إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال .

 

العرزال

 

   

 

 

الأمل والحلم

 

الزعيم أنطون سعادة يسمعنا الآن يا دكتور سامي !

ما الفرق بين الأمل والحلم؟

الأوّل يخطو إيجاباً في اليقظة بحثاً عن الرجاء ، والثاني يخطو إيجاباً، أيضاً، في الضوء وفي العتمة متّشحاً بالرغبات والخيال. لكن أي حلم وأي أمل يختزنه واحدنا عندما يكون في غيبوبة كاملة طويلة؟

الأفضل ألاّ نجتهد بحثاً عن مصطلح جديد، لأننا نصبح فوق الحافّة الخيالية التي تفصل الحياة عن الموت، وهما أصلاً لا ينفصلان أبداً. فنحن الآن، نجتمع حول سامي الخوري، ونحيا معاً هذه الفترة الرائعة، لكننا نموت معاً في الوقت نفسه. وتهرّ فترتنا في حفرة الزمن تحت سنديانة لا ندركها، تماماً مثل حبّات البلّوط تسقط في "جورة السنديان"، أعني قرية الكفير في نائي الجنوب اللبناني كما سمّتها الأديبة والقريبة اميلي نصرالله. الحق معك أيتها "الإميلي"، الماثلة أمامنا بألقك، كما في حبر الدكتور سامي زهرة من سنديان لوى حبرها بعض الشوك النافر في العروق. لم تحلقّي يا سيّدتي فوق أجنحة " طيور أيلول"، لأنّ رسائل خطيبك غالب الخوري، الذي مات جبلاً قومياً، شكّلت جذور أدبك الواسع كما جاء في الكتاب، لكن أباك داود أبو راشد كان ماهراً في زراعة الأجنحة للطيور المهيضة كما للعبقريات التي تنبت الأدباء مثلك. وعندما خطف الموت ابن عمنا خطفتك طيور أيلول نحو المجد، وتبعثرنا كعائلة نضالاً في الأرض وتحتها. تلك هي معضلة الزمان. والكتابة لا تفصح في خاتمة المطاف ولا تزهو إلاّ إذا غُطّت الريشة بجروح لا تيبس دماؤها تحفظ الحلم نسغ المرّ في طعم البلّوط اليابس.

الأمل والحلم، إذاً، خيط رفيع مستل من غيمة، أي من ماءٍ تبخّر ينجدل في الخيال عالياً فوق الحقائق والممكنات. ويثخن مثل حبال المشانق الجاهزة في العالم للطغاة والمجرمين، كما للمفكرين والكتّاب الكبار والمناضلين الأحرار، أمثال الزعيم أنطون سعادة ورفيقه الدكتور سامي المحكوم بالإعدام منذ نصف قرن الى جانب الأمينة العامة جولييت المير سعادة زوجة الزعيم، وعصام المحايري وجورج عبد المسيح وإنعام رعد واسكندر الشاوي وغسان جديد.

لقد عقد المؤلف أو العم سامي سبحته بصدى الرصاص وترنيمة الحبال في كتابه"أمل لا يغيب". استيقظ مجدداً من العدم ناموساً للعمد عبر الحبر عندما خرج بكتابه من الموت الى الحياة.

قفز الطبيب سامي الخوري من غيبوبته الطويلة. تثاقلت شفتاه نحو كلمة واحدة قال: أعطني قلمي! قالها لدلال خليف زوجته ورفيقته في الحزب السوري القومي الإجتماعي، أو منتظرته دهوراً على أبواب الكوارث والأعاصير والسجون والمنافي والتشريد والغربة والمستشفيات والإغتيالات والإنشقاقات والإنقسامات. واملأوا الفراغ هنا بالكلمات المقهورة التي تعجز عنها القواميس، والتي لم ولن تؤثّر جميعها في دستور الحزب وقوانينه التي وضعها وأصدرها الزعيم.

أعطني قلمي قال وراح يكتب سعادة والحزب في أحداث وتفاصيل وأسماء وتواريخ، تعجز عنها ذاكرات الشاشات الحالية. ولولا أننا في حضرة روّاد العلمانية لكنا استنجدنا بالقديسين الكثر وعجائبهم في جبل لبنان!

