|
متى يستطيع أن
يكون المسؤول مسؤولاً
بعد المداهمات التي قامت بها مجموعات
الرعاع في الحركة الوطنية ضد القوميين الإجتماعيين، إنسحب
معظم أولئك الى منطقة شتوره بشكل خاص. لم يبقِ في مناطق
سيطرت أحزاب الحركة الوطنية من القوميين غير رفقاء
الشويفات إذ رفضنا أن نذهب إلى أي مكان متحديين أياً كان
على مهاجمتنا. لم تكن مهاجمتنا سهلة على أحد ابداً، إذ
كنا محصنون في مناطقنا جيداُ خلافاً للقوميين الذين لم
ينطلقوا بعملهم الحزبي من متحداتهم الأصلية. ففي الوقت
الذي كان فيه الشيوعيون يجرؤن في بيروت وبعض المناطق
الأخرى على دخول بيوت رفقائنا وتوقيفهم وتجريدهم من
بطاقاتهم الحزبية أو الإعتداء عليهم، كان عليهم وعلى غيرهم
أن يفكر كثيراً قبل أن يقوم بمثل ذلك العمل ضدنا في
الشويفات.
إني لا أؤمن شخصياً بفاعلية العمل القومي
للأشخاص إذا لم يكن منطلقاً من المتحدات التي ولدوا
وترعرعوا فيها. كيف يمكن للشخص أن يثبت مواهبه في التعاطي
الحقيقي مع الناس إذا لم يفعل ذلك إنطلاقاً من متحده
الأصلي؟ إن الشخص الذي يحاول أن يبني صورة له في محيط غير
متحده الأصلي فإن تلك الصورة هي صورة مزيفة لا تعكس شخصيته
ومواهبه على حقيقتها. إذ غالباً ما نميل إلى إظهار جانب
واحد من جوانب شخصياتنا عندما نكون في محيط غير محيطنا
الأصلي ، أما الجوانب الاخرى فنحاول أن نخفيها عن الآخرين.
في محيطنا او متحدنا الأصلي نكون عراة
مكشوفين أمام جميع أبناء ذلك المتحد. فيه نستطيع أن نظهر
عما نملكه من مواهب، وما نملكه من أخلاق، وما نملكه من
علم، وما نملكه من عمل، وما نملكه من إبداع وما نملكه من
عناصر شخصيتنا المختلفة، حيث يكون ما نظهره من كل ذلك هو
الأساس لإنتزاع احترام الناس لنا كأصحاب عمل قومي وكأصحاب
عقيدة وقضية بغض النظر إذا كان ذلك الإحترام نابعاً من
تأييد الناس لعملنا أو من خصومتهم أو عدائهم له.
إن واحداً من الأخطاء التي جرى إعتمادها
على صعيد القيادات الحزبية هو الإغترار بالأشخاص الذين
يظهرون جانباً واحداُ من شخصيتهم بما يحمل ذلك من خداع
وزيف والإسراع في إسناد مسؤوليات مركزية إليهم.
في إعتقادي أن هذا السلوك مضرّ جداً حتى
ولو كان الشخص الذي تسند إليه المسؤولية بعض الأحيان يملك
مؤهلات ومواهب وقدرات حقيقية. إني على قناعة تامة من أن
الشخص الذي لا يكون قد إنتزع لنفسه إحتراما وثقة من قبل
الناس في محيطه الأصلي على أساس إنتمائه للحزب وبسبب ذلك
الإنتماء، لا يصلح أن يتحمل أي نوعٍ من المسؤوليات، خاصة
منها المسؤوليات المركزية. إذ كيف يمكن لي أن أنجح في
مسؤولية مدير مديرية في ناحية من نواحي دمشق إذا لم أبرهن
عن نجاحي في مسؤولية مشابهة في الشويفات؟ كيف يستطيع شخص
ما أن يواجه الإقطاعيات السياسية على مدى وطننا السوري،
إذا لم يجرؤ ذلك الشخص على مواجهة الإقطاع السياسي في
قريته أو بلدته؟
بعض القوميين قد يرون في هذا الكلام
تجديفاً وثرثرة، لكننا سنضع أمامه مثلاً يمنعهم من مثل هذه
الرؤية.
