|
تعليقاً على ما أنشره
من "حنايا الذاكرة" كتب إلي رفيقان، كلاهما يشكراني على
كتابة هذه الحلقات وكلاهما أعلنا أنهما حريصان على
متابعتها حلقة بعد حلقة، لكن آحدهما ذكر لي أنه لا يرتاح
عندما يقرأ الأوصاف التي أنعت بها إنعام رعد، أما الرفيق
الآخر فقد ذكر أن بعض الرفقاء يرون في عباراتي قساوة
واضحة، لكنه استطرد بأن الحقائق هي حقائق، والحقائق يجب أن
تعرف.
لقد اجبت الرفيق الأول
شاكراً متابعته لما أكتب ومتأسفاً من أننا لا يمكننا في
معظم الأحيان الإتفاق على كل الأشياء.
أما إجابتي على الرفيق
الثاني الى جانب شكري بالتاكيد، تضمنت بأني أكتب ما أكتب
استناداً الى خبرة طويلة كلفت ثمناً غالياً جداً، وهذا
الثمن لم أقم بدفعه وحيداً بل شاركتني بدفعه كل عائلتي
خاصة والدتي وشقيقاتي وأخي الاصغر.
ما يميز هذين الرفيقين
هو الشجاعة في المواجهة، إذ قاما بالإتصال بي مباشرة
وابديا عن رأيهما بكل صراحة وطريقة منطقية لا يمكن سوى
الإعتراف بها بغض النظر إذا أخذت بوجهة النظر التي ابديت
أم لا. فالفكرة الأساسية هنا في تباد الآراء في مناخٍ من
حسن المنطق والاحترام المتبادل.
لقد ذكرت إتصال هذين
الرفيقين بي، لأنه بكل أسف هناك رفقاء يستاؤون بين الحين
والآخر من بعض ما أكتبه دون أن تتوفر عندهم الجرأة للإتصال
المباشر بي وإبداء آرائهم بصراحة ومنطق واحترام.
لقد كان هناك جملة من
المعترضين على ما أكتب مارسوا أعتراضهم بطريقة غير مباشرة
وغير مبررة. إن هذا السلوك هو نفسه الذي أعمل على
محاربته. إذ أني اريد أن تتوفر عند القوميين الشجاعة
الكاملة ويتوفر عندهم الفهم الكامل والمنطق السليم الصحيح
كي تأتي آراءهم ليس على صورة إستنكار وحسب، بل أن يكون ذلك
الإستنكار مدعوما بالبراهين والحقائق على عدم صحة مما
ابديه من حقائق مزعومة.
لقد كان لسلسلة الحلقات
التي كتبتها عن العمل الإغترابي التأثير الأكبر بين رفقاء
أوستراليا خاصة، فقامت قيامتهم ولم تقعد بعد وراحوا يشتكون
لبعضهم بعضاً دون أن أعلم بذلك الهيجان سوى بالتواتر
وبصورة غير مباشرة.
إن ردة الفعل التي حصلت
من قبل هؤلاء الرفقاء هي ردة الفعل التي قصدت أن أحدثها من
وراء كل ما أكتب وهو هز المستنقع الساكن الآسن الذي يوجد
فيه القوميون، من أجل أن ينتفضوا وينظروا إلى ذواتهم
ويفكروا بمصلحة قضيتهم ويأخذوا الخطوات المناسبة من أجل
نصرتها.
عندما اطلقت موقع حركة
البناء القومي لم يكن عندي توقعات كبيرة إستناداً الى
خبرتي وتجربتي مع قاعدة عريضة من الرفقاء وعلى مدى سنوات
طويلة حيث أصبح بإمكاني التمييز بين ما قمح وبين ما شعير
وبين ما هو زوان. لكنني لا أخفي أنني كنت أحلم ان يكون
عند الرفقاء اعتزاز كبير بهذا الموقع المميز الذي يعرض
الموقف القومي بدون تردد وبدون حسابات من أي نوع سوى
حسابات المصلحة القومية. لقد حلمت أن يهرع الرفقاء الى
التعاون وإلى التشاور وإلى الإنتاج لتحويل هذا ا لموقع الى
مرجع مهم في مسائل قومية كثيرة. لقد حلمت أن ينهال على
الرفقاء برسائلهم لتسجيل ملاحظاتهم وإبداء آرائهم أو
المساهمة في هذا الموضوع أو ذاك من مواضيع الثقافة
القومية.
