|
الجدية والفعل
بينما كان الطارئون السياسيون في أحزاب
المنطقة الغربية من بيروت يمارسون عقمهم وسخافاتهم
وتدجيلهم، كان بشير الجميل، بتوجيه وتشجيع ومساعدة من
أجهزة إكليركية وسياسية وعسكرية، بالإضافة الى التوجيه
والدعم الإسرائيليين، يقوم برسم خططه لتصوراته ومطامحهم
المستقبلية.
لقد كان بشير الجميل يعرف ما يريد، وكان
الذين من حوله يعرفون ما يريدون لذلك كانوا يخططون ويعملون
لتحقيق أهدافهم وإرادتهم. لم يكن بناء بيت المستقبل
الخطوة الوحيدة التي قام بها بشير الجميل بالإتجاه الصحيح،
بل أن جميع خطواته كانت تتوافق مع المشروع الذي كان يطمح
لتحقيقه.
من هنا كان إصراره على حصر القرار
العسكري والسياسي بنفسه دون غيره، ومن هنا كان تصميمه على
تصفية مقاتلي ميليشيا الأحرار، حيث ارتكب مجازر متعددة
بحقهم كانت ابرزها "مجزرة الصفرا" حيث راح ضحيتها عشرات
القتلى من المسلحين الشمعونيين.
لم يأتِ العام 1982 حتى كان كثيرون من
الدائرين في فلك بشير الجميل والمشروع الإنعزالي يتعاملون
مع ذلك المشروع وكأنه على وشك التحقق والإنجاز. لقد بدأت
جريدة النهار على سبيل المثال تسوّق لبشير الجميل وكأنه
سيكون بالفعل قائداً للمرحلة التي ستلي وأنه سيصبح رئيساً
للجمهورية، وذلك قبل حصول الغزو الإسرائيلي، مما يعني أن
جميع من كان في محيط بشير جميل كان يعلم علم اليقين بأنه سيكون
هناك غزو إسرائيلي وسيكون أحد نتائجه انتخاب بشير الجميل
رئيساً للجمهورية.
الغريب أن مثل هذه التحركات والأعمال
والإستعدادات من قبل بشير الجميل وجميع المحيطين به لم
تقرأ بصورة جيدة أو صحيحة من قبل مخابرات الجيش الشامي أو
مخابرات المنظمات الفلسطينية، بدليل أن الغزو الإسرائيلي
للبنان في الخامس من حزيران عام 1982 ووصول ذلك الغزو الى
بيروت كان مفاجئاً للشاميين والفلسطينيين معاً.
دفعني إصراري على البقاء في لبنان إلى
رفضي لعددٍ من عروض العمل المغرية التي قدمت لي وكانت كلها
تشكّل بالنسبة لي فرصاً نادرة لا تتكرر كل يوم. لقد كان
بين تلك العروض عرض قُدِّم لي عام 1978 وترك لي الخيار بين
التعليم أو التدرّب على الكومبيوتر مع إحدى المؤسسات
التربوية الكبرى. لقد كانت تلك الفرصة الوحيدة التي أتمنى لو
لم ارفضها حيث تبين لي لاحقاً أنها تتلاءم كثيراً مع ميولي
واهتماماتي العملية.
إن هربي من تلك العروض جعلني أسرع إلى
تأسيس عمل تجاري يتعلق بالقطاع الزراعي بإمكانيات مادية
ضعيفة جداً. لقد تغلّبت على ضعف الإمكانيات المادية عندي
بالإعتماد على الصدق والإخلاص والثقة في التعامل اللذين
يشكلان الأساس الذي يقوم عليهما اي عمل ناجح. لذلك لم
يأتِ العام 1982 حتى بدأت أشعر ان عملي وجهدي قد أثمرا
جيداً حيث نشأت عندي توقعات مستقبلية كبيرة كان لها ما
يبررها. لقد كانت ترجمة نجاحي في تجارتي تلك بأني وقعت
في بداية العام 1982 سندات بقيمة مئات الآلوف من الليرات
تدفع على أقساط شهرية.
