إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   

 

 

إحتفال بمناسبة الأول من آذار

أقامت منفذية الغرب بمناسبة الأول من آذار 1976 إحتفالاً حاشداً في إحدى دور السينما في عالية، شارك فيه أشبال من النبعة أشرف على نقلهم من هناك الرفيق علي حمزه.  كان على رأس فريق أشبال النبعة الشبل "خضر ابو راشد".  لقد قدم أشبال النبعة بضعة أناشيد قومية في الإحتفال جيث نالوا إعجاب الحضور. 

لم تكن الأوضاع الأمنية تسمح بإرسال الأشبال خلال الليل إلى النبعة بعد إنتهاء الإحتفال مباشرة لذلك باتوا ليلتهم في مركز الحزب في سوق الغرب. 

ناظر الإذاعة في حالة من الغضب

كان يوجد في مديرية الشويفات قبل الأحداث رفيق يدعى سامر كبول وكان معروفاً بإدمانه على التدخين وشرب الكحول، خاصة العرق. حصل في أحد الأيام في بداية خريف 1975 أنه كانت إحدى طائرات الجيش اللبناني تحلق فوق مناطق صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة فأطلقت عليها المضادات الأرضية من قبل المنظمات الفلسطينية كما أطلق رصاص غزير في محيط الشويفات.  على اثر ذلك جاءني الرفيق سامر مرتعباً يطلب مني تأمين شاحنة متوسطة له لانه كان يريد أن ينقل عائلته من الشويفات إلى بشامون.  لقد حاولت أن أهدّيء من روع الرفيق سامر وأقنعه من أنه لم يكن هناك ضرورة لمغادرة الشويفات وأن ما يصيب أي شخص في فيها يصيب جميع سكانها ولا يمكن لجميع السكان أن يغادروها لمجرد أنهم سمعوا أصوات الرصاص.  لم يهدأ ولم يقتنع لذلك وعدته بالمساعدة فكان له ما أراد في اليوم التالي.  لقد أثار الرفيق سامر بتصرفه ذاك استغراب جميع الرفقاء في المديرية إذ كانوا جميعاً يعتقدون انه من "قبضايات" الحزب.

لم يكن الرفيق سامر يقوم بأي عمل في بشامون، ليس لأنه لم يكن يجد عملاً،  بل لأنه كان كسولاً ربما بسبب التدخين والإدمان على الكحول.  لقد وجد جماعة أنعام رعد في بشامون ضالتهم بشخص الرفيق سامر، ذلك أنهم كانوا يحتاجون الى عناصر وهو كان يحتاج إلى المال. 

كان الرفيق سبع شعيب يقود سيارته في مقدمة قافلة السيارات التي كانت تنقل أشبال النبعة في طريق عودتهم إليها، بينما كانت الأعلام الحزبية ترفرف على السيارات جميعها.  عندما وصلت القافلة إلى منطقة الداودية على طريق بشامون-خلده اعترض طريقها شخص مسلح على حاجز أقامته القوات "المشتركة" هناك.  لقد كان ذلك الشخص المسلّح يضع على يده شارة الزوبعة، وبدل أن يفرح لرؤية أعلام الزوبعة التي كانت ترفرف على قافلة السيارات التي تقل الاشبال، راح يحاضر على الرفيق سبع في الأخلاق القومية الإجتماعية وهو يشهر عليه السلاح.  لقد كان ذلك المسلّح يعتبر ان الرفيق سبع وكل الذين كانوا يرافقونه يفتقدون إلى الأخلاق، لانهم لم يكونوا خاضعين لسلطة إنعام رعد وهو لم يسمح  للرفيق سبع ومن كان معه من رفقاء وأشبال بمتابعة طريقهم إلاّ بعد أن انتهى من محاضرته.

