|
إنفجار الوضع
بين الصاعقة وفتح
عندما كان حنا بطحيش يتحدث أمامي عن
محاسبة ومعاقبة وشيكتين لحركة فتح كان يعرف تماماً عماذا
يتكلم. لقد فشلت الزيارات المكوكية التي كان يقوم بها
ياسر عرفات الى دمشق بواسطة ومرافة الإمام موسى الصدر بحل
الخلافات القائمة بين منظمة التحرير والرئيس حافظ الأسد.
أما كمال جنبلاط فكان قد أصبح في ذلك
الوقت على نقيض تام مع النظام في الشام. لقد كانت لكمال
جنبلاط حساباته ومطامحه، كما كانت للشاميين حساباتهم
ومطامحهم. لنفسح في المجال لكمال جنبلاط للكلام بنفسه عن
نقاط خلافه مع "السوريين" في هذه المقتطفات من كتابه "هذه
وصيتي":
"وفي
الداخل كان النظام (النظام الشامي) يعاني بعض الصعوبات
فخلال انتخابات 1975 المحلية والمناطقية، لم يتوجه الى
صناديق الإقتراع فيما يبدو أكثر من 15 بالمئة.."
"أما بشأن النزاع في
لبنان فإن القادة السوريين راحوا يجعلون منها – وبصورة
متزايدة – مسألة مهابة شخصية، فكان لا بد إذاّ من تسجيل
نقاط في لبنان ولهذا فإن سوريا راحت تتعاطى بالقضية
اللبنانية لتنحدر درجة درجة من الوساطة الى التدخل العسكري
اي إلى الجنون المحض."
"فإلى جانب هذا
المركّب أو هذه العقدة السياسية (التجاذب السياسي بين
النظام السوري والموارنة)، عقدة الشعور بالافلية لدى الحزب
الحاكم في سوريا."
"ولا بد هنا من
الإعتراف بأن قادة دمشق اظهروا تسامحاً يكاد يكون لا تمويه
فيه ازاء المجازر التي ارتكبها الموارنة."
"وهكذا، فإن القادة
السوريين لم يكتفوا بمحاولة إغراء الموارنة عبر حماية
طالما كان هؤلاء حساسين إزائها.....، بل انهم قرروا قمع
الحركة السياسية المعادية لأهداف هؤلاء أو أنهم على الأقل
أرادوا أن يمسكوا بعنان التيارين في آن معاً."
"وهناك بخلاف
الأسباب السياسية التي تاولنا بها، التحالف
السوري-الماروني "المقدس"، روابط مصلحية-لن اقول عنها إلا
كلمة لكي لا اسمي الأمور؟"
"وحصيلة
الكلام أنهم لا يريدوا ان ينسوا- كائنا ما كانت الظروف –
أزمنة ما قبل تجزئة عام 1919، أي عندما لم يكن اللبنانيون
والفلسطينيون والاردنيون والسوريون لا يشكلون إلاّ شعباً
واحداً هو شعب سوريا التاريخية بحدودها الطبيعية الممتدة
من طوروس الى سيناء. لا بل أن الرئيس الأسد أكد ذلك بوضوح
لياسر عرفات منذ مدة غير بعيدة (في حوالي شهر نيسان من عام
1976) حين قال له، "إنكم لا تمثلون فلسطين بأكثر مما
نمثلها نحن، ولا تنسوا أمراً، أنه ليس هناك شعب فلسطيني،
وليس هناك كيان فلسطيني، بل سوريا، وأنتم جزء لا يتجزأ من
الشعب السوري، وفلسطين جزء لا يتجزأ من سوريا، وإذاً
فأننا، نحن المسؤولون السوريون، الممثلون الحقيقيون للشعب
الفلسطيني."
"وفي هذا ما
ينم عن افكار "اسد سوريا الكبرى" الحميمه..."
"وهناك الأطروحة
اللبنانية، أطروحتنا، أي اطروحة الحركة الوطنية
اللبنانية. وهي أكثر انسجاما، بالتالي مع الروح الثورية
النظرية والواقعية وأحْرَص على التطور الفعال."
"وأعتقد ان لبنان
كان بالنسبة إلى الرئيس الأسد رهاناً دبلوماسياً في
المرتبة الأولى من الاهمية، وورقة مناورة، ونجاحاً له ثمنه
لدى الولايات المتحدة والسوفيات وأروبا، بهدف التوصل إلى
تسوية مرضية لمشكلة الحدود والأراضي التي تحتلها اسرائيل.
