إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   

 

 

كلام في الوحدة الحزبية

يمكن وصف الحزب السوري القومي الإجتماعي بأنه حزب "الوحدة".  فالحزب يعمل للوحدة السورية القومية، ووحدة الوطن السوري،  ووحدة المجتمع، ووحدة الشعب، ووحدة الأمة، إلى كل ما يستلزم ذلك من وحدة روحية- نفسية، ووحدة فكرية، ووحدة أخلاقية، ووحدة نظامية، ووحدة في العدالة الإجتماعية وفي القوانين التي تتناول مختلف نواحي الحياة في المجتمع.  يمكن القول نظرياً إن هذه "الوحدات" يجب أن تكون الشغل الشاغل للقوميين الإجتماعيين والتفكير القومي الإجتماعي العام، فتأخذ الحيّز الأهم من تفكيرهم وخططهم وإبداعهم وجهودهم ونشاطهم وإستهدافاتهم.  لكن الواقع العملي كان يختلف بصورة كبيرة عن الوجوب النظري.  ذلك أن الشعار الذي شغل القوميين الإجتماعيين وكان الأكثر تداولاً بينهم خلال نيّف وخمسين عاماً هو شعار "الوحدة الحزبية".  الحقيقة أن لهذا الشعار مدلولات خطيرة تتناول جوهر وجود هذا الحزب وملاءمة هذا الوجود وأهليته مع مستوى القضية التي يدعي العمل لها.  هذا يعني أن الحزب الذي وجد من أجل العمل لوحدة الشعب ووحدة الوطن السوريين، هو نفسه يعاني من الإنقسام الذي يتناقض مع طبيعة غايته وطبيعة وجوده وعمله.

لكن طرح القوميين الإجتماعيين لشعار وحدة الحزب، اقتصر على الدوران حول الصورة الخارجية الشكلية لها، ألا وهي وحدة المؤسسات الحزبية.   لقد بقي التفكير القومي الإجتماعي العام عاجزاً عن الغوص في أعماق الظاهرة الإنقسامية في الحزب كي يمكن معالجتها معالجة جذرية، نهائية، قاطعة.

يعود هذا العجز في التفكير القومي الإجتماعي الى سببين رئيسيين إثنين: السبب الأول، هو ضحالة ثقافة الغالبية العظمى من القوميين الإجتماعيين وبساطتها وعاديتها، وبالتالي عجز هذا التفكير عن تناول المسائل في الأساس والجوهر.  أما السبب الثاني، فهو ملاءمة الأوضاع الإنقسامية في الحزب مع المطامح والمصالح الذاتية لأفراد القيادات في جميع مراحل العمل الحزبي.   ذلك أن الإنقسامات الحزبية لم تكن لتحصل أساساً لولا وجود مثل هذه المطامح والمصالح الذاتية عند أشخاص تلك القيادات، الى جانب تمّلك مجموعة متنوعة من العِقَد النفسية نفوس كثيرين منهم فتحكّمت بسلوكهم وعملهم.  هذا لا يعني أنه لم يكن هناك بين تلك القيادات من كان يعمل بصدق للوحدة الحزبية، لكن تفكير هؤلاء لم يتعد أساساً حدود البساطة التي يشملها السبب الأول.

إن القول بالإنقسام الحزبي في الجوهر والأساس هو قول خاطيء أو فكرة خاطئة في حزب مثل الحزب السوري القومي الإجتماعي.  ذلك أن الإنقسام هو فكرة مناقضة لجوهر هذا الحزب، وعندما يكون الحزب هو الحزب، يكون الكلام عن الإنقسام فيه هو نوع من الهراء والسخافة والتجديف والهذيان.  ذلك أن حزب الوحدة الحقيقي لا يمكنه الإنقسام وليس هناك من شيء يمكن أن يقوده الى الإنقسام.  فإذا لعبت المفاسد بالأفراد، فإنه يمكن معالجة تلك المسائل بصورة فردية.

