|
بين التعهد الإسرائيل
والتعهدات "السورية"
حملت أخبار الأمس
تصريحاً لوزير الخارجية "السورية" (الشامي) أنه تلقى
تعهداً إسرائيلياً عبر الوسيط التركي، بالانسحاب إلى خطوط
4 يونيو-حزيران 1967.
إن مجرّد إسراع المعلم
إلى الإعلان عن هذا التعهد إنما يدِلّ على أمورٍ عدة منها
سرور الدبلوماسية بهذا "الإنجاز" على افتراض أن الدولة
العبرية اللقيطة جادة في تعهدها.
الحقيقة أن جدية التعهد
الإسرائيلي لا يعنينا من قريب أو بعيد، فنحن لا نعوِّل
بشيء على مزاجية الإسرائليين ولا نعترف بأي مصداقية لهم،
ولا نستطيع أن نتعامل معهم إلاّ كمغتصبين لأرضنا وحقوقنا
ووطننا.
نحن لا نخاف من جدية
التعهد الإسرائيلي أو عدم جديته، ولكن خوفنا، كلّ خوفنا،
ينحصر بطبيعة التعهدات "السورية" (الشامية) المطلوبة مقابل
ذلك.
إن خطر الإغتصاب
الصهيوني لأرضنا في فلسطين وتشريد شعبنا الفلسطيني لا
ينحصر في خلقه "لمسألة فلسطينية" فحسب، بل هو يتعدى ذلك
إلى خلق مشكلة وجود لكل شعبنا وكل وجودنا وكل حياتنا، هذا
بالإضافة إلى خلقه مشكلة مصير المغتصبين اليهود أنفسهم.
إن أشد مأساة شعبنا هو
أنه لم يكن لنا وليس لنا الآن هيئة قومية تعمل على إدارة
مشاكلنا وقضايانا القومية من مفاهيم المصالح القومية
والإرادة القومية العامة. لقد كانت قضايانا ومسائلنا
القومية، على خطورتها وأهميتها، وما زالت بأيدي الأنظمة
العربية وما يحكمها ويتحكّم بها من عقلية جزئية تنحصر
غالباً في حدود مصلحة النظام وتصوراته.
لم تنشأ عندنا هيئة
تدرك حقيقة وجودنا ومصالحنا وحياتنا وتعرف طبيعة الأخطار
المحدِّقة بشعبنا ومصالحنا ووجودنا.
إن الحلول التي سعى
ويسعى إلها "المجتمع الدولي" للمسألة الفلسطينية
ومتفرعاتها إنما هي حلول مؤقتة مهما بدت عملة وجدية
وقوية.
إن هذا الإعتقاد ينبع
من حقيقة أن الدولة اليهودية، المؤسسة على أرضنا وعلى حساب
حقوق شعبنا، هي دولة دينية عنصرية وستبقى كذلك. إن الدولة
الدينية العنصرية، سيقابلها عاجلاً أم آجلاً، دول دينية
ومذهبية وإثنية، تنشأ هنا وهناك، حيث سيكون التصارع
والتنافس والتصادم الطابع العام لها.
إن حل المسألة
الفلسطينية لا يكون من خلال حل مسألة شعبنا في فلسطين وحل
مسألة المشردين في وطنهم من "الفلسطينيين" (الفلسطينيون هم
شعبنا في جنوب سورية)، بل في حلٍ عصريٍ علمانيٍ، يرفض
الدولة العبرية على أساسين إثنين: أولاً، أساس الإغتصاب
لأرضنا في فلسطين وإقامة الدولة الإسرائيلية على الإغتصاب
وعلى حساب حقوقنا القومية، وثانياً: الأساس الديني لهذه
الدولة.
إن الأنظمة السياسية
القائمة كيانات أمة، بدون إستثناء، هي أنظمة غير مؤهلة
لحمل قضاينا القومية ولا مؤهلة لتقديم الحلول لمشاكلنا.
إن هذه الأنظمة محكومة بسطحية نظرتها المبنية على حسابات
وأسس هي أبعد ما تكون عن حسابات المصالح القومية.
