|
بكركي ليست مرجعية لا
سياسية ولا وطنية
يجب أن تكون مرجعية روحية
ولكنها ليست كذلك أيضاً
يعرف الناس أن الطائفة الدينية المارونية هي نسبة الى
القديس مارون وهو راهب سوري من مدينة حماه لجأ مع اتباعه
الى حمص حيث أسس ديراً لا يزال قائماً هناك يعرف بدير مار
مارون، وتوفي هناك منذ أكثر من ألف سنة.
كانت حركة مار مارون حركة استقلالية بمواجهة الروم
البيزنطيين، وفي هذه المواجهة اضطر اتباعه الى الهرب
واللجؤ إلى جبال لبنان العالية ليتحصنوا بها تمسكاً
بعقيدتهم وسريانيتهم-سوريتهم. ولا زالت لغتهم الكنسية هي
السريانية لحد اليوم.
في لبنان أتيح للموارنة حصناً طبيعياً قوياً فنعموا
باستقرار طويل نسبياً مكنهم من التفاعل مع الأرض واعمارها
فانتشرت القرى والبلدات، صغيرها وكبيرها، حيث كان الوعر
والأحراج والصخور، واصبحت جبال لبنان تتلألأ عمراناً
وحياةً ونشاطاً، ولا زالت قرى وبلدات جبال لبنان تحمل
اسماءها الآرامية-السريانية الأصلية حتى اليوم. وإن ما
وفرته جبال لبنان للموارنة وفرته ايضاً للدروز في الشوف
وجبل الشيخ وسفوحه، ووفرته للشيعة في أعالي جبيل وكسروان.
الطائفة المارونية إذاُ طائفة سورية استقلالية بمواجهة
الغرب، تكونت من رحم الصراع الاستقلالي ضد الغرب، فكيف
اصبحت اليوم بكركي، وهي اسم المنطقة التي تحتضن المركز
الشتوي للبطريركية المارونية، كيف اصبحت بكركي وبطريركها
مار نصرالله بطرس صفير رمزاً للتحالف مع الغرب ضد سورية!؟
ولا ننسى أن البطريركية المارونية هي، مثل سائر بطريركيات
الطوائف المسيحية الأخرى، بطريركية "إنطاكية وسائر
المشرق"، أي بطريركية سورية.
فإنطاكية (التي يحتلها الأتراك حالياً)، هي المدينة
السورية الشمالية، التي تأسست فيها أول كنيسة خارج القدس،
وهي كانت عاصمة الأمبراطورية السورية في العهد السلوقي
ايام الملك انطيوخوس السوري الكبير، وهي الأجدر من روما
والفاتيكان والأحق بان تكون عاصمة المسيحية او بالأحرى
عاصمة اليسوعية العالمية ومركزها الديني.
هل هي مفارقة أم عجيبة أن نشهد اليوم بعد الف سنة على
تأسيس المارونية السورية كحالة استقلالية بمواجهة الغرب,
حالة عنوانها: بكركي حليفة للغرب وخصمة لسورية في صراعها
مع الغرب!؟
نستطيع أن نجد تفسيراً لهذه المفارقة أو العجيبة ونردها
إلى سبب "فقدان الوجدان القومي" طيلة عهود طويلة من
الإحتلال المزدوج البيزنطي والفارسي لغرب وشرق سورية، ثم
الاحتلال التركي، ثم الاحتلال الأوروبي، ثم اليهودي. إن
فقدان الوجدان القومي يؤدي إلى حلول فكرة الملة محل فكرة
الوطن، يؤدي إلى إنحلال الرابطة القومية للشعب الواحد في
وطنه الواحد وتفكك هذا الشعب الى شعوب عددها عدد الطوائف
والمذاهب، وتفجّر حيويته وقوته في داخله، ضد بعضه بعضاً،
فتصبح كل طائفة وكل مذهب يفتش عن ضمانة له من خارج وطنه
تحميه من ابناء وطنه الآخرين، بدلاً من بناء هذه الضمانة
وتقويتها وتدعيمها بالوحدة القومية، وحدة الحقوق والواجبات
لكل ابناء الوطن الواحد على اساس وحدة الحياة في الوطن
الواحد، وحدة المصالح ووحدة المصير.
ونستطيع أن نجد تفسيراً لهذه المفارقة أو العجيبة ونردها
إلى وقوع الكثيرين منا في "الخديعة اليهودية" التاريخية.
فاليهود هم أعداؤنا ليس في وطننا وحقنا فحسب، بل هم
أعداؤنا في ديننا أيضاً.
"وإن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود" حتى وصل من أمر
اليهود ونجاحهم في بعثرتنا أن سلبونا يسوعنا، ابن الله-من
روحه القدس-الحبل بلا دنس، فاصبح مسيحاً يهودياً ابناً
لداوود!!!
