|
انتحر شارل ايوب: حرق نفسه
قبل ان يحرقه الله
بقلم
منير حيدر (15/5/2009)
احترق شارل ايوب. حرق
نفسه قبل ان يحرقه الله!
أن يحرق شارل ايوب نفسه
فهذا يفهمه معظم الناس؛ اما ان يعمد الله الى حرق شارل
ايوب فتلك مسألة لا يعرفها كثيرون. لذلك سأشرح هذا الامر
قبل ان أدخل في صلب الموضوع.
في اواخر الأربعينات
كان يوجد في قريتنا (حي القبة) آنسة درزية متدينة (شيخه)،
وكنا ندعوها "المعلمة رضية". لقد كانت المعلمة رضية تدير
مدرسة عبارة عن قبو مساحته حوالي الخمسة والعشرين متراً
مربعاً. لقد كانت تحشر في تلك الغرفة أكثر من عشرين تلميذ
وتلميذة معظمهم بين الثامنة والثانية عشرة. لقد كان
التلاميذ يتعلمون "فك الحرف" والقراءة باللغة العربية.
لقد ذكرت في سلسلة
حلقات "من حنايا الذاكرة" ان المعلمة رضية طردتني من
مدرستها منذ اليوم الاول لأني كنت "انتعلُ" قبقاباً، وهو
لباس الأرجل الوحيد الذي كنت امتلكه في ذلك الوقت.
أما اسلوب المعلمة رضية
في تعليم القراءة فكان يعتمد على "التهجئة"، اي لفظ الحرف
الأول من الكلمة، ثم لفظ الحرف الثاني، ثم لفظ الحرفين
معاً، ثم لفظ الحرف الثالث، ثم لفظه مع الحرفين السابقين،
وهكذا دواليك، فيما لو كانت الكلمة تشتمل على اكثر من
ثلاثة حروف.
لقد كانت المعلمة رضية
تصاب بإحراج كبير عندما تريد ان تعلِّم التلاميذ قراءة
كلمة "خَرَجَ". اما الطريقة التي كانت تستعملها لتعليم
هذه الكلمة فكانت ما يلي:
خاء فتحة (خَ)، خا....
راء فتحة (رَ) را... "حزا المسيحية" (المسيحيين)... جيم
فتحة (جَ) جا... خَرَجَ.
لقد كانت المعلمة رضية
(وهي الشيخة) تعتبر لفظة كلمة "خارا"، حراماً، يكون لفظها
سبباً لغضب الله على من يلفظها ويكون عقابه
الحريق. هذا على الاقل ما كانت تقوله المعلمة رضية الى
تلامذتها.
أما شارل ايوب فلم يترك
مجالاً لأن يحرقه الله عندما استعمل في عدد اليوم من
جريدته كلمة (خ...) كي يصف بها السيد شربل خليل، ذلك ان
السيد شارل ايوب حرق نفسه منذ وقت طويل.
يجب الإشارة هنا اننا
نكتب هذا المقال، ليس دفاعاً ولا تجريماً للسيد شربل خليل،
فالسيد شربل خليل أن كان بندوقاً لا يعرف له اب، او كان يتميز
بالاوصاف الأخرى التي ساقها السيد شارل ايوب بحقه، لا
يعنينا على الإطلاق. أما السيد شارل ايوب فيعنينا
كثيراً، إذ انه غالباً ما يردد انه ينتمي الى مدرسة انطون
سعاده، ونحن حريصون جداً على هذه المدرسة.
لم اسمع باسم السيد
شارل ايوب قبل مجيئي الى المغترب الأوسترالي في اواخر عام
1987. حتى انني لم اسمع به سوى بعد اتفاق الطائف بين
ميليشيات وطوائفيي لبنان.