بعد عودته من ييروت مرّ الرفيق سبع عليّ في بيتي، وكان بحالة غضب شديد، طالباً مني بعد أن روى لي بسرعة ما حصل معه، أن نهاجم ذلك الحاجز على الفور.  عندما طلبت من الرفيق سبع أن يصف لي صورة ذلك الشخص المسلح، أدركت أنه لم يكن سوى الرفيق سامر كبول، فوضعت المسألة في حجمها الصحيح.  لم أرَ من المستحسن أن أخبر الرفيق سبع عن بلاهة سامر كبول وبساطته وغبائه، خوفاً من أن يظن أنني كنت أتهرب من المسؤولية.  بدل ذلك إتصلت فوراً بلجنة الإرتباط التي كان مركزها في سوق الغرب وشرحت لهم أن حاجز بشامون قد تعرض لرفقائنا وطلبت منهم إزالة ذلك الحاجز او أكون مضطراً لإزالته بالقوة.  راح ضابط الإرتباط يطيب خاطري واعداً بإزالة الحاجز.  كان الرفيق سبع يسمع الحوار الذي كان يجري بيني وبين ضابط الإرتباط لذلك ارتاح الى الإجراء الذي قمت به فهدأت اعصابه. 

جهالة واستهتار

بينما كان الرفيق مؤيد المهتار يقف وراء مدفع رشاش رُكِّب على سيارة عسكرية  في طريقه الى ضهور الشوير، تعرض لحادث إطلاق النار من منطقة الصفصاف فقتل على الفور.  لم أتمكن من حضور مأتم الرفيق مؤيد في عرمون، لذلك أردت أن اقوم مع بعض أعضاء هيئة المنفذية بواجب التعزية خاصة أن أهله لم يكونوا من المؤيدين للحزب.

عندما وصلت إلى مركز الحزب في سوق الغرب بسيارة أجرة، لم يكن في المركز سوى ناموس المنفذية الرفيق شفيق عبد الخالق الذي كان يمد حديثاً مع عميد الداخلية يوسف الشامي.  يجدر الإشارة إلى أن الرفيق شفيق كان وكيلاً لعميد الداخلية ايضاً.  لقد كان الرفيق شفيق من الرفقاء الذين يطلّون على العمل الحزب فجأة قادمين من المغترب، ثم يغادرون العمل الحزب بالطريقة نفسها التي ظهروا فيها. 

سألت الرفيق شفيق إذا كان بإمكانه أن نذهب معاً للقيام بواجب التعزية بعرمون فأجاب بالإيجاب على أن انتظره خمس دقائق.  لقد كان مكتب عميد الداخلية في الدور الثاني من المبنى ومكتب المنفذية في الطابق الأرضي.  بعد إنتظار دام أكثر من نصف ساعة صعدت الى مكتب عميد الداخلية مذكراً الرفيق شفيق بزيارتنا العتيدة، فما كان منه سوى أن طلب خمس دقائق أخرى!  عدت إلى مكتب المنفذية وانتظرت ثانية حتى إذا مرّ  أكثر من نصف ساعة من الوقت ولم يحضر الرفيق شفيق،  صعدت للمرة الثالثة إلى مكتب عميد الداخلية،  وسألته عن سبب تخلفه، فطلب خمس دقائق آخرى، مما أدى إلى تلاسن كلامي بيننا لانه جعلني أنتظر أكثر من ساعة من الوقت على غير طائل.

لم أكن أعرف في ذلك الوقت محدودية ثقافة يوسف الشامي ومدى ما كان يتمتع به من الجهل والغباء.  لقد كان صاحبنا "ابا قاسم" آخر، فقد كانت تزخر تلك الفترة ب"أبوات القواسم" من كل نوع. لقد  صدّق صاحبنا أنه يملأ بجد مسؤولية عمدة الداخلية وأنه يعرف خطورة ما يتخذه من قرارات، لذلك أتخذ قراراً بوقفي عن ممارسة مسؤولتي كمنفذ عام مكلفاً شفيق عبد الخالق بتحمل تلك المسؤولية.  ألعن من ذلك كانت موافقعة الرفيق الياس جرجي على ذلك الإجراء عندما عرض عليه.  عندها أدركت عمق الجهالة وضحالة الخبرة والحكمة وأبتدائية المؤهلات والمواهب عند أولئك الناس.  بالرغم من إنكشاف حجم أولئك الأشخاص لي، وبالرغم من  معرفتي ما كان يعنيه ذلك الإجراء من تهديد لسلامة العمل الحزبي في الغرب، قبلت بذلك القرار دون أن أثير في وجههم أية مشاكل، بل على العكس، فقد بقيت أقوم بواجباتي الحزبية كمدير لمديرية الشويفات، لإدراكي خطورة ما كانت تحمله الأيام القادمة. 

