.  لقد كان الأفعال أفعالنا، أما استغلال تلك الأفعال فتلك مهنة أجادها إنعام رعد الى حدود الإبداع والتفوق.  لم يكن هناك دجالون أكثر إبداعاً من ذلك الدجال ولم يكن هناك أشخاص أكثر استغلالاً.  إن سقوط شهيد جديد، كان يعنى بالنسبة لإنعام رعد مزيداً من تساقط الخيرات والمساعدات عليه، لذلك كان سقوط الشهداء كان يعني عرساً كبيراً لإنعام رعد.

أمام ذلك الواقع قررت أنا والرفيق شاهين عبد الخالق أن نقوم بزيارة رئيس الحزب في بيته في ضهور الشوير.  لقد كان الرفيق الياس جرجي يسكن في ضهور الشوير، وكان عملياً في تلك المرحلة، تحت رحمة الرفقاء الأشقريين، الامر الذي لم نرتح له أبداً.

 لقد كان الرفيق أنيس جمال يسكن في الوقت نفسه في بلدة  شملان.  لذك قمت أنا والرفيق شاهين بزيارته لنبحث معه الوضع الحزبي وما يمكن أن نقوم به لتخطي بعض المعوقات التي كانت تغلّف العمل الحزبي.  كان رأينا أن رئيس الحزب يجب أن يكون في منطقة الغرب وليس في ضهور الشوير، الامر الذي وافق الرفيق أنيس جمال وأبدى استعداده باستضافة الرفيق الياس جرجي في بيته.  عندها قررنا أنا والرفيق شاهين الذهاب فوراً الى ضهور الشوير.

عندما وصلنا الى بيت الرفيق الياس جرجي، كان متأثراً من الوضع الذي كان فيه حيث كان آخر من يعلم بما كان يجري حوله من أحداث، لذلك طلبنا منه أن يوضب حقيبته من أجل المغادرة معنا كما أخبرناه عن ترتيب موضع اقامته.  عندما طلب أن نمهله بعض الوقت رفضنا  المغادرة بدونه فخضع لإرادتنا.

لقد بدأ الرفيق الياس جرجي يقوم باتصالاته من بيت الرفيق أنيس جمال حيث عمد الى تشكيل مجلس جديد للعمد.  كان من أعضاء مجلس العمد ذاك الرفيقان حسن عز الدين ويوسف الشامي اللذان جاءا من الشمال يعرضون على الرئيس خدماتهم معتقدين أنهما يملكان مؤهلات ومواهب، راغبين في وضع تلك المؤهلات والمواهب في خدمة الحزب.  عندما تعاملت معهما عن كثب، علمت عمق الحالة المؤسفة التي كنا قد وصلنا إليها.

مدرب مديرية يتكلم الإنكليزية

خلال حصار مركز جل الديب قمت باستنفار في مديرية الشويفات، خاصة أنه كان قد طلب منا ارسال جريدة من المقاتلين الى ضهور الشوير.  حضر جميع الرفقاء الى بيتي لكن مدرب المديرية الرفيق نبيل صعب لم يكن موجوداً.  كنت أريد الرفيق نبيل لسببين: الاول لأنه مدرب للمديرية وما كان يحدث في ذلك الوقت من اختصاصه ومسؤوليته، والثاني أننا كنا بحاجة الى سيارته لنقل المقاتلين الى ضهور الشوير. عندما ذهب الرفيقان وجدي عبد الملك وعبدالله حيدر للتفتيش عليه، ووجداه في مسبح "البيتش كلوب" بخلده، وكان يتمتع بوقت سعبد هناك، أدرك على الفور أن وراء الأكمة ما وراءها، لذلك راح يتظاهر أنه لا يفهم ما كانا يقولان له وراح يتكلم معهم بالإنكليزية.  لقد كان باستطاعة الرفقاء وجدي وعبدالله أن يفهموه بالأنكليزية ايضاً أنهم بحاجة الى سيارته، حيث سمح لهما بأخذها.  لم أر الرفيق نبيل صعب بعد ذلك في أمر حزبي.  عندها لم أستطع سوى أن أتذكر عمه الرفيق الراحل حافظ صعب وقد مرّ ذكره سابقاً.

ربما يكون هنا الموضع الذي يجب أن أنوه فيه ببعض الرفقاء الذين كانوا أعضاً بمديرية الشويفات.  هؤلاء الرفقاء هم بديع صعب، عادل صعب، ، وجدي عبد الملك، عبدالله حيدر، أسعد نصر والرفيق الراحل غسان صعب. إن تجاوب هؤلاء الرفقاء مع واجباتهم في المهمات الحزبية الصعبة كان بلا حدود.  وددت لو أستطعت أن أقول نفس الكلام عن أعضاء المديرية الآخرين، الشباب منهم بصورة خاصة.