لأن من شأن ذلك أن يعطيه بعض الوزن على الصعيد الدولي
ومهابة ونفوذا دبلوماسيين مفيدين."
في أوائل شهر حزيران 1976 تحركت القوات
الشامية باتجاه جميع المحاور في الجنوب والجبل محاولة
الدخول الى جميع المناطق اللبنانية تحت عنوان وقف
الإقتتال، فكان إن تصدت لها المقاومة الفلسطين ومجموعات
مقاتلة من "الحركة الوطنية" فوقع دمار وخسائر بين الطرفين،
حيث خسرت القوات الشامية في صيدا عدداً من الدبابات. لقد
كان لبعض المقاتلين الصبية من جماعة إنعام رعد في صيدا دور
كبير في عملية التصدي للقوات الشامية، حيث تمكن صبي في سن
المراهقة من تدمير أكثر من دبابة.
لقد كان رد منظمة فتح على محاولة الجيش
الشامي التقدم الى مناطق سيطرتها، بالإضافة إلى التصدي
له، ضرب واحتلال جميع مكاتب الصاعقة في بيروت وصيدا
والجبل، واعتقال وترحيل زهير محسن وحنا بطحيش وغيرهما من
قادة منظمة الصاعقة إلى خارج لبنان.
في الوقت نفسه كان جيش التحرير المتمركز
في خلدة يقصف مواقع فتح في منطقة المدينة الرياضية-
الجامعة العربية وحول المخيمات الفلسيطينية حيث بقيت بيروت
محاصرة من ناحية الأوزاعي خلدة لعدة أيام، تم بعدها سحب
جيش التحرير إلى البقاع عن طريق جزين.
خلال ذلك كان إنعام رعد يقرر ويرفض على
هواه وكأنه كان لقرارته اي معنى على الإطلاق. من مقالة له
كتبها في مجلة صباح الخير عدد 48 تاريخ 7/7/1976 نقطتف ما
يلي:
"والآن
نطالب، كثورة فلسطينية وحركة وطنية، بأن نوقف القتال.....
نحن مستعدون، ولكن من يضمن لنا إلا يكون وقف القتال
اسلوباً آخر من الأساليب التي لجأ إليها الخصوم، ربحاً
واستنساباً لقضم ما استطاع ان يغتصبه من منا، من
مساحات وبشر؟ بل من يضمن لنا إلا يكون وقف القتال فرصة
أخرى للنظام الشامي، أن يستقطب أكثر مما استقطب من دعم
عربي وخارجي، لإكمال خطته المشبوهة والعودة إلى الإحتلال
والتنكيل بالأحرار بأشد شراسة وأشد بطشاً."
"لذلك كان لا بد
من التوقف عند الشروط التالية:
·
اولاً: لا مفاوضات قبل فك الحصار عن تل الزعتر وإعادة جسر
الباشا وفك الحصار عن النبعة.
·
ثانياً: لا طاولة مستديرة قبل أن تكون قوات السلاح العربية
قد تمركزت في مواقع على الأرض اللبنانية.
·
ثالثاُ: لا طاولة مستديرة إلا على اساس احترام حق الثورة
الفلسطينية بالكفاح المسلح على الأرض اللبنانية.
·
رابعاً: لا طاولة مستديرة إلا للبحث والحوار حول برنامج
الإصلاح المرحلى الذي قدمته الأحزاب والقوى الوطنية
والتقدمية."
لقد كان ذلك الصعلوك يتكلم وكأنه في موقع
المقرر الفعلي بأسم الثورة الفلسطينية وأنه كان قي موقع
القادر على فرض شروطه على النظام الشامي. الغريب غير
المستغرب أنه في الوقت الذي لم يكن هناك من يصدقه من
زملائه في الحركة الوطنية الذين كانوا يعرفون أنه لم يكن
أكثر من بوق، كان هناك من يقوم بتصديقه من القوميين
البسطاء.