الإنقسام في الحزب السوري القومي الإجتماعي هو حالة لا حزبية، وهو حالة لا قومية إجتماعية، نشأت وتنشأ لأسباب بعيدة عن الفكر والسلوك والأخلاق والمناقب القومية الإجتماعية.  لم يكن الإنقسام الحزبي الذي كان موجوداً عام 1977 إستثناءً.  لقد نشأ ذلك الإنقسام لأسباب غير قومية إجتماعية، وتغذى من سلوك غير قومي إجتماعي وأخلاق غير قومية إجتماعية، وترعرع في أحضان مناخ غير قومي إجتماعي وممارسات ليس لها من الصفة القومية الإجتماعية سوى الأسم.

إن الخطأ الأكبر الذي حصل من قبل القيادة الحزبية عام 1971 هو عدم حسمها في مسألة الحالات الإنحرافية في الحزب، التي ظهرت بوادرها عملياً عام 1968، حيث أفسحت في المجال لتلك الحالات للتحول من حالة طفيلية، هامشية، محدودة، لا تأثير لها، إلى حالة إنقسامية لها ضجيج صاخب. 

لقد تمكنت تلك الطفيليات والطحالب الإنحرافية من التحول الى حالة إنقسامية بمجرد أن توفرت لها البيئة المستنقعية الملائمة لتكاثرها ونموها مع بداية الأحداث العبثية في لبنان عام 1975.

قد يكون من غير الجائز تحميل قيادي واحد أو مجموعة أشخاص في القيادة الحزبية مسؤولية التقصير والعجز في هذه المسألة أو تلك، لكن ما معنى أن يقبل شخص ما تحمّلَ مسؤوليات قيادية إن لم يكن أهلاً لها أو لم يكن على استعداد لإتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب؟ 

نحن ندرك جيداً أن عجز القيادات الحزبية في مرحلة من المراحل هو نتيجة لما يكون هناك من العجز الحزبي العام، فهي من طينته ومعدنه وإقرازاته.  لكنه يبقى من حقنا أيضاً، أن نشير إلى أي زعم إدعاء باطل يزعم المعرفة مكان الجهل والقوة مكان الضعف والإبداع مكان العقم والحسم مكان التردد والإقدام مكان التقهقر والتراجع.

لقد أخفقت قيادات الحزب المتتالية  منذ عام 1971 حتى عام 1977 في إظهار أية مؤهلات قيادية أصلية عندها،  لذلك يم يكن غريباً أن يصل الحزب  في عام 1977، وبمجرد تعرضه للأحداث العبثية، إلى حالة إنقسامية لا حزبية.  من هنا لم يجِد الرفيق عصام المحايري عند تسلمه رئاسة الحزب في اواخر عام 1976 سوى التفكير في توحيد الحالتين الإنقساميتين.

الحقيقة أنه كان لموضوع توحيد الحالتين الإنقساميتين عام 1978 خلفية غير معلنة، على درجة عالية من الخطورة،  تبينت وتوضحت فصولها لاحقاً.  لقد كانت الفكرة الأساسية الدافعة الى تلك الوحدة هي تقاعد الإرادة الحزبية وتخليها عملياً عن مسؤولية التعبير عن الإرادة القومية الإجتماعية، تاركة تلك المسؤولية على عاتق غيرها من قوى الأمر الواقع، تحت ستار وحدة الإتجاه  ووحدة القوى القومية.

من هنا أصبح دور قيادات "الإنقسامات المتوحدة" في الشكل، متوحدة أيضاً في جوهر مقاصدها الذاتية وما تعنيه من تبخير وارتهان لقوى الأمر الواقع، بدل أن تجتهد في تصويب وتصحيح ما قد يكون من سلوك خاطيء عند تلك القوى وإرشادها الى مكوّنات العمل القومي الصحيح.

