|
لقد حصل عدد
كبير من المجازر والجرائم ضد رفقاء قوميين
إجتماعيين في بلدات وقرى
وشوارع واماكن مختلفة من لبنان. أما الإعلان عن كلِ من تلك
المجازر أو الجرائم كان يتم بصورة خجولة في بعض الأحيان
تجنباً لتعكير مزاج المجرمين أو الذين كانوا يقفون وراء
المجرمين.
لكن هناك
مجزرة معينة لم يجرِ الإعلان عنها على الإطلاق. بل كان
التعتيم يبرز الى الواجهة فيك كل مرة أراد احدهم جلب تلك
المجزرة إلى انتباه القوميين والمواطنين. أما الأسباب
فمعروفة وواضحة، ليس هناك من مصلحة لإزعاج خاطر البيك،
فبعد مرور عقود من العمل النهضوي، لا زال بيننا من يراعي
خواطر البكوات والأمراء.
قرية دير
بعشتار قرية مارونية تقع على مثلث أقضية الكوره- البترون-
بشري. يوجد في تلك القرية عائلات عدة منها عائلة
الشالوحي، وعائلة حوا وعائلة الزغبي وعائلة الغاوي وعائلة
العنداري، أما عائلة الشالوحي هي أكبر العائلات فيها
عدداً. هناك جبُ أو فرع صغير من عائلة الشالوحي يدعى "بيت
الخوري جرجس الشالوحي" يختلف عن بقية العائلة من أنه يمثل
وجها إقطاعياً بشعاً وكان يملك أكثر من نصف الأملاك
الموجودة في البلدة. أما قصة نجاح ذلك "بيت الخوري جريس
الشالوحي الشالوحي بإمتلاك جميع تلك الأرزاق فكان سببه ان
الخوري جرجس الشالوحي المؤسس لذلك "البيت" ، كان كاهناً
لقرية دير بعشتار قبل نيف ومئة عام. لم يكن الخوري جريس
الشالوحي كاهناً للقرية فقط ، لقد كان ذلك الكاهن يمثل
فيها كل شيء: هو الكاهن وهو الطبيب وهو الصيدلي وهو
المختار وهو القاضي وهوالحاكم بأمره ونائب الله على الأرض
بين الناس.
لقد كانت
للخوري جريس قوانينه الخاصة. كان ينص واحداً منها على أن
أنه إذا شتم أحدهم الدين أو الله باي نوع من أنواع السباب
البسيطة، كان عليه أن يدفع لذلك الكاهن غرامة مالية عبارة
عن ربع عثملية أو نصف عثملية. وإذا ما عجز ذلك الشخص عن
الدفع فرض عليه ذلك الكاهن بتطويب أرضعه أو قطعة من أرضه
باسم الخوري جريس. بهذه الطريقة استطاع الخوري جريس
الشالوحي أن يطوب باسمه أكثر من نصف أملاك البلدة. لم
يتوقف الخوري جريس عن تلك الممارسة إلا بعد أن تصدى فلاح
ذكي شاطر. لقد جاء من يخبر الخوري جريس أن ذلك الفلاح
إرتكب خطيئة بتوجيهه لعنة الى الله. إستدعى الخوري جريس
ذلك الفلاح وغرمه كالعادة ربع عثملية. عندها ناوله الفلاح
قطعة نقدة عبارة عن عثملية واحدة. لم يكن مع ذلك الكاهن
صرافة ليرد الباقي إلى الفلاح لذلك أصر عليه أن يعطيه أن
يتدبر أمره ويعطيه في الحال ربع عثملية. لما لم يكن مع
الفلاح ربع عثملية سبّ الخوري بقوله: "يعلنك ويلعن دينك
ودين دينك"، ثم أردف: "الأن صرنا صلح"، حيث احتفظ الخوري
بقطعة النقد التي أعطاه إياه الفلاح. إنتشرت تلك الخبرية
في القرية، مما دفع أبناء القرية إلى تحدي سلطة الكاهن
بهذا الشأن فتوقف عن تلك الطريقة في سرقة أملاك الناس
وأرزاقهم.
لكن توقف
الخوري جريس عن ممارسة سرقة أملاك الناس، لم يمنع أن يستمر
أحفاد في التحكم في أرقاب الناس من أبناء القرية والتسلط
عليهم، حيث فرضوا أنفسهم كإقطاعيين في قرية دير بعشتار.
لقد كان "بيت
الخوري جريس الشالوحي" بيتاً إنتهازياً مصلحياً يستمد قوته
بصورة أولية مما يملكه من أرزاق وبصورة أساسية من موالاته
لأصحاب النفوذ السياسي في الزمن والمكان: فهم يوالون شمعون
عندما كان الزمن زمن شمعون وكانو مع فؤاد شهاب عندما اصبح
فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، وكانوا مع سليمان فرنجية
عندما نجح سليمان فرنجية برئاسة الجمهورية عام 1970.
لقد كان لنا
في دير بعشتار مع بداية الأحداث عدد لا بأس به من الرفقاء
القوميين الإجتماعيون عرفت منهم شخصياً الرفيقين شحاده
الغاوي ومارون عنداري.
عندما حاول
الكتائبيون والإقطاعيون من "بيت جرجس الشالوحي" إقامة
حواجز في القرية، تصدوا لهم رفقاؤنا ومنعوم من ذلك.
لم يرق ذلك
العمل من قبل رفقائنا الضابط في الجيش اللبناني نهرا
الشالوحي الذي ينتمي الى بيت "الخوري جريس الشالوحي"، لذلك
وعندما أنقسم الجيش اللبناني وكان الضابط نهرا الشالوحي
يتبع لجيش بركات، دخل الضابط مع قوة من ذلك الجيش الى قرية
دير بعشتار واعتقل عدداً من القوميين الإجتماعيين فيها
بحجة أنهم كانوا يرسمون خططاً ضد القرية. لقد وضع نهرا
الشالوحي رفقاءنا في غرفة من أحد المنازل حولها الى سجن
مستحدث له.