الإعتداء على
القوميين ومراكزهم
إتصل بي مفيد القنطار بعد وقف المعارك
بين الجيش الشامي والمنظمات الفلسطينية، ليقول لي إن
الشيوعيين قد دخلوا إلى بيوت بعض القوميين واعتقلوه شخصياً
مع رفقاء آخرين بينهم لبيب ناصيف وزها عيسى وغيرهم من
الأسماء التي لا تحضرني الآن، حيث أخذوا منهم بطاقاتهم
الحزبية ثم أفرجوا عنهم فيما بعد.
لقد غضبت من ذلك الأمر وكنت لا أجد
وسيلة لإفراغ غضبي عندما يكون الأمر متعلقاً بالشيوعيين
إلاّ بالصديق الشيوعي عصام الجردي. ذهبت إلى عصام في
مكتبه في جريدة السفير وسقت له من قاموس الكلام ما كان
يتلائم مع العمل الذي قام به رفاقه في الحزب الشيوعي
وطالبته بإعادة البطاقات الحزبية التي أنتزعوها من
الرفقاء.
أما الإعتداء الكبير على القوميين فكان
ذلك الذي حصل في مركز سوق الغرب وفي منطقة سوق الغرب
بمكين.
صبيحة أحد الأيام وصل الى بيتنا الرفيقان
سميح دقدوق وعادل قائدبية وكان القلق الشديد بادياً على
وجوههما. لقد كنت أجلس على مصطبة البيت أنا وأخي فرحان
وبفية العائلة حيث كنا نتناول القهوة الصباحية، لكن لا
أذكر إذا كان يوجد معنا رفقاء آخرين أما لا. لأول وهلة لم
أقرأ على وجهَي الرفيقين سميح وعادل سوى خبرٍ واحد: وهو ان
يكون أخي الرفيق عبدالله قد أستشهد. لقد كان الرفيقان
يتصرفان بصورة من التردد مزعجة وهما يمرران ما كانا يريدان
إخبارنا به كلمة وراء كلمة وبصورة بطيئة يرافقها ارتباك
شديد، حتى أنني أذكر جيداً أن أخي فرحان قال لهما بحدة
وغضب: "يا رفقاء إذا كان أخي عبدالله استشهد قولوا لنا
دغري إنو استشهد، ما في ضرورة للمغمغة!"
عند ذلك فقط أخبرانا بهدؤ أن عناصر من
منظمة فتح بقيادة العقيد سالم، فاجأت القوميين في مركز
الحزب في سوق الغرب بين الساعة الثالثة والرابعة صباحاً
واعتقلوا جميع الرققاء الذين كانوا في المركز وبينهم
الرفيق عبدالله."
لقد أخبرني الرفيقان عبدالله حيدر ووجدي
عبد الملك أنه كان في المركز حوالي الثلاثين رفيقاً وكانوا
نائمين عند شعرا أن شيئا يلكزهما ليستيقظا على بنادق مصوبة
باتجاه كل من كان في الغرفة يشهرها أشخاص غرباء، فعرفا
عندها القصة على حقيقتها. لقد أعتمد العقيد سالم عنصر
المفاجأة، حيث تمكن من مفأجأة الحرس أولاً ثم دخل المركز
ليفاجيء الرفقاء الذين كانوا نائمين فيه.
لقد أهتم اخي فرحان الذي ساوره الغضب
بسبب ذلك في حل تلك المسألة حيث قام بإتصالاته مع محمود
عبد الخالق وإنعام رعد إلى أن تم الأفرج عن جميع المعتقلين
في اليوم الثاني على ما اذكر.
أما الحقارة والبشاعة والخساسة
والإنحطاط، إنما كانت الطابع المميز في الأعمال العدوانية
على الرفقاء القوميين والعائلات القومية العزل التي حصلت
في بلدة بمكين القريبة من سوق الغرب.
لقد حدث أنه بعد أن تهجّر الرفقاء من
المتن الشمالي لجأ كثيرون منهم الى سوق الغرب حيث اسكنهم
الحزب في الفنادق السياحية الصغيرة الموجودة في بلدة
بمكين. لقد رفع الحزب على تلك الأماكن أعلام الزوبعة،
إشعاراً بمسؤوليته عن سلامة وأمن المهجرين في تلك الفنادق.
