لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

قمة الصفحة

مناقشة هادئة لوثيقة 14 آذار

حلقة أولى

صدر عن الفريق السياسي اللبناني الذي يشار إليه بفريق الموالاة أو فريق 14 آذار وثيقة سياسية دعيت هي الآخرى بوثيقة 14 آذار.

عند قراءتنا لهذه الوثيقة لمسنا عدة أمور مهمة لا يصح المرور عليها دون التوقف عندها ومناقشتها، خاصة أن هذه الوثيقة ظهرت وكأنها تمثل رؤية جديدة يسوّق لها الفريق الذي أطلقها.

على هذا الأساس رأينا أن نتأمل في هذه الوثيقة تأمّلاً هادئاً وننظر في المسائل التي تناولتها نظرة موضوعية بعيدة الأحكام المستبقة او التخوين اوالتكفير أو الإتِّهام، وذلك من أجل وضع النقاط على الحروف والفصل بين ما هو جوهري وأساسي ومنطقي وواقع وما هو تضليل وتزييف واوهام.

لبلوغ هدفنا في هذا المجال رأينا أن نعرض أولاً جميع الأفكار أو النقاط التي تناولتها الوثيقة.  نسوق هذه النقاط فيما يلي حسب تتابع ترتيبها في الوثيقة:

§        إن الجمهورية اللبنانية مستقِّلة وأن عمرها أربعة وستون عاماً.

§        إن هذه الجمهورية أمضت النصف الثاني من عمرها في حرب وإحتلالات.

§        أن لبنان أمام مرحلة مصيرية او يعود الى ساحة عنف مجانية للقوى الإقليمية والخارجية، إستجابة لأوهام عند بعض اللبنانيين، "أو إعادة صياغة لبنان بلداً يطيب العبش فيه، ودولة قادرة على النهوض بمسؤولياتها".

§        خيار فريق 14 آذار خيار واضح وهو يتبنى الخيار الذي أطلقته ("الأكثرية اللبنانية") في ساحة الشهداء بعد إستشهاد رفيق الحريري، وهو (فريق 14 آذار) في صدد إطلاق ورشة عمل لتحديد الطريق الواجب إعتمادها لإتمام ما بدأه في العام 2005.

§        أن فريق 14 آذار يعتمد على نفسه وعلى مكامن القوة التي يملكها.

§        أحد مكامن هذه القوة عند فريق 14 آذار هو حريتهم التي طالما جاهدوا في سبيل الدفاع عنها.  هذه الحرية هي متعددة الوجوه وتشمل "حرية الرأي وحرية المعتقد وحرية التعبير وحرية القرار وحرية مقاومة الظلم".

§        هم (فريق 14 آذار) لا يقبلون حدوداً لتعدد إنتماءاتهم السياسية والفكرية والثقافية والإجتماعية.

§        هم (فريق 14 آذار) لا يقبلون حدوداً لتنوع مصالحهم وحساسياتهم، ولحرية إنفتاحهم على الآخرين.

§        هم (فريق 14 آذار) أرسوا في لبنان أسس نظام ديمقراطي لا تحكمه عنصرية دينية ولا يحرسه نظام مخابراتي.

§        هم (فريق 14 آذار) مارسوا الديمقراطية في محيط غير ديمقراطي.

§        هم (فريق 14 آذار) مارسوا التنوع في بيئة ترفض التنوع والتمايز.

§        هم (فريق 14 آذار) مارسوا التقدم في عالم مشدودٍ إلى نزاعات الماضي وهواجسه.

§        هم (فريق 14 آذار و"الأكثرية" التي يمثلونها) يملكون أيضاً قدرة كبيرة على الفعل والتأثير على صعيد التنمية والتطور في لبنان والمنطقة، بفضل إيلائهم الإهتمام الدائم لقيمة العلم والمعرفة والثقافة. وهم (فريق 14 آذار متكلما باسم اللبنانيين) كانوا في طليعة رواد النهضة في القرن التاسع عشر وهم على إستعداد للمساهمة في إطلاق نهضة ثانية من خلال الشباب المقيم والمنتشر.

§        هم (فريق 14 آذار متكلما باسم اللبنانيين) يملكون ثالثاً إنفتاحاً كبيراً على العالم لان الشعب اللبناني حسب زعمهم "معولم" قبل العولمة.

§        هم (فريق 14 آذار متكلما باسم اللبنانيين) يملكون تجربة فريدة من العيش المشترك، هذه الصيغة التي نقضوها في زمن الحرب ثم رأوا ان يعودوا إليها الآن.

§        هم (فريق 14 آذار) يتطلعون إلى تجديد الرؤية والتوجه بإحداث ثورة في مفاهيمها الثقافية.

§         هم (فريق 14 آذار) يقرون أن لبنان منقسم إنقساماً حاداً لم يشهد مثله من قبل في تاريخه الحديث.

§        أن هذا الإنقسام هو على طبيعة الدولة ودورها.

§        إن هذا الإنقسام هو إنقسام بين نظرتين ثقافيتين: واحدة تقوم على ثقافة السلام والعيش معاً والوصل مع الآخر المختلف، ونظرة آخرى تقوم على ثقافة العنف والفصل، وترى أن توكيد الذات لا يتم إلاّ بإستعباد الآخر المختلف وصولاً إلى إلغائه أو استتباعه.

§        إن ثقافة السلام والوصل مع الآخر ترى أن حقوق المواطنين يجب أن تكون متساوية في المطلق، وترى أن جيمع الطوائف يجب أن تحظى بضمانات متساوية يوفرها لها وجود دولة توكل إليها مسؤولية ذلك.

§        إن ثقافة العنف والفصل فتنظر إلى المواطنين كمجرد أعداد متراصفة داخل طوائفها، اما الطوائف فهي مهددة باستمرار في وجودها وحضورها الحر.

§        إن ثقافة السلام والوصل تقوم على التنوع والإنفتاح والتفاعل.

§        إن ثقافة العنف والفصل تقوم على قسمة العالم الى فسطاطين: خير وشر وإيمان وكفر. وهذه الثقافة "تستل عاملي الكبت والخوف لدفع الطوائف إلى التماس "حمايات خارجية" في محاولة لتعديل موازين القوى الداخلية بدعم من الخارج ووفقاً لشروطه".

§        ثقافة السلام والوصل تؤمنها سيادة القانون وشمول العدالة لكل الفئات بدون تمييز.

§        ثقافة العنف والفصل تحدد الجاني والضحية على أساس الهوية السياسية.

§        ثقافة السلام والوصل تقوم على طي صفحة الماضي على قاعدة الإقرار بالمسؤولية الجماعية والفردية عن خطايا الحرب واعتبار أن جميع الضحايا شهداء الوطن.

§        ثقافة العنف والفصل تتأسس على إستحضار تمييزي لجرائم الماضي بغية منع إعادة الوصل.

§        ثقافة السلام والوصل معى الآخر تنظر الى الدين كرابطة تجمع اللبنانيين.

§        ثقافة العنف والفصل تعمل على احتكار المقدس وتعيين الخير والشر وتكفير الخصم وهذا هو التعصب الديني.

§        ثقافة السلام والوصل مع الآخر تهدف الى اقناع الخصم بالحجج والمنطق والبحث عن المساحات المشتركة.

§        ثقافة العنف والفصل تستخدم الخطاب السياسي ل"قتل" الخصم رمزياً ومعنوياً من خلال الكذب والإهانة والتخوين.

§        أن مستقبل اللبنانيين مرتبط بالقدرة على ارساء ثقافة السلام والوصل.

§        إن إرساء ثقافة السلام والوصل تتطلب قراراً بتثبيت استقلال لبنان من خلال تأمين الوحدة اللبنانية مما يتطلب تجاوز الصراعات الطائفية.

§        إن إرساء ثقافة السلام والوصل تتطلب قراراً ببناء دولة مدنية حديثة تقوم على الفصل بين الحقوق التي هي شأن المواطنين والتي من واجب الدولة تأمينها في ما يتعلق بوجودها وحضورها الحر.

§        إن قيام دولة ديمقراطية حديثة يحرر الطوائف من عقدة الخوف من الآخر.

§        إن إرساء ثقافة السلام والوصل تتطلب قراراً يصون سيادة اللبنانيين من خلال الإسراع في إعادة انتظام مؤسسات الدولة وتوكيل الدولة وحدها مهمة توفير الأمن للجيع، ويعود للدولة وحدها الحق الحصري في امتلاك القوة المسلحة كي لا يكون في لبنان جيشان يخضعان لسلطتين مختلفتين: سلطة الدولة وسلطة دولة أجنبية.

§        إن إرساء ثقافة السلام والوصل تتطلب قراراً بحماية استقلال لبنان من خلال إعادة الإعتبار الى فكرة المقاومة التي هي حق للشعب اللبناني.

