|
فسحة من العمر جمعت بين طرفيها جيلا من القوميين
الاجتماعيين، فيها تكون وعيهم القومي ونمت خبرتهم النضالية
واستوعبت تجربتهم الحزبية وصقل فيها وجدانهم ونزفت
فيها جراح نضالهم المستحر الدامي.
تفتحت عيون هذا الجيل على مشهد الثورة القومية الاجتماعية
الأولى عام 1949
ومعانيها الكبيرة وعلى وهج وقفة العز يقفها زعيم النهضة
والشهداء من رفقائه. ويمتد الزمن بهذا الجيل الى يومنا
هذا، رتيباً حيناً وعاصفاً أحياناً ومرّ
المذاق والنكهة في يومنا الحاضر
.
ومن شاهق الزعامة الهادية والنهج الواضح النيّر والبطولة
المؤمنة المؤيدة بصحة
العقيدة ومن وحدة الروح الجامعة صار الحزب شراذم وجماعات
وافتقد العقلية
المناقبية الجديدة وعصفت به ريح التسيس واستنقع في
بحر الفساد بصوره المختلفة
واستجرّته رقاعة التخطيط وارتجالية القرار الى
الكوارث فما يخرج من جبّ حتى يقع
في آخر أخطر وأدهى.
وان أخطر ما يصيب الأمم والجماعات عندما تجتاحها الجوائح
أن تفقد ذاكرتها، أن
تنسى سرّ نموّها وآلية ارتقائها، أن تفقد الصلة بالمعين
الحيّ الذي كان يرفدها
ويرويها، أن تواري ما فيها برماد الأحداث العارضة،
أن تتجاهل القيم التي
ميزتها وأعطتها جدارتها، أن تتنكر لعطاء أبنائها
الكبار ممّن أقاموا صرحها
وأعلوا بنيانها، أن تفسح الجوّ للهجناء أن يجربوا
نظرياتهم فيها ويمارسوا
هجنتهم عليها، ويسفحوا ما تبقى فيها من قوّة على
الجلاد والصراع في دعوات
للتجديد غير المدروس وغير المترويّ، وفي شعارات
تتقاذفها الرياح من هنا
وهناك، وأساليب مرتجلة واندفاعات لاعقلانية
،مستغلّين حال الجماعة الباحثة عن
طريق
الانقاذ والخلاص
.
وكثيراً ما يحدث أن تصاب حركات النهوض بشيء من الترهّل قبل
تمام غايتها وانتصار
عقيدتها في المجتمع، فيتحوّل الحلم الكبير في صفوف أبنائها
الى وهم كبير يشلّ
فاعليتهم، ويحطّم قدراتهم ويزيّف خططهم للعمل
والبناء، ويُشعرهم بعبء الجهاد ثقيلاً فوق أكتافهم
،فيستريحون الى اجترار الجهاد القديم، ويستدفئون بوهج
الانتصارات الماضية، وتخلق فئة من الكسالى المنصرفين الى
الاجترار والتزمّت في
قوالب الماضي أو التفلّت منه بغير تحليل ولا رويّة بل
ميلاً مع كل ريح جديدة، عسى يكون فيها تغيير لحياتهم
الفارغة، وملء للخواء الذي يوارونه في أعماقهم.
وبدلاً من المناضلين يولد جيل من الاداريين المقطّبي
الوجوه ومن حثالات
البيروقراطية التي تستمدّ سلطانها من خشب المكاتب الثقيلة
الصلبة التي يجلسون
إليها. هذه الفئة الادارية كانت لا
لتفوق في الادارة بل لتوثيق البلادة وكتابة
التقارير وتمزيق التقارير، ورفع التقارير، واصدار
الأوامر وصيانة الاشكال، واحصاء
الموجودات، والتلويح بالسلطان الاداريّ، واستخدام
عصيّ الزجر،وتلاوة الممنوعات،
والتسبيح لغير ما إله وإقامة ديانة لا نبيّ فيها
سوى الفراغ.