لد كانت فرصة أنفجار الوضع بين الشام
وعرفات وأضطهاد الناس الذين كانوا يؤيدون التدخل الشامي في
لبنان من قبل "الوطنجيين" فرصة لا تعوّض بالنسبة للشيوعيين
من أجل الإنقضاض على القوميين لأنهم كانوا يشعرون
بعقدة نقص اتجاههم. فالشيوعيون كانوا وما زالوا حالات
نكره بين الناس بالنسبة لأعدادهم في البلدات والقرى
الدرزية. إنهم قوة هامشية لا حول لها ولا قوة. لذلك
أستغلوا تلك الظروف وراحوا يهاجمون القوميين أينما وجدوا
وأينما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
لقد علم الشيوعيون أن المهجرين في تلك
الفنادق في بمكين كانوا من المؤيدين للحزب ولا علاقة لهم
بإنعام رعد، لذلك أتو شاهرين السلاح عليهم بعد أن هاجمت
عناصر فتح المركز، حيث أخرجوهم من تلك الفنادق. أما أعلام
الزوبعة فقد أنزلها الشيوعيون ومزقوها وراح يدوسون عليها
بأقدامهم.
أن يفعل الشيوعيون ما فعلوه، فذلك على
بشاعته وحقارته أمر لم يكن بالمستغرب، فالشيوعيون هم
شيوعيون ولا تتوقع منهم في حالة كتلك الحالة أن يتصرفوا
بغير ما تصرفوا به. أما ان يحدث ذلك امام بضعة صعاليك من
جماعة إنعام رعد ولا يأتون بعمل ما لمنع تمزيق الأعلام
ودوسها، فذلك أمر لا يقبله منطق سليم ولا عقل صحيح.
العقول المريضة الغبية وحدها تقبل مثل ذلك الأمر وتحاول
خلق التبريرات لمثل تلك الأعمال.
لقد كان على رأس تلك المجموعة المسلحة من
جماعة إنعام رعد شخص حقير خسيس تافه غبي جاهل يدعى نبيل
عياش. إن الشخص الحقير الغبي لا يمكن ان يخفى على أحد ذي
بصيرة، فإنك تعرفه من كلامه، من تصرفاته، من بسماته، من
نظراته، من حركاته، من نبضات عروقه، ومن طربقة دخول الهواء
إلى رئتيه. لم يكن صعباً ان أتعرف إلى حقارة نبيل عياش
منذ اليوم الأول الذي إلتقيته في الجامعة اللبنانية.
غالباً ما يأخذ بعضنا أنطباعاً خاطئاً عن الأشخاص الذين
نلتقيهم للمرة الاولى، حيث يمكن أن نصحح ذلك خطأنا
لاحقاً. لكنه تبين لي أن ذلك الإنطباع الذي كونته عن نبيل
عياش في اللقاء الأول كان صيحاً مئة في المئة، إذ كانت
جميع الأعمال والتصرفات التي قام بها نبيل عياش لاحقاً
لتدعم ذلك الإنطباع.
لقد وقف نبيل عياش أما منظر تهجير تلك
العائلات للمرة الثانية ومنظر تمزيق ودوس الأعلام تحت
الأقدام، ليس موقف المتفرج فحسب، بل موقف المنتصر، معتبراً
أن الأعلام التي كانت تداس هي أعلام الخوارج لا أعلام
الزوبعة، فعمد الى الضحك والقهقه لإنتصاره على "الخوارج"،
ترديداً لفهقهات إنعام رعد وحافظ صايغ.
صار للمهتريء
زوجة وصار يحلف بالطلاق
لن أساهم كثيراً تحت هذا العنوان، بل
سأكتفي غالباً بنصوص مقتطفة من مجلة "صباح الخير" حيث
يستطيع كل ذي بصيرة وبصر أن يستخرج الفهم والعبر الصحيحة
.
"كان ابرز ما
صاحب احداث التدخل العسكري الشامي، الإنهيارات التي حدثت
على ساح الجبهة الوطنية المزيفة التي انشئت خلال الأشهر
الماضية، وبصورة خاصة مجموعة الخوارج عن الحزب."
"فعشية
التحرك العسكري الشامي وبعد صدور بيان رئيس الحزب الرفيق
إنعام رعد بالتحذير من هذا التحرك، والذي نشرته "صباح
الخير" والصحف اللبنانية الأسبوع الماضي، استصدر بيان من
رئيس مجموعة المنشقين بتأييد التدخل العسكري الشامي
واعتباره يؤدي "وظيفة قومية". وكان بيان الياس جرجي قنيزح
غير منفصل عن الخط السياسي المروّج له في جريدة "البناء"،
طوال الأشهر الماضية، من المجموعة كلها، والذي أيد الإتحاد
مع الاردن ، ومضى في تأييد السياسة الشامية دون تحفظ او
تنبيه او نقد للمنزلق الخطر الذي واجهته."
