لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

ننشر المقال التالي ليس موافقة منا على المفاهيم التي يتضمنها ولا على إسلوب عرض هذه المفاهيم، بل لأن المقال يشير إلى موضوع مهم يشكل إحدى مآسي شعبنا.  إن معاناة المسيحيين من شعبنا هو جزء من معاناة كل شعبنا التي تختصر بمحاولة محوه والقضاء عليه.  فمحاولة القضاء على الوجود المسيحي في الوطن السوري هو من ضمن محاولة القضاء على مجمل وجودنا الحضاري والتاريخ والسياسي.  لا نوافق الكاتب أن مواجهة تلك المسألة هي مسؤولية الإسلام السياسي، بل هي مسؤولية كل شعبنا، المسيحيين منهم قبل غيرهم. إن الكتابة في هذه المأساة وغيرها هي من المسائل التي تشغل تفكيرنا أبداً وذلك بسبب خطورتها على قضيتنا لكن ضيق الوقت يقف حائلا بيننا وبين تنفيذ رغبتنا. 

أخر الهنود الحمر

مأساة المسيحيين ومسؤولية المسلمين

جورج أبو معشر

نقلاً عن جريدة الديار تاريخ (8/4/2008)

 

هل يطيح المد الاسلامي السلطة المسيحية في لبنان؟ سؤال ملح تفرضه التطورات القائمة في دول المنطقة العربية بفعل الرياح الاصولية التي تهب ‏عاتية فتقتلع المسيحيين من جذورهم التاريخية الضاربة بعيداً في عمق بلادهم كما هي الحال في ‏العراق وفي فلسطين حيث النزف المسيحي مستمر وبوتيرة متصاعدة بحيث تعالت الصرخات: هل يصبح ‏مهد المسيحية بلا مسيحيين؟ ولكن هل يقتصر الامر على وضع طارئ يُعزى الى التطرف الاصولي؟ والا يقدم لبنان البرهان ‏الصارخ على وجود رغبة دفينة في تفريغ السلطة المسيحية من مضمونها كخطوة اساسية في عملية ‏انتزاع السلطة من المسيحيين؟ هذا ما ألمح اليه بعضهم معتبراً ان هذه كانت رغبة السعودية عندما تولت رعاية «اتفاق ‏الطائف» العام 1989.

‏* * *‏ قصة المسيحية مع الحكم الاسلامي منذ الفتح وحتى نهاية الحكم العثماني قد تستدعي اكثر من ‏تفسير لما قد تجد لها المبررات التاريخية لدى البعض والرفض المطلق لدى الغالبية، الا ان هذه ‏المواقف في حديها الأدنى والاقصى تسقط تباعاً مع كيانات الاستقلال التي تعود الى الخمسينات ‏والستينات والتي كان يفترض ان تشهد تعزيزاً لوضع المسيحيين في المجتمعات المدنية والمؤسسات ‏النقابية كما في السلطة السياسية.

الا ان الواقع جاء مغايراً تماماً لهذه المسلمة البديهية التي تفترض المساواة الكاملة بين ‏المواطنين في الدولة الواحدة والكيان السيّد.

فبعد اكثر من نصف قرن على نيل الدول العربية استقلالها تباعاً، استقلال انتزعته النخب ‏الوطنية من الدول الاستعمارية بريطانيا وفرنسا وايطاليا، نخب كان المسيحيون الوطنيون في ‏طليعتها وقدموا لها خيرة الابناء شهداء على مذبح القضية الوطنية، شهد هؤلاء المسيحيون ‏عملية اقصائهم عن السلطة وعن المشاركة في الحكم وعن مركز القرار، وصولاً الى رميهم في ‏النسيان، ودفعهم دفعاً، وتدريجياً الى الهجرة بحكم التمييز الجاري في حقهم وبحكم اعتبارهم ‏‏«غرباء» في بلادهم.

‏* * *‏ الصرخة الاخيرة بل الحشرجة الموجعة يطلقها لبنان الوطن الصغير الذي استبيح منذ ما قبل ‏العام 1969 ارضاً وشعباً، فيما تجري اليوم محاولة التخلص من «مسيحييه» بخبث لئيم من طريق ‏التجنيس والتوطين والتيئيس ودائماً تحت مظلة واحدة: ابعاد المسيحيين عن السلطة السياسية ‏وعن مسؤولية القرار بزعم ان الاكثرية اليوم باتت اسلامية واليها يعود الحكم.

انها عملية اغتيال للمسيحيين، عملية اغتيال موصوفة تتم على مراحل بدأت بعد نحو عشرة ‏اعوام على نيل لبنان استقلاله، وعلى مرأى من سمع العالم وبصره ويتعهدها الحكم الاسلامي في ‏المنطقة العربية فيما «العالم الاخر» مشغول بسعر صرف برميل النفط.

هل يستدعي الامر اليأس؟ بالطبع لا.

فهناك بارقة أمل تجدها لها ياسمين نعمه مؤلفة كتاب «آخر الهنود الحمر» في «عقلاء» ‏المسلمين الذين سيرفضون ان يسجل التاريخ ان بلاد المسيحية اصبحت بلا مسيحيين وان المسؤولية ‏تقع على الاسلام السياسي الذي يرفض كل ما ليس هو، يرفض المشاركة في الحكم، ويرفض الاخر.

‏المسيحي.

هذه هي العناوين الرئيسية لكتاب «آخر الهنود الحمر»، فهذه الدراسة الاجتماعية السياسية ‏تشكل مرجعاً يروي تطور وضع المسيحيين في المنطقة في مصر وفي العراق وفي سوريا وفي فلسطين، ‏واخيراً في لبنان، وتثبت بالمراجع والاحداث التاريخية المرتكزات التي يعود اليها الحكم ‏الاسلامي في عملية اقصاء المسيحيين عن السلطة السياسية، لا بل في اعتماد سياسة تمييز منهجية ‏تطيح بمفهوم المساواة الذي تفرضه المواطنية ويحتمه الانتماء الى الكيان الواحد.

يروي «آخر الهنود الحمر» بدايات الحكم الاسلامي وكيفية دخوله على اليهودية والمسيحية وصولاً ‏الى استراتيجية الجهاد في ثمانية فصول تشكل القسم الاول من الكتاب، فيما يتناول القسم ‏الثاني اوضاع المسيحيين في الدول العربية، في فصول خمسة تعالج وضع المسيحيين في ست دول منها، ‏اما القسم الثالث فيطرح اشكالية المسيحيين في دول الاستقلال العربية، وفيها التساؤال: ‏لماذا لا تعترف السعودية باسرائيل؟ وكيف ان السلطة هي فريق لا حكم، وان السياسة المعتمدة ‏هي سياسة اخفاء الحقائق وكيف يمكن لكنيسة مارونية تعود الى 1400 عام ان تجد نفسها اليوم ‏في بلاد على طريق الاسلحة؟ ولماذا يترك المسيحيون «الغربية» والضغوط التي تمارس على ‏الفاتيكان، وكيف ان قانون العدد هو عملياً مصادرة للسلطة، ومن يحق له ان يقول للآخر ‏انتَ كافر؟ وغيرها من العناوين وصولاً الى الخلاصة والوثائق الملحقة.
انه كتاب مرجع يجيب عن الاسئلة المطروحة اليوم ويروي بالتفاصيل مأساة المسيحيين ومسؤولية ‏المسلمين.