إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   

 

 

"صراع البقاء"

مع فلتان الوضع الأمني في لبنان اختار جميع الناس اللجؤ الى السلاح لتحقيق ما يدور في عقولهم ونفوسهم من أهداف أو مطامح مختلفة.

 لقد كانت الشويفات قبل الأحداث موزعة سياسياً بين الأرسلانيين الذين كانوا يحصلون على نسبة كبيرة من المؤيدين لهم، وبين الجنبلاطيين الذين كانت تؤيدهم نسبة اقل من المواطنين، وكان القوميون الإجتماعيون هم القوة المنظمة الكبيرة خارج ذلك التصنيف إلى جانب وجود بسبط هامشي للحزب الشيوعي.  هذا دون أن نلغي من حساباتنا دور العائلات وما كان يوجد لها من حسابات خاصة وما كان يوجد بينها من تنافس الأمر الذي كان يساعد في خلط الأوراق السياسية أحياناً خلال الظروف العادية.  لكن هذه المعادلة كانت مقبلة على تغيير مع تفاقم الأحداث وتصاعدها.

كان يوجد بين أقربائنا بعض غلاة المؤيدين للأمير مجيد ارسلان منهم المواطن الراحل أديب حيدر.  نشأ المواطن أديب حيدر في بيت ميسور في عائلتنا يدعى "جب سلّوم" حيث كان ذلك البيت يشكل عملياً في الخمسينات واجهة العائلة والمقرر لمواقفها السياسية فكان ركيزة من ركائز الإقطاعيين الأرسلانيين في الشويفات.  لقد كان هذا النوع من البيوت موجوداً في جميع العائلات على جميع الأراضي اللبنانية وربما على إمتداد وطننا كله، حيث تكون العائلة هي الأبرز في التركيبة الإجتماعية.  لقد كانت هذه البيوت تتبادل المصالح مع الإقطاعيين الذين تكون تابعة لهم.  لذلك كان "جب سلوم" يبادل المصالح مع الامير مجيد أرسلان.  فإذا قرر مجيد أرسلان سرقة رمال شاطيء خلده وكان لا يستطيع أن يسرقها بمفرده كان لا بد أن يلجأ إلى بعض من هذه البيوت في مختلف العائلات في الشويفات من أجل إتمام عملية السرقة وتقاسم المغانم والأرباح.  وما يقال عن رمول خلده يقال عن جميع المصالح العامة في البلدة حيث كان يتناهبها أولئك الناس بالتكافل والتضامن.  وكلما زاد المال في أيدي هاتيك البيوت كلما زاد نفوذهم السياسي وخاف منهم الناس. 

لم يكن الوضع كذلك في عائلتنا ثلاثين عاماً قبل الخمسينات.  لقد كانت عائلتنا في منتصف العشرينات وما قبلها تشهد تنافسا كبيراً بين "جب سلوم"  و"جب مشرف" الذي جئت شخصياً منه فكانا يتقاسمان النفوذ بالتساوي تقريباً.  حدث أن أحد الأشخاص من "جب مشرف" خطف صبية من "جب سلوم" مما سبب أصدامات بين الفريقين وقع فيها جرحى كان منهم أحد عمومت حيث كانت نتيجة الحادث المادية مدمرة بالنسبة لوالدي بصورة خاصة الذي كان عليه أن يتحمل النفقات المادية لذلك الحادث.  لقد أضطرت  والدتي أن تبيع كل مجوهراتها لتغطية تلك النفقات.  لقد كان والديَّ يخططان لبيع موجوهرات والدتي  قبل ذلك لبناء منزل لهما على قطعة أرض كان يملكها والدي على الطريق العام في الشويفات.  لكنه بسبب ذلك الحادث اضطر ان يبيع تلك القطعة من الأرض التي كان يملكها أيضاً، فذهب حلم بناء مزل خاص بهما مع الرياح.  بعد ذلك الحادث وبسبب الحرب العالمية الأولى أصبح الوضع المادي للبيوت من "جب مشرف" اقل من عادي بكل مقياس، بينما حافظت البيوت من "جب سلوم" على قوتهم المادية.  وبينما كان يوالي "جب سلوم" الأرسلانيين، كان "جب مشرف" يوالي الجنبلاطيين، مما رجح كفة المصالح باتجاه "جب سلوم".