اما ما كنت اسمعه من
اخبار عنه عبر الهاتف من قبل الاهل والأصدقاء الذين كنت
اتصل بهم هاتفيا، فكانت من مثل: "لو تقرأ مقال شارل
أيوب"... "لو تسمع شارل ايوب على التلفزيون" ... "إن شارل
ايوب قبضاي، لا يهمه احد"... "ان شارل ايوب يجاهر باسم
سعاده ولا يخاف احداً" ... "إن شارل ايوب مفكر كبير"...
"شارل ايوب كان ضابطاً شجاعاً في الجيش اللبناني"...
الخ...
غير مثل هذا الكلام لم
اكن اعرف شيئاً شارل ايوب. ومن كل هذا الكلام لم يلفتني
سوى وصف واحد له وهو انه كان ضابطاً في الجيش اللبناني.
هنا كنت استنتج انه لا بد ان يكون قد خدم تحت قيادة ميشال
عون، ولا بد انه ساعده وشاركه في قصف الجبل عام 1983،
فساهم بذلك في هدم كثير من منازل الجبل، ولم يكن بيت أهلي
استثناءً.
ثم تكر سبحة طويلة من
الأفكار في هذا المجال نفسه. بعضها:
إذا كان شارل ايوب
ضابطاً في الجيش اللبناني، فهو كان خاضعاً لسلطة امين
الجميل ومنفذاً لها. فكيف يكون شجاعاً وقومياً إجتماعياً،
وهو يخضع لسلطة جمعت الفساد والتآمر والعمالة والمتاجرة
بمصير الناس والوطن؟ ثم كيف يكون ضابطاً شجاعاً وقومياً
إجتماعياً وبطلاً وهو لم يظهر من البطولة في شيء عندما كان
جنود العدو يسرحون ويمرحون في بعبدا واليرزه؟
لو كان شارل ايوب
بطلاً، اما كان من السهولة بمكان ان يعبر عن بطولته ويقوم
بعمل كبير ضد جنود العدو يكون رمزاً لروح المقاومة في
شعبنا؟ هل كان مثلاً اغتيال شارون او
اي مسؤول اسرائيلي كبير آخر صعباً من الناحية التقنية على
شارل ايوب؟
شارل ايوب بطل....!؟
اين هي البطولة؟ لقد كنت اشبِّه بطولته ببطولة شوقي
خيرالله عام 1949.....
ثم كنت أعود الى
الإستدراك أن البطولة في بلادنا لها معانٍ كثيرة وهي توزّع
شمالاً ويميناً بلا حساب.
بعد شيوع الإنترنت
واستعمالي لها بدأت أطّلِع على مقالات شارل ايوب. لقد
كانت دهشتي كبيرة جداً عندما لم استطع ان ارى في تلك
المقالات أي فكرٍ عميق على الإطلاق، بعكس ما كان يخبرني به
اخي وغيره من الأشخاص احياناً. لكن دهشتي كانت تزول عندما
كنت اعود الى الواقع وأدرك "أن الزمن رديء جداً"!
ثم تسنى لي بعد
اغتيال الحريري أن أشاهد السيد شارل ايوب في مقابلة
تلفزيونية فضائية، يتحدى لجنة التحقيق الدولية ويدعوها الى
رفع السرية المصرفية عن حساباته، ثم كان يعرِّج كيف ان
السوريين اسقطوه في الإنتخابات اكثر من مرة (التعبير الأصح
الذي كان يجب ان يستعمله هو ان السوريين لم يصنعوا منه
نائباً)، وهو بالرغم من ذلك يقف مع النظام السوري، الى غير
ذلك من المواقف التي لا اشك ان القراء الذين يداومون على
مشاهدة الفضائيات، يعرفونها اكثر مني.
لقد اصبح واضحاً لي بعد
مشاهدتي لتلك المقابلة، ان السيد شارل ايوب جريء في
التعبير عن رأيه، وهو يعبر عنه بدون خوف وبغضب كبير.