لقد أشرت سابقاً إلى أن القوميين
الإجتماعيين خرجوا من أحداث السنتين ممزقين نفسياً وروحياً
وكانوا بعيدين جداً عن مناقبهم وأخلاقهم وعقيدتهم،
فالقوميون لم يعودوا هم القوميين، ولم يبقَ من العمل
القومي الإجتماعي سوى الإسم والشكل، أما الجوهر فكان قد
انمحى كلياً تقريباً. لذلك لم اقبل أن أكون شاهد زورٍ على
ما يجري، فلم يعد لي أي اتصال رسمي بذلك العمل، حيث اقتصر
اتصالي على الأصدقاء من الرفقاء.
لقد كان مكتبي على طريق صيدا في الشويفات
محطة للقوميين من مختلف المناطق الذين كانوا يمرون فيها من
وقت الى آخر. لقد كان الرفيق الفرد ابو خليل أحد الرفقاء
الذين كانوا يترددون علي بصورة دائمة، إذ أن طبيعة عمله
كانت تفرض عليه زيارة الشويفات دورياً. فالرفيق ألفرد ابو
خليل كان يعمل في مؤسسة جوزيف خوري التي كان مركزها
الرئيسي في المنطقة الشرقية من بيروت، وكان بعض عمله
التجول على محلات بيع أدوات البناء لتغطية حاجات تلك
المحلات من تلك المواد.
عندما زارني الرفيق ألفرد ابو خليل في
مطلع شهر آذار من عام 1982، حسبت أن زيارته تلك كانت زيارة
عادية كغيرها من زياراته السابقة لي. لكن حرصه على الكلام
بسرية جعلني أشك من أنه كان يحمل في جعبته أكثر من كلامٍ
عادي. لقد أخبرني الرفيق الفرد ان معلوماته تقول بأن
إسرائيل ستغزو لبنان في الخامس عشر من شهر نسيان من ذلك
العام. تفاصيل ذلك الأمر أن الرفيق الفرد ابو خليل دخل
الى مكتب أحد موظفي شركة جوزيف خوري وكان يوجد عنده شخص
كتائبي. كان الشخص الكتائبي يتحدث مع الموظف في المكتب
عن مخطط إسرائيل لغزو لبنان في الخامس عشر من شهر نيسان من
ذلك العام، حيث يتقدمون هم من الجنوب وتساعدهم القوات
اللبنانية بالقيام بالهجوم من الشمال حيث تعهدت بلقاء
القوات الإسرائيلية في مثلث خلده. عندما علّق الموظف على
كلام الكتائبي بالقول: "خلصنا يا شيخ، شو بدك بهالكحي،
صارت إسرائيل واعدتنا مرات كثيرة وكانت كل مرة تكذب
علينا"، أجابه الشخص الكتائبي: "لا، بكرا بتشوف، هالمره
غير شكل."
لم أكن أعرف مقدار صحة تلك المعلومات
وواقعيتها، ولكني رأيت أن لا أبقيها لنفسي وأن أرفع
مسؤولية الإحتفاظ بها عني. في الوقت نفسه لم أكن مهتماً
في نقل تلك المعلومات شخصياً الى أية جهة كانت، لذلك
نقلتها الى أخي فرحان طالباً منه أن ينقلها بدوره الى مركز
الحزب، حيث توقعت أن ينقلها ذلك المركز بدوره الى المراجع
التي تستطيع الإستفادة منها. إني لا أعلم حتى الآن إذا
كان أخي قد قام بذلك الدور فعلاً أم لا.
لقد نشر الإعلام الصهيوني لاحقاً معلومات
تقول بأن غزو لبنان الذي قامت به إسرائيل بتاريخ الخامس من
حزيران عام 1982 كان مقرراً فعلياً في الخامس عشر من
نيسان من تلك السنة، لكن عامل الطقس فرض على الإسرائليين
تأجيل موعد ذلك الغزو إلى شهر حزيران. من هنا يتبين لنا
دقة المعلومات التي كان يحملها رفيقنا الفرد ابو خليل
والتي لم يتم التعامل معها بالجدية المطلوبة على ما
أعتقد.