ومن غريب ما يحدث للحركات التي تحمل عقيدة صحيحة أن
يعتورها الخلل في مسيرتها
أحيانا فتضعف بنيتها، وتترهّل عزيمتها، وينطفئ لهب المناقب
في وجدان بعض
أصحاب القرار فيها، فيختلّ ميزان العدالة عندها،
ويعلو الدون، ويسفل الشريف
،وتسيطر النزعات الخصوصية على
المبادئ العامة، ويصير المنافق كبيرًا والصادق
مرذولا وينطبق عليها القول "إست في الماء ورأس في
السماء" وهي حال كل مدّعٍ
بالقيم الرفيعة وهو يمارس ضدّها تمامًا. وما يحدث
لأعضاء الأحزاب وخاصة
العقائدية حين ينفرط عقدها وتبعثرها الانقسامات أن يغدو
الكثيرون من أعضائها
كمشوّهي الحرب، فهذا بترت يده، وذاك فقئت عينه،
وثالث نمت فوق ظهره حدبة الى آخر
ما هنالك من تشوّهات، تشوّهات حقيقية وان كانت لا
تراها الأبصار ولكن تدركها
البصائر.
وهذه الأحزاب العقائدية نفسها تفرز في مسيرتها الشاقة
ولأسباب مختلفة طبقة
ظاهرية تعتاش على جهاد المجاهدين وتحتكر نضال المناضلين بل
تساوم علي، لأن هّمها
الوحيد يصبح أن تبقى في أعلى السلّم وفي ذروة
التراتب الحزبي أو على مقربة منها
.
هذه الطبقة الظاهرية التي تتسلّل الى الأحزاب العقائدية
فتحرفها عن مسيرتها
النضالية لتنعم بالأسلاب والمغانم وصنوف الوجاهة الفارغة
والأمجاد الشخصية
الزائلة هي طبقة حقيقيّة متضافرة ومتضامنة على ما
بين أقطابها من وجوه خصومة
وتجاذب، وهي تعرف في صميمها أن واحدة وأنها ما
دامت على جوانب الصراع الذي يدمي
فهي اذاً طبقة مستفيدة يجمعها الأخذ وقد جفّ فيها
العطاء. ان مقتل الأحزاب العقائدية
هو أن تتحكّم هذه الطبقة الظاهرية بمقدّراتها
فتتماهى مصالحها أي مصالح الأحزاب مع مصالح هذه
الطبقة وأهدافها القريبة
والبعيدة. هذه الطبقة الظاهرية هي أشبه بغطاء فوق
مرجل الحركات الشعبية يكمّم قدرتها على
الفعل ويضبط تفجّراتها التغييرية ،ويقنّن الحركة الثورية
ويستولي عليها بدلاً من
أن يفتح لها المجاري والسبل ويشقّ أمامها دروب
النجوع والامتداد
.
واذا حدث أن ترّهلت الجماعة وفقدت فتوّتها ومثاليتها
الأولى، وسعت فيها المفاسد، وتقطّع الجريان في تيارها
الروحي، ووهنت فيها وحدة الرؤيا والانتماء، وتعرّضت
للانشقاق والانقسام، ودبّت فيها روح التشرذم والخلاف،
استخدم متسلّطوها سيف
الانتماء الصارم، وضربوا به يمينا ويسارا دفاعاً
عن أشخاصهم أو مراكزهم أو
منافعهم، وحكّموا القمع والارهاب وكبت الرأي
المعارض ،وجعلوا للولاء اسما
واحداً هو الولاء لأشخاصهم
وما يدور في خلدهم من أفكار وأحلام.