لقد تهيأ لجبران عريجي أنه إذا جلس في
كراكس- فنزويللا متحدثاً بشطارة عن الامور الحزبية
والسياسية بين رفقاء لم يتمكنوا من بناء ثقافة فكرية واسعة
نظراً لاضطرارهم للإغتراب باكرً من أجل التفتيش عن أسباب
العيش، تهيأ له أن شطارته تلك تخوّله أن يكون رئيساً
للحزب. لذلك صمم على مغادرة فنزويللا الى الوطن لا ليذهب
إلى قريته ويساعد على تخليصها من تحكّم الإقطاع السياسي
قسها، بل وضع نصب عينيه أن يصبح رئيساً للحزب. لأن الزمن
أصبح رديئاً جداً، ولأن رداءة الزمن قد رمت بثقلها على
الحزب، استطاع جبران عريجي من تحقيق حلمه الطويل فتسلل
الى رئاسة الحزب.
إذا كان صحيحاً أن الرحمات تأتي من الله،
يتوجب عليّ أستلهم الله من أجل انزال رحماته بغزارة
على الرفيق الراحل سعيد تقي الدين. ليرحمك الله يا رفيق
سعيد! إنني أترك الى فطنة القاريء القاريء ومعرفته كي
يستنتج بنفسه عن الأسباب الموجبة لهذه الجملة الإعتراضية.
أن يصبح واحدهم رئيساً للحزب شيء وأن
يستطيع أن يحافظ على هيبة رئاسة الحزب وقيمتها شيء آخر.
لقد حصل أن كان جبران عريجي بصفته رئيساً للحزب في أجتماع
ضمه وسليمان فرنجية مع سياسيين آخرين. عندما كان عريجي
يتكلم بشيء لم يعجب سليمان فرنجية، فما كان من هذا الأخير
سوى أن نهره وأخرسه! لم يكن سكوت عريجي في ذلك الموقف
مستغرباً، ذلك أنه لم يفعل شيئاً عملياً قبل ذلك لمقاومة
الإقطاع السياسي في متحده الأصلي، فبقي معتاداً على الخضوع
لسلطته، أو بقي الإقطاع السياسي معتاداً أن يتسلط على
الناس وهو يعرف أنه لن يكون هناك من يتجرأ على مواجهته.
لا نقصد إهانة احد هنا بعكس ما يعتقده
الكثيرون، إن جل ما يهمنا هو كرامة قضيتنا وكرامة الحزب
لأن هذا هو موضوع قلقنا واهتمامنا . أما الحقائق فهي
حقائق كما ذكر لي أحد الرفقاء.
إن سعاده لم يكن زعيماً لأنه كان مفكراً
أو فيلسوفاً أو عالم إجتماعٍ أو صاحب عقيدة أو خطيباً؛ لقد
كان زعيماً لأنه كان يقف الموقف الذي يعبر عن قضيته بدون
خوف أو تردد ولأنه كان يعتبر نفسه "متكبراً على كل متكبرٍ
على الأمة السورية."
لقد بقينا في الشويفات بالرغم من ذهاب
جميع رفقائنا الآخرين. أكثر من ذلك بقيت أتجول بين الناس
وأعلن عن ضرورة وقف الأحداث العبثية، إذ كنت أرى عبثيتها
منذ ذلك الوقت، قبل ابراهيم محسن بخمسة عشر عاماً، وكنت
أعلن أن تلك الأحداث لا يمكن أن توقف بدون دخول الجيش
القومي الشامي. وذلك بعكس ما كان يتخرص به حافظ الصايغ في
بياناته وإطلالته الخطابية.
في أوائل أيلول عام 1976 كنت ازور الرفيق
الطبيب ابراهيم السوقي في أحد مسابح خلدة التي تحولت الى
ملاجيء لأبناء الشويفات بسبب القصف العشوائي على
الشويفات، وكان عنده أشخاص كثيرون، حيث رحت أتحدث إليهم
عن طبيعة الاحداث وعن ضرورة دخول الجيش الشامي وعن قرب
دخول ذلك الجيش الى بيروت.
بينما كنت أنهي زيارتي للدكتور ابراهيم
أقترب مني ليهمس بإذني: "أنتبه لحالك يا رفيق منير، بكرا
بيقتلوك."
"أمن حركة
وطنية"
لقد إنتهيت من تصليح سيارة المواطن نبيل
غنوم في اواسط شهر ايلول 1976 فبقي علي أرسالها إلى أهله
في بيت شباب. من أجل ذلك الغرض سالت المواطن الصديق رفيق
نصر إن كان يستطيع القيام بتلك المهمة، فقبلها بدون تردد.