"وبعد ثلاثة
أيام، وفي اعقاب الموجة الشعبية العارمة ضد التدخل، عاد
الياس جرجي قنيزح فأصدر بياناً ثانياً يتراجع فيه عن
الموقف الاول معلناً أسفه لنتائج الاحداث ومتبراً المقاومة
"طليعة ثورية" مع تمنيه أن لا تصطدم مع دمشق."
"وفي اليوم
التالي ظهرت "حركة تصحيحية" ضمن "الحركة التصحيحية" أي
انشقاق على الإنشقاق واصدر من سموا بالمنفذين في مجموعة
المنشقين بياناً مضاداً لسياسة مجموعتهم المعروفة حمّلوا
فيه الياس جرجي قنيزح مسؤولية تلك السياسة علماً بأن
الحقيقة هي غير ذلك لأن الياس جرجي قنيزح كما يعرف الجميع
لم يكن هو صاحب القرار في سياسة المجموعة."
"إن مراهنة
الحزب كانت دوماً على الوعي القومي الإجتماعي ، ويقظة
الوجدان الحزبي، وعلى أن سلامة الموقف والممارسة هي التي
تفجر هذا النوع من الوعي في النفوس وتحاسب الإنحراف
والمنحرفين."
"ولقد كانت
أحداث الاربعة عشر شهراً الأخيرة هي التي أفرزت المواقف
والرجال فمضت المؤسسة على طريق الصراع القومي الإجتماعي
تستقطب ولاء مجموع القوميين الإجتماعيين في خنادق المواجهة
ووفق أستراتيجية قومية إجتماعية واضحة، وأخذت مجموعة
المنشقين، تحت وطأة الاحداث والمواقف يتضاءل حجمها، كما
بدأت التناقضات تهز تماسك من تبقى منها، حتى انفجر الموقف
مؤخراً تحت وطأة سقوط خطها السياسي الذي حاولة الصاقه بعد
الفشل بسخص الياس جرجي قنيزح مع أن المجموعة كلها مسؤولة
عنه."
لقد رددت مجلة صباح الخير كثيرا من
الكلام المشابه لهذه التحليلات الغبية الإنتهازية، لن
نختار منها سوى بيان حافظ الصايغ، الذي كان الدجال الثاني
بعد إنعام رعد في تلك المرحلة:
"تريث
مركز الحزب السوري القومي الإجتماعي في إبداء رأيه في
حالة الإنشقاق والتصدع الخاصة ضمن المجموعة المفصولة من
الحزب حتى تتضح معالم هذه الحالة، وترى الأن عمدة الإذاعة
بعد أن اتضحت الحقائق أن توضح ما يلي:
-
لقد اتضح أن عملية
الإنشقاق عن الحزب لا يمكن ان تبقى متماسكة وان
المنتفضين سابقاً على الشرعية الحزبية انتفضوا على
انفسهم لاحقاً لان سابقة التمرد على النظام تأكل
اصحابها.
ولان خط الإنحراف السياسي لا بد أن يفجر
التناقضات تحت وطأة النقمة الشعبية، وان
طريق التكفير الوحيد هي عودة المخلصين إلى الحزب بمؤسسات
-
إن ما حدث ليس سقوط
شخص الياس جرجي قنيزح، فهو اقلهم مسؤولية عن خط
الإنحراف السياسي نظراً لعجزه الصحي وحالته المرضية،
بل إن ما حصل هو سقوط خط سياسي انتهازي بكامله مسؤولة
عنه المجموعة بكامل قياداتها ولا يراهن على "حركة
تصحيحية" ناشئة صمنها لأن ما صدر إنما هو تحت وطأة ضغط
الأحداث والموجة الشعبية الناقمة. وأن هذه المجموعة
مستعدة، كما تجمع لدى الحزب من معلومات، أن تصدر
بياناً مضاداً جديداً إذا تطورت الاحداث في اتجاه
معاكس.
