|
وقف الإقتتال،
والأمن والهدوء وخيبة الأمل
كثيرون من الذين كانوا يؤيدون المبادرة
الشامية في لبنان كانوا يعتقدون أنه لن يكون بمقدور الجيش
الشامي وقف الإقتتال العبثي في لبنان فحسب، بل سيكون
قادراً كذلك على منع نشؤ أي إقتتال عبثي مستقبلي وتثبيت
الأمن وإعادة الهدؤ والحياة الطبيعية إليه. لم يكن مثل
هذا الإعتقاد عند أولئك الأشخاص ناتجاً عن عدم معرفتهم
بعمق المشكلة اللبنانية وتعقيداتها وتشابك العقد الكثيرة
الموجودة فيها، بل كان بسبب ظنهم أن نظاماً مثل النظام
الشامي، لا بد أن يكون على معرفة دقيقة وعميقة بطبيعة تلك
المشكلة وصعوبتها، وبالتالي فإن إصراره على التدخل لا بد
ان يكون مؤشراً إلى أنه قد أعدّ نفسه إعداداً جيداً ليأخذ
على عاتقه مسألة حلها.
لم يكن تأييدنا للمبادرة الشامية بسبب
مفاضلتنا للنظام الشامي على ما كنا نشهده من زيف الأعمال
التي كانت تجري تحت شعارات الحركة الوطنية والمنظمات
الفلسطينية، بل كان قناعة منا أن ذلك النظام لا بد أنه كان
يملك رؤية صحيحة واضحة ويحمل خطة دقيقة فعالة لتنفيذ
المهمة التي أخذها على عاتقه. لم تكن مفاضلتنا له
إختياراً بين شرين.
إن مهمة بذلك الحجم وتلك الضخامة وما
يوجد فيها من تعقيدات ومعطيات مختلفة، كانت تستلزم رؤية
مستقبلية واضحة وخطة شاملة متكاملة تأخذ في الإعتبار جميع
تلك التعقيدات والعقد والمعطيات والعوامل والمؤثرات
المصاحبة لها، وتحدد بوضوح أهدافها الآنية والمستقبلية.
لقد صدمنا لاحقاً عندما لمسنا بالممارسة
والواقع أن النظام الشامي لم يكن يملك مثل تلك الخطة
الضرورية والمطلوبة. الخطة الوحيدة التي كان يحملها لم
تتخطَ حدود التفاصيل العسكرية الميدانية الضرورية لتمركز
الجيش الشامي وحماية مراكز هذا الجيش، وتكليف جهازه الأمني
على التعامل مع الأوضاع في لبنان من يومٍ الى يوم وليس على
أساس خطة مرسومة.
لسنا هنا في معرض تقييم شامل للمبادرة
الشامية في لبنان، ذلك أن تقييماً موضوعياً شاملاً لتلك
المبادرة، على ضؤ النتائج التي كانت لها، مقارنة مع ما كان
يمكن أن يحقق من نتائج، تحتاج الى كتاب مستقلٍ يخصص لهذه
الغاية على حدة. حسبنا هنا أن نشير بصورة أساسية الى خيبة
الأمل التي أصيب بها المؤيدون لتلك المبادرة من الذين بنوا
تأييدهم لها على أساس أهداف قومية وليس على أهداف شخصية
أو مطامح ذاتية.
لقد شكّلت مبادرة النظام الشامي في لبنان
عام 1976، من الناحية النظرية، فرصة تاريخية كان يمكن أن
تعطي قضيتنا القومية زخماً قوياً، وتساعد في كسر الحواجز
النفسية الكيانية التي أحدثها قرار سايكس-بيكو، و تقدّم
بالدليل العملي برهاناً حياً على زيف ذلك القرار وبطلانه.
من ظواهر تخلف الحياة عندنا أن الخطط
العامة التي تتناول حياة شعبنا لا ترسم على أساس مقاييس
ومعطيات قومية عامة ولا تعتمد على ثوابت استراتيجية محددة،
بل تبنى على مقاييس شخصية ظرفية، تتلاءم مع ما يكون
للأشخاص الذين هم في موقع القرار من مطامح وغايات شخصية وما
يملكون من نظرة ضيقة الى المسائل والأمور.