لست هنا لأخبركم عن كتاب الدكتور سامي. لا أرجو سوى قراءته حرفاً حرفاً وجرحاً جرحاً حيث أنصف الكاتب نفسه وأنصف الآخرين. فيه تتلمسون النضال المصفّى والمنخول في دنيا من السطحيّات والفكر الأفقي المحبوس بين قوسين. قرأتك حتّى الثمالة بالقرب من بحر صاف قرب بحنس. أتذكرها؟ كنت أتلمّس طفولتي مع كلّ جملة، بعدما كانت القصص في النضال همساً أسترقّه طفلاً ويافعاً في الكفير مروراً ببيروت وباريس وكندا وبيروت. الهامسون كلهم صاروا ضمةً من عظام تتقايل تحت السنديانة في الكفير. وأظن بأنّ أطيافهم تسمعك وترقص لعودتك الى بيروت، وليس بعيداً بالطبع عن مقرّ الحزب في رأس بيروت حيث اصطحبك ابن عمنا سمير الخوري وأنت خارج من الموت بصندوق سيارة عادل العجلاني.

وهنا قبل قراءة خمائر الحزب في الكتاب ملاحظات ثلاث:

الأولى في العلمنة المستحيلة. وترجعني الى العام 1990، في محاضرة لي، حول" العرب قراءة جديدة"، في "دار الفن والأدب" لجانين ربيز، بعنوان"عروبة الممكن وعروبة الإستحالة"، وفيها تساءلت: من نحن؟ أي السؤال إيّاه الذي كان طرحه سعادة مباشراً عمارته الفكرية، ونطرحه مع كلّ حدث ويوم. هل هناك عرب واحد أم عرب متعدد ينطقون العربية؟ نتخاطب فلا نتفاهم لأن الفصحى ليست لغة الأم /الجسد، مع أنّ سعادة طوّعها في محيطه العائلي الضيق؟ وهل يمكن اعتبار الوحدة والقومية العربية أكثر من مصطلحات وأحلام أرادوا منحها مرتبة الأفكار؟ النصوص هي هي ثابتة عند جفاف الحبر بين أصابع أصحابها. لم ترشدني الى قارئ جديد أو انسان جديد أو واقع جديد. لماذا يبقى الجديد عابساً فينا لا يتجدد إلا بنسبه الى قديم طودي يراوح في الزمان والمكان؟ القراءة عبء في الأساس، ودحض للنبؤة التي تطمح الى الدنيا بدءاً من أميّتها حيث لا قراءة ولا كتابة. أسئلة كثيرة، وجدت بعض أجوبتها في ما سمّيته عروبة الإستحالة. ففي العالم مشكلات يقوم حلّها في أن تبقى خارج دائرة الحلول النهائية. والواقع أن وقف هذا الجدل حول العروبة والإسلام وبين المسيحية والعروبة حق أخلاقي بعدما شغل التاريخ العربي أكثر من ألف سنة. حتّى العروبة العلمانية أراها تغرق في الإستحالة كلّما استغرقنا في الزمان، وفي صحوة الإسلام أمام الجندي الرقمي الأميركي يقرع بحذائه أسوار مدننا المستوردة التي لم تلامس الشمس الفكرية النقدية بعد.

وإذا كان سعادة قد غالى، مثلاً، في البحث عن تأثير الجغرافيا على حياة الأمم ونهضتها وتوجيه حركتها، يجدر بنا كشحاً لعناصر الإستحالة من بعض النصوص القومية والعلمانية أن نطرح أسئلةٍ كان هو طرحها وأجاب عنها ولربّما كان عدّلها لو كان هو بيننا اليوم. وأذكر أن بعض القوميين قطّبوا وجوههم بعد المحاضرة، لرهبة النصوص في الشرق، ومنبعها سموي لا يطاول ولا يمس!

