حتمية
الإنفجار
كان يمكن للحرب العبثية اللبنانية التي إشتعل فتيلها عام 1975، ثم أخذت
أشكالاً مختلفة حتى عام 1989، بما فيها الإجتياح الإسرائيلي عام 1982
ومصاحباته، أن تكون مصدراً للتعقل وأخذ العبر والدروس على ما تجلبه
الحروب الأهلية على لبنان من خراب ودمار في الحجر والبشر والنفوس. دع
الأثمان التي دفعت من قبل الفلسطينيين والسوريين جانبا، فإن الثمن الذي
دفعه اللبنانيون في تلك الحرب يفوق أي تصور وأي تقدير.
بشريا، دفع اللبنانيون عشرات الألوف من الضحايا، شبابا ونساء ورجالا
وأطفالا، وآلافا من المعوّقين، وتدميراً لمستقبل مئات الألوف من الشباب
اللبناني، وتدميراً في النفوس تناول معظم الشعب في لبنان.
أما في الحجر، فقد دمّر ما بناه اللبنانيون خلال عشرات السنين.
والذي يعرف لبنان قبل العام 1975 ويعرف ما كان يتمتع به معظم
اللبنانيين، دون أن نسقط من حسابنا ما كان يسمى "بزنّار الفقر" طبعا،
يعرف أن التقدير الصحيح لذلك الدمار، يصعق العقول ويخيف النفوس.
لقد ظن كثيرون أن اللبنانيين، بكل طوائفهم وأحزابهم وتحزباتهم
ومجموعاتهم وتجمعاتهم، لا يمكن حتى أن يفكروا في العودة الى الإقتتال
بين بعضهم بعضاً، لأي سبب من الأسباب، وكائناً من تكون الجهة
التي تدفع الى مثل هذا الإقتتال أو تغذيه. لكن من يعرف حقيقة نمط
تفكير اللبنانيين وطبيعة السيكولوجيا التي تتحكم في عقولهم وبصائرهم
وتوجه ذلك التفكير، يدرك أن اللبنانيين معرضون دائما للإنجرار الى حرب
أهلية من نوع ما.
قبل الإقتتالات التي بدأت عام 1975، حصل في لبنان إقتتالات متعددة
أبرزها أحداث 1958 وقبله الإقتتال التذابحي الخطير الذي حصل عام
1860. أي عاقل، أي صاحب تفكير سليم، أي صاحب نفسية راقية، يظن أن
أي إقتتال من تلك الإقتتالات كان كافيا لتزويد الناس في لبنان بالدروس
والعبر ودفعهم الى إعتماد العقل والحكمة والمنطق الإنساني السليم، والى
صوابية التفكير الإنساني الراقي المدرك. لكن ما حصل هو أن، لا
الموارنة ولا الدروز، ولا غيرهم من الطوائف قد تعلم من تكل الأحداث
شيئا. فالأحداث عند منطق الجاهلين تزيد القلوب سوادا وحقدا وتعطل
عمل العقول، فيتكون الإحتقان وينمو، الى أن تسنح له الظروف ليتفجّر من
جديد إقتتالا يضيف أحقادا الى أحقاد، وتشفيات الى تشفيات، وضغائن الى
ضغائن، وتعميق الرغبة في الإنتقام والثأر من جديد.
عام 1975 كان المايسترو الإسرائيلي وشركائه من مخابرات أميركية
وأوروبية، يحرك الدمى التي إستطاع زرعها وإيجادها بين اللبنانيين
والفلسطينيين، في مختلف طوائفهم وأحزابهم وتنظيماتهم، ويدفع بالجميع
الى ذلك الإقتتال الذي يعاني اللبنانيون من نتائجه الآن وسيبقوا يعانون
منه الى اجيال قادمة متعددة والى زمن ليس لنا قدرة على تقدير
مداه أوتحديده.