لو كان النظام الشامي يملك خطة
استراتيجية صحيحة عامة، ليس للمشكلة في لبنان وحسب، بل
للمشلكة الشامية أيضاً، لكانت طرقه في التعامل مع مختلف
الشؤون العامة مختلفة تماماً لكثير من الطرق التي اعتمدها
فعلياً، وكان لا بد أن يكون هناك اختلاف كبير في النتائج.
إن مثل هذه الخطة الاستراتيجية الصحيحة
العامة هي ضرورية ومطلوبة في كل الأوقات إذا أردنا
مستقبلاً كريماً لشعبنا، وإذا أردنا أن تبقى القرارات
المتعلقة بحياة شعبنا في أيديه وليس في أيدي غيره من الأعداء والطامعين.
إن مطامح الأعداء والطامعين لا تنام ولا تزول، لكنها تبقى
قائمة بانتظار الفرص الملائمة للإنقضاض علينا. إن
الإنقضاض على مصالحنا هو مسألة قد تكون مؤجلة ولكنها غير
منتهية ولا يمكن أن تكون منتهية. إذا لم يكن النظام
الشامي اليوم بالذات يملك خطة استراتيجية صحيحة للتعامل مع
جميع المخاطر التي تهدد الكيان الشامي، كما تهدد باقي
الوطن السوري، فأي مصير ينتظر شعبنا في الشام وأي
مصير ينتظر شعبنا في كل كيانات وطننا؟ ماذا هي الخطة
الاستراتيجية التي يملكها النظام الشامي للتعامل مع الخطر
اليهودي، وما هي استراتيجيته في التعامل مع الخطر التركي
مثلاً؟ نحن لا نريد أن نقرأ الكتب من العناوين، إنما نأمل
بصدق أن يكون بين أيدي النظام في الشام مثل تلك الرؤية
ومثل تلك الخطط، لأنه، كما أكرر دائماً، هو آخر ما تبقى
لنا من قوة يمكن التعويل عليها.
هل أخطأ الذين أيدوا المبادرة الشامية في
لبنان عام 1976 في موقفهم ذلك؟ بالتأكيد لا، ذلك أن الذين
يتوهمون أن تدخّل الجيش الشامي في ذلك الوقت كان سبباً في
منع انتصار الحركة الوطنية على الانعزاليين المسيحيين، هم
على خطأ كبير ويجهلون الصورة العامة للمعطيات والحقائق.
لقد كان البديل الحتمي للتدخل العسكري
الشامي في لبنان في ذلك الوقت، تدخلاً اسرائيلياً مباشراً، بكل
ما كان يعني ذلك من نتائج.
ثم لنفترض أنه لم يكن هنالك تدخل في
لبنان من قبل أحد، ولنفترض ان الإنتصار في المعارك كان
للمنظمات الفلسطينية وحلفائها اللبنانيين، فماذا كان يمكن
أن تكون النتائج؟ واهم من يعتقد أن القرار في ذلك الوقت
كان قرار كمال جنبلاط، وجورج حاوي، وانعام رعد وبقية
الموزعين والعازفين في الحركة الوطنية، لقد كان القرار
الأول والنهائي قرار ياسر عرفات، وما أدراك ما كان يدور في
ذهن ذلك الرجل؟ لم يكن بمقدور أحدٍ في حالة كتلك
الحالة لو تحققت، من منع
المجازر بحق المسيحيين، إنعزاليين وغير انعزاليين، ولم يكن
من احد يستطيع وقف تهجيرهم! لقد كان يمكن عند ذلك أن يبدأ
مشروع توطين الفلسطينيين الفعلي في لبنان وإقامة دولة
بديلة لهم، ولم يكن على ذلك المشروع أن ينتظر ثلاثين عاماً
آخر حتى يأتي من يوافق على تنفيذه حتى من بين المسيحيين
أنفسهم!
لو كان النظام الشامي يملك خطة دقيقة
صحيحة واضحة للمسؤولية التي تنطح للقيام بها في لبنان،
لما كان يمكن أن تحصل المسائل التي حصلت أمامه وبين يديه.
