|
أيها الرفيقات و الرفقاء :
نحتفل اليوم بذكرى التأسيس أعني تأسيس الحزب
السوري القومي الاجتماعي في السادس عشر من تشرين
الثاني عام 1932.
وليس الغرض الآن إطلاق عبارات الثناء والتمجيد على
المؤسس العظيم وما لقيه من صعوبات وتحديات وما
اتخذه من مواقف وبطولات في رعاية حزبه وهداية شعبه
، وهذا واجب في عنق كل سوري يقضي بتكريم عظيم من
أمته أيقظها من سبات عميق رسّخته عصور الانحطاط
وضياع السيادة القومية منذ زمن طويل ، كما ليس ما
أتناوله الآن تحليلا ًدقيقاً لتاريخنا الحديث قبل
بزوغ النهضة وبعده ولا تتبّعاً لما جرى ويجري على
ساحة حزبنا في السنوات الأخيرة ولا استشرافا
ًمتعمقاً للمستقبل الذي ستواجهه الأمة والحزب
،فهذا شأن آخر على أهميته ، يضيق به المقام .
وإنما أردت أن ألقي الضوء على مسألة هامة هي أن
التأسيس ليس عملا ًتمّ في الماضي واكتمل وانقضى بل
هو أمر راهن حقاً يمدّ جناحه على آماد المستقبل ،
وفي دفء حرارته المتقدة يصير لاجتماعاتنا وتحرّكنا
معنى حقيقي .
نحن إذاً لا ندعو إلى تأسيس حزب قديم أو جديد
بالرغم من صدور بعض العبارات المرتجلة بهذا الشأن
والتي لا تستوفي حقّها من التدقيق ، بل نحن
وأعني هذه القلّة المجتمعة هنا والتي تتعاطف معها
مجاميع متفرقة في الوطن وعبر الحدود ، بل نحن
نعمل على إعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى
القواعد والأسس التي وضعها قائد النهضة (سعادة) ،
والتي هجرها العاملون بأسمها وطرحوها في سوق
المراهنات الخاسرة والحسابات السياسية الضيقة ،
وفي مستنقع المساومات الخصوصية الرخيصة . هذه هي
مهمتنا ونطاق عملنا الحصري .
يشهرون في وجوهنا فزّاعة النظام فنقول لهم : إن
النظام الحقيقي هو نظام الفكر والنهج ومن ثم نظام
الأشكال التي تقنّن عمل الفكر وتعبّد طريق بلوغ
النهج الجديد مراميه ، ولطالما تبعثر نظام الشكل
وترتيباته في أزمات المواجهات الكبرى فكان ضمان
الانتصار فيها وعليها هو العقيدة المحيية التي هي
أعمق من أن ترتدّ إلى حبوس ، بل هي مكتنزات الفكر
والقوى ، هي قواعد انطلاق الفكر .
يلحق بفزّاعة النظام الضوضاء الذي يثار حول
الشرعيّة التي انتهكوها ومزّقوها وقضوا السنين
الطوال في فتق ورتق .
الشرعية هنا صراخ ومنافحة وعدوان ، وصبية يتيمة
يتمزّق وجدانها البريء بين الأب والأم وربما
العشيق ، وبين الأنسباء والأقارب والأصهار ، وبين
المتطوعين لإصلاح ذات البين .
ولكن ما هي الشرعيّة في حقيقتها ؟ أهي أختام
ودواوين ومكاتب وأوراق ذات عنوان ؟ أهي
تشكيلات وتسميات ، ورتب تمنح وألقاب تطلق ؟ هل
هي ما تبقّى من صراع الديكة من ريش متناثر وبعض
الدم المسفوك من عين فقئت أو رجل قطعت أو رقبة
هشّمت ، وكذا من أوراق المراهنات المرمية وصدى
ضحكات الرابحين و ولولات الخاسرين ؟
هل الشرعيّة سوى التقيّد الأمين النزيه بالشرع أو
القانون الذي سلّم به الناس واتخذوه دليلاً على
سلامة السير ومنع التجاوزات وحفظ الحقوق ؟ وقد
رأينا ونرى القانون يُنفخ فيقال هو في صحة جيدة ،
ثم ينُحل ويدقّ ّفيقال ذلك أدعى لتوفرّ صحته ، ثم
يركّب له أعضاء إضافية كما يركّب الفخّاري آذاناً
لجراره فيقال ذلك أقوى له وأفعل حتى حين تكون
العين الإضافية في أسفل القدم ، والقدم الجديدة في
موضع الأنف ، ثم ّيمزّق ويثقّب بالرصاص فيسكت
المزيّنون لهذا المسخ عن التعليل بحجة الاستيعاب
أي أن آذانهم من الكبر بحيث تستوعب هذه الضجة
الطارئة .