الذي حصل عملياً، هو
أنه كان يصلني قبل إنشاء موقع حركة البناء القومي رسائل
متكررة من رفقاء كثرين، لكنه بعد إنشائي لهذا الموقع لم
يعد يتصل بي سوى عدد قليل منهم.
قد يكون تفسير هذا
الأمر هو اللهجة التي استعملها لكتابة مقالاتي او مدوناتي.
إذا صح هذا الشيء فانا لا أملك اي ندم على ما أكتب أو
أفعل والحقائق هي الحقائق كما ذكر رفيقنا، والعبارة تستمد
تكوينها من الحقيقة التي تحاول أن تعبر عنها.
أنا لا اكتب بعاطفية
تحاول تعمية الحقيقة، إذا اني أمقت الذين يكتبون بهذه
الطريقة،
وأنا لا أعرف أن أجامل
أو أحابي أحداً، فأنا لست مبهوراً بالذين يجاملون أو
يحابون،
وأنا لا أكتب من أجل
المتعة التي تقدمها الكتابة لصاحبها، إذ لا املك وقتاً
لمثل هذا النوع من الكتابة،
فأنا إنما أكتب لنصرة
قضية بذلت لنصرتها معظم حياتي وجهدي وعملي، وبذل في سبيلها
ألوف من القوميين أصناف التضحيات الكبرى. إنني مقتنع أنه
لا يجوز لأحد أن يحاول أستغلال تلك التضحيات او أغفالها او
الرقص على قبرها. أضعف الإيمان أن نحاول الإبقاء على
الشعلة مضيئة أملا في أن ياتي جيل يحملها حتى النصر.
في مقالتي حول العمل
القومي الإجتماعي في المغتربات سردت عدة وقائع وأمثلة عن
تخلف العمل القومي الإجتماعي فيها بسبب العقلية التي زرعها
عبود عبود. إن الإستهجان والإعتراض والشكوى وردات الفعل
التي حصلت عند بعض الرفقاء هي مفهومة حتماً لكنها غير
مبررة.
هي مفهومة من حيث أن
الحقيقة قاسية والحقيقة لا بد ان تنكأ جرحاً أو تصيب
مقتلاً. وهي غير مبررة لأنه كان بإستطاعة هؤلاء الرفقاء
أن يردوا علينا الحقيقة بمثلها. لقد كان بإمكانهم وما
يزال الإعتراض على ما نكتب بتقديم البراهين والشرح
لتكذيبنا أو لتبيان الأخطاء التي نقع بها.
إن صفحات موقع البناء
القومي مفتوحة لهؤلاء الرفقاء جميعاً، بإستطاعتهم أن
يكتبوا ما يشاؤون، ونعدهم بنشر كل ما يرسلونه إلينا بكامله
بدون حذف أو تشطيب.
إذا رأوا أننا كنا
مخربين، فبإستطاعتهم أن يقولوا متى وكيف،
وإذا رأوا أننا غير
أوفياء فبإستطاعتهم أن يقولوا متى وكيف،
وإذا رأوا أننا أنحرفنا
ليقولوا لنا أين وكيف،
وإذا رأوا أننا كنا
إنتهازيين أن يدلوا على ذلك بصراحة،
وإذا رأوا أننا نملك
جبنا وخوفا ليتكلموا بوضوح عن جببنا وخوفنا،
وإذا رأوا عملاء ليدلوا
على عمالتنا،
وإذا رأوا أننا أغبياء
وجهلة فليتحدثوا عن غبائنا وجهلنا،
وإذا رأوا أننا دجالون
فيحكوا عن دجلنا،
وإذا رأوا أننا
متخاذلون فلنشروا قصص تخاذلنا،
وإذا رأوا أننا اصحاب
مصالح شخصية فيمكنهم تحديد هذه المصالح الشخصية والدلالة
عليها،
وإذا رأوا أننا سارقون
ولصوص فليكتبوا عن سرقاتنا ولصوصيات،
وإذا رأوا كنا غير
أوفياء لرفقائنا وكنا نعتدي على محرماتهم فليعلنوا ذلك
بوضوح،
فبإمكان الرفقاء أن
يكتبوا أي شيء ونحن مستعدون لنشر كل ما يرسلونه إلينا،
لكن عليهم أن يتوقعوا أننا سنقابل الحجة بالحجة وسنضع أمام
الجميع كل ما نملك من معلومات نرى أننا ملزمون بنشرها.