لم يكن أديب حيدر نافعاً على صعيد التحصيل المدرسي، فهو لم يستطع أن ينهي أكثر من المرحلة التكميلية.  لكنه بدون شك كان يملك ذكاء الإقطاعيين المتسلطين فالتصق بولائه للأمير مجيد أرسلان إلتصاقاً كلياً حيث كان هذا الأخير يعتمد عليه كثيراً في بلدتنا وحيث اوجد له وظيفة عادية في وزارة الصحة العامة، ثم راح يساعده ويدعمه حتى تمكن من الوصول الى وظيفة من فئة ثانية.  لقد كان يعرف جيداً من أين تؤكل الكتف، وكان هذا الأمر سر ذكائه.   لقد كان أديب حيدر ذاك يحقد على الحزب بصورة كبيرة، لكنه كان يحقد عليّ وعلى أخوتي بصورة فائقة.  لقد كان كلما زاد نشاطي الحزبي واصبحت أكثر تأثيراً زاد حقده علي بسبب ما كان يعتبره تهديداً من قبلي لنفوذ "بيت سلوم".  وهو كان يمقت  بالتاكيد الجنبلاطيين ايضاً.  لو كنت أريد الحكم على ذلك الشخص من خلال علاقته بي وشعوره نحوي شخصياً، لكنت أقول إن نفسه لم تعرف سوى الكراهية والحقد، لكنني كنت أعرف أنه كان عنده كثيرون من المعارف والأصحاب الذين كان يحبهم او كان يبدو انه يحبهم، بدليل الحفلات التي كان يقيمها في بيته دورياً والتي كانت تضم كل منها  ما لا يقل عن مئة شخص من أصدقائه الموظفين من درجة أولى أو ثانية أو ثالثة.  الغريب غير المستغرب، هو أنه كان لذلك الشخص أصدقاء حميمين من القوميين بينهم حليم فياض.  كما كان يتعامل بمودة مع الرفيقة زهرة حمود التي كانت موطفة في  وزارة الصحة.

من أجل دعم نفوذه الشخصي أكثر فأكثر انتسب أديب حيدر الى الحركة الماسونية فتثقف في أمور تحقيق المصالح الشخصية على أفضل ما يكون. في المستوى نفسه من الأهمية كان أديب حيدر أحد عملاء المكتب الثاني في الشويفات كما أنه لحظت ما يكفي من الأدلة للإعتقاد  أنه كان عضواً سرياً في حزب الكتائب.

هناك شيء لا أستطيع مقاومة رغبتي في ذكره عن أديب حيدر بالرغم من أنني  أخرج به ربما عن غاية هذه المدونات، لكنه أمر يتعلق في أسلوب من أساليب بناء ذلك الشخص لنفوذه.  كان لنا رفيق قديم خلوق جداً يعمل في حقل الصيرفة يدعى ميشال كرم.  لقد كان ميشال كرم قريباً في سكنه من بيوت "جب سلوم".   في الستينات أحاطه أديب حيدر وعمه ب"صداقتهما" وأختاراه كمرشح للبلدية عام 1963 فأصبح عضواً في مجلس بلدية الشويفات منذ ذلك التاريخ.  بعد ذلك حرص أديب حيدر على تعميق صداقته مع ميشال كرم حيث دخل وإياه في بعض المشاريع المادية المادية الغامضة كانت من نتيجتها أن ظهرت بعدها البحبوحة عند أديب حيدر بينما لم نلحظ أي تغير في وضع ميشال.  لقد أصبح ميشال كرم يعيش تحت تهديد وتسلط أديب حيدر الذي سرق كثيراً من أموال ميشال ولم يكن ميشال يجرؤ على التكلم عن ذلك لأحد.

حدث يوما في عام 1965 ان ابن أخت له كان يحضر معنا حلقات إذاعية بصورة دائمة.  عندما علم أديب حيدر بذلك الأمر جن جنونه حتى إذا علم بموعد ومكان إحدى الحلقات، توجه مع والد ذلك الشاب الى مكان أجتماعنا، حيث أمسك الوالد بشعر ابنه وارفق ذلك بصفعة قوية على وجهه.  كانت تلك الصفعة مقدمة لحفلة من الضرب المبرح لذلك الشاب استعمل فيها الأب والخال السياط، فكانت حفلة تأديب له غيّرت اتجاه حياته بالكامل. 