ثم إذا مسّ جلد الشرعيين شئ من هواء من آه شاردة
أو صرخة مكظومة أو أنة مكتومة زعقوا ونادوا بالويل
والثبور واستنفروا الخاتنين والحجّامين والحلاقين
في ديوانهم وأقسموا عليهم أن يقطعوا الشجر ويحرقوا
الحجر ويرجموا الزهر بحثاً عن مثيري الشغب في
ديوان الشرعية .
وقد أشبهت هذه الشرعية (وصفة الطبخ ) التي يحافظ
عليها بحرص ذلك الذي خطفت الكلاب من بين يديه
اللحم الذي يمنّي النفس بطهيه عند العشاء وتركت له
ورقة مسطرة لا تغني ولا تسمن من جوع .
إن الحزب يستمد شرعيته من التعبير عن مصالح الأمة
والنضال في سبيلها بكل طاقته ، وعلى صعيده
التنظيمي تستمد قيادة كل حزب شرعيتها من التعبير
الأمثل عن الإرادة العامة لمن ارتضوا السير في
الدرب الواحد والوقوف معاّ والسقوط معاّ في معترك
النضال أما الشرعيات المتشققة عن هذه الشرعية
الوحيدة أو المجانبة لها والمتنابذة معها
والمضادّه لها في كل حال فهي شرعية كاذبة منحولة ،
وطلل جديد يستسقي كل يوم لا دموع الشعراء بل دماء
الأبرياء فيكون البكاء حقيقياً هذه المرّة ، وليس
من لذّة في هذا البكاء .
يلحق بهذا المعنى الجدل العقيم الذي يدفع به واضعو
مصطلح الداخل والخارج ويقولون بالعمل للإصلاح من
الداخل لا من الخارج .ولنا على ذلك ملحوظتان
،الأولى : إن هذا المصطلح ينطوي بصورة ضمنية على
تقييم لا شعوري لمصلحة الداخل . فكما أن التقليد
الديني والشعبي المتوارث يعطي أفضلية لليمين على
اليسار ،كذلك فإن متلقي هذا المصطلح يتجه بداهة
ودون تفكير إلى تغليب الداخل على الخارج . وفي هذا
سرقة معنوية وشرك خفيّ لحركة الفكر .
أما الملحوظة الثانية فهي أن قسمة الساحة إلى
داخل وخارج خدعة أخرى يحاول المجادلون نصبها
للبسطاء . إن الخارج الحقيقي هو الذي يسمي نفسه
تضليلاً بالداخل حين يخرج على العقيدة وعن التعبير
عن الإرادة العامة وعن العمل لمصلحة الحزب والأمة
. وأما الخارج في زعمهم الذي يخرج على الخروج فهو
في صميم الداخل وفي عمق العمل العقدي والانقاذ ،
ولأن نفي النفي هو إيجاب .
إلى ذلك نسأل : ألم يعمل الكثيرون من الداخل
للإصلاح فصُمّت آذان هذا الداخل وقَمع وحارب
واستبعد كل صوت يخالفه واستخدم التزوير والترهيب
في أسكات كل انتقاد . ونسأل أيضاً: ما دمتم
تفضلون العمل للإصلاح من الداخل فماذا حققتم من
هذا الجهاد اللفظي ؟ نحن لا نعترض ولكننا نرى
بوضوح أنكم لن تحصدوا سوى الخيبة ، هذا إذا كنتم
جادّين ، بل إننا نرى في دعواكم ستراً للعجز
والخمول والترهل وترك كل شئ على ما هو عليه .
وثمة جدل أخر يسوقه القاعدون بحجة عدم نشر
الغسيل الوسخ . وهي حجة كافية لأن يطبق
الفخّ على أصابعهم وألسنتهم وأن يدانوا من أفواههم
.فمن وسّخ الثياب الطاهرة ؟ و من منهم فعلها
بثيابه أوقات الشدّة ؟ ومن سرق وارتشى وخان ؟ و من
أهمل و هرب و تهرّب ؟ ومن غير ّجلده وحنى رأسه ؟
ومن دمغته العيوب وضّمخته المثالب ؟
وهل لمن فعل ما يستحي الشريف منه ، ويأباه الضمير
النقيّ أن يكون جديراً بالإمساك بختم الألوهة ،
وإصدار الأوامر والنواهي بالسكوت والصمت وإغماض
العيون وسدّ الآذان ، مما لا يغسل ثوباً وسخاً ولا
يطهّر عباءة مدنسة ، ولا يقيم في الأرض عدلا ً ولا
يمنع معصية ولا يبرّئ مجرماّ ولا ينصر حقاّ ولا
ينصف مظلوماّ؟
كفاكم أيها الآلهة الصغار ترقيعاً للثوب المخرّق .
