كلام بسيط في مواضيع معقدة
(26/2/2005)
وتتكاثر الأسئلة:
إلى أين؟
ماذا بعد الآن؟
لماذا؟
إلى أين نحن ذاهبون بعد إغتيال الحريري؟
ماذا بعد هذا الإغتيال وماذا بعد الإنسحاب الشامي من لبنان؟
لماذا تفجر كل هذا الكره للشام مرة واحدة وبهذه البشاعة؟
ماذا كانت أخطاء الشام كي تنال مثل هذه الكراهية والحقد؟
هل صحيح أن اللبنانيين توحدوا بين ليلة وضحاها؟
هل يكفي أن يلتقي غلاة الدروز مع غلاة المسيحيين حول ما كمن أو ظهر
عندهم من كره وحقد للشاميين، متناسين ما بينهم من مذابح ومجازر، لنعلن
أن لبنان توحّد؟
هل إرادة التوحّد هذه هي إرادة شعبية عارمة تخدم مصلحة الشعب في لبنان،
أم هو إيعاز من إعداء شعبنا والمتربصين به؟
هل تبادر ألى ذهن هؤلاء المتاجرين بمصالح الناس ماذا سيحل بالناس بسبب
تحريضهم وإغلاء صدورهم وحقنهم بالحقد والكراهية؟
هل يرتاح هؤلاء الى أنهم أمنوا لأنفسهم وأولادهم طرقا للهرب الى فرنسا
أو الولايات المتحدة أو غيرهما من الدول، بينما يتركون بقية الناس
تختنق وتتذابح وتهلك؟
هل خطر على بال أحد من هؤلاء أنهم مجرد أحجار شطرنج عند اليهود
والأميركيين يستعملونهم ما داموا محتاجين إليهم ويرمونهم في سلة
المهملات بعد ذلك؟
هل هم على هذه الدرجة من الغباء والعباطة كي يؤكدوا أن إغتيال الشهيد
الحريري هو عمل شامي؟
هل هم توقفوا لحظة لإدراك معنى إغتيال الحريري؟
بينما تتكاثرمثل هذه الأسئلة وغيرها، تستمر المؤامرة
اليهودية-الأميركية على شعبنا وأرضنا حيث تشارف على تحقيق أهدافها
الفاصلة وتفرض سيطرتها التامة على إرادتنا ومصالحنا وأرضنا. بعد
كارثة فلسطين وكل المآسي التي إرتبطت بها، وبعد كارثة العراق التي لم
تنته فصولا بعد، يجري العمل على الإنقضاض الأخير علينا الذي سيضمن زوال
أي أمل أو فرصة لنا بإستقلاليتنا والإشراف على مصالحنا القومية
والمحافظة عليها بإنفسنا لوقت طويل. يكره بعض الناس أن يصف ما
يجري في وطننا على أنه من ضمن المؤامرة المستمرة. حجته في ذلك أن
ما يجري هو من صنع أيدينا. هذا صحيح. فنحن بما عندنا
من مثالب إجتماعية وأخلاقية، ومن عصبيات جزئية مفككة ومدمرة، وفقداننا
لشعور قومي واحد وأصيل، نبقى دائما أرضا خصبة للتصادم والتقاتل
والتذابح وأداة لتنفيذ إرادة الأجنبي بنا . لكن هذا لا يلغي أن
المؤامرة على شعبنا وأرضنا بدأت بشكل مبرمج وعملي مع أول مؤتمر للحركة
الصهيونية حيث وضعت لها الخطط المتكيفة التي تتجدد وتتطور بناء على ما
يستجد من معطيات وأحداث وفرص. لقد كانت الصهيونيه قبل إغتصاب
أرضنا في فلسطين، جاهزة أبدا لإستغلال أي حدث عالمي لمصلحتها وبشكل من
الأشكال. وهي بعد أن تمكنت من أنشاء دولة لها، اكتسبت مرونة
وقدرة على التحرك أكثر للتأثير في مجرى الأحداث المحلية والعالمية.