الغزو الإسرائيلي
للبنان
كنت أملك الى جانب تجارتي مشروعاً
زراعياً يعمل فيه بعض المواطنين من منطقة صافيتا إلى جانب
بعض العمال من الجنسيات الباكستانية والهندية. كنت أبدأ
يوم عملي في الصباح الباكر بزيارة المشروع الزراعي أولاً
وإعطاء التعليمات والإرشادات اليومية للعمال. عند وصولي
في صباح الخامس من حزيران إلى المشروع الزراعي، لم يكن
العمال الشاميون يقومون بعملهم كالعادة، بل كان واضحاً
بأنهم كانوا يستعدون للرحيل. عند استفساري عن حقيقة الأمر،
أخبروني أنهم تلقوا أوامر صارمة تدعوهم الى مغادرة المنطقة
فوراً، حيث علمت عندها أن العدو الإسرائيل قد بدأ باعتداء
كبير على لبنان.
لقد جاءت مشاهد العدوان الأولى بالنسبة
لنا ولجميع اللبنانيين في الداخل اللبناني من السماء حوالي
الساعة الثامنة صباحا، على شكل مطاردات جوية بين الطائرات
العدوة والطائرات الشامية. في واحدة من تلك المطاردات مرت
طائرتان على علو منخفض جداً من فوق الخط الذي كان يقع فيه
المبنى الذي أسكن فيه، حيث أحدث رعباً في قلوب الأطفال
بصورة خاصة. لقد كانت أعمار أولادي الثلاثة تترواح بين
السنة والثلاث سنوات، مما تطلب منا جهداً كبيراً لتهدئة
روعهم وتوقفهم عن البكاء.
لم تتطل مدة المعارك الجوية بين
المقاتلات العدوة والمقاتلات الجوية كثيراُ، إذ سرعان ما
اصبحت الأجواء اللبنانية تحت سيطرة طيران العدو. لقد سمعت
لاحقاً أن طائرات العدو اسقطت خمسة وثمانين طائرة شامية،
مما أجبر القيادة الشامية على التوقف عن إرسال مقاتلاتها
الى الأجواء اللبنانية، حيث تركت القوات الشامية في لبنان
بعد ذلك بدون غطاء جوي. لقد كان واضحاً أن العدو
الإسرائيلي قد عمد إلى تعطيل الإتصالات بين المقاتلات
الشامية وقواعدها مما أمن له تفوقاً أكيداً في الأجواء،
لذلك لم يكن من الحكمة في شيء استمرار المقاتلات السورية
بالتصدي للطائرات العدوة.
بعد أن تمت سيطرة طيران العدو الصهيوني
على الأجواء اللبنانية، بدأ ذلك الطيران تنفيذ إعتداءاته
على أهداف أرضية في محيط المخيمات الفلسطينية، حيث كان في
الوقت نفسه يقوم بتنفيذ اعتداءاته على معظم مواقع الجيش
الشامي في لبنان وعلى، بالإضافة الى مواقع المنظمات
الفلسطينية في الجنوب.
فور سماعي بالعدوان الصهيوني تذكرت
المعلومات التي جاءني بها الرفيق الفرد ابو خليل قبل ثلاثة
أشهر فأدركت أن القوات العدوة الغازية ستصل حتماً إلى
بيروت. ما لم أكن اتوقعه، هو أن يتم وصول العدو الصهيوني
إلى بيروت بالسرعة التي حصل فيها.
لقد كنت أظن أنه سيكون بإمكان المقاومة
الفلسطينية تأخير تقدم العدو الى بيروت أسابيع عدة، لذلك
لم أكن أتوقع أن يكون هناك من خطر علينا في الشويفات قبل
وصول تلك القوات فعلاً إليها. لقد كنت على خطأ في حساباتي
تلك.
بعدما خلت الأجواء اللبنانية لمقاتلات
العدو الصهيوني، صارت تلك المقاتلات تحلق ليل نهار على مدى
اربعة وعشرين ساعة كل يوم، خاصة في أجواء بيروت ومحيطها
للتفتيش عن أهداف لها، حيث إذا ما حددت هدفاً عمدت إلى
قصفه فوراً. كان ليل بيروت ومحيطها يتحول إلى نهار من
خلال القنابل الضوئية التي كانت تلقيها تلك المقاتلات على
أمتداد ساعات الليل.