أما شبعتم ألوهة مزيفة وتجبّراً واستكباراً
اًواستهانة برأي الشعب الذي أنتم فوقه وكان أولى
أن يكون فوقكم وأن تكونوا له أجراء وخدّاماً، لا
مستغلين منعّمين تلعقون دم شهدائه وتحقرّون نضاله
وتتاجرون بمصالحه .
عودوا إلى الشعب وحكّموه في ما يشجر بينكم من خلاف
إذا كنتم تنوون توبة نصوحاً و سيراً قويماً وبداية
إصلاح . وإن لم تفعلوا ، فلن يفلح أمركم ، وسوف
تظلون آلهة مزيفة إلى أن يجتز ّ أعناقكم سيف
((أوكام)) وهو في حالنا هذه ، سيف الشعب الواعي
المؤمن بحقه في الحياة الحرّة الكريمة .
ثمة سلاح آخر يشهرونه في وجه تحركنا الإنقاذي
،وهو سلاح صدئ القول بأن هذا التحرك يدعو إلى
الانشقاق وإلى قيام الفوضى مستغلين حرص
الرفقاء على وحدة قضيتهم وصراعهم ولأن الاتحاد قوة
. وقد أضاف أحد الصغار فرية إلحاقنا بالفوضى
الخلاقة الأميركية . وفي هذه الفرية سقوط أخلاقي
يلحق بمطلقها ولا تمسّ صفاء عقيدتنا ونبل مقاصدنا
وصدق ولائنا . ونحن نسأل ، وقد كان ديدنهم خلال
السنوات الماضية أن يورثونا الانشقاقات المدمرة
القائمة على التناحر الشخصي في الأساس.
نسأل : أية فوضى أشدّ وأدهى من الفوضى التي
أوقعوا الحزب فيها . إنها تهمة مردودة عليهم .
وهل كل انشقاق عنوان ضعف وتبديد ؟ لقد انشقت
الكنيسة في القرن السادس عشر بعد أن أصبح بعض
زعمائها يرتكبون الخنى ويمارسون السفاح ويبيعون
الجنة بالدراهم ليكنزوا الثروات وينغمسوا في
الملذات ، فهل أدى ذلك الانشقاق إلى ضعف المسيحية
أم إلى إعادة نفخ الحياة في عروقها الشائخة ؟
ولماذا انشق كل رسول على ضلالات قومه ؟ ولماذا رفض
سعادة كل المؤسسات والتشكيلات القائمة على باطل
لينشئ المؤسسة الجديدة مؤسسة الحزب العاملة على
صيانة النهضة وحمل رسالتها ؟
إن صراعنا مع هؤلاء يقتضي فضح كل التهويلات
والأكاذيب التي يطلقونها لتبرير الأوضاع الفاسدة
وحمايتها من السقوط الأخير الآيلة إليه .
لقد سقطت الشرعية المزيفة سقوطها الباهر وأصبح
النظام أشلاء بعد أن تلاعبوا بالدستور وزوّروا
النظام وشوّهوا القضاء وخطفوا الحزب وجيّروه
للقيام بالعمليات القذرة لمصلحة قوى متنفذة ولم
يعد الحزب دولة الأمة السورية المستقلة . لقد
صارت التنظيمات والمنظمات بيادق وحجارة روليت تدور
وتدور لتقف عند الإشارة السوداء أو الحمراء أو
البيضاء المقررة سلفاّ، وعند أرقام محسوبة من
أصحاب النوادي ببزّاتهم الرسمية وقلانسهم العالية
الذين يتلهّون ويتسلّون بلعبة أخرى تمضية للوقت .
كل أحلام الشباب وتوقهم للمثل العليا يجري
الإستهانة بها،وكل التضحيات تصادر وتوزّع على قلة
من المنتفعين.
وصارت الأحزاب شركات يجمعها إحتكار كبير باتساع
الوطن فهناك التروست الوطني والكارتل التقدمي
وأقفية حمراء للصمود والتصدّي.
لعل مشكلة الأحزاب الأساسية عارض من نوع الإنفصال
بين الإيمان الإجتماعي والنزعات الفرديّة،بين
العقيدة والعمل.وهكذا تكون حال الإنهيار مشكلة
مناقب وعقلية أخلاقية إخترقها السوس فلا يقوم لها
قائم.
