|
إن الواقع الخطير الذي تمر
فيه قضيتنا القومية اليوم، هو نتيجة إعراض الشعب السوري
والساسة السوريون في جميع كيانات الهلال السوري الخصيب عن
الإلتفاف حول مباديء الإنقاذ التي أوجدها وأطلقها ودعا
إليها الزعيم أنطون سعاده منذ سبعة عقود ونيَف من الزمن.
ثم أن تغافل شعبنا وساسته عن التحذيرات التي أطلقها سعاده
في مناسبات متعددة ومواضع كثيرة عن خطورة ترك قضاينا
القومية مشاعاً لجميع دول العالم العربي، كان سبباً من
الأسباب الرئيسية التي أوصلت وضعنا الى هذه الدرجة العالية
من الخطورة والسؤ.
لقد حذّر سعاده دائماً من ترك
مسألة البت في قضايانا القومية في أيدي المصريين أو
السعوديين أو غيرهم من ساسة العالم العربي، لأن النتيجة
الحتمية لهذا الأمر هو تحول هذه القضايا من قضايا محقة لنا
الى موضوع سمسرة وإبتزاز لتأمين مصالح المصريين والسعوديين
على حساب حقنا القومي.
لم تلغِ مصر مرحلة عبد الناصر
من تاريخها وتعود الى مرحلة ما قبل عبد الناصر فحسب، بل
عاد عربان مصر الى فرعونيتهم وصاروا يسمسرون بمسائلنا
القومية من فلسطين الى العراق من أجل الحصول على بعض
المكاسب المادية لهم.
أما موقف عربان السعودية
اليوم من قضايانا القومية إنما هو استمرار لموقفهم
التاريخي الذي يتميز بالإبتزاز والمتاجرة بحقوقنا القومية
من أجل بسط نفوذهم علينا في ظل خضوعهم وعمالتهم لقوى الأمر
الواقع العالمية والصهيونية. لقد كان عربان السعودية
أدوات بيد البريطانيين عندما كانت السيطرة عندنا
لبريطانيا، وهم تحولوا اليوم الى أداة بيد الأميركيين
واليهود بعد أن أصبحت السيطرة في منطقتنا والعالم
للأميركيين واليهود.
لا يتمثل الدور القذر الذي
يلعبه العربان الفراعنة وعربان العربة اليوم بحق شبعنا في
وقوفهم المتفرّج على الجرائم التي يقوم بها الصهاينة
والأميركيين في فلسطين والعراق، بل يتمثل في خضوعهم الكامل
وعمالتهم المطلقة للإرادة الأميركية/الصهيونية.
إن ما يجري في فلسطين من
جرائم ومذابح يومية بحق أبناء شعبنا من أطفال وشيوخ وشباب،
وإن ما يجري في العراق من استباحة لكل حقوقنا القومية ومن
إعتداءات ومجازر يومية على شعبنا هناك، وإن ما يترقبه
لبنان من أعتداءات أميركية/يهودية بمباركة العربان في مصر
والسعودية بصورة خاصة، هو نتيجة لإهمال شعبنا للخطة
الإنقاذية التي وضعها له سعاده.
إننا إذ نورد بعض المقتطفات
من شروحات سعادة وأقواله وتحذيراته، نؤكد أن طريق الخلاص
الوحيد لأمتنا هو بالأخذ بمباديء الإنقاذ الذي وضعها لها
سعاده والتمسك بعقيدته والسير على هديها وتعاليمها:
من لمحاضرة الثالثة – 25
كانون الثاني 1948
المبدأ الأول:
سورية للسوريين والسوريون
أمة تامة.
في شرح هذا المبدأ أقول:
"حين ابتدأت أفكر في بعث أمتي ونهضتها وألاحظ الحركات
السياسية الاعتباطية القائمة فيها لاحظت أنه لا يوجد إجماع
على تعيين هويتنا وحقيقتنا الاجتماعية، ورأيت أن كل عمل
قومي صحيح يجب أن يبدأ من هذا السؤال الفلسفي: من نحن؟ (
في صيغة رسالتي إلى الجالية السورية في البرازيل: هل نحن
أمة حية؟ ) والذي وضعته لأول مرة أمام نفسي، منذ بدء
تفكيري القومي الاجتماعي، وطرحته على الشعب في رسالة مني
إلى النزالة السورية في البرازيل، بمناسبة وفاة والدي هناك
سنة 1934، والذي شرحت أهميته التأسيسية في أحاديث ومحاضرات
عديدة في بداية نشر تعاليمي القومية الاجتماعية. وقد أجبت
نفسي بعد التنقيب الطويل فقلت: نحن سوريون ونحن أمة تامة.
وكان وضعي هذا المبدأ.