بيان مركزي

أصدر الحزب بيانا مركزياً شَرَحَ فيه الأحداث بدقة وعمق، كما حدد عناصر الفتنة الحاصلة محذراً من تفاقمها، منبهاً الى خطورتها.  الحلول التي طرحها البيان هو إعتماد شعبنا للمباديء القومية الإجتماعية، التي بدونها سيقى شعبنا يعيش في داومة من المشاكل والمآسي.  لقد كان يستحيل على الحزب ان يطرح حلولاً فورية عملية، إذ أن الأحداث كانت قد تخطت، ليس قدرة القوميين فحسب، بل قدرة معظم الفئات الخاضعة لمنطق تلك الأحداث.  

لأن التفكير العادي يفهم الأشياء بشكل مبسطٍ جداً، وبالتالي فهو عاجز عن اكتناه جوهرها وحقيقتها، لذلك عندما قرأت ذلك البيان في إجتماع دوري لمديرية الشويفات عقد بعد إنسحاب الرفقاء من مركز جل الديب بيوم أو يومين، نشأت عند الرفقاء مشاعر مختلفة منه.  كان السؤال الأبرز عندهم "مذا نفعل بعد الآن؟".  كان جوابي هو أن دورنا قد بدأ فعلاً في ذلك الوقت وبأننا يجب أن نمارس قوميتنا الإجتماعية أكثر من أي وقت مضى، ذلك أننا معنيين بأمن المواطن وسلامته وعلينا أن نعمل ما في وسعنا للقيام بذلك الدور. 

كان يوجد في مديرية الشويفات رفيق يدعى مزيد الحلبي وكنت أعلم عن إتصال لذلك الرفيق بجماعة المنحرفين منذ العام وقت طويل من ذلك التاريخ.  لقد كنت أتظاهر بعدم معرفتي بذلك الأمر، خاصة أنه لم يجرؤ هو أن يبوح برأيه صراحة لأحد.  كان جُلّ ما يفعله هو المزايدة والإنتقاد، لكنه لم يكن الرفيق الوحيد الذي ينتقد ويزايد، لذلك لم أشعر ان له أي تأثير سلبي.    عندما بدأ الإنفلات الأمني في لبنان وراح إنعام رعد يصول ويجول على صفحات الجرائد وفي إجتماعات فوى "الحركة الوطنية"، شعرت أن ذلك الرفيق كان يقوم بتحريض بعض الرفقاء سراً  للإلتحاق بإنعام رعد لكنه كان دائما يخفق بإقناعهم بذلك.

لقد كان الأمر مختلفاً في إجتماع المديرية المشار إليه آنفاً. لقد صار هناك مجال للمزايدة بصورة أكبر.  جواباً على سؤال "ماذا يجب أن نعمل بعد الآن؟"، قال الرفيق غسان إن رأيه أن نذهب جميعاً الى موقع المعلم.  قلت له إذا كنت تعتقد فعلياً أن ذهابك الى موقع المعلم هو الحل وهو مفيد للقضية القومية فلك مباركتي وتمنياتي، لكنني شخصياً لا أستطيع أن أزيد اية كلمة على ما ورد في بيان المركز وان دورنا هو أكبر وأهم من الذهاب الى موقع المعلم.

الرفيق مزيد الحلبي أيد رأي الرفيق غسان، فأدركت أنهما سيلتحقان بإنعام رعد.  لم يكن الرفيقان مزيد الحلبي وغسان صعب الوحيدين اللذين إلتحقا بإنعام رعد، بل إلتحق معهما أيضاً أخي فرحان، لكن قصة ذلك ستأتي لاحقاً.

 موقع المعلم

كان يوجد على طريق صيدا القديمه بين الشياح والحدث مركزاً لمنفذية الضاحية أو المتن الجنوبي.  كان ذلك المركز بإدارة رفقاء يعملون مع إنعام رعد، ثم تحول بعد فلتان الوضع الأمني الى موقع عسكري دائم له.  لقد كان ذلك الموقع، الى جانب مواقع كان يديرها قوميون تابعون لإنعام رعد في الكوره، هو الشاهد الذي يشير إليه إنعام رعد بأستمرار لقوته ودوره في التصدي للإنعزال ولشعبيته بين القوميين الإجتماعيين.