بعد معارك المتين أتخذ الرئيس الياس جرجي مكتباً له في بيروت حيث استدعاني إليه في أحد الأيام، معتذراً عن القرار الذي اتخذه عميد الداخلية ووافق هو عليه كما طلب مني العودة إلى ممارسة مسؤولياتي كمنفذ عام.  أجبته أن ذلك ممكن شرط ان يصدر اعتذاراً رسمياً ويعممه على القوميين تماما كما عمم قراره بوقفي عن ممارسة مسؤوليتي.  قال: "هيدي مش دارجة بالحزب!" أجبته: "وهل من الدارج في الحزب أن تخطئوا وتعرضوا كرامات الرفقاء  للإهانة وتعطلوا العمل الحزبي دون أن تكونوا قادرين على الإعتذار؟".  رفض فرفضت. 

وداوني بالتي كانت هي الداء

عندما رفضت العود لممارسة مسؤولياتي كمنفذ عام للغرب، وقع اختيار الرفيق الياس جرجي على الرفيق عدنان طيارة ابن بيروت لتحمّل تلك المسؤولية.  أن يخطيء المسؤول في تقديره وقراره فتلك مشكلة وقد تتحول الى مصيبة أو مأساة بعض الأحيان، أما أن لا يوجد من يرى أن في ذلك القرار خطأ خاصة الشخص الذي يعنيه ذلك القرار، فتلك مشكلة أكبر.  لم يرفض الرفيق عدنان المهمة التي أوكلت إليه ظناً منه أن البطولة هي في تحمل المسؤولية وليس في كيفية تنفيذ تلك المسؤولية.  لم تكن تلك المرة الأولى التي يتخذ فيها مسؤول مثل ذلك القرار ولم تكن المرة الاخيرة، إذ كلنا يذكر استشهاد الرفيق سمعان نكت في مرحلة لاحقة عندما كان يقوم بمهمة منفذ عام للغرب ايضاً.  لم يتعرض الرفيق عدنان لأي اعتداء ولكنه لم يستطع المحافظة على مستوى النشاط الذي كنت قد ارسيته في المنفذية.

لقد تقلصت المنفذية معه الى سهرات يعقدها مع بعض الرفقاء والرفيقات في عين عنوب، يشربون الأنخاب، وينشدون الأناشيد، حتى إذا اشتدت الأحداث وتبدلت الأيام تفرّق الجميع.  لقد تقلص النشاط في المنفذية إلى ما كان يقوم به الرفقاء الذين كانوا يقومون بمهمات قتالية وعسكرية، حيث كانوا يتواجدون في مركز الحزب معظم الوقت ويتوجهون منه الى مواقعهم في المتين.  

بدء معارك مشيخا-المتين

قبل توقيفي عن ممارسة مسؤولياتي بيوم أو يومين، شاهدت في مركز الحزب الرفيق نبيل جريج الذي كان آمراً لمخيم ضهور الشوير.  عندما سألته عن سبب تركه لمركزه في تلك الظروف اجابني من أنه جاء لياخذ قوة داعمة للرفقاء الذين في المخيم.  أدركت عندها أن هناك امراً ما قريب الحدوث كان يعرف الرفيق نبيل طبيعته لكنه آثر أن لا يتحدث عنه.