شكّلت هذه الطبقة صنفاً من الآلهة الصغار وهو صنف متكتّم
حريص على أن لا يعرف
أحد ما يدور في مجالسهم بحجّة بديعة وهي عدم نشر
الغسيل الوسخ. وهي حجة كافية
لأن يطبق الفخ على أصابعهم وألسنتهم وأن يدانوا من
أفواههم . فمن وسّخ الثياب
الطاهرة ؟ ومن منهم فعلها في ثيابه في أوقات
الشّدة؟ ومن سرق وارتشى وخان ؟ومن
التوى وانحرف؟ ومن أهمل وهرب وتهرّب؟ ومن استجدى
القروش السوداء؟ ومن لعب
وتلاعب؟ ومن غيّر جلده وحنى رأسه؟ ومن دمغته
العيوب وضمّّخته المثالب؟ وهل لمن فعل ما يستحي الشريف
منه ويأباه الضمير النقي أن يكون جديراً بالامساك
بختم الألوهية، واصدار الأوامر والنواهي، بالسكوت
والصمت واغماض العيون وسدّ
الآذان، مما لا يغسل ثوباً وسخاً ولا يطهّر عباءة
مدنّسة ولا يقيم في الأرض
عدلاً ولا يمنع معصية ولا يبرّئ مجرماً ولا ينصر
حقاً ولا ينصف مظلوماً؟
كان من نتائج تحكّم هذه الطبقة شيوع التفكّك والانقسام في
جسم الحزب وهجرة
الشباب العامل فيه الى خارجه وسيطرة العوامل الخصوصية في
مجرى تحرّكه ونشاطه
وغلبة اللعب السياسي على جوهر عمله التغييري. لقد
أصبح حزباً مجوّفا يحمل
شعارات ويدور حول أسماء ولم يعد ينبوعاً روحياً
يدفق الايمان في القلوب
والحماسة في الزنود،وسادت الحوافز النفعية الرخيصة
في مجمل نضاله فغدا أشبه
بالفزّاعة التي تحمل أثواباً ليست له ولا على قدّه.
لقد أصبحت العقائد كالحواجز الطيّارة تتنقّل من مكان الى
آخر مع الرائحين
والغادين وحيث يقيم الرجال النافذون سلطانهم ويفرضون
خوّاتهم ويحملون بنادقهم
وعصيّهم وأنيابهم ،وحيث يفقد الرجال بعض أسنانهم
ولحاهم وعمائمهم استرضاء
لسلطان أكبر.
كيف لذوي النفوس الكبيرة ألاّ يقفوا في وجه الطوفان القذر
بكلّ محمولاته؟ هل
يستسلمون؟ هل يصفّقون ويهتفون بحياة السلطان؟ هل يخونون
انتماءهم الحقيقيّ
ليلتحقوا بانتماء مزيّف لا صلة له بوجدانهم ولا
بحقيقتهم النفسية والفكرية التي
رضعوها مع الحليب؟ هل عليهم أن يعصبوا أبصارهم فلا
يروا الأوحال التي خّوض بها
أولو الأمر فعلقت بهم وأصبحت نعالهم من الأوحال
التي يعرفون بها. فهذا نعله من
"الحشيش" وآخر نعله صفقة بآلاف
الدولارات ،وثالث نعله مزرعة،ورابع نعله دار
منيفة، وخامس نعله بنادق مباعة وذخيرة تسلّم
للأعداء. لقد غدوا جميعاً منتعلين
نعالاً من ذهب، حتّى صحّ فيهم قول شاعرنا المتنبّي
في هجاء كافور
:
"وتعجبني
رجلاك في النعل انني
رأيتك ذا نعل اذا كنت حافيا"
هل خلق الانسان كائناً أثِراً جحوداً كنوداً لا تهذّبه
العقائد ولا تضبطه
الأنظمة ولا تغيّر من طبيعته الغشيمة القوانين الصالحة؟
اذاً على ماذا تراهن
الأحزاب وحركات الاصلاح ودعاة الخير في كلّ زمان؟
أم أنّ الفساد ليس من طبيعة
الناس كبشر بل عارض طارئ يعتري الجماعات لفساد في
التنظيم، وفي القيادات
الرخوة العاجزة، وفي غياب الثواب والعقاب وتغييب
القدوة الصالحة وابراز القدوة
السيّئة، وفي التلاعب بالأهداف والغايات لخدمة
الأغراض الخاصّة والجزئية، وفي
ضعف المناقب لدى القلّة التي يترك لهل أن تفسد
سلّة الفاكهة جمعاء؟ يرفعون راية الشرعية كما رفعت
المصاحف في صفّين. فهل الشرعية سوى التقيد
الأمين النزيه بالشرع أو القانون الذي سلّم به الناس
واتخذوه دليلاً على سلامة
السير ومنع التجاوزات وحفظ الحقوق؟ وقد رأينا ونرى
القانون ينفخ فيقال هو في
صحّة جيّدة، ثم ينحُلُ ويدقّ فيقال ذلك أدعى
لتوفّر صحّته، ثم يركّب له أعضاء
اضافية كما يركّب الفخاري آذاناً لجراره فيقال ذلك
أقوى له وافعل حتى حين تكون
العين الاضافية في أسفل القدم، والقدم الجديدة في
موضع الأنف، ثم ّيمزّق القانون
ويثقّّب بالرصاص فيسكت المزيّنون لهذا المسخ عن
التعليل بحجة الاستيعاب أي أن
آذانهم من الكبر بحيث تستوعب هذه الضجة الطارئة
.ثم إذا مسّ جلد الشرعيين شئ من هواء من آه شاردة
أو صرخة مكظومة أو أنّة مكتومة
زعقوا ونادوا بالويل والثبور واستنفروا الخاتنين
والحجّامين والحلاقين في
ديوانهم وأقسموا عليهم الا أن يقطعوا الشجر
ويحرقوا الحجر ويرجموا الزهر بحثاً
عن مثيري الشغب في ديوان الشرعية.