§        المقاومة تقوم على  مكامن القوة التي يملكها الشعب لا على مكامن الضعف وهي اقوى في مواجهتها الخطر الخارجي اذا كان المجتمع موحدا والدولة فاعلة والجيش قويا والاقتصاد ناشطا.

§        ليست مقاومة تلك التي تفرز الشعب بين "أكثرية" "خائنة و"اقلية" وطنية".

§        ليست مقاومة تلك التي تؤدي الى ربط الناس بالإعانات والإعاشات.

§        ليست مقاومة تلك التي تقوم على إلغاء القرار الوطني لصالح الخارج وخدمة مصالحه.

§        إرساء ثقافة السلام والوصل تتطلب قراراً بضمان استقلال لبنان عبر توفير الظروف العربية المؤاتية.

§        إن توفير الظروف العربية المؤاتية تتم من خلال الإلتزام في المعركة الدائرة في عالمنا العربي للخروج من الإصطفافات السياسية والفكرية التي فرضتها الحرب الباردة لأكثر من نصف قرن.

§        من معالم هذه المعركة الدائرة في العالم العربي أن إسرائيل وإيران تحاولان الحلول مكان الدول الكبرى في التحكم بمصيره.

§        إن إرهابا يمارس على العالم العربي نتيجة تواطؤ موضوعي.

§        إن أبرز معالم هذا التواطؤ هو أن إسرائيل تعمل على توفير حماية دولية في حربه على لبنان.

§        إن توفير الظروف العربية المؤاتية تتم عبر ملاقاة التحول الجاري في العالم العربي حيث ترتسم معالم نظام اقليمي عربي جديد بعيد عن الديماغوجيا السابقة.

§        أن هذا التوجه أكده إعلان الرياض الذي صدر في ختام القمة العربية في آذار 2007.

§        إن هذا التوجه يؤكد أن العروبة ليست مفهوما عرفياً عنصرياً بل هي هوية ثقافية وإطار حضاري مشترك قائم على القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية.

§        من ضمن هذا التوجه أكد إعلان القمة العربية المشار إليها إعطاء الأولوية لخيار السلام العادل والشامل وضرورة "نشر ثقافة الاعتدال والتسامح والحوار والانفتاح، ورفض كل اشكال الارهاب والغلو والتطرف".

§        إن توفير الظروف العربية المؤاتية تتم من خلال طي صفحة الماضي مع سوريا وتطبيع العلاقات معها وهذا يبدأ بعودة النظام السوري الى الحظيرة العربية واعلانه الإعتراف باستقلال لبنان واحترام سيادته.

§        إن توفير الظروف العربية المؤاتية تتم بطي صفحة الماضي الأليم بين الشعبين اللبناني والفلسطيني.

§        إن لبنان يتعرض منذ ثلاث سنوات لهجمة شرسة ومتواصلة يعدد البيان مؤشراتها ويتساءل عن اسبابها.

§        إن فريق 14 آذار مد يده للجميع لطي صفحة الهيمنة السورية والتأسيس لمرحلة لا غالب ولا مغلوب.

§        إن فريق 14 آذار من موقعه كأكثرية شعبية ونيابية، يمد يده مرة جديةدة ويكرر دعوته الى تخطي الخلافات والمشاركة في تحديد المصير.

§        أن خلاص لبنان يكون لكل اللبنانيين أو لا يكون.

§        أن الأساس في المشاركة هو أن تقوم على الثوابت الوطنية التي أجمع عليها اللبنانيون والتي حددها اتفاق الطائف والحوار الوطني والقرارات الدولية.

قمة الصفحة

2

الأكثرية والأقلية ومسألة الحق والباطل

من الجزئية والهامشية بمكان أن نبدأ ملاحظاتنا على هذه الوثيقة بتناول مفهوم الأكثرية والأقلية، لكننا نرى أنفسنا مضطرين لمجاراة  فريق 14 آذار في هذا الأمر، ذلك أن هذا الفريق يعوّل كثيراُ على إظهار نفسه بأنه يمثل أكثرية الشعب اللبناني ويستعمل ذلك من أجل تغليب آرائه وتأكيد مصداقيته.

نقول إنه من الجزئية والهامشية بمكان تناول مفهوم الاكثرية والأقلية في معرض الكلام عن الامور المصيرية وما يصطحب هذه الامور من مفاهيم الحق والباطل، لأننا نؤمن أن الحق ليس عددياً  وهو لا يقرر بواسطة العدد وليس من حق العدد ان يلغي ما هو حق أو يثبت ما هو باطل.   إن الحق يقرر على ضؤ وأسس طبيعة الحياة الإنسانية وما يحكمها من قوانين ونواميس إنسانية وطبيعية. ونحن ندرك أيضاً أن الباطل لا يظهر بمظهر الباطل بل بمظهر الحق وغالباً ما يختلط على عامة الناس ما هو حق وما هو باطل لأن الباطل يلبس دائما ثياب الحق ولا يعلن عن نفسه أنه باطل بل يدعي أنه حق.

إن الحق والباطل هما في صراع دائمٍ لا ينتهي إلا بانتصار واحدهما على الآخر.  إن انتصار واحدهما على الآخر تعني بقاء واحدهما وإنتفاء الآخر أو اختفائه الآخر اختفاءً نهائياً كلياً.

نحن نؤمن ايضاً أن إنتصار الحق على الباطل لا يمكن أن يتم لمجرد ان الحق هو حق وان الباطل هو باطل. إن الحق والباطل في صراع دائم وأن أنتصار واحدهما على الآخر يعتمد القوة التي تقف وراء كلٍ منهما.  إننا لا نستغرب أبداً أن ينتصر باطل تدعمه قوة وأن يخسر حق لا قوة له.   لا يمكن أن ينتصر الحق على الباطل إذا لم تدعمه قوة تفوق القوة التي تحرك الباطل وتؤازره وتنتصر له.

إن المعركة بين الحق والباطل هي معركة حقيقية لا يلغيها اللجؤ إلى الحجج الواهية التي تحاول إغفال الواقع الإنساني أو تجاوزه، وإنه لا يمكن لأصحاب الحق المساومة على حقهم لأن المساومة على هذا الحق تعني الإنجرار وراء الباطل.

لكنه لا بأس أن نجاري فريق 14 آذار في اعتبار أن الأكثرية العددية هي من الأهمية بمكان وهي  أمر حاسم يمكن التعويل عليه في اتخاذ القرارات المصيرية الخطيرة.

يطيب لفريق 14 آذار الإدّعاء انه يمثل أكثرية نيابية وانه يمثل أكثرية الشعب اللبناني، ونحن نمل حقاً أن نتساءل عن حقيقة هذا الإدعاء ومصداقيته.

أن يكون لفريق 14 آذار أكثرية نيابية فهذا واضح من خلال عملية أحصاء بسيطة لعدد النواب المصطفين في هذا الفريق مقارنة مع عدد النواب المعارضين لهم.  لكننا لا بد أن نسأل عن الطريقة التي أنتجت بواسطتها هذه الاكثرية النيابية وإذا كانت هذه الأكثرية النيابية تمثل فعلياً أكثرية شعبية!

إنه لمن المعرفة العامة أن هذه الأكثرية النيابية كانت نتيجة خداع وتشاطر سياسي، من جهة، قام به لاعبو فريق 14 آذار وقرار سياسي خاطيء، من جهة أخرى، اتخذه حزب الله وحلفاءه ه خلال الإنتخابات النيابية الماضية التي انتجت المجلس النيابي الحاضر.  إن التذاكي والتشاطر والخداع لا تصنع أكثرية ولا تخول أحداً الإدعاء بأنه أكثرية.

إن هذا النوع من الإدعاء هو إلغاء للديمقراطية واستهزاء بها والإستخفاف بمدارك الناس وعقولهم.

إذا كان فريق 14 آذار يعوّل كثيراُ على الأكثرية الشعبية  في القرارات المصيرية كائناً ما كانت هذه القرارات فيجب أن عليه أن يمثل فعلياً أكثرية الشعب اللبناني وان لا يدّعي ذلك ادِّعاءً.

إن مثل هذا الأمر لا يمكن أن يبرهن ويحقق إلا من خلال انتخابات جديدة تجري على أساس هذه القرارات وعلى أساس الرؤية التي يحملها فريق 14 آذار، حتى إذا ما نجح في الحصول على أكثرية نيابية جديدة، يكون قد نجح في تمرير هذه القرارات.

إن الحل للمشاكل التي يختلف عليها اللبنانيون يبدأ من خلال الإتفاق الفوري على قانون إنتخابي جديد يضمن التمثيل النيابي الصحيح للبنانيين ويدعى على أساسه الشعب اللبناني إلى انتخابات نيابية فورية. 