كان المواطن رفيق نصر على علاقة طيبة مع جميع الناس، لذلك
كان يكلفه الناس بمهمات بين "الشرقية" و"الغربية". كان
الشرط الوحيد الذي وضعه علي المواطن رفيق نصر هو تأمين
مروره على حاجز المرابطون في منطقة البربير-المتحف.
لقد كان إنعام رعد يتشدق ويفاخر بالحركة
الوطنية ووطنيتها ومصداقيتها وإنجازاتها بينما هو لم يكن
قادراً أن يمنع خطف أي مواطن مسيحي على حواجز "المرابطون"
أو غيرهم من الحواجز الطائفية، لذلك كان المواطنون
المسيحيون يخافون كلما كان عليهم أن يمروا على حاجز
البربير.
لم يكن لي أية علاقة ب"المرابطون"، فأنا
لا أستسيغ الجماعات الطائفية من أي نوع كانت لذلك لا أسعى
لبناء علاقات معهم، ولا يشرفني كثيراً أن تكون لي علاقة مع
أفراد من هذه الجماعات. لذلك كان علي أن أتدبر الأمر،
لذلك تبادرت إلى ذهني فكرة وهي أن أسأل مساعدة المواطنة
الصديقة فاطمة سعيدون بذلك الشأن.
لقد تعرفت إلى المواطنة فاطمة سعيدون قبل
سنة او سنتين من ذلك التاريخ بواسطة صديقة مشتركة لنا.
كنت حريصا على اطلاعها على فكرة العقيدة والحزب فكان بيننا
لقاءات متفرقة عديدة. أكثر من ذلك دعتني المواطنة سعيدون
الى بيتها فتعرفت إلى أهلها، خاصة على شقيقتها منى. لقد
دعوت منى نفسها بعد ذلك أكثر من مرة إلى الغداء حيث كنت
حريصاً على أن أشرح لها أهداف الحزب ومبادئه. كنت أعرف أن
منى سعيدون تقوم بتمثيل بعض الأدوار في مسرحيات زياد
الرحباني، لكنني لم أكن أعرف انه كان لها ميول شيوعية، فهي
لم تظهر ذلك خلال أحاديثنا.
عندما كانت بيروت محاصرة من قبل جيش
التحرير الفلسطيني وكانت القذائف تتساقط على منطقة
الكولا-الجامعة العربية-المدينة الرياضية- منطقة السفارة
الكويتية، كنت قلقاً على معارفي في تلك المناطق ومنها
عائلة سعيدون التي كانت تسكن مقابل الجامعة العربية. لذلك
ما أن علمت أنني أستطيع الوصول إلى بيت سعيدون حتى قمت
بشراء كميات من الحاجيات خاصة السكر والرز وطلبت من قريبي
ماهر حيدر أن يوصلني بسيارته الى منطقة الجامعة العربية.
فكان أن تعرّف قريبي ماهر إلى عنوان بيت سعيدون هناك.
عندما اتصلت بالمواطنة فاطمة في 17 أيلول
1976 من هاتف قرب مستديرة الكولا وسألتها إن كانت تعرف
أحداً من "المرابطون" على حاجز البربير أعطتني اسم "ضابط"
هناك وطلبت مني أن أتصل بها بعد انتهاء المهمة لتطمئن علي.
عندما أطمأنيت إلى مرور المواطن رفيق نصر
على حاجز البربير، قفلت راجعاً سيراً على الأقدام حتى وصلت
إلى مستديرة الكولا حيث حاولت الإتصال ثانية بالمواطنة
فاطمة سعيدون. كان خط الهاتف في بيت فاطمة سعيدون مشغولاً
لأكثر من ربع ساعة. لذلك قررت أن أذهب إلى بيتها شخصياً،
حيث كان بيتها لا يبعد أكثر من مئة مترعن المكان
الذي كنت فيه.
عندما دخلت صالون البيت كان يوجد فيه
أكثر من عشرة أشخاص معظمهم من الصبايا بينهم منى سعيدون.
