|
يستطيع المراقب للاحداث
في لبــنان وكامل المحيط الشرق اوسطي ان يجمع دلالات
ومؤشرات تقود متضافرة الى القول
إن الحرب على لبنان في مقاومته ومعارضته،
وعـبره على محــور المقاومة
والممانعة في الشـرق الاوســط باتت امراً لا مفر
منه، وان توقيتها مسـألة ايام
ولا يمكن التحدث عنها بالأسابيع. ونستطيع
الاستدلال على ذلك بما يلي:
أـ قرر بوش ان يحتفي مع
اسرائيل بالذكرى الستين لإنشائها على ارض فلسطين بعد ان
اغتصبتها وشردت اهلها، وكان
انشاء لكيان لم يستقر حتى الآن ولم يطمئن الى
مســتقبله او قدرته على
الاستمرار. ان التهديد الملح لها الآن يتمثل في
المقاومة الفلسطينية خاصـة في
قطاع غزة، والمقاومة الاسلامية في لبنان، وفي
النظام الممانع في ســوريا
والنــظام المتــحدي في ايران، مع هذه المصادر
للأخطار يرى بوش أن ضربة عسكرية
لإحداها او لجميعها يمكن ان تدخل الطمأنينة
لإسرائيل فتكون هديته لها في
يوم ميلادها. هدية تتمثل بـحرب اقله على لبـنان او
غزة.
ب ـ اخفقت جماعات
الفريق السلــطوي في لبنان، حتى الآن في فرض ذاتها عــلى
لبنان حاكمة فاعلة وبات الوقت
يضيق عليــها كلما اقترب ايار ,2009 تاريخ انتهاء
ولاية مجـلس النواب اللبناني
الحالي، الذي استطاعت تلك الجماعات ان تغــتصب
عبره اكــثرية إقــامتها في
السلــطة، وهي تعــلم ان اي انتخــابات جديدة
ووفقاً لأي قانون انتخاب لن
تعيدها الى السلطة، لهذا فهي ترى في الحــرب التي
تشـن على المقاومة في لبنان،
وعــبرها على كل المعارضة، فرصة لها للاستمرار في
التربع على كراسي الحكم...
ج ـ إن اسرائيل التي
هزمت في حرب 2006 وهشمت قدرتـها الردعــية ترى ان الطــريق
الأفعل والأسرع لاستعادة ذلك هو
الحرب التي تضعها في الموقـع الذي كانت فيه
قــبل الهزيمة، قوة عســكرية
مرهوبة الجــانب تصــل الى ما تريد وتنفذ ما تخطط.
وعليه فإن الحرب التي هي حاجة
للفريق السلطوي في لبنان، وحاجة اسرائيلية، وحاجة
أميركية، هذه الحرب بدأ
محتاجوها يعلنون عن التحضيرات لها حيث نسجل في هذا
المجال:
-
الإعلان عن
رسو قطع من الاسطول السادس الاميركي مقابل الشاطئ
اللبناني مع
ترحيب وشكر سلطوي بذلك.
-
دعوة اميركا
والسعودية والكويت لرعاياها بالامتناع عن السفر الى
لبنان او
توخي الحيطة والحذر في
تنقلاتهم فيه.
-
تزايد الحديث
عن توزيع الأسلحة وإجراء عمليات التدريب في صفوف
جماعات
السلطة، مترافقاً مع
التعميم ان عليهم الدفاع بأنفسهم عن ثورتهم التي
يهددها «المحور
السوري الإيراني»، على حد
تعبيرهم.
-
إعلان
اسرائيل عن مناورات ضخمة في الشهر المقبل لاختبار
جهوزية الجبهة
الداخلية.
-
الإعلام
السلطوي في لبنان الذي يضــخم اي حالة او حادثة بقصد
التأكيد على
اقــتراب الحـرب. مع ما
يثار من سيناريوهات للحرب القادمة، كما يشيعون في صفوف
اتباعهم بأن الحرب قريبة
جداً وأنها ستكون عبر هجوم تدميري اسرائيلي (جواً
بحراً وبراً)، يرافَق بعمل
ميـليشيوي سلطوي لتجميد المقاومة وتمكين اسرائيل من
اجتثاثها وتطبيق القرار
,1559 وعندها تستقيم السلطة لهم وتكون كل ازمّتها في
قبضة هذا الفريق.
إن الدوافع والخلفية
والكــثير من الوقائع الميدانية تقـود في ظاهر الامور
الى القــول إن الحرب على لبنان
والمنطقة إسرائيلياً وأميركيا ومع الأتباع
والحلفاء باتت محسومة وهي واقعة
لا محالة خلال ايام، والمسألة لم تعد مسألة
سؤال هل تقع الحرب بل متى
ستندلع شرارتها ومتى ستنتهي... ولكن؟
إن المسألة في جوهرها
وعمقها تتعدى ما ذكر وتتعدى تمنيات وطموحات هذا الفريق
او ذاك إسرائيلياً كان ام
اميركياً، وقبلهما لبنانياً او عربياً وللأسباب
التالية:
الأولى أمن الجبهة
الداخلية التي لم تتماسك ولم يطمئن المسؤولون حتى الآن
حيالها، وما تلك المناورات التي
تعتزم تنفيذها في نيسان إلا وجهاً من وجوه
المعالجة لما كانت عليه الحال
في حرب تموز ,2006 لكن ما سربته او أعلنت عنه
اسرائيل من ان حزب الله امتلك
صواريخ لمدى 300 كلم، هذا الإعلان من شأنه ان
يعقد المعالجة ويجعل اكثر صعوبة
اتخاذ القرار بالحرب
.