لم يكن ممكناً عندها أن يقتل كمال جنبلاط، ولا أن تكون
هناك مجازر ضد المسيحيين في الشوف، ولم يكن ممكناً أن
تتركب مجزرة أهدن التي قام بها سمير جعجع بأمر من بشير
الجميل وراح ضحيتها طوني فرنجية وزوجته وابنته وثلاثون
عنصراً من مؤيديه، ولما كان يجب أن يكون هناك مخطوفون
ومفقودون، بدل أن يكون هناك معتقلون وسجناء بجرائم تخضع
لأحكام القانون، ولما كان ممكنا أن يصل الجيش الشامي الى
حرب المئة يوم مع القوات اللبنانية في الأشرفيه وفي زحله،
ولما كان للجيش الشامي صدامات مع الفلسطينيين في المخيمات،
ولم تكن كل تلك الحوادث المتنوعة والمتكررة والمتعددة!
لم يسعَ النظام الشامي، وهو المتصدي
للمشكلة اللبنانية كي يكون على مسافة واحدة من الجميع، لقيادة حوار بناء مع كل الأطراف كي يسعى معها لرؤية
المسائل كما يجب أن تكون، ويستمع الى الجميع جيداً ليس من
باب التهذيب أو التظاهر بالإستماع إليهم، بل من باب
التدقيق والبحث وبناء صورة واقعية مشتركة بين الجميع.
لقد تعامل الجهاز الأمني الشامي مع
السياسيين اللبنانيين ومع كل الخابطين في المسائل العامة
من اللبنانيين وكل الساعين منهم لتحقيق مصالح ذاتية لهم،
على اساس إرضائهم جميعاً أو التظاهر بإرضائهم جميعاً،
بصورة إفرادية وعلى أساس من تبادل الخدمات الفردية معهم.
لم يرد النظام الشامي أن يكون له شركاء في لبنان، بل كان
يتطلع إلى وجود أزلام وأشخاص مرتهنين له ينفذون أوامره
ويعملون بإرادته. لذلك كان دور الفئات السياسية
المؤيدة له دوراً هشاً يقوم على دغدغة مشاعر أفراد الأجهزة
الأمنية الشامية لكسب رضاها مقابل رشوتها أو تنفيذ رغبات
خاصة لها. إن تلك الفئات تتحمل بدون شك مسؤولية ذلك
التخاذل الذي حرم النظام الشامي من سند حقيقي كان يمكن أن
يقدم له مساعدة كبيرة ويجنبه الإنزلاقات التي موضع نقمة
الناس عليه.
لم يسعَ النظام الشامي حتى للتعامل مع
حلفائه في لبنان على أساس مبدأي عام، بل نظر إليهم كأفراد
أيضاً. فبدل أن يطمئن مثلاً الى عمل القوميين الإجتماعيين
وتأييدهم له، راح يحاول في نشر حزب البعث وخلق جماعات
مختلفة تابعة له مثل الفرسان الحمر وغيرهم من الجماعات.
لقد كانت تلك الجماعات مأوى لأشخاص كثيرين من حثالة المجتمع
في لبنان وأوغاده.
كان أهم ما يمكن أن يقدمه النظام الشامي
للحزب السوري القومي الإجتماعي في لبنان هو الأمن
والطمأنينة والهدؤ في نفوس اللبنانيين كي يعود المنطق
القومي الإجتماعي الى فعله بين المواطنين، لكن شيئاً من
ذلك لم يحدث ابداً.
لقد سبق وأشرت إلى أنه عند بداية دخول
الجيش الشامي في لبنان كانت الرهبة تغزو قلوب جميع الحركات
والأحزاب والمواطنين، فلم يكن يتجرأ احد على الظهور
المسلّح أو حمل السلاح. لقد بدت فرصة نزع السلاح الثقيل
من أيدي المنظمات والأحزاب اللبنانية فرصة حقيقية لمنع
الظهور المسلح بالكامل ولمنع الجرائم والتعديات ونشر الأمن
والطمأنينة في النفوس. لكن تلك الفرصة ضاعت في مجاهل
التصرفات الخاطئة والتجاوزات البشعة والحوادث المدمرة.