عندما نقول أن الحل للمشاكل التي يختلف حولها اللبنانيون يبدأ من خلال قانون إنتخابي جديد فإننا نعني أن يكون هذا القانون الإنتخابي الجديد قانوناً عادلاً شاملاً وليس مفصّلا على قياسات محددة سلفاً.  لا مجال للتلاعب أو التشاطر أو التذاكي في هذا الشأن.  إن التلاعب والتشاطر والتذاكي لا تزيد المشاكل سوى تعميقاً وتأخذ بها إلى منعطفات خطيرة جداً قد لا يكون بإستطاعة أحد تحمل نتائجها.

إن القانون الإنتخابي الجديد المطلوب يجب أن يؤمن تمثيلاً صحيحاً لإرادة اللبنانيين ولا يكون فيه أي نوع من أنواع الإلتفاف على الطريقة الديمقراطية التمثيلية الصحيحة، وأن يكون حاسماً في محاسبة ومحاكمة كل ما يشوّه العملية الديمقراطية الصحيحة من رشوة وشراء ضمائر الناس بأي طريقة من الطرق.

إن الإتفاق على قانون إنتخابي منصف وعادل جديد تجري على أساسه إنتخابات نيابية فورية هو التحدي الأول لجميع الفئات السياسية في لبنان ولا يمكن أن يكون هناك اتفاق بين اللبنانيين بدون إيجاد مثل هذا القانون والعمل به بدون أية قوطبة أو تجاوزات. 

إن مناقشة شاملة لوثيقة فريق 14 آذار تفرض تناول جميع الأفكار الأساسية التي وردت فيها، لذلك سنجتهد لحصر هذه الأفكار في نقاط محدّدة لها الصفة العامة والشاملة، تجنباً للتطويل وتداخل الشرح أو تكراره.   لذلك رأينا أن نعتمد بصورة أساسية على مناقشة النقاط التالية:

·        فريق 14 آذار كقوة سياسية

·        لبنان الوطن المستقل

·        لبنان الدولة

·        الخيارات المستقبلية للبنانيين

قمة الصفحة

3

فريق 14 آذار كقوة سياسية

يحاول هذا الفريق أن يظهر بمظهر قوة سياسية عريقة في تاريخها، متجانسة في منطلقاتها المبدئية، وتملك رؤية مستقبلية محددة الأهداف ومضمونة النتائج.  وهو يريد ان يوحي أن هذا التجانس هو أمر محسوم نهائي لا يمكن أن يتزعزع أو يتخلخل في مواجهات ما ينتجه المستقبل من أحداث وما يمكن أن يكون لتلك الأحداث من مصاحبات وإفرازات.

إن كلام هذا الفريق عن الديمقراطية والحرية والثقافة والتنوع والتمايز والإنفتاح والتفاع يوحي أن هذا الفريق هو ثمرة نضال شعبي طويل من اجل الديمقراطية والحرية والإستقلال وإن كلامه  في مثل هذه الشؤون ينبع من تجانس حقيقي في صفوفه. 

إن هذا الإدّعاء من قبل هذا الفريق يجعلنا نتساءل عن الأسباب التي تقف وراءه ويقودنا التساؤل الى افتراض سبب من إثنين لهذا الإدعاء أو كليهما معاً.  السبب الأول هو أن يكون هذا الفريق جاهل لحقيقة الأمور وحقيقته كفريق او أنه يحاول ذر الرماد في العيون واستغباء عقول الناس من خلال فلسفة كلامية ليس لها علاقة بجوهر الواقع والتأثيرات والعوامل والقوى التي تتحكم به.

بين أن يدّعي أحد أمراً ما وبين ان يكون هذا الأمر حقيقة وواقع فرق شاسع هو الفرق بين الحقيقة والوهم.

أن يدعي هذا الفريق بأنه يمثل حالة ديمقراطية وحالة نضالية من أجل الديمقراطية والحرية والتنوع (يلاحظ هنا ان الوثيقة ركّزت على الديمقراطية والحرية وأغفلت الكلام عن السيادة بصورة كاملة) يعني أن هذا الفريق يتكون من مجموعات تأسست على الديمقراطية وشكّلت الديمقراطية الأسس التي قامت عليها.  لكن نظرة فاحصة في حقيقة الأفرقاء والجماعات التي يتكون منها فريق 14 آذار يرينا أن الجماعات التي يتكون منها هذا الفريق لها تاريخ عريق بالتسلط والإلغاء وما صاحب مثل هذا التسلط وهذا الإلغاء من جرائم ومجازر وقتل ونهب لحقوق الناس الذين قامت بينهم هذه الجماعات.  إذا كان هناك من مجموعة مؤثرة أخرى في هذا الفريق لم يكن لها تاريخ في التسلط والقتل والإجرام فإن هذه المجموعة قد قامت على شراء ضمائر الناس ورشوتهم وإثارة الحساسية المذهبية عندهم.   هذا الفريق يضم أيضاً أفراداً قضوا معظم حياتهم يبشرون باليسار والماركسية فإذا بهم يصبحون بين ليلة وضحاها في أحضان اليمين والرأسمالية ينعمون بخيراتمها وينعقون بأصواتهما.

لنفترض أننا أخذنا بدعوة هذا الخليط من الناس المختلفة المشارب والإتجاهات  وأقتنعنا بجدية دعوتهم الى الديمقراطية والحرية فماذا يضمن لنا أنهم لن ينقلبوا على ما يعلنونه اليوم كما انقلبوا على ما كان لهم من ماضٍِ وتاريخ؟

ثم هل أن مجموعات هذا الفريق تثق فعلياً ببعضها بعضاً أم أن كلاً منهم يعتقد انه يستطيع تسيير الآخرين حسب مشيئته وإرادته؟  لنفترض أن سمير جعجع أنتخب رئيساً للجمهورية اللبنانية الديمقراطية الحرة، فهل هذا يعني أن وليد جنبلاط مستعد أن يحترم قرارات جعجع الرئيس ويخضع لأحكامها؟  ثم إذا أصبح سمير جعجع رئيساً للجمهورية وتولى سعد الحريري رئاسة الحكومة فهل ستكون الكلمة لرئيس الجمهورية أم لسلطان الثروة والمال وكيف سيتعايشان مع بعضهما بعضاً؟  هل يضمن هؤلاء انهم سيحافظون على ما حاولوا أن يصفوا أنفسهم به من أنهم أصحاب ثقافة السلام والوصل أم سيعود بعضهم الى عاداتهم السابقة من التسلط والعنف والقتل وأرتكاب المجازر؟

إنه لمن المضحك والمبكي معاً أن يصل هذا الفريق بأوهامه أو استخفافه بعقول الناس عندما يتكلم عن انقسام اللبنانيين عامودياُ بين نظرتين ثقافيتين مختلفتين، واحدة تنادي بثقافة السلام والوصل وآخرى تقوم على العنف والفصل.  إذا أسقطنا النقيض اللغوي في هذا الكلام فأي معنى حقيقي ذات قيمة يمكن أن نجده فيه؟ 

ما هي قيمة الرأي الذي يعتبر أن سمير جعجع يملك ثقافة السلام والوصل وأن سليمان فرنجية مهووس بثقافة العنف والفصل؟  وما يقال عن سمير جعجع وسليمان فرنجية يقال عن كل الآخرين الموجودين في صفوف ما يسمى "بالأكثرية" أو "الأقلية" في لبنان.

إن وصف وثيقة فريق 14 آذار بأنها إستغباء لعقول الناس وأستخفاف بها هو نتيجة كلامهم عن الديمقراطية والحرية وثقافة السلام والوصل،  لكن يجب ان نقر ونعترف أن هذا الفريق يعبّر عن حقيقته بصراحة في مكان آخر بصورة لا تقبل الجدل والمناقشة، وهنا يكمن "بيت القصيد" في هذه الوثيقة.