الحل البديل هو أن يعرف
كلا منا طاقته وإمكانياته وما يستطيع أو لا يستطيع القيام
به، ويأخذ الموقع الذي يجب أن يكون فيه، ويقوم بالدور التي
تسمح له إمكاناتهم العملية أن يلعبه، وأن لا يحاول أياً
منا ان يلعب دوراً هو غير قادر على لعبه، أو يتوهم أنه
قادر على لعب دور ليس له.
لقد ذكرت في مقالة
سابقة إن النجار لا يستطيع أن يقوم بعمل الحداد،
والحداد لا يستطيع أن
يقوم بعمل البلاط،
والبلاط لا يستطيع أن
يقوم بعمل الكهربائي،
والكهربائي لا يستطيع
القيام بدور المدرس،
والمدرس لا يستطيع
القيام بدور الطبيب،
وإن الفرد يحترم ليس بسبب مهنته، بل لأنه يعرف
مهنته جيداً ولأنه يمارس مهنته بدقة ومسؤولية وشرف وإبداع.
لا يستطيع أحد أن يتسلق
على مهنة أحد، ولا فائدة أن أن يتسلق أحد على مهنتي أحد.
فإذا كان هذا صحيح في الحياة العامة، فنحن بأقصى الحاجة
إليه في الحركة القومية الإجتماعية.
لقد جاء من يعترض على
ما قدمناه من أهداف للعمل القومي بالمغتربات، ليس لسبب بل
لأنه لم يحاول فهم تلك الأهداف. إننا نعتز ونأسف. نعتز
لأنه حسب علمنا فإن هذه أو مرة يتكلم فيها أحد عن العمل
الإغترابي بهذه الصورة، ونأسف لأنه لم يحصل أن تكلم احد
قبلنا عن العمل الأغترابي على هذه الصورة فحرم هذا العمل
من فكرة كان يمكن أن تجعل منه عملاً أكثر فائدة.
إن دعوتنا الى الرفقاء
هي أن إنهضوا من مستنقع الإستكانة الذي تغرقون فيه وأعملوا
وأجهدوا وتعانوا وتحاوروا علكم تستطيعون تقديم فائدة ما
لهذه النهضة.
عدا ذلك فنحن نعلم
حجمنا جيداً، ونعلن أننا لسنا متواضعين ابدا عندما تأتي
المسألة للحزب وللعقيدة وللنهضة وللعمل والتضحية من أجل
الحزب والعقيدة والنهضة. حسبنا أننا كنا واضحين مع
الجميع، وحسبنا أننا لا نقصد كسب اصوات تقودنا إلى هذا
المنصب أو ذاك، ذلك أنه لو أردنا المراكز والمناصب، لكنا
أخترنا طريقاً غير طريق الحزب.
مشكلة أنه من طبيعتنا التعرف على الجميع
ومشكلتنا أننا نعرف الجميع جيداً، أما مشكلة الجميع معنا
أنهم لا يعرفوننا ولا يعرفون أننا نعرفهم جيداً
كلمة أخيرة ربما تكون نافعة للجميع، وهي أن
الإنسان يخطيء لان من يعمل يخطيء، لكن القيمة الحقيقية
تكمن في قدرتنا على رؤية أخطائنا والإعتذار عن هذه
الأخطاء. وهذا قمة السمو الخلقي والأخلاقي. |