كانت نتيجة تلك الحفلة التأديبية ان حفظ الشاب درسه جيداً ثم ساعده خاله للدخول إلى الجيش حيث بقي محافظاً على الخط الذي رسمه حتى النهاية.  يجدر الإشارة إلى أن ذلك الشاب كان هو نفسه الشخص الذي قدّم إحداثيات منزلنا الى قيادته في الجيش.

لم ينسَ أديب حيدر الإنتصار السياسي الذي حققه القوميون عام 1972 على صعيد الشويفات بصورة عامة وعلى صعيد حي القبة بصورة خاصة.  وهو لم ينس أنه عام 1973 كان القرار بالنسبة لمرشحي حي القبه في الإنتخابات البلدية هو قرار منير حيدر وليس قرار "بيت سلوم".  يجدر الإشارة إلى أن رئيس البلدية في ذلك الوقت كان عمه أخ أييه.  لقد اشرت الى موضوع الإنتخابات البلدية العتيدة عام 1973 في موضع سابق من هذه المدونات، فيمكن العودة إلى تلك التفاصيل.

في بداية الأحداث شعر أديب حيدر أن الارض السياسية أخذت تميد من تحت رجليه، فبعد أن كان يخاف من القوميين، راح يلحظ أن الجنبلاطيين بدأوا بجذبون عناصر كثيرة من الأحداث والشباب، حتى أولئك الذين كانوا أهاليهم يوالون مجيد أرسلان.  إذ أن التدريب والسلاح والمظاهر المسلحة والتذكير بالمشاعر الطائفية كلها عناصر جاذبة للأحداث والناشئين من الشباب.   لذلك خطر على بال أديب حيدر فكرة إنشاء تنظيم محلي مسلح له، حسب موضة تلك الأيام. 

لتحقيق ذلك الأمر قام بدعوة  الشباب والرجال المؤيدين للأمير مجيد إلى اجتماع بحث فيه معهم ضرورة حماية بلدة حي القبه من الإعتداءات التي كان يمكن أن يقوم بها  "غرباء" عن البلدة.  وقد أقنعهم بوجوب إنشاء تجمع مسلحٍ لهم والقيام بحراسة دائمة ودوريات في البلدة . أكثر من ذلك اقنع عمه بضرورة إيجاد حرس بلدي في الشويفات حيث وافق المجلس البلدي على ذلك فتم تعيين المحاسيب حراساً في البلدية.   لقد كان لأديب حيدر ما أراد، إذ جمع حوله حوالي الثلاثين شاباً معظمهم من أقربائنا، وأصبح قسم منهم حراساً في البلدية أيضاً

لقد تهيأ لذلك الشخص انه يمكن له بذلك التجمع العشوائي من المسلحين، أن يخوض بهم حرب إلغاء حقيقية حيث يكون له السيطرة الكاملة على البلدة دون أن يستوعب حقيقة الأحداث التي كانت قائمة ولا يفهم ما كان يحصل من تغيرات.  مع أخبار دخول الجيش الشامي إلى لبنان والظروف التي خلقها، حاول صاحبنا أن يرفع سقف أهدافه ومطامحه، فتهياً له انه يستطيع ان يقوم بعمل ما في البلدة تتكرس له فيه سلطة لا منازع لها.   

لم يكن يستطيع اديب حيدر حتى التفكير بالإعتداء المباشر على أي قوميٍ إجتماعي من أبناء البلدة الأصليين، وهو لم يكن يستطيع أن يفعل ذلك مع الجنبلاطيين ايضا.  لذلك طرأت عنده فكرة مهاجمة الرفيق مزيد الحلبي تحت شعار أن مزيد الحلبي شخص سوري، خاصة أن شعوراً معادياً للسوريين كان قد تكوّن عند الجنبلاطيين نتيجة لتوتر العلاقة بين كمال جنبلاط والرئيس حافظ الأسد.

لقد أختار الرفيق مزيد الحلبي منذ قدومه إلى الشويفات في بداية السبعبنات السكن في بيت يقع على زاوية طريقين في الوسط السفلي  من البلدة مقابل البيت العائلي للسيد أديب حيدر.  لذلك خطر على بال أديب حيدر ان مزيد الحلبي يمكن أن يكون هدفاً سهلاً له، يعمد إلى قتله بحجة أنه  كان يقوم بأعمال مشبوهة وكان يحاول الإعتداء عليه، حيث يثير مشاعر الناس ضده، فيكون قد حقق إنتصاراً من خلال ذلك ضد القوميين، فيخيف بواسطتة الجنبلاطيين أيضاً.