والثانية تتعلق بالوضع
السـياسي الداخلي الذي لم يحسم اتجاهه الآن والذي لن
يتجه الى الاستقرار الا بعد
انتخابات جديدة، وخاصة ان فينوغراد قال
للاسرائيليين ليــس لديكم قيادة
قادرة الآن. وعليه فإننا بمنطق العسكري
الاستراتيجي المراقب نقول إن
إسرائيل ليست جاهزة للحرب الآن رغم انها تريدها
بــأقرب فرصـة ممكنة، ولم يكن
عبثاً او لهواً ما كانت لجنة فينوغراد قد المحت
اليه من حاجة الى 5 سنوات حتى
تمتلك مثل هذه الجهوزية، واستجاب باراك لذلك ووضع
الخطة الخمسية العسكرية
للمعالجة، ولم يمض من الوقت الا سنة ونصف السنة حتى
الآن.
-
أسباب
اميركية: إن اميركا الغارقة في وحول العراق
وأفغانستان، والتي تتحضر
لانتخاباتها الرئاسية،
والتي تآكلت قوة التدخل العسكري لديها فضمُرت ولم يبق
بيدها اكثر من 400 الف جندي
قابل للاستعمال، والتي هي بحاجة الى 300 الف منهم
لإجراء عمليات البدل
الروتينية كل ستة او تسعة اشهر، والتي تئن وتشــتكي من
عدم
استجابة الحلف الاطلسي لطلباتها في
ارسال المزيد من الجند الى افعانستان،
اميركا هذه لن تكون جاهزة
للدخول في حرب جديدة في الشرق الاوسط، وقد تراجعت كما
يبدو عن «استراتيجية القوة
الفارضة للقرار من غير دبلوماسية»، الى استراتيجية
«الدبلوماسية
المدعومة بالقوة» اي تحقيق
الاهداف بدبلوماسية تسندها القوة العسكرية المحدودة
الاستعمال او المقتصرة على
التهويل.
-
اسباب
لبنانية: لا يريد الحرب حقيقة في لبنان الا شخصان،
وهما يحاولان ان
يغررا بحلفائهما اللبنانيين
من جماعات السلطة، وتحديداً تيار المستقبل لزجه في
هذه الحرب. لكن المعطيات
الميدانية والنفسية تمكن من القول ان مــعظم جمهور
تيار المستقبل، ليس على
استعداد لتقديم نفسه وقوداً لنار تُنضج طبخَ الآخرين
او
تعــطيه دفئاً يساعده على البقاء
فاعلاً على الحلبة السياسية اللبــنانية في
الوقت الذي لا يؤهله حجمه
الشعبي لمثل هذا الدور. ومــن جهة اخرى فإن كل من
«الشاكر
لأميركا» و«العديم الخجل» من
دعمها، كلاهما لا يملكــان القدرة الميدانية على
حرب ينتصران فيها، وبالتالي
إن خوضها من قبلهما تكون بميزان الخبير انتحاراً
وليست حرباً تكتب انتصاراً.
فإن لم يجدا من يقاتلان به فلن يقاتلا.
على ضوء ذلك نستطيع
القول إن الحرب التي يكثر الحديث عنها ما زالت مستبعدة،
ولكن لماذا كثرة الحديث عنها
وقرع طبولها؟
في الجواب هنا نلفت الى
من يتحدث عن الحرب، ونجد ان الفريق الاميركي هو من
يفعل، ونحن نفسر ذلك بأنه وجه
من وجوه دبلوماسية القوة، اذ ان التهويل بالحرب
هو طريق اميركا اليوم للضغط على
اعدائها وخصومها لإخافتهم وحملهم على التنازل.
وبالخلاصة إن كل ما
نسمع ونرى من تحضير او تدبير او إعلان، لا يعدو كونه
تهــويلاً اميركياً لن يقود الى
حرب الآن او في القريب المنظور في هذا العام،
ولا يغير رأينا ما تتخذه
الجـهات المســتهدفة بالحرب من تدابير احتــياطية
دفاعية، فما هو إلا لتعزيز
قناعتنا ببعد الحــرب لأن في مثل هذه التدابير وسائل
اضافية رادعة تمنع اتخاذ قرار
بالحرب بخفة ورعونة من قبل الخصوم. ونقول إن
اسرائيل واميركا لن تتخذا قرار
الحرب الا بعد الاطمئنان الى النصر فيها، وهذا
الاطمئنان هو بعيد المنال
اليوم، وبُعدُه يبعد شبح الحرب. وهي حرب إن وقعت
اليوم فإنها لن تكون الا مفاقمة
لهزيمة المهزوم في ,2006 ومعقدة لمآزق
المأزومين فيها. |