لا يزعج الدولة
اليهودية أبداً أن يكون هناك دويلات سنية وشيعية وعلوية
ودرزية ومسيحية وكردية وأشورية وكلدانية حولها، بل إن مثل
هذه الدويلات أو الدول (مثل مصر)، هي مصدر قوة لوجودها
وبقائها وأستمرار هذين الوجود والبقاء. إن الدولة
اليهودية تنتعش في مناخ مثل هذا المناخ وتجد فيه عاملاً
مهما من أجل إستجداء الدعم غير المحدود من قبل الدول
الغربية ومن قبل اليهود المنتشرين في العالم.
إن جميع إتفاقات السلام
الرسمية التي عقدتها الدولة اليهودية المغتصبة، سواء مع
مصر أو الأردن، وإن جميع إتفاقات السلام أو التطبيع غير
الرسمية والتي هي موضع التنفيذ والتحقيق عملياً، مع كل
الدول العربية وكل الكيانات السورية باستثناء النظام
الشامي، وبإستثناء قسم من شعبنا في لبنان، كانت إتفاقات
إستسلامٍ وتضييع للحقوقنا وهدراً لكرامة وشرف جميع أولئك
المنخرطين في تلك الإتفاقات. إنها جميعها إتفاقات ترسِّخ
سيطرة اليهود على وجودنا وحياتنا ومصيرنا، وتفسح لهم
المجال لسرقة ثرواتنا ومواردنا والتحكم بها بشكل اقوى
وأفعل.
إن الفائدة والقوة التي
سيجنيها اليهود والدولة اليهودية المغتصبة من خلال تغلغلهم
في دول الخليج ومن خلال قبولهم و"طبعنة" علاقاتهم مع تلك
الدول، لن تظهر على حقيقتها وضخامتها سوى بعد حين.
ثم أن جميع هذه
الإتفاقات، لن تجني لاحقاً سوى مزيد من الصراعات التي قد
تتعدد في مظاهرها وأسبابها ونوعية المشتركين بها.
نحن نرفض الوجود
اليهودي الإغتصابي على أرضنا. ونحن درك أن اليهود، بما
يؤمنون به من خرافات وأساطير وتخرصات وأوهام تستهدف شعبنا
وتستهدف الإنسانية جمعاء، هم أعداء لنا. لكننا ندرك
تماماً أننا لا نسعى إلى حلٍ يكون من ضمنه "رمي اليهود
المحتلين بالبحر".
إن حقيقة الأمر هي أننا
لا نستطيع رميَ اليهود بالبحر، حتى لو كان لنا مثل تلك
الإرادة. إن خوفنا، إذا بقينا على هذه الحالة من عدم
الوعي، والتي تتحكم بنا فيها عناصر الجهالة الطائفية
والمذهبية والإثنية والتفكك، هو أن يرمي بنا اليهود في
أنواع متعددة من البحور.
إن الحلول التي يجب أن
تسعى إليها أية هيئة سورية، أو أي نظام من انظمة كيانات
أمتنا لن ينتج عنه سوى مزيد من الخراب والدمار والإضطهاد
وتقييد الحريات والإستسلام الكامل للإرادة اليهودية.
إن الحل الوحيد الممكن والعملي والمفيد
والذي يضمن وجودنا ومصيرنا وتقدم حياتنا هو حل يقوم على
العلمانية ورفض الدولة الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو
الإثنية من أي نوع كان، يجري إعادة قسم من اليهود إلى
بلدانهم الأصلية أو البلدان التي تقبل بهم، وترويض القسم
الآخر على العلمانية والإنخراط في الدولة القومية العتيدة.
أي حل غير هذا الحل هو هراء وإجترار كلامٍ ومضعية للوقت
ومشروع لمزيد من المآسي والخراب والدمار والهزيمة.
لا بد أن قسماً كبيراً
من شعبنا في الشام ينتظر المن والسلوى من خلال أي إتفاق
محتملٍ مع الدولة اليهودية المغتصبة، يعاد من ضمنها
الجولان إلى الكيان الشامي، لكن الزمن سيبرهن لهم أن
خسارتهم في مثل هكذا أتفاق لا يمكن تعويضها على الإطلاق.
إن إي إتفاق بين النظام الشامي والدولة
العبرية، إذا حصل، سينتج عنه تعهدات من قبل النظام في
الشام، تجعل شبعنا هناك، يترحمون على أيام إحتلال الجولان
أو أية أيام سبقت. |