الخطورة النوعية اليوم، تكمن في أن المايسترو الإسرائيل لم يعد يعمل
فقط من حيفا وتل أبيب، بل هو يعمل من ضمن البيت الأبيض، بالتكافل
والتضامن، مستعملا جبرووت وإمكانيات وسطوة الولايات المتحدة ووسائل
إقناعاتها المتنوعة. إن هذا الأمر، بما فيه من إستماتة لليهود كي
يبسطوا سيطرتهم على بلادنا، بحيث لا يعود هناك أي تهديد لهم أو لأمنهم،
لا حاضرا ولا مستقبلا، وبما يكمن عند الأميركيين من سادية وحب في
التسلط وفرض إرادتهم على الغير، وما عندهم، قبل أي شيء، من شراهة وطمع
للسيطرة على النفط وموارد الطاقة في الشرق الأوسط وما بعده، كل ذلك
يجعلنا نقتنع إقتناعا كليا، أنهم سيفعلون المستحيل لتنفيذ مخططاتهم
وتحقيق أهدافهم.
نحن نرى أن الحوار في لبنان، إذا حصل هناك من حوار، لن يعطي أي نتيجة
مفيدة ولن يكون له أية نتيجة. فالحوار أصلا يكون مفيدا عندما
يحصل بين أناس يحكمهم التعقل والمنطق السليم وينطلقون من محبة وإحترام
لبعضهم البعض، ومن رغبة في التوصل الى وضع حياتي وسياسي وإجتماعي أفضل
وأجمل وأكثر إستقرارا وعدلا. وهذا غير متوفر عند غالبية
اللبنانيين بإستثناء قلة ليس من الضرورة أن نعرّف بها، فهي تعرف نفسها
ويعرفها الجميع.
نحن على قناعة أن الإنفجار الكبير حاصل لا محالة. لا نقول هذا
القول على سبيل الترف الفكري، فليس هناك من ترف أو متعة في رؤية مشاهد
الموت والخراب والدمار ينتشر على مدى لبنان، وربما يمتد الى ما بعده
وبعد بعده. إننا نبني قناعة على ما يلي:
1.
ما تقدم ذكره من إصرار أميركي/يهودي، يضاف إليه ما هناك من شراكة
فرنسية ناشئة في هذا الشأن، للسيطرة على وضعنا بشكل نهائي كامل وقاطع.
2.
إنتفاء الشعور بالإنتماء والشعور بالمواطنية اللبنانية عندم معظم
اللبنانيين
ليس هناك وطن لبناني ودولة لبنانية إلا في الإسم فقط، ولم يتولد هناك
شعور صحيح وصادق بالإنتماء للدولة اللبنانية عند غالبية الناس في
لبنان. فالكل يتكاذب على الكل في هذا الشأن كما في غيره من
الشؤون.
يمكن أن يكون وصف لبنان بالمزرعة وصفا مستهلكا ومبتذلا كثيرا، لكنه لا
يلغي حقيقة أنه أدق ما يمكن أن نصف به الوضع في لبنان منذ إنشائه
بإرادة الأجنبي في الخمس الأول من القرن الماضي. فالمسيحيون الموارنة
خاصة، أرادوا لبنان وطنا لهم، لذلك سعوا عبر مؤسساتهم الدينية، ومن
خلال رأس مؤسسة البطريكية المارونية، خاصة بشخص البطريركيين عواضه
والحويك، مع الدول النافذة في ذلك الوقت، خاصة فرنسا، لمساعدتهم على
تحقيق مثل هذا الوطن. لم تنشأ دولة لبنان بسبب رغبة الموارنة فقط
أو من شاركهم ورأى رأيهم من إقطاعيات الطوائف الأخرى، بل نشأ بسبب رغبة
الدول المستعمرة وإراداتهم المستبدة في إضعافنا وتقوية وتشجيع ما كمن
في نفوس شعبنا من عوامل التفرقة والتعصب والفتنة.