ربما كان أهم إنتصار لليهود هو سيطرتهم الكبيرة على القرار الأميركي
بحيث أصبحوا الشريك الفعلي في بناء هذا القرار. أن يتمكن اليهود من
السيطرة على العقلية الأميركية وعلى القرار الأميركي، معناها أنهم
يفرفكون أيديهم الآن من أن حلمهم في سيطرته على أرضنا ومصالحنا بشكل
قاطع ونهائي هي على قاب قوسين أو أدنى.
منذ بدايات التحضير للإعتداء على العراق وخلاله، وصفنا ما يجري بأنه
إعتداء يهودي-أميركي، لإدراكنا لقوة التأثير اليهودي في المجتمع
الأميركي ولطبيعة الدور الذي يقومون به على صعيد الإدارة الأمريكية
والمجتمع الأميركي، سواء بسواء. هذا في الوقت الذي رأى فيه
الكثيرون أن ما كان يجري هو مبادرة أمريكية بحته. يسرنا،
إذا كان هناك ما يسر، أن نرى أن فهمنا لطبيعة الإعتداء علينا قد اخذ
طريقه الى أقلام كثيرين، فعبر هؤلاء عما حصل ويحصل بمثل عباراتنا.
إن إلتقاء المصالح البترولية والسياسية للأميركيين مع مصالح اليهود
الطامعين في أرضنا ووطننا والسيطرة على حياتنا كليا، هو كارثة علينا
تشهد فصولها الأخيرة إذا لم يحدث عندنا ما يمكن أن يوصف بالمعجزه.
لقد نبهنا منذ أكثر من عام، في سلسلة مقالات قبل وخلال الإعتداء
اليهودي- الأميركي على العراق، من أن ذلك الأعتداء لن يتوقف في حدود
العراق، بل سيتناول بالتحديد الشام وإيران ولبنان. الحقيقة لم
يكن ذلك نوعا من التنبؤ من قبلنا؛ لقد كان مجرد قراءة صحيحة لما
يجري. من مقالة لنا بعنوان: "في العراق وبعده: العدوان المستمر"،
نقتطف ما يلي:
"ويبقى السؤال هو هو: ماذا بعد العراق؟
الجواب هو هو أيضا: الشام، لبنان وإيران.
يخطئ من يظن أنه يستطيع بمسايرة من هنا وتنازل من هناك، يمكن أن يوقف
هجمة الحقد أو التخفيف من وتيرتها. نحن لا نقول هذا للقوطبة على
أي مناورة تقوم بها إيران أو يقوم بها النظام الشامي، بل للتأكيد على
أن كل المناورات وكل التنازلات لن توقف تصميم الغزاة على السيطرة
الكاملة علينا وعلى إرادتنا. لقد أشرنا سابقا الى أن، إذا كان
النظام الشامي على إستعداد لتقديم جميع التنازلات المطلوبة لتثبيت
الهيمنة والسيطرة اليهودية على بلادنا، ففي هذه الحالة فقط يمكن له أن
يتفادى عملية عسكرية ضد الشاما. أما إذا كان قرار النظام الشامي
منسجما مع كل ما صدر عنه من مواقف وآراء قومية، فليس هناك شيء يمكن له
ان يوقف عملية الأعتداء عليه والمقررة سابقا بخططها وتفاصيلها.
ما هي التنازلات المطلوبة من النظام الشامي؟
التنازلات المطلوبة تشمل كل نواحي الحياة القومية من حقوق وسياسة
وثقافة وقيم وأخلاق. ليس سرا أن أول طلب من النظام السوري هو
تفكيك التنظيمات الفلسطينية القائمة على الاراضي الشامية وتأديب حزب
الله في لبنان وتجريده من أسلحته. يلي ذلك قائمة بأسماء عديدة
تريد الإدارة الأميريكية-اليهودية تسليم أصحابها إليهم أو سجنهم محليا.
