إن الحق لا يكون حقاً في معترك الأمم إلاّ بمقدار ما يدعمه من قوة  - القوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره
Text Box: المجتمع معرفة والمعرفة قوة
العرزال

 

العرزال

 

   

 

 

تفاهة وعقم وإنتهازية

كان لإنعدام وجود خطة دقيقة صحيحة شاملة لدى النظام الشامي لمواجهة المهمة المطلوبة منه كقوة قومية في لبنان أنه سرعان ما وجد نفسه في مواجهات غير تلك التي كان قد اختبرها في بداية قيامه بتلك المهمة.  لقد بدا النظام الشامي وكأنه لا يعرف حقيقة ما كان يخطط الإنعزاليون المسيحيون له أو أنه كان تساوره سذاجة من الإعتقاد أن استيعابهم واحتضانهم من قبله كانت عملية سهلة وممكنة.  لقد برهنت الأحداث اللاحقة أن النظام الشامي قد أغفل أو اسقط من حساباته عوامل مهمة كثيرة ليس أقلها الأحلام التي تدغدغ عقول غلاة الإنعزاليين الى جانب العامل الإسرائيلي ومدى العلاقة التي كانت قائمة بين أراخنة الإنعزال المسيحي والدولة اليهودية، الى جانب الدور الإسرائيلي الأساسي في تفجير الأحداث في لبنان من خلال مخطط كبير نفذها عملاء لها في جانبي الصراع الذي كان قائماً.  إذ لم تنحصر العمالة لليهود في الجهة الإنعزالية المسيحية، بل تخطتها الى وجود عملاء لهم في صفوف الأحزاب الوطنية والمنظمات الفلسطينية.  إن أخطر العملاء لإسرائيل في تلك المرحلة هم العملاء الذين كانوا موجودين في صفوف المنظمات الفلسطينية.

كانت نتيجة المواجهات التي جرت بين القوات الشامية في لبنان والقوى الإنعزالية المسيحية، خروج تلك القوات من جميع مناطق السيطرة الإنعزالية، حيث تمكنت القوى الإنعزالية من إقامة كانتون لها يمتد من المتحف حتى المدفون.

لقد تمكن الإنعزاليون أيضاً بمساعدة اسرائيل من إقامة منطقة عازلة في الشريط الحدودي بقيادة الضابط في الجيش اللبناني سعد حداد، حيث إنشغلت المقاومة الفلسطينية والمقاتلين من الأحزاب اللبنانية الموالية لها بمواجهات مع قوات سعد حداد العميلة.

كان كل ذلك يعني ان الجانب الأمني من مهمة القوات الشامية في لبنان والمتعلق بتثبيت الأمن وخلق مناخ هاديء للمواطنين لا يوجد فيها تجاوزات وتعديات قد اصيب بنكسة كبيرة.  فبعد أن كان حمل السلاح خارج القوات الشامية محصورة في المنظمات الفلسطينية في المخيمات واماكن تمركزها، عاد  ليصبح أمراً عاديا تمارسه عناصر من الجماعات السياسية التي كانت على وفاق مع الأجهزة الأمنية الشامية.  لقد عاد القادة الصغار للميليشيات المختلفة لتدعم مواقعهم في الأحياء والزواريب والقرى والبلدات، بغطاء من الأجهزة الأمنية الشامية، وذلك لكونهم كانوا يستطيعون تحقيق مكاسب مادية من خلال مواقعهم تلك أو ترقباً لنشؤ ظروف ملائمة تمكنهم من تحقيق مثل تلك المكاسب.