نستطيع أن نجد تفسيراً لهذه المفارقة أو العجيبة ولكننا لا
نريد ان نتوسع كثيراً ونبتعد عن غرض وموضوع هذا المقال.
إن الذي جعل بكركي في الموقع الخطأ هو، فضلاً عن تحول
طوائفنا ومذاهبنا كلها إلى أحزاب وجبهات سياسية بسبب فقدان
الوجدان القومي، هو تلوّث اليسوعية السمحة، عقيدة المحبة
والغفران والتسامح، بمفاهيم يهوه اليهودية التي تقول:
"اقتلوهم، حرموهم، ابسلوا كل نسمة حياة، اقتلوا امرأةً
وطفلاً رضيعاً ورجلاً وشيخاً، حتى البهائم اقتلوهم
حرموهم…" (ارهاب). يهوه هذا الذي "يفتقد ذنوب الآباء في
الأحفاد حتى الجيل السابع" (حقد).
هذا التلوّث لم يضرب اليسوعية فقط، بل طال جميع المذاهب
الأخرى، فهي تقدّس الإرهاب اليهودي وتبرره (!!) بل تتبناه
(!!)، انها تتبنى كل ما جاء في التوراة. شيطان التلوّث
هذا جعل لكل طائفة قادة منها يثيرون مشاعر الخوف في ابناء
ملّتهم من ابناء وطنهم الآخرين، من الطوائف الأخرى، ودفعهم
الى التفتيش عن ملاذ لهم وحماية من الخارج.
ونحن هنا لا نستثني احداً، ولا نخص بعض القيادات المارونية
وحدهم وننسب إليهم وحدهم هذه المأثرة المعيبة. ولكن
موضوعنا الآن هو هؤلاء، وهؤلاء يتألقون اليوم في التطلع
الى الغرب المتهوّد ويتحالفون معه، بل يجارونه ويناصرونه
ضد حقيقتهم واصلهم وضد وطنهم وابناء وطنهم، حتى ان بعض
غلاتهم لا يريدون سماع عبارة "الله اكبر"، وصارت عبارة
"بسم الله الرحمن الرحيم"، وهي عبارة يسوعية في الأصل
استعملها اليسوعيون السوريون الأوائل، وهم الذين كانوا في
الأصل يفتتحون بها رسائلهم، واستعملها المسلمون مع النبي
حرفياً (بسم وليس باسم)، صارت غير مستحبة، بل مكروهة عند
المسيحيين المتهودين لمجرد أن المسلمين استعملوها.
إن بكركي هي في المكان الخطأ لأن على رأسها مسيحي متهود
بدل أن يكون يسوعياً سمحاً يعمل للسلام والمحبة والوئام مع
ابناء وطنه، مع ابناء انطاكية وسائر المشرق,ابناء سورية,
ولو كانوا من غير طائفته، ويقف معهم في مظلوميتهم من قبل
الغرب، مؤسس أسرائيل على أرضنا، وداعم وجودها وعدوانها
وقتلها وتدميرها وارهابها وكفرها بالله ورحمته.
إن بكركي هي في المكان الخطأ لأن على رأسها مسيحي متهود
بدلاً من أن يكون يسوعياً مؤمناً بالحق حتى الاستشهاد في
سبيله يقف مع ابناء الحق ضد "ابناء الأفاعي اولاد الحيات"
كما يقول يسوع، ويقف مع المؤمنين بالأنبياء والرسل "ولا
نفرق بين احد منهم " حسب الآية الكريمة, ضد "قاتلي
الأنبياء والرسل" كما سمّاهم يسوع.
إن بكركي هي في المكان الخطأ، لأنها حضّت القتلة وخاصمت
المقتولين، تساهلت مع المجرمين العدوانيين اصحاب الحروب
الأهلية وجافت الوطنيين العاملين للسلام للسلم الداخلي
والمتفاهمين مع ابناء وطنهم الآخرين.
ولأن بكركي هي في المكان الخطأ، فإن الموارنة الحقيقيين
ليسوا بجانبها، أن الموارنة باكثريتهم الكبيرة هم بجانب
من تخاصمهم بكركي.
وبعد، كيف تكون بكركي مرجعية سياسية ووطنية، ما معنى ذلك؟
أن تكون بكركي اليوم مرجعية سياسية، يعني أنها مرجعية
للسياسيين الموالين للغرب الموالي لأسرائيل. كما هي
مرجعية للسياسيين الموالين لإسرائيل مباشرة فضلاً عن
موالاتهم للغرب الموالي لإسرائيل. بهذا المعنى، نُقِرّ أن
بكركي هي مرجعية سياسية بامتياز.