في الثالث أو الرابع والعشرين من شهر آذار 1976 أتصل بي الرفيق جميل سعد الذي كان قد كلف بمسؤولية ناظر للتدريب ليخبرني عن توتر الوضع  الأمني في منطقة مشيخا-المتين وعن حشود كتائبية هناك تسعى لتهجير القوميين من بيوتهم، خاصة في بلدة المتين.  لقد طلب مني أيضاً ارسال أي عدد متوفر من  المقاتلين إلى مشيخا.  شعرت عندها بخطورة الوضع ونسيت في حرارة اللحظة ما كان يعتريني من اشمئزاز وغضب،  لذلك اسرعت لإرتداء الثياب المناسبة كي أذهب بنفسي مع الرفقاء الراغبين بمرافقتي، محاولا قطع الطريق على أخي عبدالله حيث كنت أريده أن يبقى في البيت، مدفوعاً بالعاطفة الأخوية، على أساس أنني لم أكن أرى أنه الضروري أو المنطقي أن يكون هناك أخوان في معركة واحدة وفي الوقت نفسه. عندما رايت اخي يرتدي ثيابه هو أيضاً، طلبت منه ألاّ يفعل ذلك مصراً على أن أكون أنا من يذهب أولاً، اجابني: "شو الفرق، اليوم أنا، بكرا أنت"، فكان إن تعلمت منه درساً جديداً، ولم أحاول أن أجادله في ذلك. 

صباح اليوم التالي لتوجه الرفقاء عبدالله حيدر، وجدي عبد الملك، عادل صعب، اسعد نصر، بديع صعب، الى مشيخا، جاءني الرفيق جميل سعد، الذي كان قد جهز "بيك آب" متوسط يستعمله لتجارته، بقاعدة يمكن أستعمالها لمدفع مباشر.  لقد أدركت أن تلك اللحظة كانت هي اللحظة المناسبة التي أفرج فيها عن المدفع المباشر الذي كنت مؤتمناً عليه.  كان لخروج المدفع من بيتي دهشة عظيمة ظهرت على وجوه  جميع الجيران، فهللوا لرؤيته فكان له بينهم هيصة أقوى من الهيصة التي حصل عليها الجنبلاطيون الذين كانوا يقومون في الوقت نفسه  بالإستيلاء على بعض دبابات للجيش كانت تمر على طريق صيدا في الشويفات. 

أشقّاء في موقع واحد ومعركة واحدة

كان الرفيق جورج حردان يسكن في عين عنوب منذ بداية الأحداث، فنشا بينه وبين الرفيقين وجدي عبد الملك وعبدالله حيدر صداقة كبيرة، حيث كانوا يسهرون معاً ويقومون بالمهمات الحزبية معاً.  لم يكن الأمر مختلفاً تلك الليلة التي قرروا فيها الذهاب إلى مشيخا، فقد مروا على الرفيق جورج في عين عنوب وأخذوه معهم.  عندما وصلوا إلى نقطة التجمع في أول مشيخا من ناحية رأس المتن، شاهد الرفيق اسعد حردان اخاه جورج بين المقاتلين فتوجه إليه بالكلام طالباً منه مغادرة المكان فوراً.  عندما حاول الرفيق جورج الرفض شهر عليه اسعد مسدسه طالباً منه المغادرة تحت التهديد، فما كان من الرفيق جورج سوى الإنصياع لأمر أخيه والعودة إلى عين عنوب. 

أن يطلب الرفيق أسعد من أخيه الرفيق جورج مغادرة ارض المعركة كي لا يكونا معاً في المعركة نفسها وفي وقت واحد، فهذا أمر منطقي افهمه، وهذا هو القياس الذي  استعمله شخصيا ولا غبار عليه.  لكن ما لم أفهمه، هو أن يرى الرفيق اسعد أنه لا بأس أن يسمح للأخوين الرفيقين حيدر ومحمد بيطار أن يكونا معاً في المعركة نفسها وفي الموقع نفسه حيث استشهدا معاً في أول يوم من أيام المعركة.