كنت أسكن في الطابق الثالث من بناية
تتألف من أربع طبقات. لقد كان يجاور تلك البناية ورشة
لمبنى قيد الإنشاء لم يكن قد انجز منه بعد سوى أساساته
الأولى. كان يوجد في تلك الورشة جبالة باطون وضعت قرب
الحائط الذي يفصلها عن البناية التي كنت أسكن فيها. لقد
كنا اعتدنا في اليوم الثالث للإعتداء الصهيوني على لبنان
على هدير المقاتلات العدوة في الأجواء، وكنا مطمئنين انه
ليس هناك من خطر مباشر علينا في ذلك اليوم. لم تكن الساعة
قد تجاوزت الثامنة صباحاً، حتى كان هناك إنفجار قريب منا
إهتزت بسببه البناية كورقة شجر عند هبوب الريح. لقد كان
ذلك الإنفجار ناتجاً عن قذيفة من طائرة إسرائيلية أستهدفت
فيها جبالة الباطون، حيث يبدو أن الأمر كان ناتجاً عن
تقديرٍ خاطيء للمقاتلة العدوة بالنسبة لطبيعة الهدف أو
لإستغلال وجود تلك الجبالة من أجل الإيذاء المتعمد وترويع
الناس. كان قوة الإنفجار كافية لتحطيم معظم زجاج الشبابيك
والأبواب في بنايتنا.
خطة الغزو
الصهيوني للوصول الى بيروت
لم أطّلع على وصف للقتال الذي قام به
المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون خلال تصديهم للقوات
العدوة، ولا أعلم إذا كان أحد قد اهتم في جمع معلومات ذلك
التصدي لتسجيلها وتوثيقها. لكن ما أعلمه هو أنه كان هناك
حالات من المواقف البطولية الكثيرة التي تحتاج إلى من يكشف
ستار الإهمال والنسيان عنها.
لم تكن البطولات الفردية كافية لوقف تقدم
العدو الإسرائيلي في الجنوب، وكان واضحاً أن الإستعدادات
الفلسطينية أسقطت من حساباتها التفوق الجوي للعدو
الإسرائيلي. لقد عمد طيران العدو الإسرائيلي الى تدمير
جميع المواقع الفلسطينية المحصنة في الجنوب في الأيام
الأولى لعدوانه، مما أفسح له في المجال بالتقدم بسهولة في
الجنوب باتجاه بيروت.
لقد حاول العدو الصهيوني التقدم نحو
بيروت عن الطريق الساحلية، لكن عناصر المقاومة تصدت له في
خلده حيث تكبد جيش العدو عدة خسائر بالأرواح كما أسرت له
بعض الآليات.
لقد كان أكثر ما يعرقل تقدم القوات
الصهيونية على الطريق الساحلي في خلده القصف الكثيف
بصواريخ "الغراد" التي كانت تقوم به إحدى راجمات الصواريخ
الخاصة بإحدى المنظمات الفلسطينية. لقد أخفق طيران العدو
في الأيام الأولى لعدوانه من تحديد موقع راجمة الصواريخ
تلك، فلم يستطع تدميرها أو اسكاتها. قصة ذلك أن تلك
الراجمة كانت موجودة في مغارة في أحد أحراج بشامون-عرمون
ومثبتة على سكة حديد تسمح لها بالتحرك بسهولة بين داخل
المغارة وخارجها. لقد كانت تفرغ طاقتها من القذائف
كي تعود سريعاً الى مخبئها في المغارة، مما جعل
اكتشافها من قبل طيران العدو أمراً صبعاً.
لقد كان جيش العدو يملك خطة متوازية
للوصول إلى بيروت، فلم تنحصر خطته في التقدم نحوها على
الطريق الساحلي فقط. لقد كان جيش العدو يعتمد بصورة اقوى
على احتلال القمم الموجودة في طريقه أولاً والسيطرة عليها
كلياً ومن ثم التقدم نزولاً بإتجاه الساحل حيث تصبح
المناطق المنخفضة بحكم الساقطة عسكرياً.
لم يكن احتلال منطقتي الشوف وعاليه صعباً
على الجيش الإسرائيلي، إذ كانت سيطرة طيران العدو على
الأجواء اللبنانية منذ اليوم الأول لعدوانه، قد أدت إلى
انسحاب قوات الجيش الشامي من مواقعها في الشوف، كما دمّرت
أليات كثيرة وهي في طريق انسحابها من المواقع التي كانت
متمركزة في صيدا ومحيطها وفي إقليمي التفاح والخروب. لقد
كان احتلال منطقتي الشوف وعاليه من قبل القوات العدو يعني
أن الوصول الى محيط بيروت وتطويقها أمراً سهلاً.
