|
إلى شعبنا
السوري في الوطن وعبر الحدود،
إلى جميع
المؤمنين بحق شعبنا في الحياة وحقه أن يحيا حياة حرة
كريمة،
إلى جميع
المقاومين للظلم والصامدين في وجه برابرة القرن الواحد
والعشرين،
إلى جميع
المؤمنين بقضية أمتنا التي أرسى قواعدها سعاده العظيم وإلى
جميع المخلصين لمباديئه وعقيدته،
كما نتوجه
إلى كل الذين كفروا بأنفسهم وشعبهم وأمتهم وركبوا مراكب
المصالح الخاصة والتبعية والإستسلام والعبودية والإرتهان
والعمالة، وإلى الذين غرقوا في آتون العصبيات القاتلة،
إلى هؤلاء
جميعاً نتوجه في ذكرى مولد سعاده بكلمتنا هذه، لنبارك
النفوس المصارعة الشامخة العظيمة ونشد بأزرها، ولندعو
النفوس التي وهنت وانخفضت وصغرت الى الخروج من مستنقعاتها
واللحاق بمراكب العز والكرامة القوميين.
لا تكمن
أهمية ذكرى الأول من آذار في كونها تسجيلاً لولادة شخص
عظيم تميز بعقله ومداركه وإرادته وتطلعاته،
ولا في كونها
تسجيلاً لولادة مفكِّرٍ ثاقب الفكر وواسع الإطلاع
والمعرفة،
ولا في كونها
تسجيلاً لولادة فيلسوف له نظرته الخاصة الى الحياة والكون
والفن،
ولا في كونها
تسجيلاً لولادة قائد شامخ جبار امتلأ بالعزة والكرامة ورفض
الإنحناء أمام الأعداء،
بل إن
الأهمية القصوى التي تعبر عنها ذكرى الأول من آذار ترتكز
في كونها تسجيلاً لإطلاق إرادة الصراع والبقاء والثورة في
أمة ظنها الكثيرون من الأشخاص والأمم أنها قد ماتت ولم تعد
أكثر من حادثة من حوادث التاريخ ورواية غامضة من روايات
كتبه.
لقد كانت
ولادةُ سعاده ولادةً لقضية شعب كان ضاع في متاهات الحوادث
الجارية التي طغت على حياته فضعضعتها حيث اصبح بلا قضية
يجتمع ويتوحد حولها.
لقد كانت
ولادة سعاده تأكيدا على أن شعبنا، وإن كان يعيش في حالة من
الضياع والغيبوبة، فما زالت تنضب في عروقه إرادة الحياة
والصراع والبقاء، وما زالت تغلي في شراينه قيم الحرية
والسياده
والإستقلال والحق والخير والحرية والكرامة والعز.
لم يعمل
سعاده على إرساء مفاهيم الصراع وقواعد النهوض لشعبنا
وشرحها وتوضيحها فحسب، بل هو قاد ذلك الصراع وقدم له كل ما
يملك من قدرات وإمكانات وحياة، من أجل أن ينتزع القرارات
المتعلقة بشعبنا من أيدي الجهالة والإستكانة والخمول، ومن
أيدي المتاجرين بحقوق شعبنا وأيدي الطامعين بهذه الحقوق،
ليضعها في أيدي المؤمنين بعزة شعبنا وكرامته وحقه، وفي أيد
النهضويين المصارعين المقاومين العاملين من أجل عزة شعبنا
وكرامته وحقه، وأيد المعبرين عن إرادة شعبنا وتوقه الى
الحياة والحرية والإرتقاء.
إن عدم
إنتصار قضيتنا حتى الآن، بالرغم من مرور ما يقارب
الثمانين عاماً على تأسيس سعاده لقواعد النهوض لشعبنا
وإطلاقه لإرادة الصراع فيه، ليس دليلاً على بطلان هذه
المفاهيم أو إخفاق هذه الإرادة، بل هو دليل على عمق
مستنقعات الجهالة التي غرق فيها شعبنا، وعلى ضخامة القوى
المضادة التي تواجهها هذه الإرادة، وعلى حجم هذا الصراع
واتساعه وعمقه وتعدد جوانبه وتنوع معاركه.
إن صمود
المصارعين والمقاومين من أبناء أمتناء في وجه جميع قوى
الطغيان والشر، وإن عظمة إرادة الصراع والمقاومة التي
يظهرها هؤلاء المصارعون والمقاومون، إنما هو دليل قاطع على
صوابية فكر سعاده وصوابية إيمانه وثقته بشعبه وأمته.