من أجل تنفيذ فكرته تلك، قام أديب حيدر مساء السبت بتاريخ 3 تموز 1976 بجلب الأطعمة الى مكان تجمع المسلحين التابعين له حيث دعاهم جميعاً للعشاء  وشرب العرق.   راح أديب يشجع المسلحين على  شرب الأنخاب بينما كان يقوم بالوقت نفسه بتحريضهم وإيغار صدورهم ضد مزيد الحلبي متحدثاً إليهم عن تحديات مزعومة كان يقوم بها الرفيق مزيد.  عندما فعل العرق فعله في رؤوس الشباب، كانوا جميعاً متفقين أنه قد آن موعد تأديب ذلك "الغريب المتطاول على أمن البلدة".   لذلك توجهوا جميعاً في عراضة مسلحة إلى بيت الرفيق مزيد حيث بدأوا بإطلاق النار عليه.   يبدو أن الرفيق مزيد خرج إليهم أعزلاً لأنه لم يكن يعلم سبب إطلاق النار ولم يعرف أنه كان المقصود بذلك،  فأصابته رصاصات عدة في معدته حيث أحدثت له جروحاً بالغة.

 لقد حدث أنه كان عند مزيد الحلبي في تلك الأثناء شقيق زوجته الذي كان عضواً في إحدى المنظمات الفلسطينية، فقام بإطلاق النار على المهاجمين حيث جرح أديب حيدر نفسه في ساقه وقتل شخصاً من أقربائنا يدعى أديب حيدر ايضاً.  لقد قتل في الحادث أيضا قريب آخر لنا هو عثمان حيدر، حيث  زعم أديب حيدر أن الذي قتله كان شقيق زوجة مزيد الحلبي أيضاً.  الحقيقة أن تحقيقاتي اللاحقة عن الحادث أثبتت لي أن عثمان حيدر لم يقتل برصاص شقيق زوجة مزيد الحلبي بل قتل برصاص شوقي حيدر ابن شقيقة أديب حيدر الذي كان يطلق النار من الدور الثاني في بيت جده.  عندما علم شوقي حيدر بما فعلت يداه، تظاهر أنه كان نائما في بيت جده طوال الليل وأنه لم يستيقظ على صوت إطلاق الرصاص أبداً.  أي كذبة غبية كانت تلك الكذبة؟ 

لقد كان الشابان اللذان قتلا أديب حيدر وعثمان حيدر بريئين ولم يكن القتل من طبيعتهما فهما كانا محبين لجميع الناس، وهما لم يكونا يدركان النهايات التي كان أديب حيدر ذاك ياخذهما إليها.  لقد كانا يعتقدان أن الأمر مجرد عراضة وعرض عضلات، وهما  قاما بما قاما به لأنهما  كانا في حالة السكر الشديد، لذلك لم يكونا يدريان ماذا كانا يفعلان.  عندما جرح أديب حيدر جرحاً بسيطاً في ساقه، قال لرفاقه: "يا شباب أنا أنجرحت، خلص، ما بقى فيي قاتل". 

لم أكن تلك الليلة في البلدة إذ كنت أبيت ليلتي في الشوف.  لقد عمد بعض المسلحين من اقربائنا التابعين لاديب حيدر  بإطلاق النار فوق منازل القوميين بعد مقتل الشابين، لكن  القوميين لم يقوموا بالرد تجنباً لسفك مزيد من الدماء.

خلال حرب الجبل بعد ذلك الحادث بسبعة أعوام تقريباً، عمد أحد أوغاد الجنبلاطيين إلى وضع زنار من المتفجرات في منزل أديب حيدر الذي كان يبعد مسافة  مئة متر في مواجهة الشقة التي كنت أسكن فيها، حيث قام بتفجير المنزل، مدعياً أن قذائف القصف الإنعزالي قد أصابته، فتحول المنزل الى ركام.

كان قريبنا  أديب حيدر يعيش مع عائلته في إحدى الشقق المفروشة في بيروت في ذلك الوقت، لذلك ونتيجة لتأثره الكبير على منزله، إلى جانب ما كان يعانيه من حقد وغضب وفقدان الإمتيازات التي كان يتمتع بها قبل الأحداث، أصابته ذبحة قلبية توفي على اثرها فوراً.

أما الرفيق مزيد الحلبي فقد شفي من جراحه وتوجه إلى مسقط رأسه في السويداء، مزودا ببعض المال الذي كان قد حصل عليه من إنعام رعد، حيث بنى له بيتاً هناك وعاش  حياة هادئة. 