-
أن المجموعة كلها
كانت موافقة على خط سياسي واحد هو:
· مهادنة
الإنعزاليين طوال سنة كاملة من الأحداث تحت شعار أن ما
يجري هو "صراع ناحري طائفي" لا علاقة للحزب به. وكانت
تلوم مركز الحزب على خوض الحزب معارك ضد الإنعزاليين ومع
الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية بحجة أنه يورط
القوميين الإجتماعيين في "اقتتال" لا علاقة لهم به وأن
الحركة الوطنية هي "جبهة رجعية" (راجع بيانات هنري حاماتي
– محمود غزالي – الياس جرجي قنيزح، في البناء).
وبعد أن استمر تفلت قواعدهم من هذا
الإنحراف ورفضهم له ورجوع الأكثرية منهم إلى مركز الحزب
ليقاتلوا في صفوفه تجاوباً مع خط الصراع القومي السليم
اضطرت قيادتهم الى الموافقة تحت ضغط ما تبقى من القاعدة
على الإشتراك رمزياً في بعض الجبهات التي كانت تتواجد
فيها، اصلا وبكثافة، قوات الحزب ولم تزل، ثم لم تلبث أن
انسحبت هذه المجموعات عن جبهات المواجهة في الشهر الأخير،
واتجهت باكثرها الى عكار وجزين حيث ساعدت التدخل العسكري
الشامي ومهدت له.
· كما
كانت المجموعة كلها- وليس الياس جرجي قنيزح وحده – في خط
التنسيق الكامل مع منظمة الصاعقة وتؤيد التدخل العسكري
الشامي بل وتدعو – في مقالات متتالية – الى توريط الشام في
هذا التدخل. وكانت توقع بيانات ما سمي "بالجبهة القومية
والوطنية" وتدعو لا الإتحاد مع النظام الأردني وتروج له في
البناء (راجع بيانات ومقالات أسد الأشقر- محمود غزاله –
وديع حلو – الياس جرجي قنيزح في البناء).
-
إن التناقضات
الشخصية بين أطراف المجموعة وصراع الأجنحة بين محاور
هنري حاماتي – يوسف الأشقر – قنيزح و "مجموعة
الأمناء"، لم يكن على الخط السياسي بل على محاور
السلطه في المجموعة بدليل أن هنري حاماتي كان من أوائل
دعاة التحالف في محور واحد مع شاتيلا وقانصو لإنشاء
"الجبهة القومية" منذ عام 1972 لشق الحركة الوطنية
خدمة لأجهزة النظام اللبناني. وإن يوسف الأشقر رغم
إبعاده الشكلي كان على رأس الإتصالات، هو ووديع الحلو
ومنير الحجل، مع الأجهزة الشامية، وان اكثر "المنفذين"
المنتفضين مؤخراً على الخط السياسي المنحرف كانوا
يسيرون في ركاب هذا الخط عتى أخر لحظة ولم ينتفضوا
عليه إلا بعد فشله وتعرضهم للغضبة الشعبية في المناطق
التي تسيطر عليها الحركة الوطنية. وإن علي حمزه الذي
أذيع باسمه بيان المنفذين ضد الياس قنيزح كان أكثر
المنسقين مع الصاعقة وهو الان يقيم تكتلاً في النبعة
مع احمد صفوان وحركة المحرومين ضد الحركة الوطنية.
-
إن مركز الحزب حاول
التلطيف من الغضبة الشعبية على هذه المجموعة فمنع
الاعضاء القوميين الإجتماعيين من عمليات اقتحام مكاتب
المجموعة أو المشاركة في الإقتحام، كما تولى حماية بعض
افرادها في عدد من المناطق، ولكنه لا يستطيع تحمل
مسؤولية سقوط خط سياسي بكامله وعملية تخريب قامت به
مجموعة منشقة عن الحزب.
-
إن القوميين
الإجتماعيين الذين ساروا مع هذه المجموعة قبل سنة بنية
خالصة وتحت وطأة شعارات التضليل والتزييف التي رفعتها
عاد معظمهم الى الحزب وهم يقاتلون تحت راياته، ومن
تبقى من الأعضاء المخلصين الصادقين هو في طريق العودة
الى الحزب وما زال صدر الحزب متسعاً ورحباً
لاستقبالهم.
أما مجموعة القيادة التي تحاول الأن
بالبيانات نبرئة ساحتها فهي مدانة قومياً اجتماعيا ووطنياً
بسلوكها المشبوه.