ارتبط النزاع حول الشرعية جوهرياّ بمسألة انبثاق السلطة
التي واجهها الحزب بعد
غياب سعادة وفور استشهاده ورافق ذلك تعديل الدستور بإلغاء
رتبة الأمانة ثم
العودة عن هذا التعديل ثم تعديل هذا التعديل بحيث
يضم المجلس القومي أمناء
ومندوبين منتخبين وطما في هذا السبيل طوفان
الأمناء كأنما يخرجون من فقّاسة
وفات أصحاب المزرعة ومسوّقو بيضها أن البناء
الصحيح لا يجيده غير البنّائين
الذين آمنوا وناضلوا في سبيل ايمانهم وضحّوا بكلّ
غال من أجل التشييد واعلاء
البيت. وهؤلاء المختارون لاتصنعهم الأوسمة
والنياشين، ولاتغيّر في طبائعهم
الرتب والمناصب، ولايجيء بهم راع لحماية قطيعه
وبيت المال، بل يخرجون من صميم
الجماعة الحيّة بارادتها مجسّدين توقها وأشواقها
العميقة واستعدادها للصراع
والتضحية.
لقد كان من نتيجة الثورات الاجتماعية والانقلابات الفكرية
أن سلّم الناس جميعا
ً بأن السلطان الحقيقي هو سلطان الأمة وأن الشعب سيد مصيره
يشرّع لحياته
الجيّدة القوانين، ويتولّى الحكّام تنفيذ ارادته
وخدمة مصالحه، وتوارى لويس
الرابع عشر في مقبرة التاريخ مع قوله المشهور:"أنا
الدولة". وحتى في أعتى
الدكتاتوريات والنظم الكلية الجماعية أصرّ الحكّام على
أنهم يحكمون باسم الشعب.
لا مشاحّة أن أعضاء الحزب يجب أن يمسكوا بقيادة السفينة
وأن يعلوا على الجراح
وسفاسف الأحقاد ليصنعوا بأيديهم وبعقولهم حياتهم الجديدة
.فمتى كان للقوميين الاجتماعيين أن يقرروا فلن
يجتمعوا الا على وحدة صفوفهم، ولن
يختاروا سوى المناضلين الأوفياء ممن عركتهم
التجارب وحملوا في أجسادهم اكثر من
جرح وأثر لطمة في سير الجهاد المستحرّ الشاق
الطويل.
وستكون شرعتهم الديمقراطية
لتقديم الأفضل والأجدر للقيادة .
وهم بالعقيدة التي يحملون، وبالايمان الصادق
الذي يملأ قلوبهم، وبالقدوة العظيمة للزعيم الخالد، وبما
صقلهم الجهاد،
وبما
أغنتهم التضحيات ودماء الشهداء من توهّج في
المناقب، قادرون على اختيار من
يعبّر عن الارادة العامة تعبيراً صادقاً، وتختفي
شوائب التمثيل الذي معناه حكم
الأكثرية لتكون الديمقراطية الحقيقية التي هي حكم
الشعب.