ثم تبدأ مطالبة الشام بتدمير كل سلاح يمكن أن يزعج الدولة العبرية
المقامة على أرضنا ووطننا؛ ثم تكر مسبحة المطالبات الأخرى التي تثبت
عملية إفقادنا لأرادتنا بالكامل وقتل أية عملية نهوض لاحقة. ما
يدرس في المدارس اللبنانية والشامية، وكل العالم العربي بعد ذلك، سيكون
من وضع اليهود انفسهم وإشرافهم؛ إذ أنه سيكون ممنوعا أن يشار في أي
كتاب أو منشور من أن إسرائيل هي دولة إغتصاب، أو أن اليهود ليسوا إلا
شذاذ آفاق، إحتلوا أرضنا ونهبوا خيراتنا وشردوا شعبنا. على
أجيالنا المقبلة أن تفهم التاريخ أكاذيبا ينسجها الخيال اليهودي،
فيظهراليهود بأنهم أصحاب حق، ظلموا خلال المراحل التاريخية السابقة،
وما يأخذونه اليوم إنما حق لهم سلب منهم سابقا. واليهود يريدون
أن يكونوا حاضرين بيننا في أي وقت وأن يأخذوا ما يريدون ساعة يشاؤون.
ممنوع علينا أن ننافسهم في شيء؛ ستكون أسواقنا ملعبا لسلعهم وإنتاجهم.
لن يكون مسموحا بعدها أن يكون هناك حزب بعث أو أية أحزاب قومية أخرى.
أي صوت قومي سيكون مكانه السجن. هذه هي بعض التنازلات المطلوبة
وضعناها بلغة بسيطة لا تقبل التأويل أو الجدل. أذا كنا على
إستعداد لتقديمها، فلا عمل عسكري ضدنا كما أسلفنا، لأن نكون قد أنجزنا
عملية أنهزامنا وإندحارنا وتراجعنا بأنفسنا بدون إزعاج الغزاة
الأميركيين-اليهود.
أما إيران فمطلوب إليها أن تبطل ان يكون عندها أي حلم بأن تكون دولة
قوية؛ ممنوع عليها أن تمتكلك أسلحة دمار شامل؛ كما على
إيران أن تغير موقفها ونظرتها الى دولة الأغتصاب اليهودي على أرضنا،
فتتبنى ثانية النهج الإيراني في عهد الشاه البائد. لذلك نرى، مع
ما رأيناه ونعرفه من مواقف لأيران الثورة، أن إعتداء عسكريا ضدها هو
أمر حتمي لا مفر منه. نبني هذه القناعة إنطلاقا من التسليم
بمصداقية الموقف الإيراني. أما إذا كانت إيران على إستعداد
لأعطاء الغزاة ما يريدون، والقبول بدولة الإغتصاب ووقف عملية التحريض
ضدها، عندها فقط يمكن القول إنه لن يكون هناك إعتداء عليها."
لم يكن إغتيال الحريري إلاّ حلقة مهمة من حلقات تنفيذ المؤامرة.
ليس عندي شك في ذهني أن الأيادي المنفذة هي أياد محلية، لكن أوامر
التنفيذ هي أوامر إسرائيلية-أمريكية. هذه هي قناعتنا الصلبة، ألى
ان يكشف التحقيق، إذا كان بإمكانه أن يكشف، ما يخالف هذه القناعة
ويسفهها. لقد نفذ السبت الأسود بأياد لبنانية، لكن اليهود كانوا
وراء بشير الجميل تشجيعا وتحريضا للقيام بتلك المذبحة لضمان وصول
الأحداث في لبنان الى نقطة اللاعودة. مجازر كفرمتى والبنيه كانت
بأياد لبنانية، لكن اليهود لم ينسحبوا قبل أن تأكدوا أن تلك المذابح
التي أمروا بها قد حصلت بالفعل، لتضمن أن ما سمي بحرب الجبل قد بدأت
بالفعل وأن النار قد إندلعت بهشيم الحقد الطائفي. لذلك كان سهلا
أن نرى مجازر مضادة تنفذ في رشميا وبحمدون وتتناول أرواحا بريئة لا حول
لها ولا قوة. كل أعمال التفجير والقتل والذبح جرت وستجري بأياد
لبنانية، لكن اليهود ومعهم الأميركان سيكونون وراءها إيحاء وتحريضا
وتمويلا.