في تلك الفترة بالذات،
فترة ما بعد مقتل الحريري، صرت أسأل نفسي: "إذا كان شارل
ايوب لا يملك حسابات في البنوك، فكيف يمكن له ان يصدر
جريدته"؟ ذلك اني اعرف ان جميع الجرائد في لبنان، بدون،
استثناءات، هي جرائد يمتلكها اسمياً الصحافيون الذين
يدّعون امتلاكها، ولكنها عملياً مملوكة من قبل الجهات
القادرة على دفع الأموال الطائلة. فالكلمة في لبنان هي
كلمة مملوكة، مرتهنة، والإستثناءات قليلة جداً.
ثم لاحظت ان السيد شارل
ايوب حريص على نشر اخبار السعودي المتلبنن في الصفحة
الأولى، مهما كانت تلك الأخبار تافهاً، فأدركت ان وقوفه
بجانب هذا
السعودي المتلبنن، ضد اللبناني المتسعوِد، لا بد ان يكون
مصدر رزق له يمكنه من العيش ومن اصدار جريدته.
ثم كان الإعتداء
الإسرائيلي على لبنان بقصد القضاء على روح المقاومة فيه
عام 2006، فكانت مواقف شارل ايوب ومواقف جريدته مواقف
جريئة ومشرفة.
عندها، خطر لي ان اكتب
كلمة من وحي ما اظهره المقاومون اللبنانيون من بطولة نادرة
وتعبر عن مشاعري تجاه روعة تلك البطولة، وصممت عن أن أخص
جريدة الديار بتلك الكلمة، لذلك لم اعمد على نشرها على
موقع حركة البناء القومي.
أنتظرت يومين دون ان يتم
نشر تلك المقالة في جريدة الديار. لكني في اليوم الثالث
قرأت كلمة السيد شارل ايوب في "حقيقة الديار"، وإذا بتلك
الكلمة تحتوي على معظم التعابير التي اوردتها في كلمتي
المشار إليها اعلاه. عندها تأكدت ان السيد شارل ايوب لا
يملك فكراً حقيقياً، لكنه بالتأكيد سارق افكار.
لم استطع عند ذلك سوى
محاولة الإتصال به تلفونياً، كي أهنئه على مواقفه الجريئة
الى جانب
المقاومة، واعلمه عن سروري لانه وجد في العبارات التي
اوردتها في كلمتي مادة لكلمته. لم انجح في التكلم معه،
لكني ارسلت له رأيي مع الموظف في جريدته الذي اجابني على
مكالمتي.
لقد تاكدت ان السيد
شارل ايوب ليس بطلاً، وليس مفكراً، بل هو جريء الى حد
الغضب في المواقف التي يقفها.
ثم لاحظت منذ بضعة
اشهر، عندما تحولت جريدة الديار الى منبر لسمير جعجع، ان
جرأة السيد شارل ايوب ليست مجّانية على الإطلاق، بل لها
ثمنها من الاموال اليابسة التي يحتاج إليها، إن كان لإصدار
جريدته او لإرضاء إدمانه على المقامرة.
إننا نعرف ان نسبة
الذين يسنطيعون ان يكونوا ابطالاً والذين يقومون فعلياً
بأعمال بطولية، هي ضئيلة بين جميع الناس وفي جميع
المجتمعات. لذلك لم نر من العدالة تحميل السيد شارل ايوب
اكثر مما يحتمل. ولذلك لم نحاول ظلمه من خلال الحكم عليه،
حتى ولو كان يدعي انه قومي إجتماعي، إذ ما اكثر الذين
يحملون مثل هذا الإدعاء اليوم.
أما ان نشهد هذه الأيام
هذيان السيد شارل ايوب وفقده لأعصابه الى درجة استعماله في
جريدته، وفي الصفحة الأولى منها، عبارة "حزا المسيحية" (من
قال إنني لا اخاف ان يحرقني الله)، ويظهر هذا الإرتداد
البغيض وباسم قوميته الإجتماعية، فهذا امر لا يمكن لنا
السكوت عليه.