في الوقت الذي تتكلم فيه الوثيقة عن  "إعادة صياغة لبنان بلداً يطيب العيش فيه، ودولة قادرة على النهوض بمسؤولياتها" تعود للتكلم عن أن أصحابها لا يقبلون "حدوداً لتنوع مصالحهم وحساسياتهم، فماذا يعنون هؤلاء ببناء الدولة وماذا يعنون بتنوع المصالح والحساسيات؟  هل يريدون إقامة دولة مؤسسات لها مصالح متنوعة ولا يملك شعبها سوى الشعور بالإنتماء إلى هذه الدولة أم هم يريدون إقامة دولة تعترف بتنوع مصالحهم وحساسياتهم مهما كانت أنواع تلك المصالح والحساسيات ومهما كانت مناقضة لمفهوم الدولة ووظيفتها؟  ثم لا نعرف كيف يدعو هذا الفريق الى قيام دولة ديمقراطية حديثة وبين الطوائف وتحريرها من عقدة الخوف من الآخر؟  كيف تكون الدولة ديمقراطية وحديثة وهي تقوم على الطوائف وليس على مفهوم واحد لمواطنية الدولة يؤمن به جميع أعاضائها؟

الحقيقة أن فريق 14 آذار يريد دولة تأمين تقاسم المصالح بين أفرقائه حيث يحافظ كل منهم على خاصيته ومصالحه ضمن نطاق سيطرته ونفوذه، وضمان استمرارية هذه السيطرة وهذا النفوذ.  هذا النوع من التفاهم هو الذي يجمع فعلياً بين أعضاء فريق 14 آذار وهذه هي "الروح" التي تجمع بينهم، لكن يبقى أن نعرف كيفية تحويل هذا التفاهم الى واقع يفرض نفسه على بقية الشعب في لبنان وما هو الضامن لبقائه واستمراره وفي ظل أية وصاية أو قوة؟

إن وثيقة فريق 14 آذار تغرق بالتفاهات والهرطقة والتخرصات في محاولة لقلب الحقائق وطمسها ودفع الناس إلى ثقافة الإستسلام والذل والتنازل عن الحقوق المسلوبة والمغتصبة حيث تعبر أن المطالبة على إعادة هذه الحقوق هو "إنشداد لنزاعات الماضي".  إنهم يعتبرون أنفسهم تقدميين لأنهم قرروا أن لا يتطلعوا إلى أي حق تاريخي بل يعتبرون أن الحياة بالنسبة لهم بدأت في ساحة الشهداء عام 2005.

إن دعوة فريق 14 آذارللإبتعاد عن نزاعات الماضي ونسيانها هي دعوة لقبول الإغتصاب اليهودي والإعتراف بالدولة العدوة وإلغاء حالة الحرب معها.  أما ان يقصد بهذه الدعوة  هو أن تنسى الطوائف النزاعات التي نشأت بينها في فترات تاريخية فهو جهل للسلوك الطائفي ومحركاته وجهل لكيفية بناء المواطنية الصحيحة وبناء المجتمع الواحد الموحّد.

إن فريق 14 آذار الذي يدعونا إلى الإبتعاد عن نزاعات الماضي وتطبيق ثقافة السلام والوصل مع اليهود، يصر على خلق نزاعات جديدة ولكن هذه المرة مع النظام الشامي وإيران.  ففريق 14 آذار لا يرى في حزب الله سوى مقاومة خاضعة لسلطة إيرانية تربط الناس بها من خلال الإعانات والإعاشات.  أليس غباء وحقارة أن تختصر مقاومة حزب الله التي سطر أروع ملاحم التصدي والصمود في تاريخنا الحديث بهذا الأسلوب الذي يدل على حقارة وخساسة عند مبتدعيه؟  

إن تناول وثيقة 14 آذار لموضوع المقاومة هو كلام فصيح جداً يذكرنا بفصاحة القحباء وهي تحاضر بالعفاف.   هل يصدّق فريق 14 آذار نفسه عندما يتكلم أن المقاومة هي التي صنفت الناس بين "أكثرية" خائنة و"أقلية"  وطنية؟  هل المقاومة هي التي تآمرت على فريق 14 آذار أم فريق 14 آذار هو الذي تحول أداة بيد الإسرائليين والأميركيين فمارس الدس والتحريض على المقاومة وتبرع بتقديم المعلومات عنها؟

إن النبض القوي الذي تعكسه هرطقات 14 آذار تنبع من حقيقة ملاحظتهم أن هناك معالم نظام إقليمي عربي جديد ترتسم معالمه حالياً يقوم على "نشر ثقافة الاعتدال والتسامح والحوار والانفتاح، ورفض كل اشكال الارهاب والغلو والتطرف".

إن فريق 14 آذار يدرك جيداً أن أنظمة عربية كثيرة قد سقطت في دائرة السيطرة الأميركية/اليهودية، لذلك يعتقدون أن هذه الانظمة بما تملكه من ثروات ستتمكن في نهاية الامر من نشر هذه الثقافة المتخاذلة التي لا تعني سوى التنازل عن حقنا القومي في فلسطين والسماح بتقسيم العراق ونهب خيراته.  ولذلك يعتقدون أنهم بتخرصاتهم وهرطقاتهم هذه يسرعون إلى الإلتحاق بركاب هذه الثقافة كي لا يفوتهم ما يسقط عليهم من خيراتها.

قمة الصفحة

4

لبنان الوطن المستقل

تتكلم وثيقة فريق 14 آذار عن لبنان الوطن وكأن هذا الوطن قد نشأ بإرادة شعبية واعية مطلقة  وليس بإرادة أجنبية إستعمارية في ظروف دولية مؤاتية وظروف محلية تتميز بالضياع والجهالة والتعصب والنعرات المذهبية والطائفية. 

إن الوطن الذي ينشأ بقرار دولي يمكن أن يزول بقرار دولي آخر.

لم ينشأ لبنان وطناً بسبب حاجات جوهرية  حقيقية عند أبنائه، بل نشأ بسبب تصميم أجنبي على تقطيع أوصال وطننا ومنع نهوض شعبنا وإبقائه ضعيفاً خاضعاً لسيطرة الأجانب وإراداتهم.

إن الأوطان الحقيقية لا توجد بقرارات دولية ولا تلغيها قرارات دولية أخرى.  الأوطان لا تنشأ بمعزل عن أحكام الطبيعة ومنطق التاريخ وحقائق الإجتماع، بل إنها نتيجة لأحكام الطبيعة وحقائق الإجتماع ومنطق التاريخ.

ليس الوطن شأناً مزاجياً، إعتباطياً، إصطناعياً، كيفياً، تقرره أمزجة وأهواء الأفراد أو المجموعات الهاربة من واقعها أو الرفضة له لسبب أو لآخر، فإذا تغيرت الأمزجة والأهواء استتبع ذلك تغييراً في مفهوم الوطن وتبدّلاً وتعديلاً له.

إن معنى الوطن أشمل وأعمق وأكثر رسوخاً وأبعد من أن تحدده أمزجة الأفراد وأهواء المجموعات وأقوى من الظروف التي تساهم في خلق مثل هذه الأمزجة والأهواء.

ليس من الفائدة بشيء أن يتم البحث في حقيقة الوطن والمشاكل التي يواجهها ابناؤه بمعزل عن الواقع والتاريخ.  إن محاولة من هذا النوع لا تؤدي سوى إلى إضافة مشاكل جديدة وزيادة التعقيدات في المشاكل القائمة.

إن محاولة فريق 14 آذار القفز فوق الواقع وإهمال التاريخ ينبع من تصور خاطيء وسذاجة مفرطة في فهم الواقع وفهم التاريخ.

إن أي بحث يهدف إلى تقديم حلول للمشاكل القائمة ومساعدة إرساء قواعد حياتية كفيلة بتحسين حياة الشعب والنهوض بها يجب أن يميِّز بصورة واضحة بين ما هو سياسي وبين ما هو واقع وطبيعة وتاريخ.  إن التفريق بين ما هو  أمر سياسي أو أمر مفعول، مبرر أو بدون تبرير، وبين ما هو واقع حياتي شامل، هو المنطلق لأي حل للمشاكل القائمة في كل كيانات الوطن السوري، ولبنان ليس استثناءً. 

أن يكون لبنان كياناً سياساً تأسس في ظروف معينة غير طبيعية ساعدت على تأسيسه، فهذا أمر مفهوم وواضح ويجب أن يكون مقبولاً ما بقيت هناك معطيات تبرر هذا الأمر،  أما أن يعني هذا أن ينسلخ لبنان عن محيطه الطبيعي وأن يسري الإعتقاد أن يتخذ أي مواقف وكأنه غريب عن هذا المحيط، فهذا أمر مرفوض بالكامل.  إذا كنا نقبل بالواقع السياسي المفعول والمفروض الذي أوجدته ظروف غير طبيعية تفهماً منا لطبيعة معالجة المشاكل وطريقة حلها،   فلا يمكن ان نعتبر أن هذا الواقع السياسي المفروض يمكن أن يستمر إلى الأبد فيقودنا ذلك إلى التفكير الخاطيء والمعالجات المغلوطة.   لا يمكن للسياسة أن تلغي، تحت أي ظرف من الظروف،  ما أوجدته الطبيعة وما فرضه الواقع  وما صنعه التاريخ.

لقد خلق لبنان السياسي بقرار من المستعمر وإرادته، في ظروف ومناخات  مساعدة أستفاد منها المستعمر لتمرير مخططاته بحق شعبنا، وهو لم يخلق بإرادة اللبنانيين الشاملة.  لو كان القرار يعود إلى اللبنانيين لكنا رأينا أن طرابلس مثلاً خارج مفهوم لبنان السياسي، إذا أن معظم الطرابلسيين كانوا يفضلون الإلتحقاق بالكيان الشامي، ضمن تلك التفصيلات الممهدة لإنشاء الكيان اللبناني.