لم يكن من الممكن أن تكون خطط المؤامرة اليهودية علينا ذات قيمة لو لم
نكن نحن موضوعا قابلا وأرضا خصبة للتطبع مع المؤامرة والسير في ركابها
وخططها. عندما يقرر اليهود إعتداء جديدا علينا، يبنون حساباتهم على ما
يعرفونه عندنا من غباء وجهل وأمراض ويضعون خططهم طبقا لذلك. إنهم
يعرفون ما عندنا من قطعان بشرية تقودها تيوس عمياء شرهة، جائعة، مستعدة
أن تفعل كل ما يمكن فعله، من أجل تحقيق مصالحها الفردية الضيقه.
هم يعرفون أيضا ما يخيم علينا من فساد وعقم وتسلط في أنظمة الحكم
عندنا، فيسهل عليهم الدخول علينا من الأبواب العريضة.
الكلام عن الأنظمة عندنا يقودنا الى الكلام عن الدور الشامي في لبنان
وعن النظام الشامي كنظام يدير أمور وشؤون شعبنا في الشام. هل يقوم هذا
النظام بجردة حسابات شاملة وشفافة، يستعرض فيها مواضع نجاحاته
وإفشالاته؟ كيف يسمح هذا النظام لنفسه، وهو يقوم في الأساس على
عقيدة حزبية بعثية، وبعد ان إستمر في الحكم لنيف وثلاثة عقود أن يكون
له من الأعداء أكثر ما له من الخصوم. ألم يكن للبعثيين حلم قومي؟
لماذا لم يعملوا على تحقيق ذلك الحلم وشق الطريق بإتجاهه؟ هل
ادرك البعثيون وعرفوا كيفية التخطيط لبناء الأوطان وإستنهاض الشعوب
بعقلية معاصرة؟
للإيجابة على هذه الأسئلة، ليس أفضل من أن أقتطف مقاطع من مقالة
نشرناها بعد سقوط بغداد، بعنوان: "سقوط الدولة – سقوط الحزب":
"هذا الواقع يدفعنا لطرح جملة تساؤلات، نرى الإجابة عليها من ضروريات
عملنا المستقبلي كشعب يريد المحافظة على البقية الباقية من مصالحه،
ويريد ان يبني قوته اللازمة لإستعادة ما سلب لنا أو أغتصب من حقوق.
كيف يمكن أن تسقط دولة بناؤها إستمر على مدى ثلاثين سنة وهي تملك ما
تملك من الثروات؟
كيف يمكن أن يسقط حزب وصل الى الحكم بعد عقود من النضال، فكانت كل
إمكانيات الدولة وطاقاتها بين يديه ورهن قراره؟
كيف يمكن لحزب يقول بالعمل في سبيل الجماهير وفي سبيل الشعب، أن يصل
الى مرحلة تلاحقه فيه الجماهير ويلاحقه فيه الشعب بمختلف إنقساماته
الطائفية والعشائرية والقبلية والإثنية والعائلية وما وجد بينها من
إتجاهات ومشارب؟
كيف يمكن أن نرى أصلا، أن حزبا وحدويا، يحكم ثلاثين عاما، يخلف لنا
شعبا مفسخا ومنقسما بهذا الشكل المعبر عن تخلف بعيد عن روح العصر
وطبيعته الحاضرة؟
إننا نطرح هذه التساؤلات ونحن نتألم من نزيف جراحنا التي خلفها سقوط
العراق. ذلك لأن الإجابة عن هذه الأسئلة ضروري وملح، فجسدنا لم
يعد يتحمل جراحا فوق الجراح ونزيفا بعد نزيف. أن نجيب على هذه
الأسئلة، معناه أننا نحاول أن نجد سبيلا لتضميد جراحنا ووقف نزيفنا قبل
أن تيبس الجراح وتنضب الدماء فلا يعود هناك ما ينزف.
لم يبق عندنا الكثير بعد سقوط العراق، لكننا حريصون جدا على حماية ما
تبقى لنا من مصالح. لذلك نصر إصرارا كبيرا على الإستفادة من
تجربتنا في العراق ومن سقوط العراق المأساوي، وذلك بتحديدنا وفهمنا
لهذا السقوط وأسبابه.