لا يضير
سعاده أن حزبه قد أخفق في أن يكون قائداً لهذا الصراع
القائم بين أمتنا وقوى الشر المتربصة بها، وأخفق حتى أن
يكون قوة ذات تأثير متوازن فيه، إذ يكفي سعاده شرفاً
ومصداقيةً وعزةً وفخراً أن إرادة الصراع التي أطلقها منذ
ثمانين عاماً قد نمت وأينعت وتعاظمت في شعبنا حتى أصبح لها
فعل كبير ودوي عظيم.
إن أخطر وجوه
الصراع القائم الآن، ليس ذلك الذي يخوضه المصارعون من
شعبنا ضد أعداء شعبنا من يهود وقوى الطغيان والشر الداعمة
لهم، بل هو هذا الوجه الذي تضطر فيه قوى العز والكرامة
والشرف في شعبنا الى مواجهة قوى الذل والمهانة والعار من
داخله.
إن الجانب
الاهم والأكثر ألما وتأثيراً في نفوس المصارعين
والمقاومين، هو هذا الصراع الذي يضطر فيه المصارعون
والمقاومون من أجل حقوق شعبنا وكرامته وحريته وسيادته
واستقلاله وعزه الى مواجهة الذين استكانوا الى والعبودية
والمهانة والإستسلام والذين اختاروا أن يعيشوا في التبعية
والعمالة والذل بدون أن يكون عندهم أي شعور بالخجل أو
العار.
إننا وإذ
نفخر ونعتز بإرادة الصراع الذي يظهرها شعبنا الآن، لا بد
أن نحذر ونعلن أن انتصار هذه الإرادة وتحقيق أهدافها
الآنية والمستقبلية، لا يمكن أن تتم إذا لم يصل شعبنا الى
مستوى الوعي والإدارك للمفاهيم والقواعد التي وضعها سعاده
لهذا الصراع.
عبثاً أن
يغمض المصارعون من أبناء شعبنا عن مفاهيم سعاده، عبثاً أن
يفتشوا عن مفاهيم بديلة لها، عبثاً ان يتعامي المصارعون
عن الصورة الصحيحة الشاملة لواقعنا، عبثاً أن يغرقوا في
متاهات المفاهيم الممزقة لوحدة شعبنا، إذ وحدها مفاهيم
سعاده هي التي تكفل تحقيق الإنتصار النهائي وترسيخه
وتحويله إلى أسلوب حياة لشبعنا وطريق لتقدم هذه الحياة
وارتقائها.
لسنا بحاجة
أن نعلن في الذكرى الرابعة بعد المئة لميلاد سعاده، عن
المخاطر الخارجية التي تتمثل في مخططات التآمر والأعتداءات
اليهودية/الأميركية ضد شعبنا، حسبنا أن نشير بهذه المناسبة
الى مسألتين متشابهتين في تأثيرهما الشديد على وجودنا
وسيادتنا واستقلالنا وحريتنا، وتشكلان تهديداً خطيراً
حقيقياً لهذا الوجود. إن هاتين المسألتين هما تحديداً
المسألة المذهبية والمسألة الأثنية.
لقد شكلت
هاتان المسألتان النوافذ والأبواب الرئيسية التي تسربت
ودخلت منها المؤامرة اليهودية/الأجنبية إلى داخل شعبنا، من
أجل تفتيه وتقسيمه وشل إرادته وضرب مصالحه وسرقة ثرواته
ونهب خيراته واغتصاب أرضه.
إن المسألتين
الإثنية والمذهبية مثلهما مثل المسألة الطائفية أو الدينية
أو اللغوية لا يمكن أن تشكلا أساساً لوحدة شعبٍ أو اساساً
لدعوات إستقلالية أو انفصالية أو توحيدية. إنها جميعها
دعوات واهمة، باطلة، ليس لها أساس من الصحة أو المصداقية،
وهي جميعها مدمرة لحياة شعبنا.
إن دعاة
الإثنية والمذهبية يعيشون الآن مأزقاً يدحض مزاعمهم ويظهر
عقم وتفاهة وبطلان دعواتهما.
ربما كانت
المسألة الإثنية الكردية، وطريقة التعامل مع هذه المسألة
من قبل الأنظمة المتلاحقة في كيانات وطننا، هي المسألة
الإثنية الأبرز التي كان لها تأثير سلبي كبير على قضيتنا
القومية.
إن ما يجري
من أحداث في شمال العراق اليوم، من خلال الهجوم التي تشنه
القوات التركية على الأكراد الأتراك، ووقوف
الأكرادالعراقيين موقف المتفرج عملياً على ملاحقة
وقتل الأكراد الأتراك، إنما هو أكبر دليل على عقم وبطلان
المزاعم الإثنية الكردية وفشلها. لو كانت الإثنية الكردية
تمثل قوة جامعة بين الأكراد، لكنا رأينا أن هؤلاء يقفون
معاً ويسقطون معاً. لكن ما نشهده أن بعضهم يريد أن يعيش
على حساب بعض آخر. وهذا بحد ذاته دحض وإلغاء لأي مزاعم
الأكراد السوريين بالأسقلال عن بقية شعبنا، أو مزاعم
الاكراد الأتراك بأستقلالهم عن بقية الشعب التركي أو مزاعم
الأكراد الإيرانيين من أستقلالهم عن بقية الشعب الإيراني.