إن المَشاهِد التي رافقت تقرير من هو وما هو لبناني ومن هو وما هو فلسطيني ومن هو وما هو شامي ومن هو وما هو أردني ومن هو وما هو عراقي، كانت مشاهد مأساوية مضحكة في آن معاً.  من المشاهد التي أعرف بها هو ذلك المشهد الذي حصل مع احد المواطنين من أبناء بلدتنا وكان جاراً لنا هو الراحل جميل ابوعرم.

كان السيد جميل ابو عرم يتردد إلى فلسطين للعمل هناك، حيث أن مجالات العمل كانت بالنسبة له أفضل في حيفا ويافا منها في الشويفات وبيروت ، فحصل انه في آخر رحلة له إلى هناك أجبر على الخيار بين الهوية اللبنانية والهوية الفلسطينية، فاختار الهوية الفلسطينية معتبراً أن ذلك عملاً إجرائياً بسيطاً لا قيمة له.   لكن السيد جميل ابو عرم لم يكمل مشواره، إذ أنه لم يتخطَ "الحدود اللبنانية" بعد عندما شاهد نزوح الفلسطينيين، فعاد إدراجه حيث عومل على أنه نازح فلسطيني وليس لبنانياً له أملاكه في لبنان وله جذوره العميقة فيه.    هل كان السيد جميل ابو عرم فلسطينياً أم لبنانياً؟  من يقرر لبنانية أو فلسطينية السيد جميل ابو عرم؟  وهل الموارنة حماصنة  أم كسروانيون وهل أن دير مار مارون وقبره في حمص يتبعان للكيان اللبناني أم للكيان الشامي؟  إن إستعراض كافة المشاهد يكشف لنا عمق إزدواجية الماساة/المهزلة في هذا الشأن.

لم يتأسس لبنان من أجل حل مشكلة أية مشكلة على الإطلاق.  الحقيقة أن جميع الكيانات التي أنشئت بإرادة أجنبية عبر معاهدة سايكس-بيكو، لم تنشأ من أجل حل أية مشكلة من مشاكل شعبنا، بل من أجل تعميق وترسيخ وديمومة هذه المشاكل.

لم يحل إنشاء الكيان اللبناني مشكلة المسيحيين، بل هو لم يحل مشكلة الموارنة من المسيحيين، بل أنه كان مقدمة لخلق مشاكل جديدة من خلال إبقاء الأبواب اللبنانية مفتوحة أمام الإرادات الأجنبية وأفعالها وتأثيرات مما ساهم في إيصال اللبنانيين الى جميع الإقتتالات التي حصلت بينهم، إن كان في العام 1958 أم في السبيعات وما بعدها.

ما يقال عن مشاكل الموارنة والدروز وغيرهم في لبنان، يقال عن مشاكل الأكراد والسريان والكلدان والعلويين وجميع الاقليات في جميع كيانات الوطن السوري.  

نحن نعرف أن كثيرين من الناس في بلادنا تسخر من مفهوم الوطن السوري ولا تعترف به، لكن الحقيقة هي أنه ليس هناك حل لمشاكل شعبنا في لبنان والشام والعراق وفلسطين والأردن قبل الإعتراف بهذه الحقيقة الإجتماعية التاريخية الطبيعية.  عبثاً يحاول الناس القفز فوق الواقع، لان قوة الواقع هي التي تفرض نفسها، والواقع يرفض الأمور المفعولة.

إذا كان قد أمكن تقسيم وطننا إلى كيانات سياسية وإدارية منها لبنان، فليس معناه انه يمكن عزل أي كيان من هذه الكيانات عن بقية الكيانات الأخرى ووضعه في محجر صحي يقيه مخاطر تسرّب "أمراض" بقية الكيانات إليه.

عبثاً يحاول بعض اللبنانيين التفكير بأنه يمكن وضع لبنان في محجر صحي وعزله عن محيطه الطبيعي وما يتعرض له هذا المحيط من مشاكل وعواصف ومؤامرات.  إن محاولة وضع لبنان في محجر صحي هو جزء من المؤامرة وليس تجنباً لهأ.

إنه من الواضح جداً أن فريق 14 آذار يعتقد أنه وجد الطريقة المثلى لعزل لبنان عن محيطه و"تحييده" من خلال وضعه في "المحجر الصحي" الاميركي/الإسرائيلي.  ليس في هذه المحاولة جهل كبير لحقيقة شعبنا فحسب، بل هي جهل صارخ لحقيقة الأهداف الأميركية/اليهودية وما يمكن أن يكون لها من نتائج مدمرة على جميع أبناء شعبنا فيما لو تحققت.

إن فريق 14 آذار الذي يحمل السلاح الأميركي/اليهودي ويعمد إلى الإستقواء به، لا يدرك أن هذا السلاح سيجرحه ويؤذيه وأنه سيكون من أوائل ضحاياه.

هل هذا يعني أننا نحن ضد لبنان الكيان السياسي الإداري القائم حالياً وأننا نرى أن الحل للمشاكل في لبنان يبدأ بإذابة أو إزالة هذا الكيان؟  لا وألف لا.  أنا السوري القومي الإجتماعي، المؤمن بوحدة الوطن السوري ووحدة شعبه وأستقلاله وسيادته على نفسه،  والمؤمن بضرورة حصول وحدة هذا الوطن ووحدة هذا الشعب من أجل المحافظة على مصالح شعبنا وتحسين وإرتقاء حياته، اقول وأصرح أن رفض أو الدعوة الى إزالة الكيان السياسي-الإداري اللبناني ليس بداية الطريق لوحدة الوطن السوري ووحدة شعبه، بل أن إزالة الكيان اللبناني هو نتيجة لوحدة الشعب وليس العكس.  الشعب، أي شعب، لا يتوّحد بالسياسة، بل يتوحد من خلال نظرة واحدة الى الحياة والمفاهيم والقيم الإنسانية.  لقد أعلن سعاده من زمان أن مسألة الكيان اللبناني تتعلق بإرادات اللبنانيين لا بغيرهم.  فإذا كان الذين يرون أن إنشاء الكيان اللبناني كان قراراً إستعماريا يقرّون أن بقاءه مرهون بإرادة أبنائه، وإذا كان اللبنانيون الذي يرون أن إنشاء الكيان اللبناني ضروري وحتمي يرغبون في الإبقاء على هذا الكيان، فأين هي المشكلة إذن؟

إن المشكلة تكمن في قول بعض الناس بضرورة عزل لبنان عن محيطه القومي بأي طريقة من الطرق ومهما كانت النتائج المرافقة لهذا العزل.

هنا يكمن الخلاف الأساسي.  والخلاف يصبح عميقاً وأشد ضراوة عندما يعتمد القائلون بضرورة عزل لبنان عن محيطه القومي وما يواجه هذا المحيط من مشاكل وتحديات مصيرية، لا يعتمدون على قوة ذاتية عندهم قادرة على تحقيق هذا العزل وحمايته، بل يعتمدون على القوة الأميركية/اليهودية تحديداً.

هذا الأمر يعني شيئاً واحداً أحداً لا غير وهو أن لبنان لم يعزل عن محيطه ومشاكل محيطه، بل أنه أتخذ موقفاً من هذا المحيط واصبح شريكاً في التآمر عليه والتهديد له.

هذا هو موضع الخلاف، وهذا هو الخلاف الذي يمكن أن يؤدي إلى كوارث كبيرة إذا لم يعمد الناس الى الحكمة والتعقّل والأخذ بمنطق الواقع والحياة لا القفز فوقهما.

لا يجب أن يدعي أحد أن المشكلة هي مشكلة ان يكون لبنان السياسي-الإداري الحالي أو لا يكون، إنما المشكلة تكمن في معرفة الطريق الذي يجب أن يسلكه اللبنانيون كي يكون لبنان قوياً متماسكاً ضمن نطاق الصمود القومي ولكن دون أن يتحمل وحده نتائج هذا الصمود. 

إن الحل في لبنان يبدأ من الإعتراف أن عزل لبنان عن محيطه وما يواجه هذا المحيط من إعتداءات وتحديات، هو أمر غير ممكن وغير مقبول.  بعدها يبدأ البحث في كيفية تخفيف نتائج الصمود عن اللبنانيين والكيفية التي يستطيع اللبنانيون بواسطتها حماية أرضهم ومصالحهم بقوتهم الذاتية، وليس بواسطة الخضوع إلى الإرادة الإميركية/اليهودية أو غيرها من الإرادات الأجنبية.