بينما كان الرفقاء لا يزالون ينتظرون توزعهم على مواقعهم في أول بلدة مشيخا، وصلت إلى مكان تجمعهم سيارة فيها شخصان، حيث توجه سائقها إلى الرفيقين عبدالله حيدر وأسعد نصر بالسؤال عن مكان تواجد الكتائب.  عندما حدّق الرفيقان عبدالله وأسعد بوجهي الشخصين، تبين لهما أنهما كانا الرفيقين مفضل علو وموفق عبد الباقي اللذين وصلا إلى المكان وهما لا يعرفان شيئاً عن هوية المقاتلين الموجودين في ذلك المكان.  لذلك توجه إليهما الرفيق أسعد نصر بالقول: "كيف بتجو هيك يا رفقاء بدون ما تعرفوا مين في هون، مصلحة طلعوا الموجودين هون كتايب شو كنتوا عملتوا؟  نحن هون قوميين وعلى وشك أن نخوض المعركة."  فما كان من الرفيقين مفضل علو وموفق عبد الباقي سوى أن عاداً أدراجهما. 

كان يشترك مع أخي الرفيق عبدالله في الموقع نفسه في مدخل مشيخا الرفيق سليمان ابو العباس.  لم يكن قد مضِى على وجودهما في ذلك الموقع أكثر من نصف ساعة حتى اصابت الرفيق سليمان ابو العباس رصاصة قاتلة.  تمالك الرفيق عبدالله أعصابه وعمل على تغطية وجه الرفيق الشهيد وجسده بأحد الحرامات التي كانا قد زودا بها لحماية نفسيهما من برودة الليل في ذلك المكان وفي ذلك الوقت من آذار.  لقد بقي جثمان الشهيد سليمان ابو العباس في مكانه حتى الصباح.

بقي الرفيق عبدالله في موقعه وحيداً على مدى أثنتي عشرة ساعة لم يطلق خلالها من بندقيته سوى أربع عشرة طلقة فقط. بهذا الخصوص كان يسمع الراحل كمال جنبلاط عن إقتصاد المقاتلين القوميين بإطلاق الرصاص، وكان يغضب من مقاتليه الجنبلاطيين بسبب إسرافهم بإطلاق الرصاص بمناسبة وبدون مناسبة.  فما كان منه في أحد إجتماعاته مع بعض هؤلاء المقاتلين سوى أن أشار الى ذلك الأمر بقوله:"يا عمي أنتو بتقوصوا على خيال الشجر، ليس ما بتعملوش مثل القوميين اللي ما بقوصوا إلاّ عند الضرورة؟" 

بطولة مميزة

كان الكتائب يتحصنون بصورة خاصة  بين الصخور الموجودة بكثرة في مرتفعات  مشيخا، فكانوا يسيطرون على القسم الأكبر من البلدة وعلى الطريق التي تمر فيها حيث كان الوصول إلى المتين عن على تلك الطريق مستحيلاً.  لقد كانوا يستفيدون أيضا من مبنى كان يستعمل كمزرعة للدجاج موجودة على تلك المرتفعات أيضاً،  لذلك كان دحرهم من تلك المواقع عملاً صعباً جداً.

لم تبدأ المعركة بقسوتها في مشيخا قبل وصول مدفع 75 المباشر الذي كان يتولى استعماله الرفيق جميل الصايغ.   لقد كان لذلك المدفع التأثير الأكبر في دكّ تحصينات الكتائب وإنهيار معنوياتهم ، لكن دحرهم من مرتفعات مشيخا لم يكن ليتم لولا الشجاعة والبطولة التي اظهرها جميع الرفقاء الذين اشتركوا في تلك المعركة.

إذا كنا لا نعرف بالتفصيل كثيراً عن جميع البطولات الفردية التي حصلت في تلك المعركة، فإننا لا نتردد عن وصف ما نعرف من بطولة مميزة قام بها بصورة خاصة الرفيق اسعد حردان.