وإننا نتوجه الى جميع القوى الوطنية بوقف
أي تعاط سلبي أو إيجابي مع هذه المجموعة واعتبار قضيتها
تخص الحزب وحده.
المركز في 11 حزيران 1976
عميد الإذاعة
حافظ صايغ"
إن أي قاريء لهذا البيان لا بد ان يحتار
أيهما كان أكثر كذباً أإنعام رعد أم حافظ صايغ؟
وأيهما كان أكثر حقارة ً أإنعام رعد أم
حافظ صايغ؟
وأيهما كان أكثر تدجيلاً أإنعام رعد أم
حافظ صايغ؟
وأيهما كان أكثر نفاقاً أإنعام رعد أم
حافظ صايغ؟
السؤال هو ما الذي دفع حافظ الصايغ لسلوك
ذلك الطريق؟
الجواب ببساطة هو المال ثم المال ثم
المال!
لقد اعتاد حافظ الصايغ على المقامرة حتى
أصبح مدمناً عليها مثله مثل بعض القوميين في منطقة الجرد.
لم يكن حافظ صايغ معنياً بالإنحراف الذي كان يحصل بدءً من
أواخر الستينات. الحقيقة لم يكن معنياً كثيراُ بتحمّل
المسؤوليات الحزبية بعد عام 1968 عندما كان منفذاً عاماً
للغرب. لقد كان يعيش في دوامة المقامرة والخسارة
والمسؤوليات العائلية، فلم يبق عنده وقت كثير للتفكير في
العمل الحزبي. مع انفجار الوضع في لبنان وفي معرض تفتيش
إنعام رعد عن عناصر مستعدة لمجاراتة والسير في ركابه لم
يجد أفضل من حافظ صايغ، حيث وجد هذا الأخير بالنشاط الحزبي
مع إنعام رعد مصدراً للمال الذي كان يحتاج إليه لإشباع
إدمانه. بعد أن سقطت الأموال على الحركة الوطنية من
"السماء الليبية" عبر جلود وزير خارجيتها، غرقت جميع أحزاب
تلك الحركة بأموال لم يشهد اصحابها مثله من قبل. لقد
كانوا جميعهم جائعين الى المال، ولقد وجد جميعهم ضالته
بوجود المال.
لم يكتفِ حافظ صايغ بالتعويضات التي كان
يدفعها له إنعام رعد. لقد كان مسؤولاً عن دفع معاشات
المقاتلين في منطقة المتن وكان تعويض المقاتل 1200 ليرة،
لكن حافظ صايغ لم يكن يوصل لهم أكثر من 900 ليرة. لقد كان
ذلك يحدث في الوقت الذي كان يكتب فيه مثل البيان
المثبت أعلاه أو يجتر كلاماً مشابها في مأتم شهيد أو في
مناسبة ما. لقد أصبح حافظ صايغ تلميذا نجيباً لإنعام رعد،
لكنه سرعان ما تركه عندما نضبت مع هذا الأخير الأموال.
لقد قفز كثيرون من الإنتهازيين في مجموعة إنعام رعد في اواخر
الثمانينات عندما نشات حالة الطواريء-المجلس الأعلى، الى
الجانب الآخر، لأن الإنتهازي يعرف دائما من أين تؤكل
الكتف. لم تكن حالة الطواريء-المجلس الأعلى حالة قومية
إجتماعية، فأي من الفئتين لم تكن تمثل الحزب من قريب أو بعيد، إذ تحول
الجميع الى حالة إنتهازية بإمتياز. فالقفز من جانب
إلى آخر لم يكن له أي علاقة بالإختلاف العقائدي، بل كانت
ركيزته المصالح الشخصية ولا شيء غير المصالح الشخصية.
حظ أولئك الإنتهازيين أن ذاكرة معظم
الناس في بلادنا بطيئة أو ضعيفة أو معطلة بالكامل، ما عدا
الذاكرة الطائفية، وأن معظم الناس لا يهمها قراءة التاريخ
كي لا تصدمها أحداثه. مشكلة الناس الأساسية في بلادنا
أنها تميل لأن تعيش اللحظة التي هي فيها، منزوعة كلياً عن
اللحظة التي سبقتها أو عن
أي جذور تاريخية أو حضارية، لذلك تراهم يقبلون بكل ما يفرض
عليهم في اللحظة والمكان. |