إن القول بأن وحد اللبنانيين تتم بواسطة الإقرار بالعيش المشترك بينهم هو أمر تافه وسخيف وخاطيء.  إن الذي يوحِّد فعلياً بين اللبنانيين هو إيمانهم بوحدة حياتهم وتكوين إرادة واحدة لهم يكون عنوانها الحرية والإستقلال والسيادة والصمود.

إن الإستقلال الذي لا تضمنه إرادة أبناء الوطن وقوتهم الذاتية، لا يمكن ان تضمنه لهم أية إرادة خارجية مهما امتلكت من عناصر القوة.   إن حياة الشعوب وإستقلالها لا تأتي هبة من أحد، وليس استقلالاً ذلك الذي يأتي هبة من أحد.  إن استقلال الشعوب لا تصنعه سوى اراداته وما تخلق تلك الإرادات لأنفسها من عوامل القوة وأسبابها.  المحافظة على الأوطان وعلى استقلال الأوطان دونها أثمان باهظة، فإذا كان شعب من الشعوب يريد الإستقلال عليه أن يكون مستعداً وجاهزاً ابداً لدفع تلك الأثمان.  إن التضحيات هي جزء من الحياة الحرة الكريمة، وليس هناك من حياة حرة كريمة بدونها.

ليس هناك من أحد يكره الحياة، فإذا كان فريق 14 آذار يحب الحياة، فإننا نحن نعشقها ونموت من أجلها، إذ أن الحياة، أو تكون حياة عزٍ وحرية وإستقلال وشعور بالكرامة، او لا تكون ابداً.  إذا كان فريق 14 آذار يحب الحياة، يجب عليه أن يفتش عن الطريق الأمثل لإيجاد الحياة التي تليق بنا كشعب حرٍ، إذ أن طريق الحياة التي يعبر عنها في وثيقته لا تقود سوى  إلى عيش ذليل، وضيع، حقير في ظل السادية الأميركية والعجرفة اليهودية.

إن الكلام عن الوطن بالخفة والسطحية التي تتناولها وثيقة فريق 14 آذار إنما يدلّ على جهل هذا الفريق لحقائق الطبيعة والإجتماع والتاريخ أو تجاهلاً متعمداً لها.  ولا يفوق سطحية كلام فريق 14 آذار عن الوطن سوى سطحيته في كلامه عن الشعب اللبناني "المعولم" قبل ظهور العولمة.  ليس في هذا جهل لمفهوم العولمة الذي تفتقت عنه عقول الإمبرياليين كوسيلة حديثة لإستغلال الشعوب فحسب، بل هو فلسفة سخيفة جاهلة لمأساة هجرة اللبنانيين وأسباب انسلاخهم عن  أرضهم وأهلهم ووطنهم.  إن هجرة اللبنانيين هي دليل على تخلف أنظمة الحياة على أختلافها عندنا وليس لأنهم "معولمون" حسب جهالة الجاهلين أو المتجاهلين.  حسبنا هنا أن نشير إلى هذا الأمر دون الحاجة للتوقف عنده بالتفصيل والتطويل.

قمة الصفحة

بعد قراءته للحلقة الرابعة من هذا الرد على وثيقة 14 آذار، قام أحد الرفقاء مشكوراً بإرسال هذه الوثيقة المهمة إلينا والتي تدعم بعض ما جاء في هذه الحلقة من آراء.  لذلك ننشرها في هذا السياق تعمماً للفائدة.

موتمر الوحدة السورية   1928

في سياق التطورات الكبرى التي شهدتها بلادنا السورية مطلع القرن الماضي، حصلت معاهده سايكس–بيكو 1916 التي قضت بتقسيمها وأعطي وعد بلفور 1917 لليهود بأن تساعدهم بريطانيا على إغتصاب فلسطين. وكان رد الشعب السوري بالمؤتمر السوري الكبير سنة 1920، الذي رفض التقسيم  والإنتداب وأعلن وحدة سورية وإستقلالها  ونادى بالملك فيصل ملكا. لكن الإستعمار قمع إرادتنا القومية وإجتاحت جيوشه دمشق بعد معركة ميسلون 24 تموز 1920، وفرضت التقسيم. وفي 20 أيلول من ذلك العام أعلن الجنرال غورو قيام دولة ((لبنان الكبير)) = اي ممثل الإستعمار الغاشم على ارضنا وليحقق مصالحه هو وليس مصلحتنا = لكن هذا الإعلان لم يلق ترحيب أبناء المناطق التي ضمت إلى (( لبنان الصغير))  اي ((المتصرفية))، والأقضية هي عكار، البقاع، الجنوب، ومدينة بيروت، وقامت مظاهرات شعبية في تلك الأقضية تطالب بالعودة الى ربوع الوطن الام  وأعلن هؤلاء رغبتهم بالبقاء  ضمن الوحدة السورية التأسيسية لإعلان الدستور. وعندما إنعقدت في دمشق الجمعية السورية التأسيسية لإعلان الدستور، إنعقد مؤتمر الوحدة وطالبت  تلك الجمعية بأن تكون حدود الدولة السورية شاملة كل المناطق التي سبق أن ضمها (مندوب الإستعمار) غورو إلى لبنان الصغير. والبارز هو الأشخاص الحاضرون في هذا المؤتمر والذين وردت أسماؤهم في وثيقة المؤتمر وهذا نصها الكامل.

الوثيقة الختامية

في 5 محرم سنه 1347 ه. الموافق 23 حزيران 1928 عقدت جلسة عامة في دمشق في منزل ياسين بك الجابي مؤلفة  من وفود بلاد العلويين والبلاد التي ضمت الى لبنان القديم وهذه أسماؤهم  مع حفظ الألقاب:  

وفد بيروت :  عمر بيهم، عبد الرحمن بيهم، أحمد الداعوق، أنيس نجار، بشير جبر، عزت قريطم، محمد خرما، عبد الله اليافي، على ناصر الدين، صلاح عثمان بيهم محمد الباقر، عوني الكعكي.  

وفد طرابلس : عبد الحميد كرامي، الدكتور حسن رعد، عارف الحسن الرفاعي، مصطفي عادل الهندي، تيودور حكيم، صبحي الملك.  

وفد صيدا وصور ومرجعيون وجبل عامل :

رياض الصلح، الشيخ أحمد عارف الزين، محود زنتوت، الحاج إسماعيل خليل، يوسف أبو ظهر، توفيق الجوهري، سامي زنتوت،  بديع الزين، سعيد نجيب عسيران، مراد غلمية، فؤاد الميداني، محمد الحوماني.  

وفد اللاذقية وطرطوس وبانياس:

عبد الواحد هارون، عبد القادر شريتح. مجد الدين الأزهري، الدكتور ضيا حامش، المحامي صبحي الطويل، محمود عبد الرازق، محمود الأحمد، على المحمود، محمد نور الدين.

وفد وادي التيم :

الأمير فواد شهاب.

وفد عكار:

عثمان المحمد، عبد الفتاح الشريف، حسني عطية.  

وفد تلكلخ :

عبدالله كنج، عبد اللطيف الكنج، عبد الحميد الحاكم، عبد الرزاق الرستم، عبد القادر الأحمد. 

وفد البقاع :

الدكتور ملحم الفرزلي، مخايل فلفله، خليل صلوخ، سمعان خزعل،  إبراهيم القيم، قاسم العيماتي، الدكتور أمين قزعون.  

وفد بعلبك :

عباس حسيب ياغي، أديب الرفاعي، نجيب حيدر، لطفي حيدر، محمد حسن شومان، أديب قانصو.

وقد أنتخب رئيسا لهذا المؤتمر بإجماع الآراء السيد عبد الحميد كرامي، والسيد عارف الزين، والدكتور ملحم فرزلي سكرتارين( ناموسين) وافتتح الجلسة حضرة الرئيس بكلمة شكرا لناخبيه وإيضاح الغاية التي من أجلها عقد هذا المؤتمر .. وبعد المداولة وضع البيان ووقع من الجميع وهذه صورة البيان :

لما كانت القضية السورية قضية واحدة لا تقبل التجزئة والإنقسام، وأن السوريين أمة واحدة  تربطهم جامعة القومية ولا تفرق بينهم الأديان والمذاهب، ولما كانت بعض الظروف القاسية حالت دون إشتراك  بعض أبناء البلاد  في الجمعية التاسيسية السورية التي تضع دستور هذا الوطن  وتقرر مصيره النهائي ...