لم يكن يجرؤ الجنبلاطيون قبل إغتيال كمال
جنبلاط على القيام بأي شيء يساعد على الإخلال في الأمن.
ولقد كان كمال جنبلاط نفسه يتجه الى إبعاد نفسه عن المسرح
السياسي حتى تنجلي جميع المبادارات عن نتائج واضحة. لقد
كان يمكن أن يكون مجال العمل القومي الإجتماعي في الشوف
وعالي خاصة، عملاً مهماً وقوياً لا منازع له. لكن اغتيال
كمال جنبلاط غير في المعطيات تغييراً دراماتيكياً. لقد
كان من نتائج إغتيال كمال جنبلاط، أن النظام الشامي سارع
الى احتضان وليد جنبلاط، ظناً منه أن مثل تلك السياسة يمكن
أن تساعد على كسب تأييد وليد جنبلاط والجماعات الجنبلاطية
له. لم تجد الأجهزة الأمنية الشامية نفسها محرجة على
الإطلاق من بدء ظهور الجماعات الجنبلاطية بأسلحتهم، ذلك
أنها كانت تريد أن تبعد شبح أتهام الجنبلاطيين لها بإغتيال
كمال جنبلاط.
إغتيال الشهيد
ياسر الحسنية
لقد وجّه اغتيال كمال جنبلاط طعنة حقيقية
الى العمل القومي الإجتماعي، ليس لأنه أزال الخوف من قلوب
الجنبلاطيين من القوات الأمنية الشامية ولجوئهم الى
التعديات وحمل السلاح، بل بسبب الحقد الكبير الذي تأصّل
وتجذّر عندهم ضد القوميين الإجتماعيين بالإضافة الى حقدهم
ضد الشاميين.
لقد اندفع الجنبلاطيون الى ترسيخ
طائفيتهم وترسيخ أنفسهم كقوة وحيدة في الشوف وعاليه، حيث
لم يدعوا أية فرصة للإفلات من أيديهم في ذلك الإتجاه. كل
ذلك على مسمع ومرأى من قوات الأمن الشامية، ولا نقول
مباركتها، بل كانت تقف من تلك الأعمال والتعديات موقف
المتفرج وكأنها غير موجودة ابداً.
كان يوجد في منطقة في الشويفات تدعى "عين
شبلي" بستان كان يملكه أحد ابناء الشويفات وكانت تسكنه
عائلة شيعية من بيت الطحان، حيث كانت تمارس العمل الزراعي
في ذلك البستان. لقد كان في تلك العائلة شاب قومي إجتماعي
هو يوسف الطحان. يبدو أن يوسف الطحان أنتمى إلى جماعة
إنعام رعد خلال الأحداث فلم أكن على معرفة شخصية به.
بعد "الوحدة الحزبية" عام 1978 بقليل
تشكّلت عندي قناعة كبيرة أن الحزب بطل أن يكون هو الحزب،
وأنه لا جدوى من متابعتي النشاط فيه. لذلك فكّرت في
محاولة بديلة وهي إعادة بناء الحزب من جديد من أشخاص لم
تدخل الى نفوسهم المفاسد. كنت أحسب أن لبيب ناصيف هو من
ذلك الصنف من الرفقاء، فم أكن أشك فيه بتلك الناحية وإن
كنت أعرف عنه افتقاره الى الشجاعة العملية وعدم قدرته على
المواجهة، بل هو دائماً كان يختبيء في موقفه وراء رفقاء
آخرين. لذلك زرته في بيته عارضاً عليه الفكرة، خاصة كنت
أعرف أنه يعاني من المضايقة والعزل من إنعام رعد وجماعته.
بعد أن رفض لبيب ناصيف فكرة إعادة بناء الحزب من جديد،
رأيت أن لا فائدة من أن طرحها على آخرين، خاصة أن العمل
التجاري التي كنت قد قمت بتأسيسه عام 1978 كان يتطلب معظم
وقتي. لقد أصبحت علاقتي بالحزب من ذلك التاريخ، من خلال
من أحب وأحترم من الرفقاء، الذين بقيت على اتصال دائم بهم.