إذا كان السيد شارل
ايوب يعرف كل تلك المساويء عن ميشال عون، فلماذا كان
يساعده ويؤيده ويشيد به؟ ثم لماذا انتظر حتى الآن كي ينشر
غسيل ميشال عون؟
نحن لسنا مع ميشال
عون. الحقيقة ان الرجل لا يبهرنا على الإطلاق وما اذاعه
شارل ايوب عنه، كنا نردده دائماً.
نحن نعرف مواقف ميشال
عون خلال الإجتياح الإسرائيلي، ونعرف مواقفه خلال حرب
الجبل. ولم تبهرنا اعمال ميشال عون عندما هرب امين الجميل
تاركاً له التصرف.
ثم نحن نعرف ما قام به
ميشال عون في اميركا واحتضان اللوبي اليهودي له مما انتج
قرار الأمم المتحدة 1559.
لذلك عندما يهذي السيد
شارل ايوب ويسوق كل هذا الكلام عن السيد ميشال عون لا يأتي
إلينا بأي جديد.
لكننا نعرف ايضاً، أن
السيد ميشال عون قد وضع يده بيد المقاومة، ثم توصل الى
قناعة انه من العبث ان يفكر المسيحيون في لبنان او على
امتداد الهلال الخصيب بمستقبل آمن باهر لهم، من خلال
الإعتماد على الإسرائيليين او الفرنسيين او الأميركيين او
غيرهم من الدول. لقد توصل السيد ميشال عون الى قناعة ان
سلوك المسيحيين طريق المقاومة والتسليم بضرورة اعتمادها من
اجل سلامة الوطن وبقائه، هو العامل الحقيقي الذي يضمن
للمسيحيين ولكل المواطنيين مستقبلاً آمناً.
هل هو ممنوع على السيد
ميشال عون تغيير قناعاته؟ بل هل هو ممنوع على اي مواطن
تغيير قناعاته مهما تكن تلك القناعات؟ أليس تغيير السيد
ميشال عون لمواقفه قبل عام 2005 الى موقف مغاير تماماً هو
انتصار لسياسة المقاومة ولروح المقاومة في شعبنا؟ فما
الضير ان يصبح ميشال عون مؤمناً بحاجة شعبنا الى
المقاومة؟ ثم ألا يجب إكبار مواقف العماد ميشال عون وهو
الذي استطاع ان يجذب معه في موقفه هذا جمهوراً كبيراً كانت
له قناعات مثل تلك التي كان يحملها العماد عون قبل 2005؟
لماذا لا يستطيع شارل
أيوب ان يرى كل ذلك؟ أم هو لا يريد ان يرى ذلك لأنه باع
نفسه للشيطان؟
إن العماد عون لا يفتقر الى
الجرأة لإعلان مواقفه الجديدة، وهو يعرف كما نعرف نحن ان
مواقفه الجديدة هي مغايرة لمواقفه القديمة. لكن أين هي
جرأة شارل ايوب في إعلان موقفه بوضوح؟ لماذا لا يعلن
علناً تأييده لسمير جعجع او لخط سمير جعجع؟ لماذا يقوم
بما يقوم به الآن وهو ما زال مصرّاً انه قومي إجتماعي؟ اي
قومي إجتماعي هو هذا المدعو شارل ايوب؟
ثم اننا لا نطلب من أحد
ان يشرح لنا اسباب مواقف ميشال عون، إذ مهما كانت تلك
الأسباب، فيكفيه انه كان صمام الأمان كان يمكن انت تحصل في
لبنان لو لم يقم بهذا الدور، ولو لم تكن له هذه المواقف،
ولو لم يستطع ان يجذب جمهوراً واسعاً من المسيحيين الى
مواقفه.
لقد فقد السيد شارل
ايوب اعصابه، كما فقد مصداقيته، كما فقد نفسه. لقد اثبت
انه ليس أكثر من سلعة يشتريها من يدفع ثمنها اكثر.
لقد انتحر السيد انتحر
السيد شارل
ايوب، ولن تكون له قيامة بعد اليوم.
|