لا نظلم أحدا إذا قلنا إن ما بني في العراق خلال الثلاثين سنة الماضية
لم يكن دولة، فالدولة لا يبنيها الا الشعب ولا تبنى إلا بالشعب؛ والشعب
لا يكون شعبا إلا إذا كان موحدا في الرؤية والتفكير والإرادة، وموحدا
في تحديد مصالحه ومعالم مستقبله. بدون ذلك لا نستغرب أن يكون
الشعب مجموعة قطعان بشرية غارقة في بدائيتها، متصارعة متناحرة، تتدافع
وتنقاد."
"لقد فشل حزب البعث في العراق ليس بسبب أفكاره وعقيدته، بل بسبب عدم
إقتران عمله وتطبيقه بتلك الأفكار والعقيدة. إن الأفكار
والعقائد، على أهميتها وأساسيتها، لا تصنع أحزابا حقيقية بمجرد القول
بها والدعوة إليها، بل بتحويلها الى واقع عملي يطبقه المؤمنون بها
تطبيقا مستمرا ينعكس على كل نشاط من نشاطات الحزب. إن واقع ما
آلت إليه الأمور في العراق بعد الغزو الأميركي-اليهودي له، يبين لنا
بوضوح أن ما كان في العراق من بعثيين مفترضين، لم يكونوا سوى شعوبيين،
مداهقين، من أصحاب الغايات والمصالح الشخصية. إننا نعجب من هؤلاء
ممن يدعون الحكمة والمعرفة من البعثيين خارج العراق، ممن كانوا
موالين لصدام حسين دون التجرؤ على نقد أو إنتقاد له. عندما
تتساهل الأحزاب مع ميوعتها وغياب أفكارها وإهمال مبادئها، لا يبقى منها
إلاّ الإسم."
ما ينسحب على الوضع السابق في العراق، ينسحب في الكثير من تفاصيله على
واقع النظام والحكم في الشام وطبيعتهما . ليس هناك من شك أن
النظام الشامي دفع تضحيات غالية في لبنان. تضحيات لا ينكرها إلا
الغلاة الحاقدون. لكننا نعرف أيضا أن النظام السوري قد إرتكب
أغلاطا كبيرة في لبنان وفوت على شعبنا فرصة عظيمة، كان يمكن أن ترسخ
بها أسس وحدته وشعوره بشخصيته الواحدة. لا نريد هنا أن نعدد تلك
الأخطاء او تفصيلها، إذ أن أي مدرك لروح العصر وكيفية بناء المواطن
والوطن، يستطيع تفنيدها وشرحها بسهولة. يكفي أن نشير الى أن
النظام الشامي تعامل مع الوضع في لبنان كملف يمكن أن يفتح حينا ويغلق
حينا آخرا، وليس كمسألة مترابطة بالمصير القومي لا يحتمل فيها
إرتكاب الأخطاء والأغلاط. لأن النظام الشامي تعامل مع المسألة
اللبنانية كملف، إرتاح الى تكليف أجهزة مخابراته بإدارته ومتابعة
تفاصيله وجزئياته. أجهزة المخابرات تجيد عادة توظيف العملاء والمخبرين
والقيام بأعمال خاصة من إختصاصها، لكنها أعجز من أن تتمكن من أصلاح وضع
يتطلب أصلاحه رؤية قومية سياسية إجتماعية ونفسية عالية. كم
بالأحرى إذا كانت هذه المخابرات ذات أفق ضيق وتتمتع بسادية يفقدها
الإحساس الحقيقي بمسؤولياتها وواجباتها الأصلية. لقد إرتاحت تلك
الأجهزة الى ما زرعته لها من مخبرين ومؤيدين ومنتفعين، ظنا منها
أنها بذلك تكسب تأييد كل الناس أو تضمن السيطرة الأبدية على عليهم.