عندما ذكرت هذه النقطة في غير مناسبة، نفى لبيب ناصيف علمه
بها، فأدركت أن النسيان قد اخذ طريقه الى ذاكرته.
كان بعدي عن النشاط الحزبي اليومي سبباً
في عدم معرفتي تفاصيل ما كان يجري من أمور على مستوى
تحركات القوميين التي كنت أرى سطحيتها وعقمها، وعلى مستوى
الجماعات الحزبية او الطائفية المختلفة. لذلك لم أسمع
بمشكلة "بيت الطحان".
لقد كان الجنبلاطيون في الشويفات يسعون
لطرد عائلة الطحان من البيت الذي كانت تسكن فيه في
الشويفات، بسبب أنها عائلة شيعية وبسبب إنتماء فرد منها
الى الحزب. يبدو أن الرفيق يوسف الطحان كان يرفض تهديدات
الجنبلاطيين، لذلك لم يسمح بمغادرة أهله لذلك المسكن.
لقد كانت العائدة في معظم أيام الآحاد
التي لا يكون لنا فيها انا وزوجتي ارتباطات معينة، أن نذهب
لتناول الغداء في بيتنا العائلي. يوم الأحد الواقع فيه 24
شباط 1980 لم يكن استثناءً. بعد أنتهائنا من تناول طعام
الغداء وكانت الساعة حوالي الرابعة والنصف بعد الظهر،
اتفقنا أنا وزوجتي وأخي عبدالله أن نقوم بزيارة شقيق زوجتي
الذي كان يسكن في بلدة عاليه.
كنا عائدين من زيارتنا لبلدة عاليه حوالي
السابعة والنصف مساء عندما وصلنا الى حاجز الجيش الشامي في
بلدة عين عنوب على مثلث طريق بشامون-عين عنوب-الشويفات.
بما أنني كنت أرغب بسلوك طريق بشامون، نصحني عناصر الحاجز
بسلوك طريق عين عنوب-الشويفات، قائلين إن هناك أحداث أمنية
على طريق بشامون-الشويفات.
لقد استغربت كلام ذلك الأمر، لذلك قررت
القيام بزيارة منزل شقيقتي في "حارة التحتا" في عين عنوب
لأعلم إذا كانت تملك من معلومات حول ما كان يجري. في
"حارة التحتا" رأيت الناس مستنفرين. عندما سألت شقيقتي عن
السبب أجابتني انها سمعت أن "الإشتراكيين" يتقاتلون مع
الشعية في الشويفات قرب عين شبلي.
عندما سمعت أنا وأخي عبدالله ذلك الخير،
كان لنا كلام باللغة الصينية على مسمع جميع الناس هناك،
حيث أعلمناهم أن المشكل ليس بين الجنبلاطيين والشيعة بل هو
مع القوميين. بعد ذلك توجهت بسرعة للعودة الى الشويفات عن
طريق بشامون-الشويفات، الطريق نفسه الذي أشار علينا عناصر
الحاجز بعدم سلوكه، إذ أن الطريق غير الآمن بالحقيقة هو
طريق عين عنوب-الشويفات. عندما وصلت ثانية الى ذلك
الحاجز وحاول عناصره منعي من متابعة طريقي، اعلمتهم أن
معلوماتهم كانت خطأً وأن طريق بشامون-الشويفات كان الطريق
الآمن، حيث سمحوا لي بمتابعة الطريق على مسؤوليتي.
عندما وصلت الى بيت أهلي في الشويفات،
علمت أن الجنبلاطيين قاموا بمهاجمة "بيت الطحان"، وذلك بعد
تركنا المنزل بوقت قليل، حيث كانوا يتطلقون عليه النار
بكثافة من جميع المرتفعات في البلدة، وحيث قتلوا وجرحوا
بعض أفرادها.
لقد علمنا أيضاً أن الرفيق ياسر الحسنية
قد حضر إلى بيت أهلي مباشرة بعد سماعه إطلاق النار كي
يترافق مع أخي عبدالله الى مركز الجنبلاطيين على طريق
"الميدان" في الشويفات من أجل السعي لحل ذلك المشكل.