أما ان تكون بكركي مرجعية سياسية بمعنى أن السياسيين
بمختلف قناعاتهم واحزابهم وسياساتهم يعودون إليها عندما
تصعب عليهم المواقف وتتعقد الامور كثيراً، فيلتمسون منها
مخرجاً وحلاً سياسياً عادلاً جامعاً وفاقياً، يحِدّ من
خلافاتهم ويساعد في تبريد سخونة المواجهات رأفة بالبلد
وساكنيه، فإن بكركي هي حتماً ليست في هذا الموقع اليوم.
وان تكون بكركي مرجعية وطنية فهي الواقع في موقع يحتاج
إليه من يخطط للوطن ومصيره سياسات مشبوهة تحتاج لتغطية
لتصبح أمراً مفعولاً وواقعاً رغماً عن إرادة الشعب ومصالحه
الحقيقية، مثل التوطين وما يعنيه من القبول بالإغتصاب
اليهودي لحقوق الناس الطبيعية في بيوتهم وارضهم وارزاقهم
وبلادهم، والقبول بالظلم وسلب الحقوق والقهر والتشريد ورمي
هؤلاء المشردين ورقة فتنة على غيرهم، ليمس حساسيات طائفية
عند هذا الغير ويفجّر هذه الحساسيات حروباً وفتنة داخلية
عندنا تريح اسرائيل وتخدم اغتصابها وسلبها وعدوانها وظلمها
وقتلها وارهابها. إن بكركي اليوم هي فعلاً مرجعية وطنية
بهذا المعنى يرجع إليها جميع أبناء الطوائف من الذين
يركبون في قطار المصالح اليهودية والغربية المتهودة
لينالوا موافتها ودعمها وتغطيتها ومباركتها على هذا العمل
الخياني الشنيع.
أما ان تكون بكركي مرجعية وطنية بمعنى أن جميع ابناء الوطن
بمختلف طوائفهم وسياساتهم يرجعون إليها لتبارك وحدتهم
وتضامنهم على الحق الوطني في وجه الباطل الإسرائيلي
اليهودي والغربي المتهوّد، كون بكركي هي مركز البطريركية
اليسوعية التي لا تشهد إلاّ للحق واصحابه، فإن بكركي هي
حتماً ليست في هذا الموقع اليوم.
أما السياسيين التقليديين وبعض الصحافيين السخيفين الذين
لا يفتأون يرددون أن بكركي هي مرجعية وطنية جامعة،
تدجيلاً، ومجاملة، وكياسة، وتدليساً، وتحليساً، فإنهم
يسهمون في دعم مركز بكركي غير الوطني، بدل أن يصونوا
موقعاً دينياً من الإنزلاق الى الصراعات المحلية المحقّرة
للدين، كما يقصدون.
أما نحن فنقول إن بكركي لا يجب أن تكون، لا مرجعاً سياسياً
ولا مرجعاً وطنياً، لأن للدين مهمة أخرى ليست سياسية وليست
وطنية. إنها مهمة انسانية عامة، روحية، اخلاقية، تهذيبية،
قيمية، سامية، كانت ضرورية في الجماعات التي لم تكن قد
ادركت قيم الحق والخير والعدل، وأصبحت كمالية في الشعوب
التي تطورت وادركت بوعيها وثقافتها وعقلها سمو القيم
الأخلاقية النفسية التي ترقّي الإنسان وترفعه الى فوق، الى
الأعلى.
فهل تمارس بكركي هذا الدور الديني الآن؟ هل هي مرجعية
دينية بهذا المعنى؟ بالتأكيد، لا.
في مقالة لسعادة سنة 1948 بعنوان "الموارنة سريان سوريون"
يقول:
"إن الموارنة يحملون تراثاً
سورياً، ومنهم ننتظر المساهمة في حفظ هذا التراث وكل فكرة
تقصد عزلهم عن مجرى هذا التراث والتاريخ هي فكرة مقوِّضة
لأساسهم ومعطِّلة لمستقبلهم."
"إن الموارنة يحفظون بقية
التقاليد السورية القديمة ويشترك معهم فيها بعض جماعات
الداخلية وما بين النهرين، فلغتهم الكنائسية هي السريانية
السورية عامة، التي عمّت سورية كلها، وكانت مدة من الزمن
اللغة الرسمية في المعاملات الانترنسيونية حتى أن معاهدات
بين الفرس ومصر عقدت باللغة الآرامية السريانية."
ويختم سعادة قائلاً منذ ستين سنة:
"لا تخونوا ارواح آبائكم
واجدادكم ولا تعطِّلوا خلودهم إن كنتم تعقلون."
|