بعد مصافحة الجميع جلست لألحظ الخروج السريع لمنى سعيدون
من الغرفة. بعد خمسة أو عشرة دقائق على ذلك، دخل شابان
الى الغرفة وكانا يحملان مسدسات على وسطيهما. سلّما عليّ
وجلسا. ما أن فعلا ذلك حتى توجه إلي احدهم بالسؤال: "ممكن
بطاقتك لو سمحت؟" نظرت إلى فاطمة فرأيت الأحمرار يعلو
وجهها، ثم نظرت إلى الشاب وسألته: "فيي أعرف مين بتكون
حضرتك؟" أجاب: "أمن حركة وطنيه" عندها أدركت الفخ الذي
وقعت فيه، فأعطيته بطاقتي حيث نظر إليها قائلاً: "فيك
تتفضل معنا؟"
لقد أخذني الشابان إلى مبنى يقع غربي
شارع بشاره الخوري في رأس النبع حيث صعدنا الى الطابق
الثاني أو الثالث من ذلك المبنى. لم يكن هناك على الحيطان
شيء يدل على هوية تلك الجماعة الخاطفة.
أدخلوني الى غرفة يوجد فيها مكتب جلس
عليه حارس واحد، وكان يوجد مقابل المكتب مقعد طويل جلست
عليه شخصياً. حاولت أن أوجه بعض الأسئلة للحارس لكنه كان
واضحاً أنه لم يكن يرغب بالكلام، ذلك أنه كان مطلوباً منه
أن لا يتكلم معي لأن الحراس الذين توالوا على حراستي بعد
ذلك سلكوا السلوك نفسه. لقد سالت الحارس إذ كان بإمكانه
ان يأمر بشراء علبة دخان وعلبة كبريت لي، فاستجاب لطلبي
(لا أقصد ان أشجع احداً على التدخين هنا، فأنا اقف الآن
موقفاً قوياً ضد التدخين).
كان الوقت ظهراً عندما خطفت، ولما لم يكن
هناك ما أفعله سوى التدخين، تمددت على المقعد وحاولت أن
أخذ قسطاً من الراحة. عندما جاؤوا بطعام بسيط إلي لم
أتناول منه شيئاً. عند الحادية عشرة ليلاً، وبينما كانت
القذائف تتساقط في المحيط، دخل الغرقة شاب مسلح وطلب مني
مرافقته، ففعلت.
أخذني ذلك الشاب الى الشارع حيث كانت
تنتظره سيارة "فان" فاصعدني بينه وبين السائق الذي راح
"يشفّط" في سيارته فقال له الشاب المسلح: "عامهلك شو معنا
كتائبي؟" أجبته: "عجبك!"
قطعت السيارة شارع الشيخ بشاره الى جهة
راس النبع المقابلة حيث أنعطف الى اليمين في شارع محمد
الحوت حتى وصلنا ألى مبنى كن أعرف من قبل أنه كان المركز
الرئيسي للحزب الشيوعي. لقد علمت عندها أن الخاطفين كانوا
من الشيوعيين.
عندما دخلنا باحة المبنى الخارجية، كان
الحراس يقفون في صفين متقابلين. عندما مررت بينهما ووصلت
إلى نهاية الصفين حيث كان يقف رئيس الحرس، نظر الى علبة
الدخان في يدي، فسألني: "شو معك؟" بينما كان يقوم بالوقت
نفسه بإنتزاع علبة الدخان من يدي. عند ذلك لم يكن من الشاب
المسلح الذي كان يشرف على نقلي الى ذلك المكان سوى أن نهر
بغضب رئيس الحرس طالباً منه إرجاع علبة الدخان إلي، غير
انه لم ينتظر ذلك فقام بأنتزعها منه بدوره ورماها على أرض
غرفة صغيرة تحت "مطلع درج" حولوها الى سجن صغير. لقد
بقيت علبة الدخان في مكانها دون أن اسطعها أبداً بعد ذلك.
لقد شعر رئيس الحرس بالحرج الجديد فحاول
إنقاذ ماء الوجه بقوله: "أنا إذا طلع على بالي كسرو الليلة
بدي كسّرو، أنا بعرف عنو أخبار كثير." أجابه الشاب
المسلح: "أنت ما بتقدر تعمل معو شي، مسؤوليتو مش عليك،
مسؤوليتو علينا!"
