|
منذ أن تيقنت أميركا
وإسرائيل بأن ايران لن تنصاع للإملاءات الأميركية بشأن
مشروعها النووي، اطمأنت الى وجود الذريعة التي تبرر لها شن
الحرب الثالثة لاستكمال السيطرة على المنطقة، عبر إخضاع
ايران بعد أن «احتلت أفغانستان والعراق».
إيران هذه التي تظهرها
الخرائط العسكرية المنشورة في البنتاغون براً من الشرق
والغرب، وبحراً من الجنوب، ما يعني بالمفهوم التقليدي
النظري أنها في القبضة الأميركية، حتى من غير دخول عسكري.
هذا نظرياً، لكن الواقع الميداني يبرز الأمر خلاف ذلك، الى
درجة إحداث الصدمة للقيادة السياسية الأميركية في البيت
الأبيض الراغبة بإنجاز الموضوع الإيراني عسكرياً
بالأفضلية، لان المعالجة السياسية في حكم الميؤوس منها في
ظل نظام حكم عقائدي ليس لديه قابلية الخضوع والاستسلام،
وان المعالجة بالقناعة الاميركية لا تكون إلا عسكرية. على
هذا الاساس لا يمكن أن يتصور باحث في هذا الشأن أن أميركا
ستتخلى عن قرار إخضاع ايران بأي وسيلة، بما في ذلك الحرب
ذاتها. وبما أن ايران، منذ انطلاق ثورتها، استعصت على
الارادة الاميركية، وتفلتت من الحرب الاميركية الاولى التي
نفذت بيد صدام حسين، ولأنها تستمر (أي ايران) في رفض
الانصياع «لقرارات المجتمع الدولي» التي تتخذها أميركا
ويصدرها مجلس الامن، لكل ذلك كان لا بد لأميركا من أن تقرر
الحرب عليها. ووفقاً لما ذكر ويمكن الركون الى صحته بتقاطع
المصادر، فإن قرار الحرب اتخذ في تشرين الاول من عام,2007
وكلف العسكريون الأميركيون بالتنفيذ.
ولكن القرار شيء والتنفيذ شيء آخر... فالخطة أو القرار
الذي يصدر، يراعي بشكل أساسي الأهداف الاستراتيجية الواجب
تحقيقها، أما التنفيذ فإنه يخضع لظروف الميدان ولظروف
الأطراف المتنازعة التي تسمح أو تمنع الانطلاق في العمل.
وهكذا فإن القرار المتخذ لم ينفذ حتى الآن، ما يجعل
المراقب يسأل لماذا؟ هل أميركا تراجعت عن قرارها؟ ام ان
ايران سلمت لها بما طلبت فأعفتها من الحرب؟ أم ان كل شيء
قائم على حاله وان ظرفاً أو أكثر منع التنفيذ؟
بالنسبة للسؤال الأول، يقف المشروع
الامبراطوري الاميركي الآن في الشرق الاوسط أمام جبهة من
الممانعة والرفض والتمسك بالحقوق الوطنية والاقليمية، هذه
الجبهة تُعدّ ايران نواتها أو أساسها، وبالتالي لا يُعتقد
أن أميركا بصدد التراجع عن السيطرة على القرار الايراني،
إلا ذا كانت بصدد التراجع عن المشروع الامبراطوري ذاته،
وعليه، فإن القرار بالإخضاع لهذا البلد سيبقى قائماً ما
قام المشروع واستمر، وما بقيت ايران على حالها في الرفض
والاستعصاء على الخضوع. وبما أن العمل السياسي والحصار
والضغط من شتى الأنواع بات في حكم عقيم النتائج، فإن قرار
الحرب سيبقى قائما ولن تؤثر فيه عملية تغيير إدارة أو
تغيير رئيس، فهو من طبيعة القرارات التي تورثها الادارة
السابقة للادارة اللاحقة لتحقيق «المصلحة الوطنية
الأميركية العليا».
أما بالنسبة للسؤال الثاني، فإن ما تمارسه ايران عملياً
على الأرض، لا يشير مطلقاً الى استعدادها للخضوع، وهي تعلم
أن مسألة الملف النووي السلمي الذي تديره ليس هو الهدف
الحقيقي للسعي الاميركي ضدها، بل إن القرار السياسي
الايراني هو المطلوب الرأس. لذلك، فإنها تعلم أنها لو سلمت
كل ما يطلب منها في هذا الملف، فإن هناك ملفاً بعد ملف
سيفتح بوجهها، وصولاً لعملية الإخضاع المطلوب. لذلك قطعت
هي الطريق من أوله، ورفضت الانصياع واستعدت للمواجهة عندما
تفرض عليها.