كان الرفيق ياسر الحسنية رفيقاً طيباً،
واعياً، مخلصاً، نشيطاً، يعمل كرسام هندسي في دار الهندسة
اللبنانية. لم أكن على أتصال وثيق شخصياً مع الرفيق
ياسر، فأنا كنت قد توقفت عن الممارسة الحزبية النظامية،
ولم تكن تجمعنا معرفة قومية قبل ذلك الوقت. لكنه كان على
صداقة كبيرة مع أخي عبدالله، لذلك كانا يلتقيان كثيراً
وكانا يقومان بالنشاطات المختلفة معاً. الذي تبين لي
لاحقاً هو أنه كان ينقص الرفيق ياسر كثيراً من الخبرة
والمعرفة في حقيقة الجنبلاطيين وفي حقيقة ما يمكن أن يصدر
عنهم من سلوك. لقد كان الرفيق ياسر تابعاً لمجموعة إنعام
رعد، فكان التفكير الذي يعتمد هو ذلك التفكير الذي كان
يشيعه إنعام رعد بخصوص الحركة الوطنية ورفاقية الأحزاب في
تلك الحركة، فكان يأخذ "الإشتراكيين" على محمل الجد
ويعتبرهم أناساً يمكن الركون إليهم والتفاهم معهم. ذلك
التفكير عند الرفيق ياسر الحسنية كان سبباً في تعرضه لغدر
الجنبلاطيين وأستشهاده على أيديهم.
لقد كان حظ الرفيق ياسر الحسنية معدوماً
كلياً، إذ لو كان يملك أي درجة من درجات الحظ، لما كان أتى
الى منزل أهلي بعد مغارتنا هناك بعشر أو خمسة عشر دقيقه.
لو كنت في المنزل لكنت منعت الرفيق ياسر حتماً من التوجه
الى مركز الإشتراكيين لأنني كنت أعلم أي نوع من الأوغاد
يوجد بينهم.
عندما وصل الرفيق ياسر الحسنية الى مركز
الجنبلاطيين وقابل الوغد الجنبلاطي هيثم الجردي، يبدو أنه
أصطدم معه بالكلام، حيث عمد الى مغادرة ذلك المركز على
الفور. لذلك ارسل هيثم الجردي وراء الرفيق ياسر أحد
الأوغاد الآخرين من عائلة حمدان الذي لحق بالرفيق ياسر
وقتله، حيث كلف آشخاص آخرين، بقيادة سيارة الرفيق ياسر
الحسنية الى منطقة الإوزاعي، كي يظهروا أن الرفيق ياسر قد
قتل على أيدي "الشيعة".
لم نكن نعمل بمصير الرفيق ياسر بعد عند
الساعة التاسعة مساءً، عندما أتى كميل عبد الخالق، الذي
كان منفذ عام الغرب، الى بيت أخي فرحان. كانت تلك المرة
الأولى التي ألتقي فيها بذلك المخلوق بعد إرساله عناصر
لتهديدي بواسطة السلاح في عام 1976 عندما كنت أحاول جلب
سيارة الشهيد نبيل غنوم، الذي سبق الكلام عنه أنفاً. لقد
وضعت كل شعوري تجاه كميل عبد الخالق جانباً وطالبته بضروة
مواجهة الجنبلاطيين بالمثل، لكنه كان قد تمرس على أيدي
إنعام رعد على الخضوع والإنحناء أمامهم، لذلك تجاهل كلامي.
فلم يزدني به سوى احتقار على احتقار.
لقد علمت لاحقاً أن بعض المقاتلين
القوميين بقيادة أسعد حردان قد جاؤوا الى صحراء الشويفات
لمهاجمة الجنبلاطيين في الشويفات البلدة، لكن الرفيق
الراحل غسان صعب ذهب إليه وأقنعهم بعدم جدوى ذلك.
لم يكن الشهيد ياسر الحسنية أول ضحايا
غدر الجنبلاطيين ولم يكن آخرهم، لكنه كان حتماً ضحية الدجل
الذي كان يمارسه إنعام رعد وجوقته. يجدر الإشارة أن قوات
الردع التي كانت تتواجد في الشويفات لم تتدخل في ذلك
المشكل وتعاملت معه وكأنها غير موجودة. |