لذلك أتينا نحن أبناء البلاد المحرومة من هذا الحق الى دمشق عاصمة سورية ومصدر الوطنية الحقة والمبادئ الصحيحة وعقدنا مؤتمرا في يوم السبت الواقع في 5 محرم 1347 الموافق 23 حزيران  1928 خلال إنعقاد الجمعية التأسيسية  السورية وفي الوقت الذي يظهر فيه الشعب الفرنسي النبيل إستعداده لإيجاد صداقة دائمة مع بلادنا  تقوم على أساس الإعتراف بحقنا الشرعي وبعد درس القضية من جميع وجوهها واصفات النظر في الأدوار التي مرت بها من ثماني سنين قررنا مايلي :

أولا- يؤيد المؤتمر ميثاق  البلاد القومي ويطلب الى الجمعية التأسيسية وحده هذه البلاد السورية العامة بضم جبل الدروز والبلاد المسماة ببلاد العلويين  والبلاد التي ضمت الى (لبنان القديم ) الى سورية وذلك بوضع ماده خاصة في صلب الدستور وتنص على أن سورية المؤلفة من البلاد المذكورة هي دولة واحدة مستقلة ذات سيادة وذات وحدة سياسية لا تتجزاء.

ثانيا - إرسال تحية خالصلة الى الجمعية التأسيسية السورية وتأييد الكتلة الوطنية العامة على تحقيق الميثاق القومي في داخل البلاد وخارجها والى كل عامل مخلص لتحقيق هذا الميثاق.

وشكر الوفد السوري في اوروبا على ما يبذله من جهود في هذا السبيل.

ثالثا -يبلغ هذا القرار الى رئيس الجمعية التأسيسية وبواسطته الى فخامة المفوض السامي والى وزراء خارجية فرنسا والى جمعية الامم.

وبعد ذلك انتخب وفد مؤلف  من الساده :  عبد الحميد كرامي، وعمر بيهم، وعفيف الصلح، وعبد الله كنج، والأمير فؤاد شهاب، والدكتور ملحم الفررزلي، نجيب حيدر، عبد الواحد  هاورن. عبد الفتاح الشريف، حسن الشحون، ومحود بك عبد الرزاق، لرفع هذا البيان الى مراجعة. وختمت الجلسة الساعة الثانية عشرة من يوم السبت الواقع في 5 محرم سنة 1347 الموافق حزيران سنة 1928

التوقيع : د ملحم الفرزلي، أحمد عارف الزين، عبد الحميد كرامي.

قمة الصفحة

حلقة أخيرة

لبنان الدولة

ليس هناك أية جدوى من مناقشة  وثيقة فريق 14 آذار بعيداً عن فكرتي الوطن والدولة.   ففكرة الوطن ترتبط ارتباطاً جوهرياً بمسألة الهوية القومية، والهوية القومية ترتبط إرتباطاً عضوياً بمفهوم مصالح الحياة النفسية والمادية للشعب وتحدد إتجاهات عمله المستقبلي لتأمين وتعزيز وحماية هذه المصالح.

أما أهمية فكرة الدولة فتنبع من صميم طبيعتها ووظيفتها ومسؤوليتها.  أما وظيفة الدولة فهي "العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعيّن الحقوق والواجبات إمّا بالعرف والعادة ــ في الأصل ــ وإمّا بالغلبة والاستبداد" (أنطون سعاده – نشؤ الأمم).  ولا يتناقض هذا التعريف بوظيفة الدولة مع تعريف "ماكس ويبستر"  لطبيعة الدولة ووظيفتها بأنها تلك المنظمة التي تملك "إستئثاراً لشرعية استعمال  القوة المادية" التي تشمل عملياً جميع أجهزتها من جيش وشرطة وأمن عام وقضاء الى ما غير ذلك من مؤسسات وهيئات.

لا خلاف بين اللبنانيين على أن لبنان الوطن هو لهم دون غيرهم، لكن هناك خلاف كبير حول هوية لبنان القومية.   ليست مشكلة الهوية القومية مشكلة تنحصر باللبنانيين، بل إنها مشكلة تنسحب على جميع كيانات الوطن السوري وجميع بلدان العالم العربي.  وهذا ناتج عن قرون من الضعف وفقدان الشعوب لسيادتها على نفسها وخضوعها لطغيان الإرادات الأجنبية.

لكن الخلاف بين اللبنانيين على الهوية القومية لا يجب بأية صورة من الصور وتحت أي ظرف من الظروف أن يلغي الإتفاق على أن مصير الكيان اللبناني متعلق بإرادة اللبنانيين أنفسهم ولا يمكن لفريق منهم أن يتخطى مسألة هذه الإرادة وضرورة احترامها.  إن مثل هذا الخلاف من حيث المبدأ يمكن أن يحل بوسائل الإقناع الديمقراطية ومن خلال الممارسة الديمقراطية الصحيحة. 

من السخافة والغباء بمكان أن يفكِّر أحد بإزالة الكيان اللبناني لمجرد إزالته أو بسبب أن هذا الكيان لم ينشأ أساساً بإرادة شاملة لجميع ابنائه. إن إزالة الكيان اللبناني تتم عندما تزول مبررات وجوده مهما كانت تلك المبررات ضعيفة وواهية.  إن زوال الكيان اللبناني وزوال غيره من الكيانات تتم عندما تزول المبررات التي كانت ذريعة لتأسيس هذه الكيانات أصلاً.  إن زوال هذه المبررات يتم عندما تتكون إرادة واعية واحدة عند اللبنانيين يقابلها نشؤ إرادات مماثلة عند المواطنين في الكيانات الآخرى، حيث تنتفي عندها أية حواجز نفسية  أو كيانية بين جميع المواطنين، فيصبح التقاء هذه الكيانات في وحدة قومية إجتماعية سياسية اقتصادية شاملة أمراً طبيعياً وحتمياً.  أي تصور خارج هذا التصور هو قفز فوق الواقع.

لا يغير من هذه الحقيقة بشيء أن الكيان اللبناني هو كيان صغير بالنسبة إلى الكيانات القومية الأخرى.  فالكيانات لا تقاس بحجمها ومساحتها وعدد ابنائها، بل بما تقوم به من عملية دفع للمجتمع باتجاه تنشئة قومية صحيحة واعداد قومي صحيح.

من السخافة والغباء بمكان أيضاً، أن يدّعي غلاة القائلين بالهوية اللبنانية كهوية قومية بأن الذين لا يرون رأيهم يعملون على إزالة أو إذابة الكيان اللبناني.  إن مثل هذا الإدعاء يحمل كثيراً من الجهل والكذب وتزوير الحقائق. 

إن القناعة التي يجب أن يلتقي حولها جميع اللبنانيين هي أن الكيان اللبناني هو كيان مستقل وان الدولة اللبنانية هي المسؤولة عن كل شيء يتعلق بهذا الكيان إبتداءً من تعيين حقوق الأفراد وواجباتهم وإنتهاءً بمسألة أمن الكيان وحمايته وصيانة استقلاله وتأمين سيادته على نفسه.

إن الكلام عن الدولة اللبنانية يعني الكلام عن طبيعة هذه الدولة ومدى قدرتها على القيام بوظيفتها ومهمتها ومسؤوليتها.  فالدولة اللبنانية التي نتحدث عنها لا يمكن أن تكون أية دولة على الإطلاق، بل يجب أن تكون دولة جميع اللبنانيين، ناشئة من إرادتهم جميعاً، وهي لجميعهم بالتساوي والعدالة دون محاباة أو استثناءات.

إن طبيعة الدولة اللبنانية وقدرتها على القيام بوظيفتها كاملة هي ما يحدد مصداقيتها ويكسبها ولاء مواطنيها وتأييدهم. 

إن المشاكل التي نشأت بين اللبنانيين بعد تأسيس الكيان اللبناني تعود في أساسها لطبيعة الدولة والخلل الكامن فيها، لأنها لم تكن يوماً دولة منبثقة عن إرادة جميع اللبنانيين ولم تكن يوماً دولة لجميع اللبنانيين.

إن فريق 14 آذار محق في تصوره عندما يقول إن الإنقسام بين اللبنانيين هو على طبيعة الدولة اللبنانية ودورها.

ولا نتصور أن هناك أحد من اللبنانيين لا يوافق على "إعادة صياغة لبنان بلداً يطيب العبش فيه، ودولة قادرة على النهوض بمسؤولياتها". 

ولا نتصور أن هناك أحد من اللبنانيين لا يريد  "صيانة سيادة اللبنانيين" و"إعادة انتظام مؤسسات الدولة وتوكيل الدولة وحدها مهمة توفير الأمن للجيع" حيث "يعود للدولة وحدها الحق الحصري في امتلاك القوة المسلحة"، كما جاء في وثيقة 14 آذار.

مشكلة هذا الكلام أنه كلام حق يراد به باطل.  ومشكلة هذا الكلام أنه كلام يتناقض مع نفسه بنفسه وهو مبني على فهم خاطيء أو تضليل متعمد ويعتمد على قياسات واستنتاجات ساذجة ومغلوطة وخاطئة في أساسها. 