على ضوء ذلك، فإن العلاقة في العمق بين الطرفين الاميركي
والايراني هي على حالها، ولا تغير في جوهرها اتصالات من
هنا أو لقاءات من هناك في مؤتمر دولي أو إقليمي، ويبقى
قرار الحرب جاثماً على طاولة الرئيس الاميركي، ومطروحاً
أمام البنتاغون للتنفيذ. فلماذا التردد والإحجام عن الحرب
اذاً حتى الآن؟
إن الرد هنا يستلزم عرض الإمكانات والظروف المنتجة أو
الملائمة للدخول في حرب تحقق فيها أميركا أهدافها بالنصر
والإخضاع، مع قدرة على تحمل كلفة الحرب، وقبل ذلك توفير
مستلزماتها. فهل ذلك متوافر لأميركا اليوم؟
إن الوجه الأفضل بالنسبة للمهاجم، هو الحرب البرية التي
تقود الى احتلال الارض وتغيير ما يشاء من بنية الدولة التي
يحتلها، كما فعلت أميركا في العراق، فألغت كل مظهر من
مظاهر النظام العراقي السابق، ووضعت موضع التنفيذ (الذي لم
يكتمل حتى الآن، ونشك بقدرة المنفذ على النجاح فيه) خطة
تقسيم العراق الى دول طائفية أو قومية أو مذهبية، تختزن في
ذاتها عوامل إهدار طاقاتها في النزاعات البينية التي تبدأ
ولا تنتهي، وتشغل المتناحرين عن وجود المحتل. لكن هذا
النمط من الحرب ضد ايران ـ الاحتلال البري ـ غير ممكن في
الظروف القائمة لسببين: الاول عدم قدرة القوى الاميركية
الجاهزة الآن في الاحتياط لخوض الحرب (لديها فقط 400 ألف
جندي)، والثاني عدم القدرة الاميركية على حشد تحالف دولي
يوفر لها ما تريد من القوى العسكرية اللازمة.
ففي الواقع الايراني القائم، لا يمكن أن ينجح غزو بري لا
يحشد له مليون ونصف مليون جندي مقاتل على الاقل، وهذا
العدد يستحيل توفيره الآن في ظل الظروف الدولية القائمة،
خاصة مع انشغال أميركا والحلف الأطلسي بمستنقع أفغانستان
(وهي تعجز عن توفير بضعة آلاف من الجنود لتعزيز وجودها
هناك بعد أن اشتد مأزقها)، وكذلك الغرق في الوحل العراقي
الذي أجبر بوش مؤخراً على التراجع عن قرار خفض القوى
بمقدار 30 ألف جندي. إذاً لا قوى عسكرية برية جاهزة للحرب،
وبالتالي لا قدرة على الحرب البرية.
في الوجه الثاني، وهو الحصار المترافق مع القصف التدميري
من الخارج، أي الحرب بالنار عن بعد. وهذا أمر تستطيع
أميركا أن تنفذه بكل يسر، وهي التي تملك القواعد العسكرية
المحيطة بإيران من كل جانب، ولديها الأساطيل القادرة على
المعالجة من البحر المتوسط والخليج، ومن المحيط الهندي.
لكن معضلة أميركا في أن القصف الذي قد تنفذه، مهما بلغت
كثافته، لن يستطيع أن يصل بسرعة الى شل كامل القدرات
النارية الايرانية أو تدميرها، وهي المنتشرة على مساحة
مليون و650 ألف كلم2 هي المساحة الايرانية، وان العمل
التدميري الذي يسكت كل مصادر النيران هذه، يلزمه من الوقت
ما يتجاوز الشهرين، هذا اذا امتنعت ايران عن الرد واكتفت
بتلقي الضربات النارية تلك، وهو أمر لا يمكن أن ينتظره أحد
أو يصدقه عاقل، لان إيران تملك القدرات على الرد في 3
مواطن توجع أميركا (اسرائيل، والعراق وأفغانستان) ومناطق
توجع حلفاء أميركا والعالم برمته، وهي مناطق آبار البترول،
فضلاً عن الممرات المائية لنقله، فإذا فعلت فإن العالم كله
سيتأذى، وقد يبلغ سعر برميل النفط 500 دولار كما توقع
الكثير من الخبراء الاقتصاديين في الغرب.
هذا في ردة الفعل، أما النتائج للضربة فلن تكون مضمونة
لصالح الاميركيين، أي تغيير النظام الايراني الاسلامي
بنظام يوالي أميركا، اذ يجب أن نتذكر أن الضغط الخارجي ضد
النظام العقائدي سيؤدي الى تقويته والتفاف الشعب حوله، ولن
يؤدي الى التغيير الذي تطلبه أميركا، أي سيبقى نظاماً
ممانعا وموجهاً مع تنمية الشعور بالحقد والكراهية لأميركا
وانخراط فئات إيرانية أكثر في مواجهتها.