ان الضمان الحقيقي والوحيد لكل نهضة هم المؤمنون بقضيتها
أي أبناؤها،
بدءا من
التجرّد من قيم الماضي،
والانتماء الى الحياة الجديدة والنظام الجديد،
وعبر
النضال الدائب لصيانة النهضة والدفاع عنها
والتضحية في سبيلها، وعبر التثقّف
بفكرها وتربية الوجدان والمناقب والقيم الأخلاقية
الجديدة في النفوس وصولاً الى
كون العضو خليّة فاعلة في الجماعة يعرف بها وتعرف
به سلوكاً وقدوة في السّراء
والضرّاء وضمن شرط ملزم وحاسم:
الايمان الكلّي بالنهضة،
بعقيدتها، ونظرتها، والولاء لها، ولاء لا يعتوره
زيغ أو شبهة.
الرهان اذاً واضح والمسألة محسومة في خيار واحد: فاما أن
تكون الأحزاب العقائدية
حقّقت ما وعدت في داخل صفوفها أو فلتقفل هذه الدكاكين
المشرعة لاصطياد الشباب
ومن ثم تيئيسهم واغتيال الحلم الكبير في نفوسهم
بحيث ينقلبون أعداء لما صدّقوا
به وعرفوا بعد حين أنه سراب وضلالة.
ان الحزب العقائدي الذي تجسّدت في صفوفه قيم القوميّة
والخير العامّ والنضال
والتضحية بالخصوصيات واحتقار المثالب والاحتفال بكل ما هو
جميل وسامٍ ونبيل في
الحياة هذا الحزب لا يمكن أن تكون قيادته الا صورة
لما فيه من قيم ومناقب
بالتعبير الحرّ المباشر، وكل ما عدا ذلك اغتصاب
لارادته، وتزييف لها، وامعان في
الخروج عن مسار الجماعة وأهدافها الحقيقية، لكي
تتحوّل الجماعة الى قفص
للارادات الخيّرة والتضحيات الكبيرة
معلّق بأهواء القادة ونزواتهم ومصادرة
لكلّ تجدّد حقيقيّ ولكلّ تقدّم نحو خير الجماعة
وحدها ومصالحها وحدها
.
هذا هو الفضاء الذي حوّمت فيه فصول هذا الكتاب الذي كان في
الأصل مقالات
ومداخلات على أمواج الإنترنت. اذ بينما يشيع الاحباط في
النفوس، ويحشر بعضهم
رأسه بين القطيع السادر، امتشق منير حيدر نفسه من
بحيرة الاستنقاع وميّز نفسه عن المحرنجمين
الذين اذا همّوا بفعل ما أحجموا واكتفوا يالسلامة
الكاذبة فأخذ
يستعرض
الأحداث الحزبية ويحلّل أعراضها وأسبابها مصوّبا وموضّحا
حجارة الأساس
يلفّ حبال العقيدة حول أعناق المأزومين والمهزومين
داعياً للحوار بأوسع معانيه
ففي الحوارقدح للفكر واضاءة للطريق ومعبر للخروج
من الفوضى واختلاط المفاهيم.
ولا مشاحّة أن الامل بالتقدّم والثقة بالنفس والمبادرة الى
الفعل وتنظيم الجهود والمنقذ الوحيد للجماعة الواعية التي
رفضت أن تكون قطيعاً وتجاوزت القطعانية والإقطاعية الضاربة
الجذور في حياتنا الإجتماعية والسياسية. ومن
يملك الدليل العقائدي والإيمان الحيّ لا يمكن أن
تثنيه وعورة الطريق أو ركام
العفن في أية مواجهة مصيرية بين قوى التقدّم وجمود
الركام
.
إن القطيعة والقطعانية والإقطاع ألفاظ متساوقة لمعان ثلاثة
تتداخل في ما بينها
ويؤدي الواحد منها إلى الآخر في نظام عجيب. فالحرية
الفكرية تفترض الاتصال
والحوار وهي لا تنفي الآخر بل تؤكده . وعندما نكون
أحراراً لا نتقاطع بل نتفاعل
فلا تكون قطيعة بل تفاعل صميميّ حميم، وبذلك لا
نكون قطيعاً أي جمهوراً تابعاً
مسلوب الفكر والإرادة بل جماعة واعية تختار وتريد
وترفض . عند ذلك لا يكون
هنالك إقطاع فكري أو سياسي وتنقرض سلالة المميّزين
الذين لم يتميّزوا من الداخل
أي بالإبداع الذاتي والمواهب الخاصة، بل تميّزوا
بالريش والهباب، وبالألقاب
الممنوحة من السلطان أو وليّ النعمة.