لم تكن
لرفقائنا حرية الحركة في سجنهم إذا كانت أيديهم مقيدة
باستمرار، وفي بعض الأوقات كانوا يقيدون من ارجلهم ايضاً.
لقد كان فؤاد
الشالوحي شقيق نهرا الشالوحي يزور رفقاءنا في ذلك السجن
المستحدث كل صباح، حيث كان يعمد إلى جلدهم بسوط أعده
خصيصاُ لتلك الغاية. لقد كان الجيران يسمعون الصراخ الذي
كان يصدر عن رفقائنا من تلك الغرفة كما كانوا يسمعون جميع
الكلام الذي يحصل في تلك الغرفة بصورة واضحة.
كان الرفيق
يوسف حوّا ينال الحصة الكبرى من عمليات الجلد والضرب، إذ
كان بطلاً شجاعاً لا يهاب الموت ولا ترعبه أسياط
الجلادين. لقد كان كلما نزل عليه سوط الجلاد فؤاد
الشالوحي عمد الرفيق يوسف حوا الى شتمه، متهما أياه
بالخساسة والجبن، ويتحداه أن يفك رباط يديه ورجلية ليريه
كيف تكون الرجال! فكانت تنزل السياط على الرفيق يوسف بدون
حساب وكان يكيل الشتائم بدوره بدون حساب. لقد كان الرفيق
يوسف يعمد إلى نهر ولوم رفقائه إذا ما ظهر منهم علائم ضعف
اوخوف.
لقد كانت
حفلة الجلد تحصل كل يوم، وكان الجيران يسجلون جميع
وقائعها. ولقد كان يسمح لزوجات أولئك الرفقاء بزيارة
أزواجهن حيث أستمرت المسائل على ذلك المنوال لأسابيع عدة.
في أحد
الأيام أرادت زوجة الرفيق يوسف حوا أن تزور زوجها، لكن
احدى النساء اللواتي كن يسكن في جوار ذلك السجن أعربت لها
عن قلقها، لأنها لم تسمع صوت الصراخ ذلك الصباح. عندما
وصلت زوجة الرفيق يوسف الى الغرفة التي كانت سجناً لم تجد
الرفقاء السجناء هناك ولم يكن هناك جنود جيش نهرا
الشالوحي.
لقد اعتقد
أهل الرفقاء وأهل البلدة من غير الكتائب والإنعزاليين أن
القوميين الأسرى قد أخذوا الى أحد سجون الدولة ولم يعلموا
عن مصيرهم شيئاً.
بعد اشهر عدة
وبينما كان احد الفلاحين من ابناء البلدة يقوم بحراثة أرضه
علق بسكة المحراث سترة كان يلبسها أحد رفقائنا الأسرى، حيث
تبين بعد البحث والتحقيق أن جنود نهرا الشالوحي قد ارتكبوا
مجزرة بحقهم وكانوا ستة رفقا وشبل لا يتجاوز الثالثة عشر
من العمر.
الأسماء التي
تحضرني من أسماء أولئك الرفقاء الشهداء:
الرفيق الشهيد يوسف حوا
الرفيق يوسف انطون الشالوحي
الرفيق شالوحي الشالوحي وأبنه ابن الثالثة عشر من العمر،
كي لا يكبر ويصبح قومياً ويأخذ بثأر ابيه
الرفيق الياس عساف الزغبي الذي كان في السلك الدركي
اللبناني.
لقد عمد
الإنعزاليون والإقطاعيون الإنعزاليون في دير بعشتار إلى
الغدر برفقاء آخرين في حوادث متفرقة نعرض فيما يلي بعضها:
·
الرفيق يوسف مسعود الزغبي – رموه بالرصاص بينما كان يقود جراره
الزراعي في حقله، فقضي عليه فوراً.
·
الرفيق عساف عساف البالغ من العمر 75 عاماً – رموه بالرصاص بينما
كان يملأ جرة الماء من عين القرية.
·
الرفيق مسعود الزغبي – رموه بالرصاص على طريق الكوره – بشري.
·
الرفيق الياس الشالوحي رموه بالرصاص قرب بيته، فاخترقت رصاصة
رأسه من الجهة اليسرى إلى الجهة اليمنى بين عينيه وأذنيه.
لقد أسعف الرفيق الياس وعاش بعد ذلك عدة سنوات إلى أن بدأ
يفقد بصره ثم مات بسبب تلك الإصابة.
لقد قام
رفقاء لنا في الكوره بمحاولة قتل فؤاد الشالوحي واخرين لكن
الرفيق عبدالله سعاده كان يمنعهم من تنفيذ مخططاتهم. ثم
لقد حدث أنه في مرحلة لاحقة برز رفيق شجاع في الكوره هو
الرفيق جوزيف عساف الزغبي(ابو الشهيد) وقادته شجاعته
والأعمال العسكرية التي قام بها بأن أصبح ناظر تدريب في
الكوره. عندها أقسم أنه سينتقم لشهداء مجزرة ديربعشتار،
وكان هذا هو الخطأ الكبير الذي وقع فيه، إذ أن الجيش
اللبناني المؤيد للإقطاع السياسي في الشمال كمن له وقتله.
حتى الآن لم تتم عملية
المصالحة في دير بعشتار. لا أحد يريد ان يتكلم عنها.
لماذا؟ كي لا ينزعج خاطر البيك الذي يحمي المجرمين.
|