لقد اخبرني أخي الرفيق عبدالله عن مشهد نادرٍ حدث أمام عينيه كان يقف فيه الرفيق اسعد حردان  وسط أرض مكشوفة تماماً في وجه رصاص أخصامه، حيث لم يكن هناك شيء على الإطلاق يحميه من رصاصهم سوى شجاعته الشخصية، وغزارة النار التي كان يطلقها من رشاشه. لم يكن ذلك الموقف الشجاع من المواقف العادية التي يمكن أن يقفها أي كان، بل أنها محصورة باشخاص مثل الرفيق أسعد، فهو كان دائما ينسى نفسه في هكذا حالات، فيحصر تفكيره في المهمة التي ينفذها بغض النظر عما يحمله ذلك التنفيذ من خطر على حياته الشخصية.  إن ما يؤلمنا كثيراً ان يلطخ ذلك البطل صورته بالتبعية والإرتهان والسياسة والمصلحة الشخصية.

لقد أستمرت معركة مشيخا الرئيسية عدة ساعات تمكن رفقاؤنا بنتيجتها من دحرهم من مشيخا ومحيطها المباشر بعد ثلاثة أو اربعة أيام.

من أخبار المعركة التي كانت تجري في بلدة المتين أن جميع الرفقاء كانوا يقاتلون هناك من بيت إلى بيت ومن زاوية إلى آخرى، لكنني لا أعرف مشاهد دقيقة من المشاهد البطولية التي حصلت هناك.  المشهد الوحيد الذي أستطيع أن أنقله هو هذا الذي أخبرني عنه الرفيق الشهيد غسان الديك.  ذكر لي الرفيق غسان ما يلي:

"أنا لا أعترف بالشجاعة لأحد قبلي.  لكنّ ما فعله الرفيق مفيد القنطار لم أقم بمثله شخصياً.  لقد كان الرفيق مفيد يقوم بتطهير أحد الأبنية، حيث شاهد فيه أحد المقاتلين الكتائب يهرب الى الطابق العلوي منه، وإذ أراد الرفيق مفيد أن يلحق بذلك المقاتل الكتائبي الى الدور الثاني، أكتشف أنه لم يعد يملك أية ذخيرة على الإطلاق.  لكنه بالرغم من ذلك صمم على اللحاق به.  لقد كان باب الغرفة التي اختبأ فيها الكتائبي مغلقاً، فعمد الرفيق مفيد إلى ركل الباب  برجله شاهراً سلاحه الخالي من الرصاص في وجه ذلك المقاتل.  كان لعنصر المفاجأة دور كبير في انهيار ذلك المقاتل فرمى بندقيته على الأرض ورفع يديه استسلاماً، فما كان من الرفيق مفيد سوى ان رمى شاشه على الأرض وإلتقط بندقية ذلك المقاتل،  حيث آراه  بعدها حقيقة أن رشاشه كان خالياً من الرصاص."  

لقد سقط للحزب في معارك مشيخا- المتين خلال يومين ستة عشر شهيداً كما وقع شهيدان لحزب البعث من جماعة بشاره مرهج.   هذا يعني أن القوميين كانوا يقاتلون وحيدين طيلة أيام المعركة بمساعد بسيطة من حزب البعث العراقي الذي كانت عناصره متواجدة في بلدة المتين.  لقد أنضمت بعض عناصر جيش لبنان الجنوبي إلى المعركة في ساعاتها الأخيرة حيث كان يوجد معهم ملالتان.

لكن مثلما فعل إنعام رعد بالنسبة للكوره وسن الفيل والنبعة وجل الديب، راح يستغل معارك مشيخا-المتين إعلامياً ويصدر البيانات متحدثاً عن بطولات مقاتليه وعن صمودهم دون أن يكون باستطاعته أن يصف تلك البطولات ولا أن يتحدث عن تفاصيل ذلك الصمود لانه لم يكن يعرف  شيئاً عنها ولانه لم يكن له مقاتلون هناك، وقد راينا كيف أن مفضل علو وموفق عبد الباقي كانا أتيا إلى مكان تجمع المقاتلين عشية المعركة ولم يكونا يعرفان شيئا عما كان يحدث.  لم يستطع إنعام رعد أن يرسل عدداً بسيطاً من مقاتليه إلى المتين إلاً به بعد سقوطها بعدة أيام حيث صار فيها مواقع قتالية ثابته في مواجهة القوات الإنعزالية في بولونيا.