في الشويفات وقرى عاليه والشوف عامة، كان الجنبلاطيون الناشئون الذين فاتهم قطار  السرقة والنهب خلال حرب السنتين لأنهم لم يتجرأوا على ذلك لأنهم لم يكونوا قوة مسيطرة خلالها، يتمنون بشغف وحرارة إنفجار الأحداث من جديد كي يعمدوا إلى جمع ثروات لم يتمكنوا من جمعها من قبل.  لقد نشأ عندهم ذلك الإعتقاد بأنه سيكون بإمكانهم السرقة والتسلط وإستباحت أرزاق الناس، بسبب الشعور المختلف الذي تكوّن عندهم بعد إغتيال كمال جنبلاط وقيامهم بالمجازر ضد المسيحيين الأبرياء في الشوف.  لقد أصبحت الجنبلاطية بإختصار تعني التعصب الطائفي الشديد والحقد على "السوريين" والإستعداد الدائم للدخول من أي ثغرة كانت لتقوية وتثبيت سيطرتهم.

في بيروت، كان شهرة مسؤولي الميليشيات المختلفة الصغار لدى عناصر حواجز الجيش الشامي تفوق بكثير شهرة المسؤولين البارزين في الأحزاب التي كانوا يتبعون لها. 

كان إنعام رعد يمر بسيارته في إحدى المرات عند حاجز للردع قرب بناية البنك المركزي في شارع الحمراء، عندما أوقفه عناصر الحاجز وسألوه عن هويته.  عندما أجابهم إنعام رعد بأنه رئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي، فما كان من احد عناصر الحاجز سوى أن سأله: "يعني أنت من جماعة خضر ابو راشد؟"

إذا كان الوضع الأمني قد اصبح مهزوزاً لوجود سلاح في أيدي أشخاص خارج القوى النظامية، فإن الوضع السياسي لمسؤولي الأحزاب القومية والوطنية وغيرها من الأحزاب التي كانت متواجدة في المنطقة الغربية من بيروت، كان أكثر سؤً بأضعاف مضاعفة.  الحقيقة أن أولئك السياسيين الطارئين كانوا على درجة كبيرة من التفاهة والعقم.  في الوقت الذي لم يكن فيه لأولئك الأشخاص أي تأثير فعلي على مجريات الأحداث أو الحياة السياسية في لبنان، كانوا يصرون على إبقاء أسمائهم في حقل التداول الصحفي بصورة دائمة، إيهاماً منهم للناس من أنهم كانوا ذا قيمة وتأثير. 

ليس هناك من مثل نقدمه للدلالة على ذلك النوع الذي نشير إليه من السياسيين في تلك المرحلة أفضل من مثل مروان فارس وعاصم قانصو.  لقد كان مروان فارس يسكن في البناية نفسها التي يسكن فيها عاصم قانصو، لذلك كان من الطبيعي أن يتبادلا السهرات بصورة دائمة من أجل التسلية والمرح وتضييع الوقت.  أن يتبادل مروان فارس وعاصم قانصو الزيارات كجارين، فذلك أمر طبيعي يحدث بين معظم الجيران، ولكن ما لم يكن طبيعياً هو أنه، كلما كان الإثنان يسهران معاً، كنا نقرأ في الصحف في السوم التالي خبراً يشبه في مضمونه الى حدٍ كبير النص التالي:

"لقد التقى أمس السيد مروان فارس المسؤول في الحزب القومي مع السيد عاصم قانصو المسؤول في حزب البعث فكانت لهما جولة أفق من الأبحاث في الأوضاع العامة حيث كانت وجهتي نظريهما متطابقة أو ملتقية في جميع الشؤون التي تم تناولها.  لقد أدانا أيضاً المحاولات الإنعزالية في المنطقة الشرقية والمحاولات التي يقوم بها العميل سعد حداد في الشريط الجنوبي، كما اشادا بالدور الذي تقوم به قوات الردع السورية ووجها تحياتهما الى تلك القوات البطلة."

لقد أصبحت المصلحة العامة عند معظم الأحزاب "الوطنية" شأنا من الماضي وشعاراً يرفع زوراً وبهتاناً ينطلي على السذج والبسطاء والمخلصين من الأشخاص، لكن ليس فيه من الواقع شيء.  لقد كان الحزب السوري القومي الإجتماعي أكثر الأحزاب التي تأثرت بتلك الحالة.  إذ كان الممسكون بالوضع الحزبي ينقسمون أو إلى أشخاص يجهلون كيف يعملون لبناء الحزب وإلى أشخاص مستميتين لتحقيق مطامحهم ومصالحهم الذاتية. 