مرّ نهار اليوم الثاني دون أن يأتي إلي
احد، سوى المسلحين الذين كانو يجلبون إلي الطعام مرتين في
اليوم، لكني لم أكن أتناول منه شيئاً. عند الحادية عشرة
من الليلة الثانية، جاء إلي الشابان اللذان كانا قد خطفاني
قبلاً، حيث راحا يطرحان علي الأسئلة حول زياراتي الى
الشام، عدده، الأشخاص الذين ألتقيهم خلالها، أهدافها، الى
أخر المعزوفة، فلم يعرفوا سوى أنني أذهب الى الشام لأنه لي
عنوان بريدي هناك وأني كنت أسعى لإنهاء معاملاتي للسفر إلى
الخليج كما أخبرتهم. ثم كان هناك أسئلة كما ذكرت سابقا
حول بشير عبيد وسبب إختفائه وما يقال عن سرقته لخمسمئة ألف
ليرة، فأخبرتهم أن ما كانوا يذكرونه أمامي كنت قد سمعت
مثله أيضاً من قبل. فأعرب أحدهم عن قلقه لمصير أموال
الحركة الوطنية! بعد ذلك راحوا يوجهون إليّ الأسئلة عن
أقاربي الذين كانوا يقطنون في الأشرفية، فكان ذلك مناسبة
لي لأخذ "التحقيق" بالإتجاه الذي أرغبه شخصياً، حيث عمدت
إلى إعطائهم تفاصيل طويلة شملت على مدى ليليتين جميع أسماء
أقاربنا وأعمالهم وميولهم السياسة الى ما هنالك. لقد كان
الشابان بعتقدان أنهما كانا يحصلان على معلومات قيمة، حيث
أدركت أنهما كانا يتشاطران وكان ينطبق عليهما إنطباقاً
دقيقاً الوصف الذي صغته وصكبته لاحقاً كي أصف هذا النوع من
البشر ألا وهو "الثقوب الذكية". إذ لم يكونا سوى ثقبين
ذكيين..
لم يأتِ إلي احد للتحقيق معي في الليلة
الثالثة، ربما كان ذلك بسبب إنقطاع الكهرباء او لأنهم
اعتقدوا أنهم حصلوا على كل ما يريدون من معلومات. لكنه في
صبيحة يوم الواحد والعشرين من شهر أيلول، دخل علي شخص قصير
القامة، كان يتساوى طوله مع عرضه، وعرّف عن نفسه مصافحاً
باليد بأنه "أبو علي سلام". دعاني ذلك الشخص إلى مرافقته
سائلا: "شو القصه يا أخ منير؟" أجبته: "أستغرب سؤالك، أنا
بدي خبرك شو القصة، أم أنت يجب أن تخبرني ما القصة؟ أنتو
خاطفيني مش أنا خاطفكم!"
أخذي إلى صالون في ذلك المبنى حيث تكون
عندي إستنتاجان متناقضان. لقد كان الإستنتاج الاول انه لا
بد أن يكون هناك من يسأل عني في الخارج وكانت تلك الزيارة
من قبل ذلك الشخص مقدمه للإفراج عني. أما الإستنتاج
التاني فقد تكوّن عندي بعد أن نظرت إلى الطاولة القريبة
مني فشاهدت منظر دماء عليها مما يعني أن عمليات تحقيق قد
جرت هناك كان يتخللها عنف كبير.
بدأ ابو علي سلام كلامه بانتقاد موقف
الحزب والإشادة بموقف جماعة إنعام رعد، أصغيت إليه حتى
أنتهى من حديثه، حيث أجبته ما معناه انه حر أن يعتقد ما
شاء وحر أن يرى المسائل والأحداث من وجهة النظر التي يريد
لكن رأيي كان مخالفاُ لرأيه حيث عبّرت له عن رأيي بعبثية
الأحداث وعن ضرورة وقفها، حيث إنتهيت الى سؤاله عن سبب
معارضة الشيوعيين لدخول الجيش الشامي فأجابني: "نحن منرضى
أن يحتل الإنعزاليون الفاشيست لبنان بأكمله، أما أن يدخل
حافظ الأسد الى لبنان فأمر لا نرضاه أبداً وسنحاربه حتى
آخر نقطة من دمائنا!" أستغربت تلك الحدة التي كان يتكلم
بها فأدركت أنه كان وراء الأكمة ما وراءها.
بعد الإنتهاء من ذلك الحديث طلب مني أن
نترافق سوياً الى الخارج حيث أدركت أن ذلك كان مقدمةً
للإفراج عني.