لسنا ولن نكون مطايا أو ضحايا، لسنا مزرعة للحشيش والفحش،
ولسنا متفرجين للتصفيق
والحمل على الهانات لسنا كمّاً غفلاً يجمع في مناسبات،
ويتفرّق في أخرى. واذا كان بعضنا كذلك فماذا
علينا أن نفعل لننتهي من هذا العار؟ أليس بناء
الانسان الجديد وتعميق انسانيته واحترامها نوصون
كرامته والاعتراف بحقّه في
ممارسة الحريّة والتعمّد بمائها المقدّس هو الشأن
الذي عليه مدار كلّ شيء من
نهوض وتقدّم وحياة جديدة؟
ولا يغفل منير حيدر عن التشديد على الأساس الأخلاقي في كل
نهضة، فالأرض التي
تميد بنا، والزلزال الذي يعصف، ومزلقة الأخطار جميعها التي
نواجه، الاّ ضعف الأساس
الأخلاقيّ في حياتنا العامة وفقدان الدليل الروحي في
حياتنا الخاصة، وانكسار القيم الحيّة في شظايا المرآة التي
نرى فيها الى وجوهنا. من هنا ارتددنا الى قتلة
ومغتالين وما لم نبنِ حياتنا على أساس من المناقب
الجميلة والسلوك الراقي فعبثاً كلّ ما نشيّده من
بنيان .
في الجزء الثاتي من الكتاب يتناول منير ما يجري في العراق
وفلسطين ففي شطر
الوطن الشرقي غزوة استعمارية متهوّدة تجزّئ العراق وتجوّع
أهله . ومن الناس مع
حقوق الأكراد "القومية" ومنهم مع حقوق الشيعة
المقهورين، ومنهم من ينعى على
الحاكم العراقي طغيانه وتهوّره، ومنهم المتفرّجون
السادرون لكأن ما يحدث لشعبهم
لا يعنيهم من قريب أو بعيد، ومنهم الواقعون في
شبكة من السياسة الضيقة التي لا صلة لها بالمصلح القومية
الكبرى، والعراق الحبيب يدفع بلحمه الحيّ أنياب الذئاب
الجائعة. وفي فلسطين هذا الجرح الدامي الذي طال نزفه،
مقتلعون من أرضهم وملقون
في عراء الجغرافيا والتاريخ، وفتية يواجهون الرصاص
كلّ صباح فيتساقطون قتلى
وجرحى، وهجمة تفاوضيّة مع العدوّ الغاضب للاقرار
بحقّه الشرعي في أرضنا. وسياسة
من هنا، وسياسة من هناك، حتى يصمت الجميع ويبارك الاستسلام.
أما الجزء الثالث والأخير من الكتاب فهو مجموعة من
المداخلات والردود فما أن يلمح منير من طاقة الانترنت
رأياً سقيما أو معالجة مرتبكة أوحيرة غاشية أو
تساؤلاً يبحث عن جواب في ما يتعلق بالحزب أو الأمة حتى
يبادر بالتوضيح وتأصيل
القاعدة الصحيحة للنظر، بروح الرفقة المحبّة
الحانية اغناءً للحوار وكشفاً
للغموض باذلاً وقته وجهده في هذا المسعى النبيل.
وأودّ أن أشير هنا الى ما أكّده منير أكثر من مرّة من أن
الشام بمواقفها
القوميّة تبقى معقد الأمل في صيانة الحقّ القوميّ والدفاع
عنه ضدّ الهجمة
الأميركية والصهيونية.
وخلاصة الأمر أنّ الكتاب بفصوله الثلاث نداء صارخ في ضمائر
القوميين
الاجتماعيين وسائر المواطنين يهتف بهم:
"أيها
الشرفاء قاطعوا تجّار العقائد والمبادئ.
انبذوا التجار البارعين في
المساومات لينقذوا جسداّ بالياً لا قيمة له.
تخلّوا عن الجبناء ولو تزيّنوا
بلبدات الأسود."
ياسين عبد الرحيم
بعمرا في 1/3/2007 |