لم يكن يوجد في مرتفعات الشوف أيضاً أي
تمركز للمقاتلين الفلسطينيين. كان ذلك يعود الى سببين
أساسيين: السبب الأول هو أنه لم يكن مرحّباً بالفلسطينيين
من قبل الأكثرية الطائفية الدرزية في تلك المناطق، أما
السبب الثاني هو افتقار قيادات المنظمات الفلسطينية الى
الرؤية والنظرة الشاملتين والصحيحتين لطبيعة العمل المقاوم
وما يحتاجه هذا العمل من تحصينٍ مختلف الجوانب الوجوه.
لقد أخفقت القيادات الفلسطينية في
تقديراتها لكل شيء تقريباً. لقد شاهدت منذ سنوات عدة
السيد نايف حواتمه يتحدث في مقابلة تلفزيونية طويلة، تناول
فيها بعض الأخطاء العسكرية التي ارتكبتها المنظمات
الفلسطينية، خاصة منظمة فتح. وقد قابل بين ما قامت به
الجبهة الديمقراطية من خلال تمركزها في الناعمة وبين سلوك
فتح التي لم تقم بتمركزات مشابهة.
أما وجهة نظري فهي أن المنظمات
الفلسطينية أخفقت في جميع الشؤون المصاحبة لعملها
المقاوم. فيما يلي نذكر بعض الإخفاقات الأساسية لمنظمات
الكفاح الفلسطيني المسلح:
· إخفاقها
في فهم وتقديري الإستراتيجية العسكرية للدولة اليهودية
والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه لتحقيق أغراضها وأهدافها.
· إخفاقها
في تحديد الأهداف الواقعية والعملية التي كانت تنشدها.
فبينما كانت تعمل تحت شعار تحرير فلسطين، كانت الأعمال
التي تقوم بها لا تهدف ولا تساعد بأكثر من لفت أنظار
العالم الى المسألة الفلسطينية وضرورة إيجاد حلٍ لها. لقد
أخفقت تماماً في معرفة وإدارك وفهم عناصر النجاح لتحقيق
هداف تحرير الأرض الفلسطينية. إن هدف تحرير الأرض
الفلسطينية هو هدف كبير جداً يحتاج إلى رؤية صحيحة شاملة
وأستراتيجية دقيقة يرتكز العمل لتحقيق هذا الهدف.
· إخفاقها
في فهم وإدراك أهمية التحصّن بشرياً في لبنان. فهي لم
تعمل بصورة صحيحة لكسب التأييد الجدّي من قبل قاعدة شعبية
لبنانية عريضة، بل استبدلت مثل ذلك العمل بالإرتكاز على
أساليب التشاطر والتذاكي، حيث ساهمت بإضعاف القوى الحية
التي كان يمكن أن تؤمن لها مثل ذلك التأييد. لقد أرادت أن
تكون بديلاً عن تلك القوى وأن تفرض سيطرتها عليها.
· إخفاقها
في تحديد نوعية الأسلحة التي تحتاجها فعلياً، في مواجهتها
ومقاومتها للعدو الصهيوني، وهذه نقطة مهمة تناولها السيد
نايف حواتمه في المقابلة التلفزيونية التي أشرت إليها
أنفاً. لقد كانت فتح تملك، مثلاً، دبابات صغيرة ومدفعية
ثقيلة، حيث كان تدمير تلك الأسلحة سهلاً من قبل طيران
العدو الإسرائيلي.
· إخفاقها
في الإستفادة من طبيعة لبنان الجغرافية، لتعزيز مقاومتها
للعدو الصهيوني في حالة مثل حالة ذلك الغزو. لو كان
تمركز المنظمات الفلسطينية في لبنان عام 1982 شبيهاً
بتمركز عناصر حزب في عام 2006، لما كان العدو الصهيوني قد
وصل إلى بيروت بتلك السهولة. لقد كانت منظمة فتح تملك
"حفارة أنفاق" لم تستفد منها بشيء.
