لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

 

     

مرور الزمن العشري

(23/1/2005)

عن جريدة السفير:

"أصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت عبد الرحيم حمود، قرارين ظنيين في حق بسام سلمان أبي دياب منع فيهما المحاكمة عنه لسقوط دعوى الحق العام بمرور الزمن العشري.

الدعوى الأولى: خطف أبراهيم أبو عياش،

الدعوى الثانية: في جرم إشتراكه مع آخرين في القيام بأعمال إرهابية وقتل أشخاص بعد أنتسابه في العام 1983".

وفي جريدة النهار تفاصيل أكثر عن الخبر إذ تذكر أن من الأشخاص موضوع الدعوه الذين قتلوا مستشار أمين الجميل المغدور محمد شقير ومن الأشخاص الذين حرضوا على القتل المدعو أبو سعيد العنترزي (الهارب الى الولايات المتحدة) ونائب حالي لم تذكر إسمه (أ,ش).

لم يأت قرار قاضي التحقيق الأول عبد الرحيم حمود مريحا للسيد بسام أبي دياب فقط، إذ يستطيع الآن كل مجرم وكل تاجر دم في الكيان اللبناني، أن يتنفس الصعداء ويطمئن الى "قوة الزمن العشري".  لا فرق، أكان ذلك المجرم أو تاجر الدم، مواطنا عاديا، أو هاربا بجرائمه ومسروقاته، أو نائبا يتمتع بإحترام أو خوف الناس له ومنه، أو وزيرا يشارك في صنع قرارت تتعلق بحياة الناس وحياة الكيان، جميعهم سيخالجهم نوع من الشعور بأنهم أصبحو فوق المحاسبة وفوق العدالة، وهم أصلا لا يخافون محاسبة الضمير، حيث الضمائر عندهم عفنه ونتنه.  

لكن الخبر لا يتضمن هذا المعنى فقط، بل يتضمن معان عدة تحفل بها الساحة اللبنانية.  من هذه المعاني:                                                                        

أولا: إستنسابية المحاسبة،

ثانيا: أن جميع الضحايا الأبرياء قد ذهبوا وأنتهى الأمر، وإتفاق الطائف رصد نسيان هؤلاء وغيرهم،

ثالثا: إستسلام الشعب الى أحكام الزمن وإنعدام قدرته على المحاسبة،

رابعا: فشل بعضهم من الإستفادة من مقولات الزمن العشري فغدرهم الزمان.

القضاء في لبنان عجيب غريب.  هو كذلك ليس لأنه لا يوجد قضاة بالمعنى الصحيح، قادرون ونزهاء، بل لأن القضاء خاضع للقرار السياسي، وإذا عرفنا بئس الناس الذين يصنعون القرار السياسي وفسادهم، زال عجبنا من تعثر القضاء في لبنان وإستنسابيته. كيف يمكن أن يكون هناك قضاء نزيه وفاعل وموجد ومحقق للعدالة ورافع للظلم، إذا كان خاضعا لسلطة سياسية فيها السارق والقاتل وتاجر الدم ومهرب المخدرات والقواد وخادم السفارات الأجنبية؟  ومن يظن أن هذا النوع من السياسيين ينحصرفي جهة سياسية واحدة أو حزب واحد أو طائفة واحدة، فهو على خطأ مبين؛  فهؤلاء يتوزعون على كل الشرائح السياسية وكل الأحزاب وكل الطوائف.  ثم نحن هنا لا نلوم القضاء ولا القضاة، وإن كنا نعرف أنهم قد إختاروا هذه المهنة وهم يعرفون سلفا مدى تأثير القرار السياسي عليها ومدى محدودية تحركهم في مجال إحقاق الحق وتثبيت العدالة؛ على العكس، إن ملاحظة المحقق الأول في بيروت "مرور الزمن العشري" على الجرائم موضوع الخبر الآنف الذكر، تعطي القضاء مصداقية كبيرة، إذ أن منع المحاكمة عن المجرمين في هذه المسألة، يسجل حكما يتعارض مع الرغبة السياسية السائدة بالنيل من هؤلاء المجرمين ومن الجهة السياسية التي ينتمون إليها.      

