شعوبية وميعان
أثارت إنتخابات ما يسمى بقيادة الحزب القومي جملة من التصاريح الرافضة
لها ولنتائجه اوتطعن في نزاهتها، وأخرى تشيع لها مسفهة ما يطرحه
الطاعنون فيها، وتراها إنجازا مهما ومميزا. أهم ما يلفت النظر في
كل ما نقرأه حول ذلك هو ما يطفو من تعابير ومفاهيم أقل ما يقال فيها
إنها تعابير ومفاهيم غير قومية تعكس الميعان والتسيب الفكري الذي غرق
فيه كثير من القوميين ولا يعرفون كيف يخرجون منه. لقد بدأ هذا
التسيب الفكري منذ أكثر من ثلاثة عقود حيث تأثر بعض المنضوين في الحزب
القومي بالمناخ السائد حينذاك ولاسباب تختلف من شخص الى آخر.
ربما كان إنعام رعد هو اكثر الأشخاص الذين طحشوا في هذا الأتجاه لما
كان عنده من غزارة في الأنتاج الفكري الذي يعكس هذه الحالة. لم
يكن المحرك عند إنعام رعد ما قد يكون سقط عليه من وحي جعله يقرأ سعاده
من جديد، بل كان بسبب ما وجد فيه الرجل نفسه من مأزق كاد يودي، بل كان
يجب أن يودي به خارج الحزب، بسبب ما كان له من مواقف مخزية خلال
إعتقالات القوميين على أثر المحاولة الأنقلابية وخلال المحاكمات التي
تلتها. لقد رأى إنعام رعد أن عليه أن يدعم نفسه بشكل من الأشكال
كي لا يسقط وينهار، لذلك تفتق ذهنه المتقد الى إستجداء اليسار الشيوعي،
بصورة خاصة منظمة العمل الشيوعي ذات العلاقة الجيدة مع التنظيمات
الفلسطينية، خاصة فتح. فهو كان دائما يحاول إنتزاع شهادة حسن
سلوك من أشخاص أمثال محمد كشلي ومحسن أبراهيم. لقد نجح أيضا في
أن يؤلب عددا من القوميين وعلى رأسهم عبدالله سعاده لتكوين حالة
أنقضاضية تتحين الفرص لأستلام مقدرات الحزب وقيادته. إذ كان
إنعام رعد جاهدا للقوطبة على قرارات المحكمة الحزبية حيث كان مطروحا
فيها طرده من الحزب لتنكره لرفاقه وعقيدته ونهضته. الغريب في
الأمر أن عبدالله سعاده لم ير أو تغاضى عن كل ذلك ودعم أو سار في
الطريق الذي رسمه إنعام رعد فأعطاه بعض مصداقية جذبت عددا من القوميين
شكلوا فيما بعد ما يسمى بالتنظيم الديمقراطي الثوري الذي لم يعش طويلا،
حيث توزع أفراده في ولاءتهم الى جهات خارج الحزب مثل منظمة فتح وغيرها،
وبعضهم تعاون مع منظمة العمل الشيوعي وغيرها من التنظيمات
الماركسية.
الميعان الفكري والعبثية الفكرية هذه أخذت طابعا خطيرا ومدمرا عندما
تمكن إنعام رعد بما حصل عليه من دعم مما سمي بالحركة الوطنية وما توفر
له من أموال أغرى بها كثيرين أو أشترى ضمائرهم، أن يعمم شعوبيته لتحقيق
حلم طويل في أن يكون نائبا في المجلس النيابي غصبا عن كمال جنبلاط أو
الى جانبه. فقد رأى في الحركة الوطنية تحقيقا لحلمه الضائع والحصول على
شهادة براءة طالما حلم بها كثيرا.
المناخ القومي الأجتماعي يعاني الآن من هذا الإرث ويرزح تحته.