قلنا إن إدعاء وثيقة فريق 14 آذار بإنقسام اللبنانيين حول طبيعة الدولة ودورها هو صحيح أساساً، ولكن هذا لا يعني أن الدور الذي يتطلع إليه هذا الفريق لهذه الدولة هو دور الدولة المسؤولة عن تأمين أمن المواطنين وسيادتهم واستقلالهم.  إذ لو كان هذا هو المعنى الذي يتمسك به فريق 14 آذار لما كان هناك خلاف بين اللبنانيين على هذا الامر، إذ لا يمكن أن يختلف إثنان على الحاجة إلى دولة قوية قادرة على توفير الأمن والإستقرار وصيانة السيادة والاستقلال. 

لكن فريق 14 آذار يهرطق في هذا الشأن كما في غيره من الشؤون.

فالدولة القوية القادرة هي الدولة التي تقوم على إرادة جيمع ابنائها، والدولة القوية القادرة هي التي تساوي بين جميع أبنائها، والدولة القوية القادرة هي التي تستطيع توفير الأمن لأبنائها تحت كل الظروف ولا يكون توفير هذا الأمر خاضعاً لمزاجية الإرادات الخارجية.  والدولة القوية القادرة أخيراً هي تلك التي تسطيع حماية أرضها وأجوائها من أية إعتداءات خارجية ولا تبني قوتها على ضعفها فتسلك طريق الإستعطافات وتعيش تحت رحمة الحماية الخارجية.  وعندما تواجه هذه الدولة إعتداءات خارجية عاتية، يكون لها الإرادة باللجؤ الى المقاومة المشروعة من أجل ردع إعتداءت المعتدين ويكون لها دور اساسي في إدارة وتفعيل عمل المقاومة.

ليس صحيحاً أن تجربة العيش المشترك هي فريدة من ناحية أنها مسؤولة عن الإستقرار الذي شهدته الجمهورية اللبنانية في النصف الأول من عمرها.  إن العيش المشترك هو كذبة فريدة، أما الإستقرار فهو أمر وفرته الإرادات الأجنبية عندما كانت تلك الإرادات ترى أن لا مصلحة لها بزعزعة ذلك الإستقرار.  لكن الإستقرار تزعزع عندما رأت الإرادات الأجنبية أن الإستقرار لم يعد يخدم مصالحها فخلقت الحالة العبثية بين اللبنانيين وهي خططت وخلقت الأجواء المناسبة واتخذت الخطوات المطلوبة على مدى سنوات حتى أوصلت الوضع الى تلك الحالة من التقاتل والفوضى.  لم تنفع كذبة العيش المشترك في منع وصول الللبنانيين إلى حالة الفوضى والتقاتل وانفجار الأحقاد التي وصلوا إليها بالرغم من مراقبتهم للحوادث والمؤشرات التي كانت تدل عليها على مدى أكثر من ثماني سنوات.

إن صيغة العيش المشترك التي ابتدعها الطوائفيون والإقطاعيات الطائفية والطوائفية من أجل تأمين سيطرتهم واقتسام المصالح والمكاسب بعيدا عن المحاسبة والمسؤولية والمصلحة القومية لم تكن مصدر قوة للدولة اللبنانية بل كانت دليلا على ضعفها وهشاشتها وعقمها وعجزها عن القيام بوظيفتها ومسؤوليتها المفترضة، بل كانت تعكس، عوضاً عن ذلك، مصلحة الإقطاعيات الطائفية والسياسية المتحكمة برقاب اللبنانيين والمتوافقة بين بعضها بعضاً على الحصص التي ينالها كل منهم من جبنة المكاسب والمصالح المتوفرة على حساب بقية الشعب في لبنان ومصلحته.

وبدل أن تقود الدروس والعبر التي قدمتها احداث خمسة عشر عاماً بين اللبنانيين إلى ضرورة "إعادة صياغة لبنان" على أساس من المباديء الواقعية والصحيحة تتناول العلاقة الداخلية بين اللبنانيين وعلاقة اللبنانيين مع كل القضايا والمسائل التي تواجههم من الخارج، عادوا إلى نقطة البدء حيث أوجدوا أتفاق الطائف الذي لم يكن أحسن حالاً من صيغة العيش المشترك، بل كان أشد سوءً حيث أفِسح في المجال إلى نهب المغانم التي توفرت من خلال إغراق اللبنانيين بدين عام هو فوق التصور والمعقول.

ولا تقع مسؤولية هذا الأمر على فريق دون آخر من أصحاب اتفاق الطائف ومؤيديه بل إن جميع الأفرقاء أنخرطوا في تلك اللعبة التي كان واضحاً لنا أنها لن تقود سوى إلى فوضى جديدة وخراب جديد. 

خاتمة

إذا كان فريق 14 آذار يريد إعادة صياغة لبنان بلداً يطيب العيش فيه فليس من عاقل يمكن أن يرفض أو يعترض على أن يعيش عيشاً طيباً هنياً مستقراً.  فما يريده فريق 14 آذار في هذا الشأن يريده جميع اللبنانيين. 

إن إدعاء فريق 14 آذار أن ما يعيق إعادة صياغة لبنان بلداً يطيب فيه العيش ثقافة العنف والفصل التي يقودها حزب الله وحلفاؤه بتشجيع وتحريض وتمويل من إيران ما هو إلا نوع من التدجيل وتحريف الحقائق وتزويرها.

إن تصور فريق 14 آذار بأن لبنان ضحية المعركة القائمة بين إسرائيل وإيران هو تصور خبيث مقصود يعتمد على تشويه حقيقة المعركة التي هي أساساً بيننا وبين إسرائيل المغتصبة لحقنا وأرضنا وليس بين إسرائيل وايران.

لم يكن دخول إيران على خط الصراع مع إسرائيل ممكناً لو أن العرب تحملوا مسؤولياتهم تجاه هذه المعركة وتولوا قيادتها بدل خضوعهم للإرادة الأميركية/اليهودية.

لم يكن من الممكن أن تصبح المقاومة للإحتلالات الإسرائيلية ووللغطرسة الإسرائيلية مقاومة شيعية لو أن السنة قد اتخذوا على عواتقهم القيام بهذه المقاومة وتغذيتها وتقويتها.  لكن السنة قد أختاروا ثقافة "السلام والوصل" وقبلوا بالإغتصاب الصهيوني ويعملون على التكامل معه.

فإذا كان فريق 14 آذار يرفض المساهمة الإيرانية في المعركة ضد أسرائيل فعلى أية دولة يعولون للمساعدة والمساهمة في المعركة ضد أسرائيل؟  أم أنهم يرون أن ثقافة السلام والوصل التي ينادون بها تلحظ سلاماً ووصلا متكافئاً مع الإسرائليين بحيث لم يعد من الضروري التفكير بالحرب معها؟

إن محاولة فريق 14 آذار بالتركيز على الخطر الإيراني هو محاولة خبيثة متعمدة يراد منها عن تحويل حالة الرفض للإغتصاب الصهيوني لإرضنا وحالة العداء والحرب لكيان إسرائيل اللقيط إلى عداء حالة خوف من إيران وحالة عداء معها.

أن استثارة الأحقاد والمخاوف ضد ايران هو حقيقة استثارة للأحقاد والمخاوف ضد الشيعة بصورة عامة.  إن أغرب ما في هذه المحاولة  هو أن يشترك فيها مسيحيون يعرفون ان اضطهاد المسيحيين في بلادنا تاريخياً، مورس عليهم بصورة عامة من قبل الأغلبية السنية وليس من قبل الأقلية الشيعة، فكيف يثق هؤلاء بالإتجاهات المستقبلية التي يشاركون بها إذا لم تكن مبنية على العلمانية بدل من تغليب مذهب على آخر؟

إن التمحيص والتأمل في وثيقة 14 آذار تظهر لنا بأختصار أنها لم تصدر عن تفكير حرٍ وإرادة حرةٍ، بل ان الوثيقة هي وثيقة أميركية/صهيونية فرضها التصور الصهيوني للدور الذي يريدنا ان نلعبه في المستقبل.

إن فريق 14 آذار يحاول من خلال هذه الوثيقة قيادة اللبنانيين إلى المجهول الذي نعرف عنه شيئاً واحداً وهو أن نتائجه السئية ستتطال جميع اللبنانيين دون أن يسلم أحد منها. 

قمة الصفحة

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up

أتى هاديا ورحل بطلا
مقالات سابقة
من حنايا الذاكره
العد العكسي للفتنة العارمة (4)
العد العكسي للفتنة العارمة (2)
مقالات 2007
أبو واجب
توضيح لا بد منه
مجزرة في عالم التعتيم والنسيان
الذاكرة الضعيفة
مناقشة هادئة لوثيقة 14 آذار
السر الحزبي
أجهلة هم أم عملاء؟
الشهيد فادي الشيخ