ترافقت وإياه مشياً عبر شارع محمد الحوت
ثم عطفنا بإتجاه شارع بشاره الخوري حيث قطعناه ومشينا الى
المبنى الذي كنت قد احتجزت فيه في اليوم الاول من
اختطافي.
في احد أيام عام 1963 بقيت غائباً عن
البيت طوال النهار. عندما كنت أسير صعوداً في الطريق
المؤدي الى بيتنا في وسط البلدة، كنت كلما ألتقيت شخصاً
عمد الى سؤالي: "وين كنت، أهلك عم يسألوا عنك!". لقد
إنزعجت من ذلك الأمر وأعتبرته طعنة في كبريائي وشعوري
بالإستقلالية والمسؤولية. .
عندما وصلت إلى البيت توجهت إلى جميع
أفراد عائلتي بالقول مهدداً: "ليكو، من اليوم وطالع ما
برضى حدا يسأل عني قبل ما يكون مضى 24 ساعة على غيابي عن
البيت، وإلا ما بتعرفوا شو بيصير!"
منذ ذلك الوقت لم يعد أهلي يسألوا عني
لأنهم كانوا يدركون شعوري بالمسؤولية ولانني كنت دائما
أعود الى البيت ضمن الأربع والعشرين ساعة التي حددتها،
وإذا كنت أريد أن أغيب عن البيت أكثر من تلك المدة كنت
أخبرهم بذلك.
عندما مضى يومان ولم أعد الى البيت بعد
قيامي بإرسال سيارة المواطن نبيل غنوم الى بيت شباب، إعترى
شقيقتي فدوى قلق كبير علي، حيث عبّرت عن ذلك القلق لصهري
الراحل أنيس عمار الذي كان قد وصل للتو للإطمئنان عليها.
مدفوعا بقلق مشابه، راح صهري أنيس يسأل عني في جميع
الأماكن التي كان يعتقد أنه يمكن أن أكون موجوداً فيها.
عندما توسعت عملية السؤال والبحث أدرك جميع أهلي بأنه لا
بد أن أكون قد تعرضت لحادث إختطاف. عندها توزع الباحثون
عني المهمات للإتصال بالجهات المختلفة.
عندما ذهب كمال القزاز شقيق خطيبتي إلى
اصحابه في جبهة التحرير العربية التي كانت تابعة للنظام
العراقي ليسألهم عني، أجابوه بأنني كنت مطلوبا من قبلهم
لكنهم أكدوا له بأنني لم أكن موجوداً لديهم.
عندما علم قريبي ماهر حيدر بقصة إرسالي
سيارة نبيل غنوم إلى بيت شباب قبل يومين من إختفائي تذكّر
فجأة بيت سعيدون وأدرك أنه لا بد أن أكون قد زرتهم في
اليوم الذي عمدت فيه إلى إرسال تلك السيارة.
لم يترك قريبي ماهر فرصة لبيت سعيدون
ليقولوا عما إذا كنت قد زرتهم في ذلك اليوم أم لا. عوضاً
عن ذلك، وبمجرد أن فتحت له فاطمة سعيدون الباب، توجه إليها
على الفور بالسؤال التالي: "أي متى غادر منير منزلكم أول
من أمس؟" فكان جوابها: "حوالي الثانية عشر ظهراً"، فكان
ذلك تأكيد منهم أنني كنت فعلاً عندهم.
عندما نقل اخي فرحان وقريبنا ماهر تلك
المعلومات لنبيل العلم أجابهم نبيل: "هذه العائلة مسؤولة
عن اختفاء الرفيق منير، سأجرهم الى التحقيق واحداً وراء
الآخر."
لم يحتج نبيل العلم للقيام بأي عمل في
ذلك الإتجاه. لقد كان قريبي الراحل أديب شكيب حيدر يملك
محطة للوقود في شارع المزرعة وكان وجهاً من الوجوه
المعروفة في المزرعة-وطى المصيطبه. لقد حدث ان قريبي
أديب كان قد سمح للشيوعيين بتخزين كمياتهم من المحروقات
عنده مجاناً، لذلك كانوا يحترمونه. في صباح ذلك اليوم وجه
قريبي اديب حيدر الى المسؤول الشيوعي الذي كان عنده في
المحطة السؤال التالي: " يا فلان في إلي قريبي منير حيدر
مخطوف منذ ثلاثة أيام، فيك تشفلي إذا كان موجود عندكم؟"
أجابه الشاب الشيوعي: "تكرم الشيخ، أمهلني نصف ساعة."
