لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

 

     

"الطابور المدسوس"

نشرت جريدة السفير ما أسمته تصريحا للوزير حردان بخصوص الحوادث المؤسفة خلال المظاهرات التي دعا إليها الأتحاد العمالي في لبنان.  يؤكد الوزير حردان في تصريحه أن الأعتداء على الجيش هو إعتداء على المقاومة وإن هذه الهفوة لا يمكن أن تكون صادرة عن الأتحاد العمالي أو عن العمال أنفسهم.    ثم أضاف حردان أنه كان يعتقد أن الطابور المدسوس، حسب تعبيره، قد إنتهى زمنه في لبنان، لكنه أتضح له أن بقايا هذا الطابور ما زالت موجودة، وأن هذه البقايا هي التي إعتدت على الجيش.

في هذه التصريح يبدو الوزير حردان شفافا وبريئا في فهمه لواقع المسائل في لبنان ويبدو أنه يجهل هذا الواقع أو يتجاهله كليا.  يسرنا جدا ان يكون الجيش اللبناني حاضنا للمقاومة ضد العدو الصهيوني، لا منفذا وخادما للعقلية الحاكمة في لبنان والتي قادته خلال عقد ونيف من الزمن الى هاوية إفتصادية لا يعرف أحد ماذا ستكون نتائجها البعيدة وأن كانت نتائجها الحاضرة لا تخفى حتى عن البصائر المغمضة.

غير أن الشق الذي نقف عنده أكثر من تصريح الوزير هو ما تعلق بموضوع "الطابور المدسوس".  فهو إعتقد أنه بمجرد أن كان هناك مؤتمر طائف يصدر عنه إتفاق بين هذا الكوكتيل من الفائشين على سطح المستنقع اللبناني، ثم تشكيل حكومة تبدأ بترتيب الوضع اللبناني من خلال ترتيب أوضاعها أولا، فتقونن السرقة وتنظم النهب والسرقة، رامية الى الشعب ما توفر من فتات – أعتقد انه بمجرد ان يحدث كل هذا ستختفى الطوابير الخامسة ويصبح البلد بألف خير.  نحن لا نعلم ماذا فعلت الدولة لتستأصل الطوابير الخامسة التي أصبحت تحصيلا حاصلا في لبنان والحياة اللبنانية. أكثر من ذلك لا نعلم ماذا فعلته وتفعله الدولة اللبنانية لعدم تزايد عدد هذه الطوابير وتنوعها.  فبعد ان ارزحت الحكومة اللبناني الشعب اللبناني وأغرقته تحت وطأة الديون الهائلة، نشأت طوابير جديدة من الجائعين والمحتاجين والعاطلين عن العمل والواقفين على أبواب السفارات لأستجداء تأشيرات هروب من جحيم المستنقع اللبناني.

يبدو أن الوزير حردان ليس عنده أولاد في سن الدراسة، فهو لا تقلقه هذه المسألة كما تقلق مئات الآلاف من اللبنانيين الذين تقض مضاجهم وهم لا يعرفون كيف يؤمنون تعليم أولادهم، وهو طبعا لا يعاني ما يعانيه معظم اللبنانيين على كل الأصعدة التربوية والأستشفائية والأقتصادية والمعيشية وغيرها من الهموم الحياتية.  كل هذه المسائل كافية لأن تخلق طوابيرا ليس لها علاقة بالأعداء، ولا تحتاج الى إستفزاز كبير لتعبرعن غضبها بشكل أو بآخر من الأشكال، كلما رأت فرصة سانحة لذلك.  لا نعرف الظروف التي أدت الى إطلاق النار ولا من كان المبادئ فيها، لكننا نعرف أنه إذا لم تكن المبادأة من الجيش وأن من أطلق النار أولا كان من بين المتظاهرين، يمكن أن يكون مطلق النار هذه من طوابير الجوع والمعاناة هذه وليس من الطوابير المدسوسة كما يجزم الوزير حردان.  نحن ليس عندنا جرأة الوزير حردان للتسرع بحكم من هذا النوع قبل أن يقول القضاء كلمته الحاسمة بهذا الشأن. 

أما إذا كان إطلاق النار بداية من الجيش، فأي مصداقية لهذا الجيش وبأي حق يطلق النار على المتظاهرين ومن أعطاه هذا الحق؟  ثم بأي حق يطلق النار بقصد القتل أو إطلاق النار بشكل عشوائي يقتل إمرأة على شرفة منزلها؟  أذكر أننا في إحدى المظاهرات على أثر الأعتداء اليهودي على لبنان عام 1968 كنا غاضبين جدا وكنا نعبر عن غضبنا برشق الفرقة 16 بالحجاره وكانوا يردون علينا بأطلاق النار في الهواء ولكنهم كانوا حريصين في إطلاق النار في الهواء وليس بشكل متوتر وعشوائي، فلا نحن آذيناهم ولا هم قصدوا إذاءنا، لكننا كنا نعبرعن غضبنا لتقصير الدولة والجيش، وكانوا هم يقومون بواجباتهم تنفيذا للأوامر السياسية، التي كانت على سيئاتها، لم توازي من قريب أو بعيد، السوء الذي يرافق هذه الدولة اللبنانية الحاضرة طوال أكثر من عشر سنوات.  لم نكن نشكل طابورا مدسوسا، بل كنا طلائع العاملين للسيادة والكرامة ومقاومة العدو، وكنا غاضبين جدا عن للتقصير المتعمد والمقصود في بناء جيش مقاوم ومدافع عن لبنان.   فأن يختصر وضع مأساوي كالذي يشهده الشعب اللبناني بتصاريح شعائرية كهذه، إنما يدل على مستوى التفكير عند العناصر المشاركة في هذه الحكومة ومستوى فهمها وإدراكها لطبيعة المسائل وجوهرها.

في ذات اليوم الذي كانت تسير فيه مظاهرات الأتحاد العمالي في لبنان، وبالتحديد قبل ذلك بثماني ساعات، كنا نسير بمظاهرة في سدني ضمت 15 ألفا بين مدرّس ومدرّسة مطالبين بزيادة رواتبنا.  أمام البرلمان المحلي، تكلم المسؤولون النقابيون متهمين رئيس حكومة الولاية بالكذب والتدجيل والمراوغة، محذيرينه من مغبة الأستمرار في التلاعب والقوطبه على قرارات هيئة العلاقات الصناعية التي تحكم في الموضوع. لم يطلق علينا النار، ولم نرشق نحن رجال البوليس الذين كانوا متواجدين بالعشرات. السؤال هنا كم قتيل كان يمكن أن يقع لو كان المعلمون في لبنان يتظاهرون ويتهمون عطوفة رفيق الحريري بالكذب والتدجيل والرياء؟  كم جندي يراقب المتظاهرين هناك كان يمكن أن يتبرع ليطلق النار إرضاء لعطوفة رفيق الحريري؟ 

لا يا سيد الوزير، لا تستعجل الأحكام وأترك تصاريحا كهذه الى غيرك من مسؤولي هذا الزمن!  فأن تصدر تصاريح كهذه عنك، فهو تحجيم لما تقول وتدعي من أنك تمثل.