لقد أورثتنا الشرعية المزيفة إقطاعات وأعادتنا إلى
حكم "الشوباصي"المقتات من فتات المنافع الرخيصة.
عهّروا الأمانة بتوزيعها على المناصرين وأفسدوا
المجالس القومية وتنكروا للإرادة العامة و إمتهنوا
الديمقراطية التي هي حكم الشعب،وهاهم اليوم وتحت
ضغط الأحداث الداخلية المزمجرة يعدون بإنتخاب
القيادة من الأعضاء،ولكنهم في كل ذلك يكذبون
ويماطلون ويحاولون حرف الموج عن مساره الصحيح أملا
ًفي أن يطوّ قوا حركةالوعي الجديد وإجهاضها بمختلف
البهلوانيات التي برععوا فيها.
إن هذه الطبقة الظاهرية التي تتحكم بالحزب هي أشبه
بغطاء فوق مرجل الحركات الشعبية يكمّم قدرتها على
الفعل ويضبط تفجّراتها التغييرية،ويقنن الحركة
الثورية ويستولي عليها،بدلا ًمن أن يفتح لها
المجاري والسبل ويشق أمامها درب النجوع والإمتداد.
الحركات العقائدية لا يمكن أن تنتصر إلا بالبطولة
المؤمنة المؤيدة بصحة العقيدة والقابض على عقيدة
هو كالقابض على جمر. والجلود الرقيقة المنعّمة قد
تربح العالم ولكنها لن تبني حجرا ًفي صرح الروح.
إن الجماعات الضعيفة الهشة هي التي تنسحق عند
الصدمات وتتغير بنيتها وتكوينها عند الرزايا،لكن
الجماعة الحية ترفض ان تستسلم للقضاء بل هي تكتب
دوما ًقدرها.
من المؤلم حقاً أن يسارع الجبناء الذين لم يترك
العراك المرير خدشا ًواحدا ًفي الوجوه الوسيمة
للتنظير والقيادة قي الظروف السهلة لهم،والصعبة
بالنسبة للجماعة،محتكرين المعرفة والفهم،ومقصين كل
من لا يؤمن بأنهم قتلوا الحية،وهم إذ كانوا
يصيحون: " قتلناها، قتلناها " كانوا "مشاركين" في
جهاد لم ينالوا منه ولم ينل منهم . أليس في القديم
ان مروان بن الحكم طريد الرسول الذي اهدر دمه يصبح
أباً لسلالة من امراء المؤمنين وخلفاء رسول الله.
من المؤلم حقاً أن زياد ابن ابيه يطلع علينا في كل
جيل حاملاً سيف الطغيان بعد ان كان سيفاً للايمان
ونقل السلاح من كتف الى كتف عادة في خصيان الفكر
والرجولة والوفاء والمروءة , وخلق متأصل في نسل
الزاحفين وراء المطامع الخسيسة والأغراض الدنيئة.
آه ! وإنها لآه ترددها آلاف الحناجر: لماذا يكون
لرموز الإدارة الخربة ما لا يعطي للمبدعين
والخالقين؟ ولماذا كان هؤلاء هم المجلودين بسياط
القهر والنفي ولأولئك صدر الهيكل وقدس المذبح؟
ولماذا تكون "التكايا" ومآوي العجزة مركزاً باسم
المؤمنين والمستشهدين؟ ولماذا هذا الذبح المجاني
لكل واعد بالخلق والإبداع, لتتم للجوقة الغفل سائر
مسراتها؟
ولماذا إذا بحثنا عن كل أصيل رأيناه جائعاً خلف
الباب, وعصبة البيروقراطية على موائدهم يطعمون؟ هل
تكون العقائد أثواباً ملونة يلوّح بها للشباب
الغرّ المفتون بأحلامه, ومعبراً لليأس والقنوط؟
يأتي جيل ويمضي جيل، ونحن هنا قاعدون.لم ترتفع
عندهم مؤسسة واحدة إقتصادية أو إجتماعية أو ثقافية
تناطح الدهر، وتصمد فوق كرور الأيام منارة فكر،
ومنبر هدايا وينبوع خير . الارتجال ، وضيق الرؤية،
وفقدان التخطيط البعيد، ووهم الإنتصارات الصغيرة،
هوعدة هذه الفئة الطفيلية المتعالية على الناس،
والمبتعدة عن واقع الحياة.
هم لا يبصرون وعدو كل استبصار. لا يسيرون وهم
عقداء كل مسيرة. مهلاً مهلاً ، أسرع أسرع، أقدم
أقدم،كالقائد العربي في قصيدة (مايا) للشاعر
القباني. هذا كله قديم كالعلة المزمنة. لا بدّ أن
نخرج الى النور من هذا النفق المظلم، لا بدّ من
خوارج، ثوّار، كفرة، مجانين . الثورة حين تقف
تموت.