إن هذه التعاريف المبلبلة التي جزأت حقيقتنا القومية أو
أذابتها ومحتها: نحن اللبنانيين، نحن الفلسطينيين، نحن
الشاميين، نحن العراقيين، نحن العرب، لم يمكن أن تكون
أساساً لوعي قومي صحيح ولنهضة الأمة السورية التي لها
دورتها الاجتماعية والاقتصادية في وحدة حياة ووحدة مصير.
القول بأن السوريين هم أمة تامة هو إعلان حقيقة أساسية
تقضي على البلبلة والفوضى وتضع المجهود القومي على أساس من
الوضوح لا يمكن، بدونه، إنشاء نهضة قومية في سورية.
والحقيقة أن قومية السوريين التامة وحصول الوجدان الحي
لهذه القومية أمران ضروريان لكون سورية للسوريين، بل هما
شرطان أوليان لمبدأ السيادة القومية، سيادة الشعب الشاعر
بكيانه على نفسه وعلى وطنه الذي هو أساس حياته وعامل أساسي
في تكوين شخصيته. فإذا لم تكن سورية للسوريين تحت مطلق
تصرفهم، بل كانت عرضة لادعاءات سيادة خارجة عن نطاق الشعب
السوري، في الحياة والارتقاء.
يعني هذا المبدأ سلامة وحدة الأمة السورية وسلامة وحدة
وطنها وانتفاء كل إبهام من الوجهة الحقوقية في أن السوريين
أمة هي وحدها صاحبة الحق في ملكية كل شبر من سورية والتصرف
به والبت بشأنه.
ويعني من الوجهة الداخلية أن الوطن ملك عام لا يجوز، حتى
ولا لأفراد سوريين، التصرف بشبر من أرضه تصرفاً يلغي، أو
يمكن أن يلغي فكرة الوطن الواحد وسلامة وحدة هذا الوطن
الضرورية لسلامة وحدة الأمة السورية.
كل سوري يرغب في أن يرى أمته حرة، سائدة، مرتقية يجب أن
يحفر هذا المبدأ على لوح قلبه حفراً عميقاً.
إن الذين لا يقولون بأن سورية للسوريين وبأن السوريين أمة
تامة يرتكبون جريمة تجريد السوريين من حقوق سيادتهم على
أنفسهم ووطنهم. والحزب السوري القومي الاجتماعي يعلنهم
باسم ملايين السوريين التائقين إلى الحرية، الراغبين في
الحياة والارتقاء، مجرمين".
"إن الذين أدركوا واتضحت لهم هذه المعاني الأساسية لم يستغربوا رسالتي
التي وجهتها في 2 تشرين الثاني الماضي إلى القوميين
الاجتماعيين والأمة السورية جمعاء في صدد تصريح بلفور
لمصلحة اليهود وقضية فلسطين الناشئة عن التصريح المذكور.
في رسالتي هذه شددت على نقطة وهي أن قضية فلسطين يجب أن
تعتبر قضية سورية كلها وتهم السوريين وحدهم قبل كل واحد
سواهم."
"يمكن أن يعاون السوريين من الخارج دول لها بسورية صلات
تاريخية ودموية وثقافية وقرابة مصالح. ولكن لا يجوز أن
يقرر أحد، مهما كان قريباً لنا، قضية تخصنا نحن. يجب أن
ينتظر إلى أن نقرر نحن ليوافقنا على تقريرنا. فيجب أن
نضطلع نحن بمسؤولية قضايانا القومية وأن نقرر مصيرنا
بإرادتنا وأن نبقي تقرير المصير من حقنا وحدنا. بهذا
المبدأ يمكننا أن نفهم كيفية نظرنا إلى الأمور ويمكن أن
نخطط سياسة وسياسات وأن نعين الأهداف التي نريد."
"إن
عدم اعتبار السوريين قضية فلسطين قضية سورية محض بالمعنى
القومي، وعدم تناديهم إلى عقد مؤتمر فيما بين الدول
السورية للبت في قضية فلسطين ــ للدفاع عنها ــ أخرج
القضية من حقوق السوريين إلى نطاق مشاع بين حقوق عدة دول
ضمن العالم العربي. صارت حقوق مصر والعرب ومراكش الخ ...
مثل حقوقنا نحن وهذا غلط كبير. هذا تفريط في الحقوق
القومية."
"ومع
شدة تبجح السوريين بأنهم يمتازون بالفكر والعقل على بقية
العالم العربي كانوا من هذه الناحية متأخرين ولنا بعصبية
مصر مثل. إذا قابلنا بين قضية فلسطين وقضية
السودان وقابلنا بين موقف السوريين من الأولى وموقف
المصريين من الثانية، اتضح الفرق الكبير بين وضوح مصالح
مصر للمصريين وغموض مصالح سورية للسوريين. والمصريون لم
يضعوا قضية السودان في يد الجامعة العربية ولم يسمحوا
بجعلها قضية غير مصرية بحت، لأنهم يشعرون أن السودان يخصهم
ولا حقّ لأحد غيرهم بتقرير مصير ذلك الجزء من وطنهم ولا
يقبلون أن يتدخل لبنان أو الشام أو العراق في الأمر وتنوب
عن السودان أو عن مصر في البت في مصيره."