هنا قد يقول قائل: ماذا يضير أميركا أن يعاديها بلد دمر؟
والرد هنا أن التدمير، مهما بلغ، لن يكون الى المستوى الذي
يمنع التأثير والعمل ضد المشروع بما يعيقه، اذ إن مثل هذا
التدمير سيحرر ايران من قيود العمل ضد أميركا خارج الحدود
الايرانية، وهي تملك من الصداقات والعلاقات التحالفية في
العالم الكثير، فالحرب النارية لن تحيل ايران الى
أفغانستان أو عراق آخر، بل الأرجح تكرر نموذج حرب لبنان
,2006 التي انكسرت فيها مقولة الطيران أو النار الحاسمة.
وعليه، فإن التدمير من الخارج ممكن التنفيذ، لكنه غير
مضمون النتائج اولاً ، وغير قليل الكلفة ثانياً، والأخطر
فيه هو أن أميركا قد لا تستطيع مع حلفائها تحمل حجم الرد
الايراني أو استيعابه. لهذا فإن عاقلاً لا يمكن أن يقدم
على هذا العمل قبل التأكد من:
ـ ضمان سلامة إسرائيل والقوى الأميركية في أفغانستان
والعراق. ولنراقب مناورة الجبهة الداخلية الاسرائيلية التي
انتهت الى خيبة اسرائيلية بشأن الأمن والسلامة للمجتمع في
أي حرب مقبلة.
ـ ضمان تدفق النفط الى أوروبا اولاً والى الصين ايضاً.
ـ ضمان التأثير على النظام باتجاه تغييره أو تغيير سلوكه،
ليكون للعملية معنى، ولا يكون التدمير بمنطق الفن للفن، أي
التدمير للتدمير. هنا قد نسمع رأياً يقول بأن العملية
ستؤدي الى تدمير القدرات النووية الايرانية، وهذا يكفي
أميركا، لكن أميركا تعلم أن ايران لا تملك الآن قدرات
نووية عسكرية، وان مخابرات أميركا أثبتت ذلك بتقرير رسمي
موثق. فأميركا تريد رأس ايران ولا تبحث عن رأس نووي لديها
تعلم هي أنه غير موجود، كما كانت تعلم أن سلاح الدمار
الشامل في العراق غير موجود، ومع ذلك احتلته لأنها كانت
تريد العراق ذاته.
لذلك فإن العمل العسكري التقليدي ضد ايران غير متاح أمام
أميركا الآن بالشكل الذي يحقق لها النصر الذي تبتغيه،
ويبقى أن تفكر أميركا بالسلاح النووي لإنجاز مشروع اقتلاع
ايران من أمامها، فهل تفعل؟
هناك إمكان لذلك، شرط أن تكون أميركا قد وصلت الى حد إسقاط
النظام الدولي العالمي برمته، لتفتح المجال أمام احتمالات
شتى لا يمكن أن يتصورها أحد. فهل بمقدور أميركا أن تتخذ
قرارا بإفناء شعب من 70 مليونا، واذا اختارت الضربات
الموضعية الانتقائية، فمن يضمن لها أن تسكت ايران وتقبل
الضربة أو تستسلم في ظل النظام العقائدي الاسلامي الذي
تنتظم عليه دولتها؟ وهل ستضمن أميركا بعد البدء بحرب
الإفناء، أن تبقى مصالحها في العالم سالمة؟
إن قياس السلوك والنتائج على ما حل بأميركا في العراق
وأفغانستان كاف بحد ذاته ليقنع أميركا بأن امتلاك الشعوب
وأرضها بالقوة تخطاه الزمن، فكيف يكون الحال مع ايران في
ظل قدرات أضخم بكثير من قدرات العراق وأفغانستان معنوياً
ومادياً؟
أميركا تريد الحرب، لأنها حاجة لا بد منها للسير بمشروعها
الشرق أوسطي العالمي، وقد قررت الحرب كقرار سياسي اتخذ،
لكن أميركا تتردد في التنفيذ لأنها تعلم أنها عاجزة الآن
عن تحقيق النتائج المرجوة من الحرب، وهذا ما يفسر قول بوش
مؤخراً انه ليست لديه خطط للحرب على ايران، أو انه لن
يحاربها خلال عهده، وهو قول نصنفه بمقياس المثل المشهور
«حصرم رأيته في حلب». لقد قال بوش ذلك رغم أنه أبقى كل
احتمالات المواجهة مفتوحة، بما في ذلك اللجوء الى القوة،
ولهذا سنرى قرار الحرب قراراً تورثه إدارة بوش للإدارة
الآتية، أما الوعد «بمفاجأة تشرين الاول» كما تنتظر
اسرائيل، فلا نعتقد بتحققها إلا في لحظة جنون وانتحار. |