إننا نقرأ تصاريحا في الصحف نفهم منها أن أصحابها يصنفون أنفسهم
كموالين أو معارضين في الحزب القومي الإجتماعي. طبعا نحن لا
يفاجئنا ذلك وقد رافقنا هذه المرحلة الشعوبية التي نمت وتأصلت خلال
الحالة العبثية التى إجتاحت لبنان، والتي لم أقفلت فيها العقول
والبصائر وأطلق فيها العنان للتهييج والتعصب والإثارة. لا نظن أن
أصحاب هؤلاء التصاريح الذين تتقدم أسماء معظمهم القاب مهنية شتى, قد
كلفوا أنفسهم فعلا الوقوف ساعة تأمل لفهم عقيدة سعاده وفهم أفكاره، إذ
هم إكتقوا بما يعتقدون أنهم يفهمون منها. أي مفهوم هو مفهوم
المعارضة والموالاة في الحزب السوري القومي الإجتماعي؟ هل هؤلاء
يؤمنون بهذا الأمر جديا؟ وهل إذا إعتقدوا ذلك يظنون أنهم فعلا
قوميون إجتماعيون آمنوا بالقضية القومية الإجتماعية وبالعقيدة المعبرة
عن هذه القضية؟ هل التنوع في الآراء الذي هو أمر بديهي وطبيعي
وإنساني، والذي يعبر عن غنى نفسي وفكري وتقر به العقيدة القومية
الأجتماعية، يشكل حالة معارضة وموالاة؟ هل هؤلاء يتكلمون عن هذا
التنوع الفكري عندما يصرحون بما يصرحون، ويصنفون أنفسهم بما يصنفون، أو
أنهم شتات يفتش عن طموحات أو جهل أو تجاهل لجوهر القضية القومية وعقيدة
حياتها؟
مسألة أخرى تدل على الميعان الفكري وعدم الفهم او الجهل او التجاهل
للفكر القومي الذي أرسا مداميكه سعاده وحصن بناءه، هو فهم هؤلاء
للديمقراطية وتطبيق الديمقراطية. لقد اتى سعاده بمفهوم
الديمقراطية التعبيرية كنظام يتميز عن غيره من الأنظمة الديمقراطية
التمثيلية ويمتاز عليها بأنه نظام يعبر عن مصلحة الشعب، ولا يمثل
الحالة القائمة التي قد تكون متردية كما هو قائم عندنا وفي معظم
البلدان المتخلفة والمغلفة بالفساد والأستغلال. إننا نرى أن معظم
القوميين وهم يتكلمون عن الديمقراطية، لا يوجد في إذهانهم سوى
الديمقراطيات الغربية، التي تفرز معارضة وموالاة. من هنا هم
سمحوا لأنفسهم أن يصنفوا أنفسهم معارضين أو موالين. هنا لا بد من
طرح السؤال: أين ذهب هؤلاء بالديمقراطية التعبيرية التي يفخر سعاده
بإيجادها وجعلها أساس نظام الحياة الجديدة التي أسس لها وأستشهد من
أجلها؟ هل حاول هؤلاء فهم هذه الديمقراطية فهما صحيحا وإيجاد الآلية
التي تعتمد في تطبيقها؟ طبعا لا. لقد ظن هؤلاء أن ما يمكن
أن يدعى بنظام الأمناء هو تطبيق للديمقراطية التعبيرية، وهو الآلية
الوحيدة لها. كان يمكن لهذه الآلية أن تكون جيدة لو لم يكن هناك
من إساءة وإستغلال في التطبيق ناتجة عن نظرات فردية وفئوية
مخالفة للأخلاق القومية الإجتماعية وضاربة بها عرض الحائط. إن
غياب سعاده المبكر قد أغرق الذين تولوا قيادة الحزب بعده في متاهات هذه
الفئوية قبل أن يتمكن سعاده من خلق مناخ نفسي افضل يمنع أو يقزم تأثير
الفئوية والشخصانية، لمصلحة العمل الجماعي والتفكير الجماعي المتعاون
والهادف. لقد التقينا بمعظم الجيل الذي عاصر سعاده والذي
جهد سعاده لبنائه وتثقيفه، ولقد فهمنا أسباب اللإفشالات والخيبات التي
لحقت بالحزب عندما تعرفنا الى حقيقة تفكير هؤلاء والعقلية التي عملوا
بها. لقد بقيت هذه العقلية مقصرة كثيرا عما أراد لها سعاده أن
تكون. إنها عقلية مخضرمة لم تع البعد الذي رسمه سعاده لها وقادها
إليه. كثيرون من هؤلاء إعتقدوا بأنهم كان يمكنهم أن يكونوا زعماء
وخلفاء للزعيم. فكأنهم لم يرافقوا الرجل أبدا ولم يفهموه أبدا.
لم يعرفوا أن ذلك الرجل كان عنده وضوح كامل وكان له قضية لم يشغله عنها
آي أمر آخر، ورسالة كان عليه أن يكملها، لا تثنيه عن ذلك أخطار أو
مكاسب أو أي إعتبارات أخرى. بعضهم لم يكونوا حتى صاديقين معه، أو
لم يتجرأوا أن يكونوا صاديقين معه، كما يذكر الأمين عبدالله قبرصي في
مذكراته بخصوص معارضته لطرد نعمه ثابت.
لقد أساء الجيل الأول كما ذكرنا آنفا، إستعمال رتبة الأمانة، لكنه لم
يصل الى الخفة والوقاحة التي شاهدناها خلال العشرين سنة الماضية حيث
بدأ تكديس "الأمناء" تحسبا للحشرات وحالات الطوارىء من قبل الأفرقاء
المتناحرين، إستباقا لأوضاع قادمة أو وفاء لإلتزمات وتعهدات معينة.
رأينا أن هذه الديمقراطية وما يصاحبها من معارضة وموالاة ستستمر ما
أستمر المعيان الفكري وما أستمرت المؤمنون الحقيقيون بالسكوت وتجاهل ما
هو حاصل. |