لقد كان إنعام رعد يتكلم كلاماً كبيراً ويقوم بمختلف التعهدات والإلتزامات التي لا يستطيع الوفاء بها.

أكثر من ذلك، راح إنعام رعد يفلسف طبيعة النضال وطبيعة المرحلة على هواه في عملية زحفطونية خارجة عن أي مفهوم قومي إجتماعي من أجل كسب رضا اليساريين والفلسطينيين.

أكثر وأكثر راح إنعام رعد يوجه التحيات للمقاتلين وكأن أولئك المقاتلين كانوا يقيمون له أي وزن أو أي احترام، محاولاً إستعمال معركة مشيخا المتين، كدليل على صحة مواقعه وسلامة أستراتيجته.

عندما أنتهت الأحداث إلى ما انتهت إليه قرأنا لكثيرين من زملاء  إنعام رعد في "الحركة الوطنية" من أمثال ابراهيم محسن وجورج حاوي مراجعات نقدية لها حيث توصلوا لرؤيتها على حقيقتها بأنها كانت أحداثا عبثية.  حتى أن منظمة العمل الشيوعي أعلنت عن حلّ نفسها بعد الأحداث لأكتشاف أعضائها للأوهام التي كانت تسيطر عليهم فيها حيث اعتراهم الخجل من أنفسهم لخضوعهم لتلك الاوهام.  وحده إنعام رعد من بين أولئك الأشخاص لم يقم بمثل تلك المراجعة ووحده لم يعرف الخجل ولا الحياء.   فيما يلي مقتطفات من مقال لإنعام رعد نشره في مجلة صباح الخير بتاريخ 29/3/1976، تقدم صورة وافية عن ذهيان ذلك الشخص:

 "وإننا حريصون على حصر الأذى في أضيق نطاق وحدود، ملتزمون مع حلفائنا بذلك عاملون على تجنب هدر الدم وخراب القرى والمرافق وعلى رفع القتال إلى سوية مناقبية عالية...."

"إن معركة المتين ليست قائمة بحد ذاتها بل هي بمزاياها العديدة تتويجاً لنضال الحركة الوطنية والحزب السوري القومي الإجتماعي سنة كاملة على مختلف الجبهات ضد المخطط الإنعزالي.  فحرية الإنسان العقائدي في المتن ضد الإرهاب هي جزء لا يتجزأ من حرية إنساننا في الكفاح المسلح ضد الإحتلال والإغتصاب في جنوبنا المحتل ورفضنا تقييد هذه الحرية بقيود المفهوم الإنعزالي الكياني الذي يصب في المصالح الأمبرالية والصهيونية، وهو جزء من نضالنا في سبيل لبنان جديد...."
"وإنني في الختام أوجه تحية التفدير والإعتزاز لرفقائي القوميين الإجتماعيين الذين صاغوا في المتن ملحمة الصمود البطولي المؤيد بصحة العقيدة.  إرسلها تحية من القلب والوجدان، إلى جميع القوميين في خط النار دون استثناء، وأقول لقد تأكد في الأخير وبالممارسة صحة المواقع وسلامة الإستراتيجية، وأن المعركة ضد الإنعزاليين هي جزء من صراعنا القومي الإجتماعي، هي تجسيد لعقيدتنا

سرقات، سرقات، سرقات

بعد سقوط المتين في أيدي القوميين زحفت إليها جموع من رعاع الحركة الوطنية، الجنبلاطيون منهم خاصة، وراحوا يعيثون في البيوت سرقة ونهباً. لقد كان بإمكان القوميين الإجتماعيين أن يخوضوا معركة وينتصروا فيها، لكنهم كانوا لا يستطيعون منع الرعاع من العبث بمصالح الناس وامنها وسلامتها.  بعض الجنبلاطيين لم يتورعوا حتى عن سرقة الأشياء البسيطة التي لم يكن لها أية قيمة كالأحذية المستعملة، لقد شوهدت مثل هذه الأحذية تتدلى من السيارات التي تتكدس فيها المسروقات بشكل يفوق قدرة تلك السيارات على الإستيعاب.  لقد كان على الرفقاء القوميين الذين يملكون بيوتاً في المتين حراسة بيوتهم كي لا تتطالها يد السرقة والنهب.  بالنسبة لإنعام رعد فأن ما حصل في المتين من سرقات ونهب هو من من ضمن ما كان يحرص عليه من "حصر الأذى في أضيق نطاق وحدود".