كيف لذوي النفوس الكبيرة أن يقفوا في وجه الطوفان
القذر بكل محمولاته؟ هل يستسلمون؟ هل يصفقون
ويهتفون بحياة السلطان؟ هل يخونون انتماءهم
الحقيقي ليلتحقوا بانتماء مزيف لا صلة له بوجدانهم
ولا بحقيقتهم النفسية والفكرية التي رضعوها مع
الحليب؟ هل عليهم أن يعصبوا أبصارهم فلا يروا
الأوحال التي خوّض فيها أولو الأمر فعلقت بهم
وأصبحت نعالهم من الأوحال هي التي يعرفون بها؟
فهذا نعله من "الحشيش" وآخر نعله صفقة بآلاف
الدولارات، وثالث نعله مزرعة، ورابع نعله دار
منيفة، وخامس نعله بنادق مباعة وذخيرة تسلم
للأعداء . لقد غدوا جميعاً منتعلين نعال من ذهب
حتى صحّ فيهم قول شاعرنا المتنبي في هجاء كافور:
" وتعجبني رجلاك في النعل إنني رأيتك ذا نعل
إذا كنت حافياً "
إن على النفوس الكبيرة أن تتصدى للزيف ، للفساد،
للتجني، لحملات التشهير، لصليب الحرم وحجارة
الرجم.
لقد كان من شأن الحركة ذات التعاليم السامية
والأهداف النبيلة أن تخاطب نزعة الخير في أعماق
الوجدان، وأن تستثير اسواقنا المغيّبة لكل عزيز
ونبيل في الحياة، وأن تصقل النفوس في مصهر الدعوة
العظيمة وتبني الأنسان الجديد بفضائله المميزة من
إيمان بالشعب، وثقة به وبالنفس، وجرأة في الجنان
وصدق في اللسان، وصراحة ومحبة في القلب، ووعي في
العقل، وعدل في التعامل، وإنصاف في الحكم، فإذا
بهذا كله ينقلب الى ضدّه فتختلط المفاهيم وتتضارب
الأحكام وتعلو المثالب ويكثر الأدعياء والمغرورون
ويولد مسخ جديد بل وحش حافره في رأسه وعينه في
قفاه، وأنفه تحت إبطه، وقلبه بين فخذيه.
إنها لصورة راعبة للوحش الذي يطعن أبناءه بقرونه
ويستجمع قبضاته لتمزيق وجوههم، ويشرب دمهم لإرواء
غليله، ويكون هذا دأبه وديدنه حتى ينقضّ عليه
الواعون الشجعان والآباة المخلصون فيردونه قتيلاً
حتى آخر نسمة فيه.
وأخيراً لا آخراً قد يقول من يسفّه حركتكم للإنقاذ
مستهزئاً: " ومن أنتم حتى تتصدوا لنقض البيت
الكبير وتحطيم دعائمه والتطاول على أركانه؟"
ونجيبه: إن عملية النقد الذاتي عملية مشروعة وقد
أصبحت ضرورة لازمة ويجب أن تظل مستمرة شرط
إلتزامها بالحقيقة والموضوعية وعفّة اللسان وأن لا
ننكر على أي مجاهد جهاده.
إن البطولة موقف راهن وليست سلعة تحتكر، أو قنية
تقتنى أو تجارة رائجة، أو إتكاءة وغفوة على
الأمجاد الماضية. إن البطولة تفجر دائم، واشتداد
نفسيّ في وجه الأزمات، وتعالٍ وكبر لا يأبه
للصغائر ولا ينصاع للتهويل، ولا يخضع للحسابات
الضيقة الأفق ، لأن البطل يستمد شجاعته من عظمة
مجتمعه التي لا تحدّ، ومن ذخائر الأجيال في أمته،
ومن تراثها الحافل بالعز والمآثر.
و كثيراً ما يحدث أن تصاب حركات النهوض بشئ من
الترهّل قبل تمام غايتها و انتصار عقيدتها في
المجتمع فيتحوّل الحلم الكبير في صفوف أبنائها إلى
وهم كبير يشل ّفاعليتهم ، ويحطم قدراتهم ، ويزيّف
خططهم للعمل والبناء ، ويشعرهم بعبء الجهاد ثقيلاً
فوق أكتافهم ، فيسترَيحون إلى اجترار الجهاد
القديم ، ويستدفئون بوهج الانتصارات الماضية
، وتخلق فئة من الكسالى المنصرفين إلى الاجترار
والتزمّت في قوالب الماضي أو التفلّت منه بغير
تحليل ولا رويّة بل ميلاً مع كل ريح جديدة ، عسى
يكون فيها تغيير لحياتهم الفارغة وملء للخواء الذي
يوارونه في أعماقهم .