لقد كان تجنب مثل تلك الإخفاقات يتطلب
رؤية أستراتيجية دقيقة وواضحة وصحيحة وهذا أمر لم يكن
متوفراً عند المنظمات الفلسطينية على إختلافها. لقد كان
الكفاح الفلسطيني المسلح مجرد ردة فعل ولم يكن فعلاً على
الإطلاق. وبينما كانت فتح تضم كوكتيلاً من الأفكار
والمعتقدات، غرقت المنظمات الأخرى في تنظيراتها الماركسية
وراحت تربط بين كفاحها وتلك التنظيرات. لقد
غرِق العمل الفلسطيني المسلح في النظريات التي لا علاقة
لها بالواقع. لقد كانوا يلفون ويدورون في تنظيراتهم بينما
كان المطلوب واحداً، وهو تحرير الأرض.
لقد ظنت المنظمات الفلسطينية على
إختلافها بأنهم أكتشفوا الماء الساخن او البارود من خلال
العمل المقاوم، فلم يحاولوا الإستفادة من الفكر المقاوم
الذي وجد قبلهم بوقت طويل. على المرء أن يتساءل ماذا كان
يمكن أن يحصل لو توفرت لأنطون سعاده مثل الإمكانات التي
توفرت للمنظمات الفلسطينية من مال وسلاح، وماذا كان يمكن
أن يكون وضع قضيتنا ومصيرها الآن؟
عندما وصل الجيش الصهيوني الى قبرشمول،
أصبحت جميع مواقع المقاومين في خلده والمناطق المحيطه
أحراش بشامون-عرمون ساقطة عملياً، لذلك كان قرار أولئك
المقاتلين بالإنسحاب إلى بيروت. كان من نتيجة ذلك أيضاً
أنه لم يعد بإستطاعة راجمة التي كانت تقوم بقصف الطريق
الساحلي من آداء مهمتها لسهولة اكتشافها من قبل القوات
العدوة التي أصبحت على مشارف الموقع الذي كانت تتمركز به
تلك الراجمة.
كان انسحاب المقاتلين المقاومين من خلده
ومحيطها عشوائياً في معظمه. بينما كنت ماراً في سيارتي
على طريق صيدا المؤدي إلى خلده، شاهدت أحد المقاتلين يسير
الى جانب الطريق وعلى كتفه شارة الزوبعة. عندما سالته عن
وضعه والمكان الذي كان يقصده، أجابني أنه كان يتمركز في
خلده مع رفقائه في الكتيبة القومية، لكنه فقد الإتصال معهم
ولم يعد يعرف كيف يتصرف، لذلك آثر الإنسحاب باتجاه بيروت.
عندها قمت بنقله الى حي السلم حيث كان بامكانه بعد ذلك
الوصول بسهولة الى المكان الذي كان يقصده. عندما أخبرت
أسعد حردان لاحقاً عن ذلك الرفيق، اخبرني أنهم فتشوا عنه
قبل أنسحابهم وهم كانوا يحسبونه في عداد المفقودين.
جريمة من جرائم
القوات الغازية
كنت أقوم بزيارة عائلة جنوبية مزارعة
تعمل في أحد بساتين الشويفات القريبة من خلدة للإطمئنان
عنها، خاصة أن محيط تلك المنطقة كان قد تعرض لقصف الطائرات
الإسرائيلية. عند وصولي لعند تلك العائلة إلتقيت
هناك
فتاة في العشرينات من العمر علت وجهها علامات الخوف والرعب
والتعب، حيث كانت تروي قصتها وهي تجهش في البكاء.
قصة تلك الفتاة أنها كانت تختبيء في ملجأ
إحدى البنايات في الجنوب مع حوالي الأربعئة شخص من أهلها
وأبناء بلدتها، عندما دخل الى الملجأ أحد المقاتلين
الفلسطينيين. بعد لجؤ المقاتل الى الملجأ مباشرة، تعرض
الملجأ الى قصف عنيف من دبابات أسرائيل حيث دمر بالكامل،
فكانت الفتاة من الأشخاص القلائل جداً الذين نجو من ذلك
القصف حيث كانت ضحاياه بالمئات.
لقد كان على تلك الفتاة أن تقطع المسافة
بين الجنوب والشويفات سيراً على الأقدام دون توقف، لما كان
يتملكها من خوف ورعب، حيث أخذت معها الرحلة ما بقي من
ساعات النهار السابق وطوال الليل.
لم تكن تلك الجريمة سوى إحدى الجرائم
التي ارتكبتها القوات الغازية، إذ بلغ عدد ضحايا العدون
الإسرائيلي على لبنان في العام 1982 أكثر من عشرين ألف
ضحية. |