لأن دور تلك القيادات الحزبية بطل أن يكون الدور المعبر عن الإرادة القومية الإجتماعية العامة، اصبحت الإشادة بدور الجيش الشامي في لبنان هو الشغل الشاغل لتلك القيادات، بدل أن ترى أن من واجبها أن تقدم النصح والإرشاد والرأي في كيفية قيام الجيش الشامي بدوره في لبنان بصورة يمكنها أن تقدم خدمة أفضل للمصلحة القومية العليا.   لقد كان هذا الأمر هو عامل التوحّد عند فريقي الحالتين الإنقساميتين، إذ لم يكن عصام المحايري، على سبيل المثال لا حصر، مختلفاً في هذا الشأن عن إنعام رعد.  أما الغريب غير المستغرب في إنعام رعد أنه تحول من الكلام عن "مثلث المؤامرة في الجنوب، الشاميين والإنعزاليين والإسرائليين"، وعن تحوّل دمشق من "قلب العروبة النابض، الى قلب المؤامرة المتحركة"، الى الكلام عن أن "القوات الشامية في لبنا تؤدي دوراً قومياً في إحياط مشروع التقسيم".   الغريب غير المستغرب أن الفترة الزمنية التي كانت تفصل هذين النوعين من الكلام لم تتعدَ بضعة أشهر. 

الوحدة الحزبية

مع بداية مشاورات الوحدة  بين الحالتين الإنقساميتين عمد كلاهما الى العودة لإعتماد رتبة الأمانة في إنبثاق السلطات الحزبية، لذلك كان كلاهما  يتسابق في زيادة عدد الأمناء في صفوفه كي يواجه الفريق الآخر بذلك العدد.  لقد كان واضحاً أن الحزب السوري القومي الإجتماعي كان قد دفن قبل ذلك بوقت طويل.

لقد أعلن الرفيق عبدالله سعاده عن توصل الحالتين الإنقساميتين الى إلغاء الحالة الإنقسامية بينهما خلال مؤتمر صحافي عقده بتاريخ 9/11/1978.  

إذا كانت الحالتان الإنقساميتان قد ظهرتا في الحزب تحت شعارات اليمين واليسار والرجعية والتقدمية  والسكونية والثورية، إلى ما هناك من التجهيلات الكلامية واللفظية، فإنهما اجتمعتا تحت شعارات التأييد للدور القومي الذي كان يقوم به الجيش الشامي في لبنان.

كان الإحتفال الذي أقامته الحالة الوحدوية الجديدة في الحزب بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب السوري القومي الإجتماعي،  ضخماً من حيث عدد الحضور والمشاركين به.  لقد كان الإحتفال في قاعة سينما الحمراء في بيروت، حيث كان الحضور من القوميين والموطنين يملؤن شارع الحمراء.   

لم أكن متمحساً لتلك الوحدة، إذ كنت قد وصلت الى معرفة المطبات التي كان يتخبط فيها العمل القومي الإجتماعي، فادركت عقم كل ما كان يجري من ذلك العمل.  لقد كنت خلال الإحتفال أجلس في مقهى الويمبي في الحمراء، عندما مرّ بي محمود عبد الخالق مختالاً مثل الطاووس،  نظر إلي مبتسماً، فحاولت جاهداُ مبادلته الإبتسامة بمثلها، لكن أخفقاقي بذلك كان عظيماً.  عندها أيقنت أن الوحدة الروحية مع أولئك الناس خرافة يستحيل تحويلها الى واقع.

فشل الوحدة الحزبية 

لقد كنت أشك منذ البداية في قدرة الوحدة الناشئة بين طرفي الإنقسام الحزبي، من بناء حالة حزبية سليمة تأخذ القوميين الإجتماعيين الى الحزب السوري القومي الإجتماعي الذي أسس له سعاده.  لقد تحول الشك عندي بعد ذلك إلى يقين بعد أن شاهدت مسار تلك الوحدة واتجاهاتها.

لقد ظن الرفيق عبدالله سعاده أن تلك الوحدة كانت من أنجازاته القومية الإجتماعية العظيمة.  لكنها في الواقع كانت دليلاً آخر على إخفاقه كقائد قومي إجتماعي، ودليلاً على أنه لم يكن يملك من الصفات القيادية شيئا باستثناء ما كان يتمتع به من شجاعة مميزة ومن قدرة على التعبير عن أفكاره بقالب خطابي. حتى مقدرته الخطابية لم تكن تؤدي فائدة قومية كبرى بأستثناء إثارة الحماسة في الناس، ذلك أنه لم يكن يملك كثيراً من الأفكار القومية الإجتماعية.