الملاحظة الثانية هو فقدان السيادة بمعناها القومي أو السبب الأول في كلّ ما حلّ بالأمة، وتكرار المقولة بأنه من غير المعقول أن يخشى الطائر اللبناني الجميل القمحة الدمشقية. فإذا ما تساندا ازدهرا وإن تنافرا تكسّرا مثل قصب البصرة، لكن ما العمل إن كان الكثر من سياسيينا لا ينامون إلاّ وأمير مكيافيللي تحت وسائدهم. ما زلنا بعد غيابك الطويل في دائرة "من نحن؟" يا دكتور سامي.

أمّا الملاحظة الثالثة ففي حلم انتظار قرن ونصف هو الفاصل الزمني بين زمني الميلادية والهجرية، لربّما يتمكن المسلمون من إطلاق ثورتهم الفكرية الخاصة بهم لا نحو الأصول بل نحو الأفول في مستلزمات الماضي الذي يفيض بالمعنى الفكري فوق كل حاضر أو مستقبل. تلك ليست من مهمات المسيحيين ولا اليهود ولا الغرب الذين يخرجون دوماً من الصليب الى صلب الدول والشعوب المسحوقة بدلاً من تنميتها. ومشكلتنا هي في الغرب بقدر ما هي في شرقيي الغرب وأربابه في الداخل والخارج.

وهنا يحق لنا السؤال، عن مدى الزلازل التي نسمع وقعها في العالم، مع بدايات هذه الألفية الثالثة، وهي تطمح، لربما، الى خرط اتحاد الروسيا في الكثلكة لتبشير آسيا، وأخذ الإسلام في غفلة وفي غزوات، ليهاجر البابا الى القدس متصالحاً مع الشرق، ويصالح المسلمون نصوص ابرهيم. ها نحن في دوائر الإستحالة أيضاً. والإستحالات من ضروب الخيال والحلم.

ولذا أخرج من الملاحظات لأسأل:

سامي الخوري من أنت؟

لست وحدك في غيبوبة. أنا مثلك في غيبوبة ما أو في حلم أو خيال مذ كان عمري تسعاً. أكاد أذكرك زرت الكفير خلسةً ليل السادس من آب 1959 برفقة بشير عبيد لتلقي نظرة وداع على مسقط رأسنا هناك، وتودّع أباك وأمك التي أقعدها موت غالب حتّى الموت. أكاد أتذكرك ابن عم لوالدي وأبوك أبو عارف ابن عم والدي. كنّا نضيع في شجرة العائلة وتشعباتها، وكان والدي أبو راجح يلحّ علينا بأن نخاطبهم جميعاً بعمي عارف وعمي غالب وعادل والعمة أسماء وعبلة سلالة من القوميين السعاديين الأصليين. كانوا يفاخرون بوزنك وأوزانهم في الحزب الى جانب الزعيم، كلّهم انخرطوا في فكر سعادة وتزوّجوا الحزب فكراً وممارسةً حتّى الذوبان والتشتت في أصقاع الأرض والمجد والشهرة وهم من ثمار السنديان.

من أنت يا موشّح عائلتي ووادي التيم ومطرّز شراييننا بالفكر القومي حتى أقاصي الذرية التي لم تصل بعد؟ كيفما اتجهت الى إضبارات الأمن تجدني مثلاً قومياً سورياً مع أنني لم أنتسب يوماً الى الحزب. فقد لفّنا أبي بجدار سميك من الوصايا لم ينفع وعلى الرغم من التنكيل بعائلتك /عائلتي. يومها حفّظتنا عبلة وأسماء أدبيات الحزب أكثر من الأناجيل، وعشنا حياتنا مفكرين متميزين وفي عزلة عن كثر من الناس، يتجنبوننا أو يخافون منا ولا يحبوننا لكنهم يحترموننا، لا سيّما وأننا خلقنا جميعاً في أرحام من الحديد المحمى. بقيت العلمنة ديننا، وبقينا نشيح ببصرنا عن رجال الدين، ونستهلم أعمارنا لإزالة الحواجز بين الطوائف والمذاهب المتكاثرة المستوردة الى ديارنا. لا يهمنا سوى مصلحة الأمة وكرامتها وكيانها، وصلاتنا محاربة الإقطاع. ونتوق الى جيوش قوية تصون بلادنا وتحميها. ليست مهمة القرابة الدموية ، فكلّنا نعود في أنفاسنا تلك الى جدّنا جبّور الخوري، رائد التمرّد على الأديان، وأول بروتستانتي في هذا الشرق شارك في حملات ابرهيم باشا المصري.