لقد جاء إعتداء المردة على دورية للقوميين في الكوره بتاريخ 28/11/1975 شحمة على فطيرة إنعام رعد الجائع الى البراهين التي عليه أن يبرزها أمام الحركة الوطنية وأمام منظمة فتح للدلالة على تضحياته ودوره في التصدي للمشروع الإنعزالي.  لم تكن الكورة كورة الرفيق عبدالله سعاده قومياً إجتماعياً. لقد كان معظم الرفقاء في الكوره تابعين لقيادة الرفيق الياس جرجي وكان منفذ عام الكوره في ذلك الرفيق وجيه الأيوبي من الذين كانوا يواجهون بقوة إنحرافات الرفيق عبدالله سعادة الفكرية والسياسية.  عندما حصل الفلتان الأمني في لبنان لم يكن الحزب قادراً على تسليح رفقاء الكوره أو تزويدهم بما يلزم لمواجهة الإعداءات المحتملة عليهم من قبل جماعة سليمان فرنجية.  في الوقت نفسه كان إنعام رعد مستميتاً لتشكيل خلية عسكرية له في تلك المنطقة.  لذلك أرسل إلى الكوره الرفيق غسان نعيمة من القصيبه الذي كان يعمل تحت قيادته ليبدأ بمحاولة تشكيل نوعٍ من الوجود المسلّح لإنعام رعد هناك.  عندما بدأ الرفيق غسان بإتصالاته مع الرفقاء هناك تجاوبوا معه على أساس أن التهديد الإنعزالي للوجود القومي الإجتماعي في الكوره لا يميز بين فريق وفريق.  الرفيق غسان نعيمه (صقر) عرض عليهم السلاح والتعاون العسكري وهم قبلوا منه ذلك العرض من أجل القيام بواجباتهم على أفضل وجه.

في 28 تشرين الثاني 1975 وبينما كان الرفقاء غسان نعيمة - القصيبه، ابراهيم حيدر وفادي سالم – أميون، حنا يوسف- دده، ويوسف الأيوبي- نخله، يقومون في دورية روتينية، أطلق عليهم المرده قذيفة آر بي جي، تبعهتها نيران الرشاشات فأستشهد جميع الرفقاء الخمسة. 

لقد إستغلّ الرفيق إستشهاد الرفقاء الخمسة ليظهر أنه هو صاحب الأمر الناهي في الكوره حزبياً، في الوقت الذي لم يكن له هناك من يستطيع أن يقاتل أو يحمل السلاح، إلاً إذا اعتبرنا أن كمال نادر وعبدالله حيدر كانا قادرين على القيام بتلك المهمة.  عندما نشر خبر إعتداء المردة على رفقائنا في الكوره، مارس مواهبهم في الكذب وتزوير الحقائق والوقائع، مبيناً أن الرفقاء الذين استشهدوا كانوا تابعين له.  الحقيقة أنه ضمّن ذلك الخبر إشارة إلى وضع الرفيق يوسف الأيوبي الحزبي بقوله: "الذي انضم إلى صفوف الحزب المقاتلة بقيادته المركزية وابلى بلاءً حسناً مع رفقائه حتى الإستشهاد".  لا يخفى على القاريء الجيد ما تحمله هذه العبارة من خسة وحقارة.  لقد كان ذلك الشخص سيداً في الإحتيال والخداع، بارعاً في الكذب، مبدعاً في تزوير الحقائق، وقمة في الخسة والحقارة.  لقد أراد أن يثبت أنه هو قيادة الحزب المركزية بدليل إنضمام الرفيق يوسف للقتل مع الرفقاء الآخرين، هذا من جهة، ومن جهة ثانية تشعر أنه يعامل الرفيق يوسف كطائر غريبٍ عندما يتحدث عن إبلائه الحسن حتى الإستشهاد!  يجدر الإشارة أنه لم يستطع إنكار أن الرفيق يوسف لم يكن تابعاً له حزبياً لأن الرفيق يوسف كان أخّ الرفيق وجيه الأيوبي.

لكن ورقة اللوتو الكبيرة لم تأتِ لإنعام رعد من خلال الرفقاء الذين أستشهدوا في الكوره، بل أتته الجائزة الكبرى عن طريق استشهاد الرفيق نقولا عبدالله سعاده في موقع المعلم.   ففي الوقت الذي كان يسوق فيه إنعام رعد شعاراته وإنحرافاته لغاية في نفسه اليعقوبية، كان بعض الناس من الذين كانوا حوله مخلصين بقنعاتهم بتلك الطروحات.  الرفيق الشهيد كان من البعض الذين حاولوا أن يقرنوا الافعال بالأقوال،  لذلك إلتحق بموقع المعلم باسم مستعار دون أن يفصح عن حقيقة هويته من أنه ابن الرفيق عبدالله سعاد.  لقد استشهد الرفيق نقولا بتاريخ 12/12/1975.    

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
حلقات 1-40
حلقة واحدة وأربعون
حلقة إثنان واربعون
حلقة ثالثة وأربعون
حلقة رابعة واربعون
حلقة خامسة واربعون
حلقة سادسة وأربعون
حلقة سابعة واربعون
حلقة ثمانية وأربعون
حلقة تاسعة وأربعون
حلقة خمسون
حلقة واحدة وخمسون
حلقة إثنان وخمسون
حلقة ثلاث وخمسون
حلقة أربع واربعون
حلقة خامسة وخمسون
حلقة سادسة وخمسون
حلقة سابعة وخمسون
حلقة ثمانية وخمسون
حلقة تاسعة وخمسون
حلقة ستون
حلقة واحدة وستون
حلقة إثنان وستون
حلقة ثلاثة وستون
حلقة أربعة وستون
حلقة خامسة وستون
حلقة سادسة وستون
حلقة سابعة وستون

 

Text Box: حركة البناء القومي