إن الإثنية الكردية أو غيرها من الإثنيات لا تشكل عاملاً
للجمع أو للإنفصال.
أما المسألة
المذهبية فإنها أبعد خطراً وأعمق تأثيراً على وحدة شعبنا
وتقدمه ومستقبل حياته. إن العمل بالعقلية المذهبية التي
يسير عليها بعض مواطنينا من السنة والشيعة، لا تشكل سلبية
تعرقل نهوض شعبنا فحسب، بل هي عقلية كفيلة فيما لو استمرت
أن تدمر حياته تدميراً كاملاً. إن الأعمال البشعة التي
تقوم جماعات مذهبية تحت شعارات ظلامية كشعار التكفير، إنما هو دليل
قاطع على حالة التدمير والخراب التي يقود إليها الشعور المذهبي. إن
ما يجري في العراق الآن من موالاة للأميركيين من قبل
الشيعة وما يجري بين الشيعة والسنة من مذابح هناك هو عار
على السنة والشيعة معاً.
إن الأحداث
التي تشهدها بلادنا اليوم، هي أيضاً دليل قاطع حاسم على
بطلان مزاعم المذهبية وإدعاءاتها. واهم من يعتقد أن
المذهب يمكن أن يشكل رابطاً له قوة الرابط القومي، وواهماً
من يعتقد أنه يمكن ربط المصلحة القومية بالمصلحة المذهبية.
إن جولة على
ما يجري في بلادنا من أحداث تقدم لنا الدليل القاطع على
صحة ما نقول. إذ كيف يفسر المذهبيون هذا التناقض الكبير
في مواقف أبناء المذهب الواحد من الأحداث المصيرية التي
تحصل عندنا؟
لماذا يقف
الشيعة في لبنان موقف المقاوم لليهود والأميركيين، بينما
يقف شيعة العراق موقف الحاضن للأميركيين ويقبلون باليهود
القادمين مع الأميركيين، ظناً منهم ووهماً أن الاميركيين
يحملون لهم الحرية والديمقراطية والسيادة والإستقلال. ثم
كيف نفسر أن مقاومة اليهود والأميركيين في العراق هي
مقاومة سنية بينما نجد أن الأنظمة التي يسيطر السنة عليها
هي أنظمة خاضعة للإرادة الأميركية/اليهودية وتسير حسب
أوامر اليهود وتوجيهاتهم؟
كيف يمكن
تفسير المواقف المتناقضة التي يقفها أبناء شعبنا في فلسطين
حيث نرى سنيين مقاومين وسنيين عملاء لليهود يعملون على طعن
أخوانهم المقاومين في الظهر؟
ولا يزيد على
قوة الدليل الذي نسوقه على فشل المذهبية وإدعاءاتها على
إنقسام الدروز والمسيحيين بين المقاومين والرافضين
للإعتداءات اليهودية/الأميركية وبين الذين يسيرون في ركاب
اليهود ويقاتلون معهم.
إن لهذا
الواقع تفسير واحد أحد، وهو أن الشعور القومي والرابط
القومي لا علاقة له بالمذهب أو بأي عصبية جزئية واهية.
إن إحلال
الشعور المذهبي محل الشعور القومي هو عمل باطل وخطأ فادح
يقع فيه أبناء شعبنا.
لقد وصلت
قضيتنا الى هذا المستنقع الذي نقع فيه، بسبب استسلام شعبنا
للتفكير المذهبي وغيره من تفكير العصبيات الجزئية. لقد سمح
شعبنا، بأسم المذهبية السنية، للسعودية ومصر وغيرهما
بالتكلم باسم قضيتنا ومصالحنا، فلم نكسب من ذلك سوى المآسي
والنكبات.
لقد آن
لشعبنا أن يستفيق من مذهبيته وطوائفيته وإثنيته وجميع
عصبياته المعطّلة لتقدم حياته، ويأخذ ويتمسك بمفاهيم
الحياة التي أرساها سعاده وقدم حياته فداءً من أجلها.
لتكن ذكرى
مولد سعاده، موعداً لانطلاق تفكير جديد وعقلية جديدة ونهج
جديد عند شعبنا، حيث يمكن أن يكتب له مصير جديد، يكون له
فيه القرار الأول والأخير.
لنعمل جميعاً
من أجل أن تحيا سوريا. |