لأن العدالة إستنسابية وتخضع للكيدية السياسية في لبنان، ترك القضاء مسألة قتل محمد شقير أو خطف عياش أو سرقة أموال وزارة المهجرين الى الآن.  لماذا لم يتحرك القضاء للتحقيق في هذه المسائل حتى اليوم؟  لماذا لا يتحرك القضاء للتحقيق في مئات الجرائم المتنوعة والمرمية بدون تحقيق حتى الآن؟  لماذا لا يحقق مع جميع المجرمين والسارقين والمهربين والعملاء؟  إذا كانت أموال وزارة المهجرين قد سرقت، وهذا صحيح، فهل كان الأشخاص الذين يحقق معهم في هذا الشأن، السارقين الوحيدين لتلك الأموال؟  ثم ماذا عن السارقين لأموال الوزارات الأخرى؟  هل هناك من يحاسب أو يستطيع المحاسبة؟  كيف يستطيع السارق أن يحاسب سارقا، وكيف يستطيع القاتل أن يحاكم قاتلا وكيف يستطيع المجرم أن يحاكم مجرما؟  فهل السياسيون في لبنان في غالبيتهم سوى "كوكتيل" من المجرمين من جميع الأنواع؟  هذا يعني أن كل ضحايا الحقد والضغينه والشراهة والطمع والمنافسه والعمالة من الأبرياء، سيبقون منسيين ولا من يسأل عنهم أو عن الظلم الذي لحق بهم.  وهذا يعني أن كل الأموال العامة المسروقة ستبقى في خزائن سارقيها ولا من يسأل ولا من يحاسب.  كل هؤلاء الضحايا وكل أموال الشعب المسروقة اصبحوا في دنيا النسيان؛ أما المجرمون والسارقون فيتمتعون بنتيجة إجرامهم وبمسروقاتهم.  معظم المجرمين والسارقين من أمراء الحرب اللبنانية وقواديها  كان لهم نصيب وموقع في الحكم.  كثيرون منهم رقي الى رتبة نائب أو وزير أو وضع بوظيفة مميزة.  وحده سمير جعجع كان غبيا.  هو لم يعرف أن يستفيد من المناسبة ومن "مرور الزمن العشري".  لقد ظن أنه ابا المجرمين وفوقهم، لم يشأ ان  يقبل ما كان له من نصيب وحصة بينهم، "فلبط وشبط".  لذك قوطبوا عليه في الزمن الملائم وتحايلوا على "عشرية الزمن" فحاسبوه وسجنوه.

أخطر ما في كل ما يجري ويحصل هو موقف الشعب أو عدم موقفه.  لقد تأقلم معظم الشعب في اللامبالاة والنسيان والأنقياد والضعف.  لقد أصبح معظم الشعب قابلا للجريمة بكل أشكالها وقابلا لأشخاصها وأحكامها.  فهو لا يعني له شيئا أن يسرق سارق الأموال العامة، معتبرا ذلك شطارة و"حربقة" وذكاء.  وهو لا يبالي إذا أصبح القاتل وزيرا أو نائبا، بل يزود بالتأييد والمحاباة والمساعدة.  لقد اصبح الشعب في كل أحزابه وتنظيماته ومجموعاته وطوائفه خاضعا لمقاييس إنحطاطية فاسدة تحكم حياته وواقعه وتطلعاته.  فالأحزاب، كل الأحزاب في لبنان، تقع في خانة الشعب وينطبق عليها ما ينطبق عليه.  إذ أن جميع هذه الأحزاب يسيطر عليها من قبل أن يغرق في تجارة الدم والعمالة، وقبل أن ينهب ويسرق ويستبيح كل شيء لنفسه.  هذا ينطبق أكثر ويظهر بوضوح أكثر في الحزب السوري القومي الإجتماعي.  أليس معظم الذين يسيطرون على قرار هذا الحزب ويتكلمون بإسمه هم من القتلة والتجار؟  أم هل نسينا أبي واجب، الذي أصبح قاتله وزير دولة في الوزارة الجديده، أو نسينا محمد سليم وحبيب كيروز؟  الشعب في لبنان حاضر غائب الى إشعار آخر.  حتى إشعار آخر سيبقى القرار قرار المجرمين والسارقين والقوادين؛ أخشى ما أخشاه هو أن لا يكون بعد ذلك للشعب قيامة.                                         

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
مشكلة الحزب - مشكلة القوميين
إزمة الحزب: خروقات مستمرة لنظام الفكر والنهج
الحزب الذي لم يعد هو الحزب
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
حتمية الإنفجار
الزاعقون في الشأن العام
كلام بسيط في مواضيع معقدة
شعوبية وميعان
أدوات الجهل والإنتحار هي هي
العلمانيون: أين هم وما هو الدور الذي يقومون به
لو أراد اللبنانيون حلاً
مشكلة مزمنة
على حافة الإنهيار
أحلام العصافير
الحوار والطريق المسدود
مشموط الأذن
الطابور المدسوس
الفتنة الآتية
الإساءة الى الأنبياء، الدفاع عنهم
مرور الزمن العشري
حكومة! أية حكومة؟
حالة طواريء
الثقوب الذكية
العنب المر
العلوج الفكرية
ثقافة الحمص بطحينه وصحافتها
مداحلة على: "أزمة حزب أم أزمة تنظيم"
مداخلة على:"القومية الإجتماعية الى أين؟"
القومية الإجتماعية، الديمقراطية والطفيليات الفكرية
الخطاب القومي الإجتماعي:بين الحاصل والمطلوب
الإنتاج مقياس العمل
حتى لا تتحول الديمقراطية الى قضية
تطوير أو تجديد، أم فهم أعمع للذات