غداء في دير صيدنايا

كان الرفيق الراحل أنطون خوري يدرّس في إحدى المدارس الرسمية في الشويفات وكان مديرها الصديق رامز ابو فرج.  بعد بدء الأحداث لم يعد الرفيق انطون قادراً أن يأتي من بيته في ديك المحدي إلى الشويفات لإستلام مرتبه الشهري.  لذلك كلفني بأن أستلم معاشاته الشهرية وأرسلها إليه مع من تيسر من الرفقاء.  لقد استمرينا على هذا المنوال حتى مهاجمة الإنعزليين لبلدة ديك المحدي وتهجير الرفقاء الذين كانوا فيها.

لم أعد أعلم عن الرفيق أنطون أي شيء بعد ذلك.  بعد البحث والسؤال سمعت أنه كان موجوداً في دير صيدنايا.  لقد تزامن ذلك مع دخول الجيش الشامي إلى لبنان واصداماته مع المنظمات الفلسطينية والحركة الوطنية.

بعد توقف المعارك بين الجيش الشامي وخصومه، جاءني الرفيق غسان صعب الذي كان يعمل مع إنعام رعد ليسألني إذا كان ممكنا أن أرافقه الى دمشق لأن رفيقتنا إسعاف صعب وإبنتيها يردن السفر الى اسبانيا من مطار دمشق.  لقد كان يريدني أن أذهب معه، خوفا من أن يحصل له مشاكل على حواجز الجيش الشامي حيث كان الأمر مختلفاً بالنسبة إلي لأني كنت أحمل البطاقة الحزبية المقبولة من الجنود الشاميين.  بالإضافة إلى عدم ممانعتي من تقديم خدمة للرفيق إسعاف، رأيت في ذلك فرصة لي لمحاولة الإتصال بالرفيق أنطون خوري وتسليمه المبلغ المالي المتراكم معي.

عندما وصلنا إلى دمشق ومكثنا هناك يومين أو ثلاثة أمنّا سفر الرفيقه أسعاف وأبنتيها، صار من الممكن أن أقوم بزيارة دير صيدنايا.

بينما كان الرفيق غسان يقود سيارته في أحد شوارع دمشق المزدحمة، إستعمل زمور سيارته، فما كان من أحد السائقين الشاميين سوى أن إلتفت إليه قال له: "ناعم كثير... بس بدك تطول بالك!"

عندما وصلنا إلى دير صيدنايا وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي أزور فيها ذلك الدير الرائع، إلتقيت براهبة صبية في بداية العشرينات من العمر.  سألت تلك الصبية إذا كانت تعرف انطون خوري او تكون قد سمعت به، فاجابت بالنفي.  لقد قرأت في عينها أنها لم تكن تخبرني الحقيقة، لذلك توجهت إليها ثانية وقلت لها أنني أريد أن اعرف عن مكان وجود السيد انطون خوري  لأمر يهمه جداً، لذلك سألتها أن لا تتحمل هي مسؤولية الإيجابة عن ذلك السؤال بل أن تذهب عوض ذلك لتسأل من يستطيع أن يعطي إجابة مسؤولة.  عندها قالت لي: "لحظة، سأذهب وأسأل الريسة". 

غابت الراهبة الصبية عدة دقائق ثم عادت لتقول لنا: "تفضلوا، الريسه ناطرتكم".

عندما ذكرت رئيسة الدير اسمها من أنها الام ابو حيدر فهمت العلاقة بين الرفيق انطون وديرصيدنايا إذ ان زوجته هي الرفيقة امال ابو حيدر فتبين لي أن الام ابو حيدر هي بالحقيقة عمتها.

عندما عرفت الأم أبو حيدر على نفسي قالت لي: "أنطون دايما كان يذكر اسمك، خاصة كل ما كان محتاج لمصاري."

راحت الام ابو حيدر تسألني أسئلة مختلفة عن الأحداث وكنت أجيب على أسئلتها بشكل وافٍ، حتى أنتهت لأن تقول: "إنك غيرت وجهت نظري بالنسبة لهذه الأحداث، كنت أظن أنها طائفية محض، فها أنا أراك أمامي، وأنت الدرزي، قد تحملت مشقة كبيرة لإيصال مبلغ من المال الى رفيق لك مسيحي."  أجبتها: "أنه فعل النهضة، كم اتمنى لو كان كل شعبنا مثلي ومثل انطون."