لم يستطع عبدالله سعاده أن يحقق شيئاً باتجاه وحدة الحزب، إذ لم يكن عنده ذلك النوع من المواهب الحقيقية التي تسمح له بتشخيص الواقع الحزبي ومعرفة الأهداف المطلوبة وتقرير الأساليب التي يجب أن تعتمد للوصول الى تلك الأهداف.  إضافة الى ذلك، لقد كان الرجل مبهوراً بشهرته المستجدة في أوساط التجمعات الإقليمية والإشتراكية، مما جعله يخلط بين نشاطه ذلك وبين قوة الحزب ونشاطه، فيعتبر أن الإثنين كانا مكملين لبعضهما بعضاً.  ليس هناك دليلا افضل على ما نقول سوى أن نقرأ معاً بعض المقتطفات من كتاب "أوراق قومية" للرفيق عبدالله سعاده:

"في نهاية مدة رئاستي دعيت إلى مؤتمر كبير في كابول (أفعانستان)   أعدّ له الإتحاد السوفياتي، وكانت الإعدادات لانتخابات المجلس الأعلى على قدم وساق، فحاولت الإعتذار من السوفيات على أن انتدب ممثلاً عني الى هذا المؤتمر، فرفضوا وأصروا على حضوري الشخصي.  فغادرت بيروت الى موسكو ومنها الى كابول حيث القيت في المؤتمر كلمة لاقت اعجاب الوفد السوفياتي.  ثم عدت الى موسكو وكان مقرراً أن أغادرها في اليوم التالي مع سائر أعضاء الوفود ففوجئت بالسوفيات ينقلونني من غرفتي العادية في الفندق الى جناح فسيح مجهز افضل تجهيز، وأبلغوني أن سفري قد تأجل، فأصررت على السفر، ولكنهم أصروا بدورهم، وكان القرار لهم حكماً.  في اليوم التالي بدأت اللقاءات التلفزيونية والإذاعية والصحافية معي لمدة ثلاثة أيام.  وقد صرّح لي آنذاك نائب رئيس لجنة التضامن الافرو-آسيوية السوفياتية (سخاروف) بأن علاقته مع الحزب تختلف بشكل واضح بين مرحلة ما قبل عبدالله سعاده وما بعد عبدالله سعاده...." (صفحة 291)

أما عن إهتراء الوضع الحزبي الذي لم يستطع الرفيق عبدالله سعاده أن يغير فيه شيئاً رامياً الكرة في ملعب بعض المشوهين نفسياً وأخلاقياً وفكرياً، فيقول:

".... لكن النفوس (نفوس القوميين!) ما لبثت، بعد فترة قصيرة، أن عادت إلى حساسياتها السابقة.  وقد استمرت الفئوية فاعلة عند قسم كبير منالقيادات والرفقاء في الفريقين (!!! هل كان هناك وحدة حزبية حقاً)، واستمر التعامل الحزبي بين الرفقاء والقيادات فئوياً على الأصعدة الإجتماعية وفي اللقاءات الخاصة.  وكان أعضاء المجلس الأعلى شديدي الحساسية لجهة اشراك الفريق الحزبي المستقل في مسؤوليات قيادية مركزية، أو في مسؤوليات على صعيد المنفذيات والنظار.  وكنت أصر على إشراكهم في هذه المسؤوليات لإلغاء المناخ التفريقي بين القوميين الإجتماعيين، مما أوجد حساسيات بين رئيس الحزب وأعضاء المجلس الأعلى، قوامها توهّم المجلس الأعلى أن رئيس الحزب يسعى لإنشاء تكتل حوله شخصياً مرتكز على التنظيم المستقل(؟)...."