وبدلاً من المناضلين يولد جيل من الإداريين
المقطّبي الوجوه ومن حثالات البيروقراطية التي
تستمد سلطانها من خشب المكاتب الثقيلة الصلبة التي
يجلسون إليها ، هذه الفئة المكتبية الإدارية كانت
لا لثفوّقها في الإدارة بل لتوثيق البلادة وكتابة
التقارير وتمزيق التقارير ، ورفع التقارير ،
وإصدار الأوامر ، وصيانة الأشكال وإحصاء الموجودات
، والتلويح بالسلطان الإداري ، واستخدام عصيّ
الزجر وتلاوة الممنوعات ، والتسبيح لغير ما إله ،
وإقامة ديانة لا نبي ّ فيها سوى الفراغ .
نحن الآن أمام تساؤل مصيري : هل أطبقت على السيل
أكوام الغرين ومحمولات المجاري ؟
وهل سدّت الينابيع وكممت أفواهها فلا ترتوي الضفاف
ولا ينبت الزهر ، ولا يغرّد عصفور على الشجر ؟
هل أن الإنسان في مطلع القرن الواحد والعشرين تعب
من الإبداع وتوقّف عن الخلق ؟
هل المثل العليا أصبحت نوعاً من البقّ يصيب صاحبه
بحك الجلد ولا شيء غير الحكاك ؟
وهل مأساة القيم خاتمة المآسي فلا قيامة بعد الموت
؟
لا ،لا فالإنسان أقوى من كل مصير ما دام يصنع
مصيره .
لا، فالأمل باق ٍما دام الإنسان هو القدرة على
التجاوز .
لا،لا،لأن إنساناً واحدا ًيحمل الأمانة فيكون به
شرف الموجودات جميعاً، العاطلة من وعي وإيمان .
ولكن لا خلاص إلا بعقيدة محيية أي بالإيمان
المبنيّ على وضوح العقل ، الإيمان المؤسس على الحق
والحرية . لأن الحقّ يحررّ والعقل هو الشرع الأسمى
والمجتمع معرفة ، والمعرفة قوة .
والآن هنا و الآن ما هو
المشروع الذي تسعى الندوة الثقافية للاضطلاع به ؟
وإن مشروعنا يتلخص في نقاط ثلاث :
أولاً: القطع الكامل مع الفساد
والفاسدين ، مع تجّار المبادئ وشطّار السوق
السوداء والتخلص نهائياً ًمن الكوابيس التي أثقلت
صدورنا والتي صنعها لنا المأزومون المنهزمون من
ساحة الصراع الحقيقي لمجد سورية .
ثانياً:
الدعوى إلى الحوار الشامل بين القوميين
الاجتماعيين والعمل الجاد له .
إن القطيعة و القطعانية والإقطاع ألفاظ متساوقة
لمعان ثلاثة تتداخل في ما بينها ويؤدي الواحد منها
إلى الآخر في نظام عجيب فالحرية الفكرية تفترض
الاتصال والحوار وهي لا تنفي الآخر بل تؤكده .
وعندما نكون أحراراً لا نتقاطع بل نتفاعل فلا تكون
قطيعة بل تفاعل صميمي حميم ، وبذلك لا نكون قطيعاً
أي جمهوراً تابعاً مسلوب الفكر والإرادة بل جماعة
واعية تختار وتريد وترفض . عند ذلك لا يكون هنالك
إقطاع فكري أو سياسي وتنقرض سلالة المميزين الذين
لم يتميزوا من الداخل أي بالإبداع الذاتي والمواهب
الخاصة بل تميزوا بالريش والهباب وبالألقاب
الممنوحة من السلطان أو وليّ النعمة .
هذه السدود والحواجز التي أقامها المميزون هي
وحدها الجديرة بالتحطيم والزوال . وهذه اللوائح
التي دبّجوها في ما يجوز وما لا يجوز هي التي
تستحق التمزيق وكل دعوة ما لم تكن للتوحيد واللقاء
فهي دعوة باطلة مهما علا صياحها واشتدّت جلبتها .
إن للثرثرة والصياح فوائد ، وليس منها أن تصنع
نصراً واحداً أو أن تحقق مجداً أو أن تولّد نهضة .