عندما ناولتها مبلغ المال الذي كان بحوزتي والذي كان يفوق الاربعة آلاف ليرة طلبت منها أن تعده، فقالت: "لقد حملت هذا المبلغ من لبنان وتحملت كل المشقات لإيصاله وتريدني أن أعدّه؟ لن أفعل ذلك."

عندما حاولنا النهوض إعلانا برغبتنا في إنهاء زيارتنا وتوديع الأم أبي حيدر إعترضت على ذلك  وأصرت أن تبقينا لتناول الغداء على مائدة الدير.

لقد كان النهار تموزياً حاراً وكانت غرفة الطعام في الدير باردة مريحة، فكان الغداء ممتعاً جداً حيث كانت جميع مكونات الطعام الموجود على المائدة من إنتاج الدير.  لا أعلم لماذا أعتبر أن أفضل ثمرة بندوره تذوقتها في حياتي كانت تلك التي تناولتها مع الجبنة والزيتون على الغداء في ديرصيدنايا.

لقد أخبرتني الأم ابو حيدر أن الرفيقه أمال ابو حيدر ذهبت صباح ذلك اليوم الى دمشق لتلتقي زوجها الذي عاد في أمس ذلك اليوم من اليمن حيث كان يعمل هناك.

عندما عدت الى دمشق توجهت مباشرة الى الفندق الذي ينزل فيه الرفيق انطون حيث التقيته والرفيقه أمال وابنتهما، وكانت تلك المرة الاخيرة التي ألتقيه فيها.    

المال السايب يعلم الناس الحرام

ربما كانت الاموال التي حصلت عليها أحزاب الحركة الوطنية من ليبيا مفاجأة لأشخاص تلك الأحزاب جميعها.  أن تسقط عليهم مرة واحدة مبالغ طائلة من السماء الليبية، فكان أمراً قد حلم به أولئك الأشخاص كثيراً  لكنهم لم يكونوا يتوقعوه عملياً. لقد أصبح الجميع في بحبوحة ظاهرة.  إنعام رعد لم يكن إستثناء، لقد كانت له حصته ايضاً.

قبل الأموال الليبية كانت أحزاب "الحركة الوطنية" تعيش على الأموال الفلسطينية التي تغطي نفقاتها من تعويضات تغرغ الأشخاص والمقاتلين إلى التكاليف المختلفة التي يتطلبها عمل تلك الأحزاب.  لكن الأموال الفلسطينية لم تكن شيئاً يذكر أما الأموال الليبية.

عندما إلتقيت بالرفيق داود باز بعد إنقطاع طويل، وكنا نقوم بواجب التعزية بوالدة الرفيق عصام المحايري في قاعة لم أكن أعرف أن الحزب يملكها،  سألت داود عمن كان مالك تلك القاعة، فأجابني بمرارة أن تلك القاعة هي كل ما تبقي للحزب من الأموال التي سقطت عليه.

لقد عكس الشعور بالمرار عند الرفيق داود معرفته بقيمة الأموال الفعلية التي حصل عليها إنعام رعد.  فبدل أن يفكر إنعام رعد بمستقبل الحزب ويستعمل تلك الأموال بصورة جيدة ويوظفها كما يجب، تعامل معها على أنها "موسم هارب"!

كيف صرفت تلك المجموعة الرعدية تلك المبالغ الطائلة؟  لقد كانوا جميعهم شرهين  الى المال. لقد كانت عيونهم جميعاً على ذلك المال وكانوا يراقبون بعضهم مراقبة جيدة، لذلك كان لا بد أن يعتمدوا نظاماً لصرف تلك الأموال لتبرير ما كانوا يقومون به أمام بعضهم بعضاً.  لقد كان واحدهم ينال بدلات شهرية عالية، وكان واحدهم يريد شقة محترمة وفرشاً فاخراً، بضرورة أنه مسؤول وعليه أستقبال شخصيات من أحزاب أخرى، لذلك يجب أن يكون منزله على قدر المقام! 

حتى زوجاتهم غيرن من الطرق التي كن يلبسن أنفسهن بها.  لم يعد يرضينهن سوى أن يخطن ثيابهن عند خياطات مكلفات، حيث كانت كلفة الفستان الواحد عند إحدى هذه الخياطات 1000 ليرة لبنانية من عملة تلك الأيام (كان معاشي الشهري 450 ليرة).