لم يكن بإستطاعة العقلية الطائفية، وما يكمن بين الطوائف من كراهية
وأحقاد وشعور بالظلم والغبن ورغبة في الثأر، وبسبب سيطرة الإقطاعيين
والنفعيين والمستغلين على طوائفهم وتوجيهها بشكل يخدم أوضاعهم النفعية،
لم يكن بإستطاعة تلك العقلية أن تؤسس للشعور بإنتماء حقيقي عند المواطن
في لبنان الى مواطنية لبنانية تمثل له موضعا للفخر والكبرياء والإعتزاز
والتضحية. أهم من ذلك أنه لم يكن هناك من رغبة في حصول مثل هذا
الشعور. فالشعور بالمواطنية الصحيحة له متطلباته التي تتناقض مع
الشعور الطوائفي وطموحاته ورغباته تناقضا كليا. المواطنية
الصحيحة تعني فيما تعنيه، المساواة في الحقوق والواجبات وفي كل مجالات
الدولة وشؤون الحياة فيها. هذا الأمر لا يناسب الطائفيين الذين
يحلمون في السيطرة والإستئثار. لقد مر وقت كان فيه الطائفيون
الموارنة يسيطرون على معظم شؤون المزرعة اللبنانية ويرمون الى إقطاعيات
الطوائف الأخرى الفتات الذي يبقيهم مسالمين صامتين تجاه إدارة شؤون
المزرعة وتدبير أمورها. عندما أخلّ كميل شمعون في إقتطاع حصص
الإقطاعيين السنة والدروز، تزويرا وزعبرة عام 1957، كان ثمن ذلك أحداث
1958. إذ أن الأعداء المتربصين بنا، أنما يجدون من هذه
الإختلالات بابا واسعا يدخلون منه لفرض إرادتهم علينا.
3.
إرتهان أسياد الطوائف وتغذيتهم وإستغلالهم للمشاعر الطائفية
الطائفيون وتجار المصالح والمتاجرون بحقوق الشعب ومصيره لا وطن لهم
ولا يعرفون الإنتماء الى وطن. هم دائما يطرحون أنفسهم في مزاد
الخساسة والعمالة، ويلجأون الى الذين يرمون إليهم شيئا من قمامة
المصالح الذاتية.
لقد أجاد أسياد الطوائف اللبنانيين لعبة التذاكي والتشاطر بشكل كبير.
لذلك يمكن أن نفهم ونفسر السرعة التي تتغير وتتقلب بها مواقف هذه
"الثقوب المتذاكية". لذلك لا نستغرب أن يلتقي زقاقي مجرم مستبد
كوليد جنبلاط، مع مجرم آخر خصم له، تخالط عقله أوهام كثيرة، كسمير
جعجع، وهما يجتمعان معا مع ولد ثري، يلعب في عقله الأمركيون واليهود،
ويوهمونه أن بإمكانه أن يكوّن لنفسه نفوذا سياسيا قويا في لبنان، وينفذ
ما منعت ظروف مقتل والده، والده من تحقيقه وتنفيذه. قد يكون سعد
الحريري قد تمرس على كسب المال وجمع الثروات، لكننا نرى عنده كثيراً من
الغباء الذي يحجب عنه الوظيفة التي أرادها له الأمريكيون ولوالده من
قبله، فيحشر أنفه في شؤون لبنان السياسية دون أن يدرك حقيقة ابعاد ما
يحصل. فهو يختلط عليه الأمر بين الكشف عن قتلة أبيه وبين غيرها
من الشؤون التي ليست له وليست من أختصاصه، وهي حتما خارج مقدرته، مهما
إعتقد عكس ذلك.
لا نعرف حتى الآن ما هي الحصص التي سينالها كل من وليد جنبلاط وسمير
جعجع وسعد الحريري من وراء هذا التحالف العجيب. لا نعرف طبيعة
الوعود المعطاة لهم من قبل اليهود وحلفائهم الأميركيين والفرنسيين؛
لكننا نعرف بالتأكيد أن ما يفعلونه هو لعب بالنار وبمصير الوطن ومصير
الأعناق والأرزاق. إننا نعرف أنه لن يكون لهم سوى ما يقبضونه
بشكل مباشر من أثمان ومال، أما بقية الشعب، أما أجيال الشباب الباحثة
عن العمل والمستقبل الجيد لن يكون لها سوى الهلاك والموت والتشرد
واليأس.
4.