"هذا الجو الفئوي استمر بالتصاعد، حتى وصلنا الى صيف عام 1980 حيث رأيتني محاطاً في مركز الحزب بجو حملة تقسيمية جديدة مما عطل علي إمكانية المتابعة المثمرة في رئاسة الحزب وتثبيت الوحدة الحزبية والروحية في نفوس القوميين الإجتماعيين وقياداتهم ومما اضطرني الى إبعاد أعضاء المجلس الأعلى عن السلطة، الذين كانوا يمارسون نهجاً في المجلس الأعلى، ونهجاً آخر في السلطة التنفيذية....."

"....ورجعت الى بيروت عن طريق دمشق، ووجدت أن الأمناء المركزيين وفي طليعتهم انعام رعد، وداوود باز، ومحمود عبد الخالق، ومروان فارس ومحمد سليم، يخوضون ما سموه معركة "الفرز".  والمقصود بالفرز من وجهة نظرهم فرز التنظيم الحزبي المستقل عن المركزيين واستئثار هؤلاء بالسلطة.  ولما سئل مروان فارس من أحد الأمناء عن موقفه وزملائه من الأمين عبدالله سعاده، أجاب بوضوح: "نحن نريد معركة فرز، ونرفض التوفيقية، والأمين عبدالله سعاده ينهج نهجاً توفيقياً بين المركزيين والخوارج".  فالفرز في الحزب مع الأسف كان وما زال له دعاته الذين نظروا له وشجعوه."

"وتمت عملية الإنتخاب، وفاز المركزيون بالأكثرية في المجلس الأعلى الذي بادر فوراً إلى انتخاب إنعام رعد رئيساً له."  (صفحة 290-291)

ليس هناك أبلغ من هذا الكلام على رداءة أولئك الأشخاص الذين توصلوا في الزمن الرديء أن يكونوا "قادة" في الحزب.  لقد كان أولئك الأشخاص قمة في الرذيلة والإنتهازية والعقم والإنحطاط الأخلاقي والمناقب والروحي والفكر.  أما الغريب غير المستغرب هو كيف تمكنت تلك القمامة من الأشخاص أن تفرض نفسها على القوميين؟  ما هي نوعية القوميين الإجتماعيين الذين يقبلون بهذا النوع من القمامة؟  كيف يتجرأ أحد على القول إنه كان هناك حرب بعد كل هذه الحقائق والمعطيات؟  كيف يمكن لأحد أن يتجرأ أن يقول بأن تلك الحالة قد أنتجت حالة حزبية حقيقيبة؟  كيف يمكن أن يتكلم أحد الآن بأن هناك حزب حقيقي وليس حالة من الأشخاص التي هم اسمرار لأولئك الأشخاص؟  أوليس وجود مروان فارس ومحمود عبد الخالق في هذا الحالة وتوافقهم مع أمثالهم من الفريق الآخر دليلاً قاطعاً على عقم الحالة التي يميل الى تسميتها حزباً؟  هذا أمر معيب ومخجل يطعن جميع القابلين بهذه الحالة والمتعاملين معها في منطقهم ومصداقيتهم وحصافتهم ومعرفتهم وفهمهم وحقيقة إيمانهم بالعقيدة القومية الإجتماعية وبجديتهم في العمل لتحقيق أهدافها.  إننا لا نعتذر من أحد على هذا الرأي، ف"الحقيقة هي الحقيقة".

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
حلقات 1-40
حلقة واحدة وأربعون
حلقة إثنان واربعون
حلقة ثالثة وأربعون
حلقة رابعة واربعون
حلقة خامسة واربعون
حلقة سادسة وأربعون
حلقة سابعة واربعون
حلقة ثمانية وأربعون
حلقة تاسعة وأربعون
حلقة خمسون
حلقة واحدة وخمسون
حلقة إثنان وخمسون
حلقة ثلاث وخمسون
حلقة أربع واربعون
حلقة خامسة وخمسون
حلقة سادسة وخمسون
حلقة سابعة وخمسون
حلقة ثمانية وخمسون
حلقة تاسعة وخمسون
حلقة ستون
حلقة واحدة وستون
حلقة إثنان وستون
حلقة ثلاثة وستون
حلقة أربعة وستون

 

Text Box: حركة البناء القومي