عندما عاد الشاب الى قريبنا أديب حيدر،
أخبره من أنني كنت موجوداً عندهم ومن أنني سأكون في بيته
حوالي الحادية من ذلك الصباح. لقد كان واضحاً أن
الشيوعيين لم يعد باستطاعتهم إنكار وجودي عندهم بعد أن
علموا بأمر الزيارة التي قام بها قريبي ماهر حيدر الى بيت
سعيدون. لقد أرتعب بيت سعيدون من تلك النتيجة، لذلك لم
يكن هناك من طلب ل"ابو علي سلام" مني سوى ان لا اقترب من
ذلك البيت!
عندما وصلنا الى بيت قريبنا أديب، كان
يوجد هناك، الى جانب اخوتي وصهراي سميح حيدر وأنيس عمار،
الشابان اللذان قاما بعملية خطفي. عندما دار الحديث حول
الوضع السياسي وكررت آرائي المعروفة، نظر أحد الشابين
الشيوعيين الى قريبي اديب قائلا: "شفت بعدو عم يحكي الشي
نفسو!"
في تلك الجلسة علمت أيضاً أن الجيش
الشامي كان في طريقه الى بيروت، فادركت سر حماسة ابو علي
سلام وكلامه عن محاربة حافظ الأسد. فلقد كان الجيش الشامي
يدخل في تلك الساعات من الواحد والعشرين من ايلول مناطق
بولونيا المتين وبدأ تقدمه بأتجاه بحمدون دون أن تهرق أية
نقطة دمٍ شيوعية بعكس ما تخرص أبو علي سلام. لا أعرق
شخصياً أناساً يزايدون بشكل فارغٍ أكثر من الشيوعيين!
عندما كنت في طريقي الى دمشق بعد ذلك
باسبوعين وكان علي ان ابيت ليلتي في شتوره، إستدعاني ميشال
نبعة الذي كان يقوم على ما يبدو برئاسة الحزب، ليسألني عن
عملية الخطف فأخبرته بتفاصيل ما حدث معي، دون أن أرى أية
لإمتلاكه مثل تلك المعلومات. هناك كثير من الناس يعمدون
إلى تجميع المعلومات دون أن يعرفوا كيف يمكن الإستفادة
منها او دون أن يكونوا قادرين على الإستفادة منها. لقد
كان الرفيق الراحل ميشال نبعه من ذلك النوع، فهو ربما كان
ممثلاً ناجحاً، لكنه في موقعه كرئيس مؤقت للحزب لم يكن في
نظري سوى "أبي قاسم" آخر!
عندما سألني الرفيق أسعد حردان إذا كنت
أرغب في القيام بعملية خطف مضادة للشيوعيين رفضت ذلك
كلياً. لقد كنت قد توصلت إلى قناعة كلية ان إحد الدلائل
على عبثية الأحداث هي ما كان يحدث من رداث فعل مشابهة
للفعل نفسه حيث أنجر الناس وراء عواطفهم وغرائزهم دون أي
تحكيم للمنطق والعقل.
إن موقفي من الشيوعيين معروف، لكن موقفي
من بيت سعيدون هو أنهم كانوا نموذجاً عن الجماعات التي
تشكّل بعض الإهتراء والتخلف الموجود في شعبنا والتي تتميز
بعدم الوفاء والغدر ونكران الجميل.
لأن غاية هذه المدونات هي التمييز بين
نوعين أساسين من السلوك على الصعيد الفردي والحزبي
والحياتي بصورة عامة فلا بد أن أسجل هنا المرارة التي عبر
عنها المواطن رفيق نصر عند شكري له على إيصال السيارة
وسؤاله عن المصاعب التي يمكن أن يكون قد تعرض لها.
لقد توجه الموطن رفيق نصر إلي بالقول: "ليش عملت فيي هيك
يا خيي منير، إنت عرضت حالك للخطر من أجل جماعة ما
بيستاهلوا هالمعامله، وصلت لعندهم مشوّب ما سألوني إذا كنت
بحب إشرب كباية ليموناضه!" لم يكن بمقدوري سوى أن أشارك
المواطن رفيق نصر استغرابه لكنني لم أكن أستطيع أن أتصرف
إلا كما تصرفت، أما الناس فليتصرفوا كما يحلو لهم التصرف! |