مشاريع الطوائف المناقضة لمنطق الشعب الواحد والمصير الواحد والدولة
الواحدة
لقد أشرنا مقدما الى أن الكيان اللبناني أنشيء بإرادة الأجنبي أولا
ورغبة الطوائفيين ثانيا. لقد ظن غلاة الموارنة أن نشؤ الكيان
اللبناني سيحل مشكلة المسيحيين من أبناء شعبنا. لا جدال أن
المسيحيين قد لاقوا الأمرّين عبر قرون من التحكم بإسم الدين، عوملوا
فيها كأصحاب ذمة ومواطنين من درجة ثانية. لكن الصحيح أيضا أن
جميع الأقليات من دروز وشراكسة، وعلويين وغيرهم عوملوا وكأنهم مواطنين
من درجة أخيرة من قبل الأغلبية السنية والحاكمين بإسمها. لكن الخلاص من
الظلم وتثبت قواعد المساواة والعدالة والإرتفاع الى مستوى العصر،لا يتم
عن طريق المشاريع الطائفية وما تقدم عليه الطوائف من مغامرات.
لا يعطي الكلام في الحرية والديمقراطية أية مصداقية للمشاريع الطائفية
التي تعلك هذه الشعارات وتتشدق بها. فالمشروع الطائفي يبقى
مشروعا طائفيا مهما غلّف بالشعارات البراقة الواهية. فالحرية
التي يريدها وليد جنبلاط مثلا، هي حريته في إطلاق يده في منطقة الشوف
وعاليه، يفرض إرادته على الناس، ويسيطر على ما هو من حق الشعب اللبناني
عامة ومن حق ما يسمى بالدولة اللبنانية. وسمير جعجع يريد إطلاق
يده في حكم المسيحيين والتحكم بهم الأمر الذي مارسه مدة ما يقارب العشر
سنوات بين المسيحيين. أما سعد الحريري فلا يعرف أن كل مطامح
الطائفيين السنة في بيروت أن تكون لهم سيطرة كاملة على أزقة المدينة
وشوارعها.
هذا يقودنا الى القول أن الطائفيين في الطائفة الواحدة غير موحدين حول
إرادة واحدة. وهذا يظهر بشكل قوي في الطائفة السنية.
فالطائفيون السنيون في بيروت، هم غيرهم في طرابس وهم غيرهم في صيدا
مثلا. ونلاحظ أن الطائفيين السنة في بيروت أستعملوا(بضم الألف)
في أوقات كثيرة كرأس حربة للمخططات اليهودية. فإغتيال الزعيم
سعاده لم يكن ممكنا، مثلا، لولا إندفاع رياض الصلح في هذا الإتجاه.
ولم يكن ممكنا لأمين الجميل القوطبة على كل الشخصيات السنية الرافضة
للتعامل معه، لولا أنه وجد شخصا مثل شفيق الوزان ليتعاون معه كرئيس
حكومة.
أصحاب المشاريع الطائفية يبنون مشاريعهم على مساعدة الأجنبي لهم، كائنا
من يكون ذلك الأجنبي، شرط أن يكون قادرا على تأمين مثل تلك المساعد
وذلك الدعم. لذلك يظن وليد جنبلاط بمنتهى الصفاقة والوقاحة
والعمالة، أن إسرائيل لم تعد عدوته، بل أن سورية(الشام) هي عدوة حاضره.
فهو يظن أن إسرائيل ستضمن له ما يريد من التسلط والإستبداد والإستئثار.
المسكين لا يعرف أن اليهود عندما يتم لهم القضاء على المقاومة
وإستئصالها من شعبنا، لن تترك له شيئا يستفيد منه. إن القول بأن
سورية هي عدوة لبنان هو دليل جهل في أمور الإجتماع والسياسة وكل ما
تعلق بمصالح الوطن والناس. إن تفكيرا كهذا لا يمكن أن ينتج عنه
أي إصلاح أو تغيير أو حوار بناء، بل هو تصعيد للفتنة ودفع بإتجاهها.
5.