مجزرة عينطوره

عندما دخل الرفقاء القوميين الإجتماعيين المقاتلين الى بلدة عينطوره، أدرك رفقاؤنا فيها أن عملية دخول البلدة لن تقتصر على دخول رفقائهم من المقاتلين بل ستدخلها جماعات اخرى تابعة لمجموعات الحركة الوطنية.  لذلك قاموا برسم الزوابع على بيوت العائلات التي يوالي أصحابها القوات الإنعزالية منعاً للتعديات عنهم.  لقد دخلت بالفعل بعد ذلك عناصر جيش لبنان العربي وارادت أن تفتش البيوت التي كان يعتقد أنه يوجد فيها كتائبيون لكن رفقاؤنا من أبناء عينطوره وعلى رأسهم الرفيق نسيب عازار ابين السبعين عاما والذي كان يعرف بقديس الحزب، تصدوا لجنود جيش لبنان العربي وأخبروهم أنه لم يكن يوجد كتائبيون في بلدة عينطوره.  حتى أنهم طلبوا من جيش لبنان العربي أن ينسحب من البلدة لأنه لم يكن ضرورة لبقائهم.  عند ذلك انسحبت عناصر جيش لبنان العربي إلى  مشارف بلدة عينطوره حيث تمركزوا هناك. 

لقد قام المسؤول الكتائبي في البلدة وكان من عائلة الحاج بإبلاغ القوات الكتائبية بأنسحاب جيش لبنان العربي من البلدة، حيث تسللت عناصر من القوات الكتائبية الى البدة تحت جنح الظلام واعتقلت القوميين وعلائلاتهم حيث لعب المسمؤول الكتائبي فيها الدور الاكبر في إرشاد اولئك العناصر الى بيتوت القوميين.  لقد اعتقل الكتائبيون حوالي الثلاثين شخصاً شباباً وشيوخا واطفال واقفوهم على حائط كنيسة البلدة، حيث قام بإطلاق النار فاشتشهدوا جميعهم.  يجدر الإشارة أن المسؤول الكتائبي في البلدة والذي لعب ذلك الدور البشع، قتل فيما بعد حيث يظن أن قاتله كان قومياً إجتماعياً.

على أثر ذلك أسرع إنعام رعد كعادته إلى إصدار بيانٍ يدين فيها المجزرة التي سقط فيها كما إدعى قوميون وشيوعيون، فما كان من أحد الرفقاء من آل عازار سوى أن كذّب الخبر من أنه لم يكن هناك أي شيوعيين في بلدة عينطوره.

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
حلقات 1-40
حلقة واحدة وأربعون
حلقة إثنان واربعون
حلقة ثالثة وأربعون
حلقة رابعة واربعون
حلقة خامسة واربعون
حلقة سادسة وأربعون
حلقة سابعة واربعون
حلقة ثمانية وأربعون
حلقة تاسعة وأربعون
حلقة خمسون
حلقة واحدة وخمسون
حلقة إثنان وخمسون
حلقة ثلاث وخمسون
حلقة أربع واربعون
حلقة خامسة وخمسون
حلقة سادسة وخمسون
حلقة سابعة وخمسون
حلقة ثمانية وخمسون
حلقة تاسعة وخمسون
حلقة ستون
حلقة واحدة وستون
حلقة إثنان وستون
حلقة ثلاثة وستون
حلقة أربعة وستون
حلقة خامسة وستون
حلقة سادسة وستون
حلقة سابعة وستون

 

Text Box: حركة البناء القومي