أنت هو أنت. سامٍ، كبير، مناضل شريف، وأشدّ ما يوجسني هو أن أكتبك بلاوعيي وغيبوبتي بعدما قرأتك أو أعدت قراءتك حبةً حبةً حتّى تجمعت الصورة أمامي الآن ألتقيك للمرّة الأولى في حياتي كأي كائن لا أعرفه في هذه القاعة.

أنت هو أنت الدكتور سامي الذي قضينا عمرنا نملّح نصوصنا به. ومنذ مقتل عدنان المالكي في 22 نيسان 1955 زميلك في "مدرسة اللاييك" في دمشق، غيّرت تلك الحادثة مجرى حياتك وحياة العائلة وحياة الحزب القومي السوري الإجتماعي، وكانت نقطة تحول كبير في الوضع السياسي في سوريا والمنطقة بشكلٍ عام. نعم!

منذ 53 عاماً كان نهار جمعة مثلما اليوم نهار جمعة. كنت تحضّر جدول أعمال الجلسة الأسبوعية في مكتب الزعيم بدمشق مع جورج عبد المسيح وعصام المحايري، عندما أطلق يونس عبد الرحيم رصاصة اخترقت عدنان المالكي، ثم انتحر في الملعب البلدي، في أثناء مباراة كرة القدم بين فريق الشرطة العسكرية السوري وفريق خفر السواحل المصري. تلك الرصاصة قائمة في رؤوسنا ولم تصدأ حتى اليوم!

أمّا الأمل فالحق معك بأنّ الإنسان أمل لا يغيب. لكن أي إنسان يا عم سامي وقد تضافرت صوره في أحلام الفلاسفة منذ سقراط حتّى اليوم تناقضاً فاضحاً. أهو إنسان يسوع يبسط وجهه أمام راحات الكفوف المتأهبة دوماً للإنفعالية والتهشيم، أم إنسان نيتشه الذي حوّله أجداد بوش الى سوبرمان، ويبدو لاعباً مثل صغاره خلف شاشة يمحق ينابيع الحضارة في بلاد ما بين النهرين وفلسطين ولبنان. أهو الإنسان العربي؟ الحزبي؟ المؤمن؟ المقاوم؟ المتمغرب؟ المسلم؟ المسيحي؟ العلماني؟ الكافر؟ لنقل بأنه الإنسان الرقمي في المجتمع الرقمي الواحد الأميركي الذي يحمل تشظياته في خلده، وعلينا مقاومته حتّى آخر الأجيال.

لا أعرف أين هو إنساننا اليوم؟ علّمتني الجروح بأن الحزب لا يتقدّم على الوطن، لكننا ما زلنا في ساحات بلا أوطان، كما لا يتقدّم الإنسان على الجغرافيا التي طرّزها سعادة في حبره. أنا أميل، اليوم، الى الفكرة الزوتشية التي ابتكرتها كوريا المرتجفة مجدداً بعدما خرجت من الحريق الأميركي الهائل لجسدها، فخرجت من الرماد لترميم القدرة المطلقة للإنسان، لكن سوبرمان نيتشه المعاصر هو على الأبواب ملوّحاً مجدداً بالنار ، والموضوع دهري في توريث المقاومة والنضال.

ختاماً، أعقد اليوم بوجداني سبحة العمر أمامكم وأمام العم سامي بلحمه ودمه وهيبته وذكائه وحبره، وأقوم لأتعرّف عليك، فأقبلك للمرّة الأولى. تلك لحظة رائعة من العمر نتشارك فيها الشيخوخة وبيروت والحزب ومجرى الدم، ولربّما كان كتابك "تفاحة نيوتن تقرع رأسي" ملحمة نضالنا الكبير قبل أن نلوذ نهائياً بجورة السنديان، وكلانا علاقته بأرضنا علاقة صوفية لا تنتهي حتّى تحت التراب! هل توافق معي؟

روح الزعيم سعادة كانت تسمعنا اليوم أيضاً.

سلام عليه وعلى سوريا