 بعض المال صرف على رشوة بعض الرفقاء من أجل الإلتحاق بمجموعة إنعام رعد. بعضه صرف على تجنيد المرتزقة سواء منهم الذين يصلحون للقتال أو أولئك الذين كانوا يستعملونهم للمظاهر والعرض فقط.  

بعض المسؤولين في جماعة إنعام رعد لم يكتفوا بالتعويضات العالية التي كانوا يحصلون عليها، لذلك كان يحاولون السرقة أو الحصول على المزيد من الاموال بطرق غير شرعية.  لقد ذكرت سابقاً أن حافظ صايغ كان يقتطع ثلاثمئة ليرة من معاشات المتفرغين في منطقة المتن.  بعضهم لجأ الى بيع ما تقع عليه يداه من قطع سلاح إلى ما شابه من الأساليب التي يمكن أن تستعمل للحصول على مزيد من المال.

عندما دخل الجيش الشامي إلى لبنان راح  إنعام رعد يلعب دور البوق للحركة الوطنية والمنظمات الفلسطينية في تحدياته للنظام الشامي كي لا يفقد امتيازاته، وأخذ يقرر ويرفض على هواه، حتى بدا لالذين لم يكونوا يعرفونه على حقيقته من أنه كان يملك مفاتيح الحل والربط أو التعقيد في المسائل.  هو كان يفعل ذلك لأن وظيفته كانت أن يكون بوقاً قادراً على الضجيج فكان يقوم بوظيفته خير قيام.

لكن بعض الأشخاص في مجموعته كانوا يعرفون أنه يدجّل، فالدجالون يعرفون بعضهم بعضاً، وهم كانوا يعرفون أنه لم يكن هناك من شيء يمكن أن يمنع الجيش الشامي من الدخول الى كل المناطق اللبنانية بعد أن دخل الى معظمها! لذلك عرف أن مسألة دخول الجيش الشامي الى بيروت كانت مسألة وقت فحسب.   لذلك فكروا فيما سيكون من أمرهم وما إذا سيكون بإمكانهم الإستمرار في حصولهم على البدلات الشهرية.  لم يكن عندهم ثقة كافية بذلك الأمر لذلك قرروا أن يتصرفوا بسرعة.

لقد كان فؤاد كبول سباقاً ورائداً في ذلك الأمر، إذ هرع إلى سرقة مبلغ كبيرٍ من المال وهرب به.  حتى إنعام رعد لم يستطع التغاضي عن تلك السرقة، إذ كانت فوق مستوى النوع المقبول به من السرقات، لذلك أتخذ قراراً بطرد فؤاد كبول من تنظيمه.

أما بشير عبيد فقد كان عنده مخطط مختلف.  فجأة غاب بشير عبيد عن النشاطات التي كانت تقوم بها مجموعة إنعام رعد وذلك بعيد وقف المعارك بين الجيش الشامي والمنظمات الفلسطينية مباشرة.  لقد أختفى بشير عبيد، تبخر في الهواء.  لقد تبين أنه أخذ خمسمئة ألف ليرة وسافر الى أوروبا.  عندما خطفت بعد ذلك من قبل الشيوعيين كان واحداً من الأسئلة التي طرحت علي هو موضوع بشير عبيد وما يشاع عن سرقته لذلك المبلغ.

بعض القوميين ومنهم أخي فرحان كان لهم تفسير أخر لذلك الموضوع.  جاءني أخي فرحان يوماً ليسألني: "بتعرف مين هوي كارلوس؟  أجبته: "ما أعرفه أن كارلوس هو كارلوس ولا أعرف شيئاً غير ذلك."  قال لي: "أنه بشير عبيد."  لقد تحول بشير عبيد في ذهن أخي وتفكيره من شخص إرتكب خطأً بحق مجموعته، إلى شخص يقوم بمهمات أسطورية غامضة.