لقد كان الرفيق عبدالله سعاده، كما جميع الأشخاص الذين كانوا يتعاونون معه، كما جميع الأشخاص الذين كانوا يتحاورون من أجل وحدة الحالتين الإنقساميتين، جاهلين جميعهم لمتطلبات المهمة التوحيدية.  الحقيقة المرة أن قليلين من أولئك الناس كان يهمهم الوصول بتلك الحالة الوحدوية الى حالة يمكن أن تتحول الى حالة حزبية سليمة.  لقد كان التشاطر والخبث والكيدية والتهميش والإبعاد والقوطبة والعزل بعض ميزات التعامل بينهم جميعا سواءً على صعيد المسؤوليات المركزية أو على صعيد الوحدات والفروع الحزبية.

لقد كانت المضايقات من جميع الأصناف والأنواع تتم على قد وساق بحق الرفقاء من غير جماعة إنعام رعد، الذين كانوا يتحملون مسؤوليات مركزية.  ربما كانت ابرز تلك المضايقات تلك التي كان يتعرض لها الرفيق الشهيد حبيب كيروز.

لقد مهدت تلك الحالة من العمل الكيدي في صفوف الحالة الوحدوية لإفراز حالة جديدة، ساعد على نشوئها مناخ ملائم جديد.  لقد نشأت فيها مراكز قوى جديدة، لا تعتمد على تاريخ حزبي ومؤهلات قيادية حقيقية، بل تعتمد على ما كونت لها من مواقع خلال الأحداث العبثية وارتباطها بهذه الجهة أو تلك.  فبينما كنا نرى أشخاصاً مثل محمد سليم وانطون العلم يرتبطون بفتح، كان أسعد حردان ومفيد القنطار وغيرهم يعتمدون على الشاميين.

لقد انتهى الوعي القومي الإجتماعي اليوم الى حالة يرثة لها، هي ابعد ما يكون عن الحالة التي أريدت له، أو الحالة التي تمكّنه من الإدعاء بأنه يقوم بالتعبير عن الإرادة القومية الإجتماعية العامة.  من هنا نرى أن هناك قوميين إجتماعيين كثيرين لا يجدون أي حرج ف القبول بالحالة الحزبية الراهنة ظناً منهم أنها حالة حزبية سليمة.  ومن هنا أيضاً نرى أن بعض العلوج والمراهقين الذين يدعون أنهم قوميون إجتماعيون ويظنون أنهم يفهمون العقيدة القومية الإجتماعية ويدركون أبعاد القضية القومية الإجتاعية، يقومون بتأسيس حركات تجمع بضعة أشخاص في كلٍ منها، جهالة منهم بأنهم يقومون بعمل قومي صحيح.  الغريب غير المستغرب أن كل هذا يحدث بأسم الحزب السوري القومي الإجتماعي.

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
حلقات 1-40
حلقة واحدة وأربعون
حلقة إثنان واربعون
حلقة ثالثة وأربعون
حلقة رابعة واربعون
حلقة خامسة واربعون
حلقة سادسة وأربعون
حلقة سابعة واربعون
حلقة ثمانية وأربعون
حلقة تاسعة وأربعون
حلقة خمسون
حلقة واحدة وخمسون
حلقة إثنان وخمسون
حلقة ثلاث وخمسون
حلقة أربع واربعون
حلقة خامسة وخمسون
حلقة سادسة وخمسون
حلقة سابعة وخمسون
حلقة ثمانية وخمسون
حلقة تاسعة وخمسون
حلقة ستون
حلقة واحدة وستون
حلقة إثنان وستون
حلقة ثلاثة وستون
حلقة أربعة وستون
حلقة خامسة وستون
حلقة سادسة وستون
حلقة سابعة وستون

 

Text Box: حركة البناء القومي