ولا بدّ لي هنا من أن أستدرك أن الحوار العتيد لا
يعني القبول بالتسويات الخصوصية ولا بالتنازلات
عما نعتقد أنه الحق ولا القبول بالانجرار إلى جدل
عقيم يستهلك منا الجهد والوقت فللحوار شروطه
وآدابه وغاياته ونحن ملتزمون بها وعلى الآخرين
التقيد بها أيضاً. وعندما تخلص النيات ويرتفع
الحوار عن المشاكسة والعناد فإنه يوصلنا إلى
المحجّة التي نسعى إليها .
ثالثاً: إننا
نعتقد أن التعبير عن الإرادة العامة لا يمكن إلا
بالعودة إلى القوميين الاجتماعيين الذين هم في
الأصل مصدر السلطات وقد غيبّوا وصودر دورهم وألحقت
بيعتهم للزعيم الهادي والمؤسس ببيعة مفروضة لمن لا
يستحقونها .
لذا فنحن نعمل لاسترداد حق القوميين بانتخاب
قيادتهم وفق الشروط والمصافي الملائمة .
وهنالك خطة أولية أطلع عليها أكثركم وقد وضعها
الرفيق الدكتور قيس جرجس . أقول هي أولية لا بد من
إنضاجها وتعميقها حتى تؤدي غرضها المطلوب وتعطي
ثمارها اليانعة .
فمتى كان للقوميين أن يقرروا فلن يجتمعوا إلا على
وحدة صفوفهم ولن يختاروا سوى المناضلين الأوفياء
ممن عركتهم التجارب وحملوا في أجسادهم أكثر من جرح
وأثر لطمة في سير الجهاد المستحرّ الشاق الطويل
وستكون شرعتهم الديمقراطية لتقديم الأفضل والأجدر
للقيادة وهم بالعقيدة التي يحملون وبالإيمان
الصادق الذي يملأ قلوبهم ، وبالقدوة العظيمة
للزعيم الخالد ، وبما صقلهم الجهاد ، وبما أغنتهم
التضحيات ودماء الشهداء من توهج في المناقب قادرون
على اختيار من يعبّر عن الإرادة العامة تعبير
صادقاً ، وتختفي شوائب التمثيل الذي معناه حكم
الأكثرية لتكون الديمقراطية الحقيقية التي هي حكم
الشعب .
هؤلاء أبناء النهضة أو الأعضاء يجب أن يمسكوا
بقيادة السفينة وأن يعلوا على الجراح وسفاسف
الأحقاد ليصنعوا بأيديهم وبعقولهم حياتهم الجديدة
.
إن الأمل بالتقدم ، والثقة بالنفس ، والمبادرة إلى
الفعل وتنظيم الجهود ، هو المنقذ الوحيد للجماعة
الواعية التي رفضت أن تكون قطيعا ً وتجاوزت
القطعانية والإقطاعية الضاربة الجذور في حياتنا
الإجتماعية والسياسية ومن يملك الدليل العقائدي
والإيمان الحيّ لا يمكن أن تثنيه وعورة الطريق أو
ركام العفن في أية مواجهة مصيرية بين قوى التقدّم
وجمود الركام .
صحيح أن الحق لا يكون عددياً فهو قيمة وصحيح أيضاً
أن الحق لا يكون فردياً فإذا انحصر في الفرد أو
القلة المتحمورة حوله لم يعد حقاً ، فالحق قيمة
اجتماعية وإذا كان للتاريخ تجاربه وخطط سيره
فالدولة القومية في أسنى ما تتجلى في التاريخ الذي
نراه ونحياه هي دولة ديمقراطية حتماً .
إن الضمان الحقيقي والوحيد لكل نهضة هم المؤمنون
بقضيتها ،أي أبناؤها بدءاً من التجرّد من قيم
الماضي والانتماء إلى الحياة الجديدة والنظام
الجديد وعبر النضال الدائب لصيانة النهضة والدفاع
عنها والتضحية في سبيلها ، وعبر التثقّف بفكرها
وتربية الوجدان والمناقب والقبم الأخلاقية الجديدة
في النفوس وصولاً إلى كون العضو خليّة فاعلة في
الجماعة يعرف بها وتعرف به سلوكاً وقدوة في
السرّاء والضرّاء وضمن شرط ملزم وحاسم ، الإيمان
الكلي بالنهضة بعقيدتها ونظرتها والولاء لها ،
ولاء لا يعتوره زيغ أو شبهة .
هذا هو الضمان ولا ضمان غيره , لا وصاية ولا
استعلاء ولا تفرّد . الوقوف معاً والسقوط معاً في
الصراع بين الحياة الجديدة والمعوّقات والأعداء .