لم أستطع مناقضة أخي في ذلك الامر إذ لم أكن أملك فعلياً أي معلومات أستطيع أن أستعملها لقبول تلك الفكرة أو إنكارها.  لكنه تبين لي لاحقاً عن أمر بشع جداً أعتمده بعض الأشخاص للتدليل الكاذب على بطولة لم تكن موجودة عندهم.  يبقى السؤال: هل كان بشير عبيد يقوم بمهمة معينة في أوروبا؟  أنا مقتنع جداً انه لم يكن يقوم بأي شيء من ذلك القبيل. لقد كان صديقاً لكمال خير بك، فلا بد أن بشير عبيد وكمال خير بك كانا يقضيان وقتاً ممتعاً في أوروبا. لي هناك شيء من العمل النضال في الجلوس في مقاهي باريس وغيرها من العواصم الأوروبية والإستمتاع بما تقدمه تلك الأمكنة من طبيعة مختلفة. لا أقول هنا إنه لم يكن من حق بشير عبيد أن يرتاح ويرفه عن نفسه، بل ما اعترض عليه هو أن يختلط في ذهن أخي وغيره من الأشخاص بأن الترفيه عن النفس في أوروبا هو نوع من المهمات السرية التي يتحول معها بشير عبيد الى بطل اسطوري غامض!

بعد شيوع خبر الرفيقين فؤاد الشمالي وكمال خير بك من أنهما كانا عضوين في حركة فتح، وأن عملهما في تلك المنظمة كان في أوروبا، أصبح كل شخص يريد أن يعطي عن نفسه أنطباع المقاوم الثوري الكبير، كان يذهب الى باريس او لندن أو اليونان أو أية عاصمة أخرى من العواصم الأروبية ثم يعود بعد فترة ليوشوش في آذان معارفه أنه كان يقوم بمهام سرية جدً لا يستطيع أن يتحدث عنها.  إن الذي يعتقد أن هذا النوع من السلوك كان محصوراً بشخص أو شخصين أو بضعة أشخاص فإنه يرتكب خطأً كبيراً.  وإن الذي يعتقد أن ذلك السلوك قد أقتصر على مجموعة أو جماعة من القوميين دون الأخرى  فهو يرتكب خطاً كبيراً أيضاً. 

أذكر رفيقاً كان مع أخي عبدالله في الجامعة وكان صديقاً له وكان من غلاة المؤيدين لأبي واجب.  لقد كان ذلك الرفيق شديد الحماس للقتال وكان يبعط مثل ديك الحبش ويدور مثل البلبل، لكنه سرعان ما سافر ألى لندن قبل استفحال الأحداث تحت ستار أن عمله المقاوم يستوجب عليه الذهاب الى هناك.  وبينما بقي أخي يقوم بما كان يعد أنه سيقومب به، كان صديقه ذاك يتمتع براحة مغتربه اللندني.

الغريب غير المستغرب، أن القوميين اعتادوا على تصديق الهمسات والإشاعات والحديث عن البطولات الوهمية، هذا بالرغم من ان في تاريخ الحزب بطولات حقيقية لا تحصى يمكن الكلام عنها ولكنها منسية.  إنها مأساة من مآسي القوميين المتعددة.

لقد كان توفر المال ووجوده سببا في إلتقاء وجمع مجموعة إنعام رعد، ولقد كان نضوب المال أو شحه بعد ذلك سبباً في تفرقهم.  لقد جمعهم المال وفرّقهم المال.  لم يبق من تلك المجموعة قبل توحدها مع المجموعة الأخرى التي كانت قد غرقت بالمفاسد أيضاً، سوى محمود عبد الخالق، لأن محمود عبد الخالق كان يملك بقايا المال من زمن البحبوحة.  إن شعارات الثورة وحق الكفاح المسلح بالعمل والتحرير ومنع التقسيم ومحاربة الإنعزالية وغيرها من الشعارات التي كان يطرحها إنعام رعد سوى شعارات فارغة من أي مضمون لتغطية شراهته الى السلطة والمال.

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
حلقات 1-40
حلقة واحدة وأربعون
حلقة إثنان واربعون
حلقة ثالثة وأربعون
حلقة رابعة واربعون
حلقة خامسة واربعون
حلقة سادسة وأربعون
حلقة سابعة واربعون
حلقة ثمانية وأربعون
حلقة تاسعة وأربعون
حلقة خمسون
حلقة واحدة وخمسون
حلقة إثنان وخمسون
حلقة ثلاث وخمسون
حلقة أربع واربعون
حلقة خامسة وخمسون
حلقة سادسة وخمسون
حلقة سابعة وخمسون
حلقة ثمانية وخمسون
حلقة تاسعة وخمسون
حلقة ستون
حلقة واحدة وستون
حلقة إثنان وستون
حلقة ثلاثة وستون
حلقة أربعة وستون
حلقة خامسة وستون
حلقة سادسة وستون
حلقة سابعة وستون

 

Text Box: حركة البناء القومي