"أما نحن فقبلنا أن تتدخل في قضية
فلسطين أية شخصية غير سورية من العالم العربي وأن تعدها
قضية لها كما هي لنا وأن تعتبر نفسها متساوية معنا نحن في
الحقوق والمسؤولية وفي تقرير المصير. لم ينتظر العرب
والمصريون إلى أن يقول السوريون كلمتهم ليؤيدوها كدول
شقيقة أو محبة أو متألمة أو مشتركة في بعض المخاوف، بل
تدخلوا مباشرة كأن الأرض تخصهم كما تخصنا ولهم ذات الحق
كما لنا."
"من الذي يكفل لنا أن العمل صار بإخلاص من جميع الجوانب التي تدخلت في
القضية لمصلحة فلسطين والأمة السورية؟"
"والصحيح أن النتيجة السيئة في كل الشوط الماضي في صدد فلسطين حصلت من
تلك التدخلات الواسعة غير المضبوطة التي عرّضت القضية إلى
مساومات وتأثيرات ما كان يجب أن تتعرض لها."
"إننا نشك كثيراً في أن المملكة العربية السعودية كانت
تشعر بالفعل أن فلسطين يجب الدفاع عنها كما يشعر السوريون
وللغاية السورية عينها التي يريدها السوريون. فالأرجح،
الذي تدل الدلائل عليه، أن المملكة السعودية رأت في تدخلها
مجالاً للعمل لمسائل خاصة بها ويمكننا أن نعتقد، وهنالك
أسباب تؤيد هذا الاعتقاد، أن مصالح مادية هامة تمكنت
المملكة العربية السعودية من الحصول عليها بطرق المساومات
على كيفية تقرير مصير فلسطين. إن القروض المالية الكبيرة
التي تستعد دولة الولايات المتحدة الأميركانية لإقراضها
لها وفي المصالح المادية الكثيرة التي حصلت بين الولايات
المتحدة الأميركانية والمملكة السعودية لا تسمح بأن نظن
أنها بعيدة عن تنفيذ خطط السياسة الأميركانية في صدد قضية
فلسطين. كذلك نرى أن المصريين نظروا إلى قضية فلسطين من
وجهة نظر مصرية بحتة. في الوقت الذي لا يوجد فيه تخطيط
سياسة سورية وليس للسوريين موقف واحد صريح موحد وسورية
مجزأة وكل جزء من أجزائها يكون احتكاراً لبعض الفئات
الرسمالية أو الإقطاعية
ــ في الوقت الذي نجد فيه سورية في هذه الحالة السيئة نجد
أمتين من أمم العالم العربي قد كونتا وحدتيهما على أسس
أمتن وأقوى على تقرير مصيرهما وأقوى على التدخل في ما يخص
الأمة السورية وحدها بدون منازع!"
"لو كان هذا المبدأ السوري القومي الاجتماعي الأول وجد فعله في الأمة
السورية جميعها بسرعة لما وصلت قضية فلسطين إلى الحالة
المؤسفة التي وصلت إليها الآن. وكذلك نقول عن الإسكندرون
وكيليكية. وإن عندي من الوثائق ما يدل دلالة صريحة على
النتائج الوخيمة التي يسببها إهمال هذا المبدأ الذي يجب أن
يكون مقدساً في كل سورية. حين تم انتزاع منطقة الإسكندرون
وإلحاقها بتركية والأمة السورية جريحة دامية قام عام 1938
وزير خارجية مصر برد زيارة لوزير الخارجية التركية في
أنقره وتبادلا الأنخاب على كل ما تم لإنجاح تركية وعلى هذه
النتيجة الباهرة الجميلة: إنّه لم يبق بين تركية ومصر من
أرض حائلة إلا فلسطين! فكان هذا القول من قبل وزير خارجية
مصر بمثابة اعتراف للاشتراك بتنفيذ الخطط الأخرى وهي ضم
منطقة حلب
- دير الزور أيضاً إلى
تركية، والإجهاز على غرب شمال سورية كله فلا يبقى بين
تركية ومصر أي حائل إلا فلسطين.إن التفريط في حقوقنا بعدم
اعتبار سورية أمة تامة وأن سورية الوطن هي للأمة التامة هو
الذي أفقدنا أجزاء غنية و يهددنا اليوم بفقد فلسطين." |