لقد أخطأت تلك الأجهزة عندما سمحت بحصول مسائل لا يمكن أن يقوم بها الا
المافيات والعصابات الكبيرة، متخطية كل القوانين، كما سمحت لنفسها بأن
تكون إنتقائية في المحاسبة وفرض النظام والقانون. ألم يكن من أخطاء تلك
الأجهزه، وهي المسؤوله عن الأمن في لبنان أن تغض النظر عن جرائم
مؤيديها وتحاسب من هم خارج دائرة تأييدها؟ ألم يستغل وليد جنبلاط
نفسه هذا العامل فيرتكب الموبقات والجرائم إدراكا منه أنه فوق القانون
وفوق المحاسبة؟ ألم يكن خطف السيد عياش من هذا القبيل، غايته
أبتزاز أموال أخيه؟ ألم يرسل السيد جنبلاط أزلامه في سيارة دفن
الموتى لإعتقال السيد نصر، شريكه في شراكة ظاهرها مطاعم وحقيقتها تجارة
مخدرات أتقنها السيد نصر، رافضا أن يجلب إليه إلا ضمن تابوت؟ ألم
يبدأ غضب جنبلاط على الرئيس لحود بعد أن أصر الرئيس لحود على إستعادة
قصر الأمير أمين، بعد أن كان حوله وليد جنبلاط الى كازينو يدر عليه
الأموال وأعتبره من أملاك إمارته؟ لقد ارتاح النظام الشامي
الى ما جمع حوله من أشلاء طائفية وحزبية إعتبرها صديقة له ويمكن
التعويل عليها، بينما هي في الحقيقة، بما تتمتع به من عقم، عالة عليه.
هي لا تجيد إلا الأستجابة لتوجيهات النظام، بدل أن تكون مساعدة له في
توضيح الرؤية وصوابية القرار. لقد حلت الميلشيات محل الأحزاب،
وأصبح أمراؤها بين ليلة وضحايا سياسيين أخذوا على عاتقهم بناء لبنان
الجديد. كان من الطبيعي أن يكفر الشعب بهم جميعا بعد أن عانى من
فسادهم وشراهتم وعجزهم.
الى أين من هنا؟
ليس هناك كثير من النصح يمكن تقديمه الى اللبنانيين، سوى تحذيرنا الناس
في لبنان من مغبة الإنجرار وراء المتاجرين بهم وبعواطفهم، مؤكدين ضرورة
تحكيم العقل والإعتبار من حوادث الثلاثين سنة الماضية.
أما النظام في الشام، فقلبنا عليه، ليس بسبب ما كان منه ماضيا، بل بسبب
ما يشكله من قلعة صمود أخيرة لنا، حاضرا ومستقبلا. نقول لهذا
النظام إن الأوطان لا تبنى الا على الحرية والعدالة والعنفوان
والمعرفة. لذلك فهو عليه مراجعة أساليبه وطرقه وعقليته وبشكل
حاسم وسريع. على هذا النظام أن يشرك وبشكل فعلي وفعال، جميع
المثقفين والمخلصين من أبناء الشعب، ألى أي حزب أنتموا، في عملية إنهاض
وإستنهاض وتوعية تشمل الشعب بأسره. أما في الموضوع اللبناني،
فالإنسحاب الفوري والتموقع على الحدود مع لبنان، هو أمر في غاية
الأهمية، يعطل أبواق الحقد والتحريض ويخرسها، فتنفضح حقيقتها أمام
الناس إذا ما إستمرت بزعيقها. أما المقاومة اللبنانية، فلا خوف
عليها. فهي أو أن يحضنها لبنان وكل اللبنانيين، أو أن يتحملوا
نتائج محاولات القضاء عليها. لقد كان هناك مراحل فاصلة في
التاريخ. والمرحلة القادمة ليست أقل من مرحلة فاصلة بين ما هو
إرادة قومية، وبين ما هو إرادة يهودية-أميركية. ليعلم الجميع
أننا حريصون على المقاومة في وجه الدولة العبرية، ما بقيت تلك الدولة
اللقيطه. ليعلم جميع اللبنانيين أننا فخورون بهذه المقاومة وهي
موضع إعتزاز لنا. هي أقنعتنا بها بالممارسة والإختبار. هي
لم ترتكب الموبقات ولا المذابح. لم يصفع أحد كفا في الجنوب، رغم
أن الخدود التي تستأهل الصفع كانت كثيرة ومتنوعة. المقاومة لم
تصنع السبت الأسود ولا مجازر سن الفيل وصبرا وشاتيلا. هو لم تقم
بذبح الدروز في كفرمتى والمتين، وهي لم تقم بتصفية المسيحيين في رشميا
وبحمدون وغيرها من القرى. المقاومة غالية على قلوبنا وثمنها خارج
تصور أي إنسان. |