والمقاتلون حقاً يعرفون عدوّهم ، وأما المرتزقة
فشأنهم شأن آخر ، وهم يوجّهون السلاح صوب
أهداف مرسومة لا تعنيهم ، ولم يحدّدوها هم ، ولم
يستنفروا بدافع داخلي للتصدّي لها ، وليست الحرب
حربهم وقد تربح الكثرة معركة لكن الحرب بين
مصيريين لا يقرّرها الجنود المرتزقة مهما تضخمت
مرتّباتهم وكثر بين أيديهم العتاد والسلاح .
أيها الرفيقات والرفقاء ، أيها القومي
الاجتماعي في كل مكان ، أتوجه أليك بهذا
النداء : أطلق عصفور قلبك من المحابس واجعله يصدح
في سماء الحرية ، الحرية التي هي جوهر إنسانيتك
وبدونها تكون أداة جامدة أو سلعة تشرى وتباع .
لقد تعاقدت مع الزعيم على تحقيق أمر خطير يساوي
وجودنا لا لتنطفئ شعلة الحرية في داخلك بل لتزداد
توهجاً واتقاداً . إن سيزيف الخائب فأر صغير يسطو
على خبز الروح ، يرفع الحجر إلى أعلى لتتدحرج إلى
أسفل . ليمت سيزيف في داخلنا ولتحيا على دمه الثقة
ووحدة الروح والإيمان بالنصر .
ولنستمع إلى ما كتبه
الفيلسوف هيغل على لسان يسوع المعلم السوري الكبير
في الرد على اليهود الذين أنكروا عليه انتهاكه
لقدسية السبت بشفاء مريض يوم السبت ، يقول يسوع :
(( هذا الذي يدعوه الإنسان
أناه ، هذا الذي به هو فوق القبر والتفسخ ، وهذا
الذي به سيعطي نفسه الثواب المستحق هو قادر على أن
يحكم على نفسه . هذا الأنا ينكشف بوصفه العقل الذي
تشريعه لا يتوقف على شيء ، الذي ما من سلطة في
الأرض أو في السماء تستطيع أن تعيّن له مقياساً
آخر للحكم .هذا الذي أعلمّه لا أعلنه بوصفه فكرتي
وملكي ، لا أطلب من أحد أن يقبله استناداً إلى
سلطتي إذا أنني لا أبحث عن مجدي . أضع وأخضع
تعليمي لنقد العقل الكلّي الكوني الذي سيقرر كل
واحد على الأيمان به أولاً .... لعلكم تعتقدون أن
الألوهية ألقت في العالم بالجنس البشري ، تركته
للطبيعة ، بدون أي قانون ، بدون أي وعي للهدف
الأخير لوجوده ، بدون إمكانية أن يجد في نفسه كيف
يستطيع أن يسرّ الألوهية ؟........
أنا أقف مع صوت فؤادي ووعيي . من يصغي بانتباه إلى
هذا الصوت للحق تنيره الحقيقة التي في هذا الصوت .
الإصغاء إلى هذا الصوت هو الشيء الوحيد الذي أطلبه
من أتباعي . هذا القانون الداخلي قانون للحرية ،
القانون الذي يعطيه الإنسان لنفسه ويخضع له بحرّية
. إنه أزلي فيه عاطفة الخلود ...))
انتهى كلام هيغل على لسان
يسوع ...
وختاماً أقول : إن الأرض التي تميد بنا ، والزلزال
الذي يعصف ومزلقة الأخطار جميعها التي نواجه ، هي
ضعف الأساس الأخلاقي في حياتنا العامة ، وفقدان
الدليل الروحي في حياتنا الخاصة ، وانكسار القيم
الحيّة في شظايا المرآة التي نرى فيها إلى وجوهنا.
وإن الصدق مع الذات هو أساس احترام الذات والشعور
بالكرامة ، ولن يكون أبناء الحياة إلا عنواناً
للكرامة .
(وسواء أفهمونا أم أساؤوا فهمنا فإننا نعمل للحياة
ولن نتخلى عنها ). فلتنقشع غيوم اليأس ، وحجب
الإحباط ، ولتنمسخ تهاويل الصغائر ولتشرق لألاءة
كلمات المعلم . اخترت من آياته اثنتين :
الأولى مؤلمة: إن آلاماً عظيمة آلاماً لم يسبق لها
مثيل ، تنتظر كل ذي نفس كبيرة فينا . إذ ليس على
الواحد منا أن ينكر ذاته وحسب بل عليه أن يسير بلا
أمل ولا عزاء . لأن حياتنا الاجتماعية والروحية
فاسدة .
والثانية مفرحة :( إنكم ملاقون أعظم انتصار لأعظم
صبر في التاريخ ) |