جهل الطوائفيين لخطر اليهود وإسرائيل عليهم وعلى لبنان
يظن أصحاب الإنعزال من الطوائفيين إن كانوا مسيحيين أو دروزا أو سنة
أو شيعة أو غير ذلك، أن تهديد الكيان اللبناني يأتي من العرب، خاصة
الشاميين والفلسطينيين. وهم يظنون أن لبنان غير معني بالمسألة
الفلسطينية على الإطلاق، وأن لبنان يمكن أن يكون في مأمن من مطامع
اليهود ومطامحهم. هم يعتقدون أنهم يستطيعون بالتذاكي والتشاطر مع
اليهود وغيرهم يستطيعون تحييد أنفسهم وحماية مصالحهم ومصالح الناس في
لبنان. هذا الأمر يجعلهم أداة لينة في أيدي اليهود لإستخدامهم في
تنفيذ ما يبيته اليهود لنا من مشاريع ومخططات.
الطوائفيون لا يرون مبررا لبناء لبنان قوي يمكن أن يساهم في ردع
المخططات الإسرائيلية. فلسفة عميد الإنعزال اللبناني الراحل بيار
الجميل في هذا الشأن والتي تقول "إن قوة لبنان في ضعفه" شائعة ومعروفة.
هرطقة بيار الجميل هذه تظهر من خلال أنه يريد لبنانا ضعيفا، لكنه لا
يمانع في طائفة مارونية قوية تتسلط على غيرها من الطوائف وتحتكر مصالح
الدولة لنفسها وتسير شؤون "الدولة" على كيفها وهواها. لقد كان
هذا التسلط واضحا لأكثر من عقدين من الزمن والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن
ليس لها مجال هنا.
هذا الجهل لخطر اليهود، يصرف كثيرين من الطوائفيين عن المسؤوليات
الكبرى ومواجهة تلك المسؤوليات بشجاعة وواقعية. ثم هو يدفعهم الى
اللجوء الى المغامرات وركوب العواصف والريح، إذا تهيأ لهم أن اللجوء
الى المغامرات وركوب العواصف يمكن أن يؤمن لهم مصالحهم ويضمن
إستمراريتها.
على نقيض كلي مع الطوائفيين وجهلهم وتفكيرهم وعقليتهم ومواقفهم، جاء
أنطون سعاده بموقفه ومشروعه المبني على المعرفة والإدراك وسلامة
التحليل والرؤية. لقد أسس سعاده مشروعه الوحدوي لبناء المجتمع
المتماسك القوي لمواجهة كل ما يهدد مصالحنا من أعداء ودحر كل ما يقف في
طريق نهوضنا من عراقيل.
6.
إنطلاق التفكير الطائفي من الخوف والشك وليس من الثقة واليقين
الطوائفيون يخافون من بعضهم بعضا، ولا يثقون ببعضهم بعضا. إذا
أظهروا غير ذلك فهو من قبيل المرواغة والكذب، وإنسجاما ما قد يكون من
مبررات ناشئة من اللحظة التي يجري فيها مثل هذا التكاذب.
مثل هذا الخوف كان يعبر عنه بيار الجميل أيضا وأيضا. فهو كان
يعبر دائما أن هناك خوف مسيحي من الآخرين وكان يبرر ذلك أنه "لا تسطيع
أن تقول للذي يخاف أن لا يخاف". فهو كان يعتقد أن التمترس
وراء خوفه يبرر له التعاون والتحالف مع الشيطان.
من معطيات الحاضر أن إعلان جنبلاط خوفه من السوريين(الشاميين) ما هو
سوى تغطية لخوفه الحقيقي من الشيعة وما تمثله المقاومة المتمركزه بشكل
خاص في الطائفة الشيعية، من نقض لطموحاته وأهوائه. والأمر لا
يختلف مع سمير جعجع وبقية العازفين على وتر القرار 1559.
7.
ما يجري من إعدادات وشحن للنفوس وشيوع البطالة بين الشباب
إن الطوائفيين الحاملين لقميص عثمان، والمدفوعين فعليا من قبل أسيادهم
الأمريكيين واليهود، يجدون تجاوبا من الشباب العاطل عن العمل والراغب
في إيجاد فرص أفضل له. هؤلاء الشباب يصدّقون خرافة أن الرئيس
إميل لحود هو وراء إنتفاء فرص العمل وتعطيل الحياة الإقتصادية
والإجتماعية والسياسية. هم يظنون أنه إذا أسقط الرئيس لحود ستكون
سهولة إيجاد عمل لهم كسهولة حضور الطعام والشراب لهم في خيام سعد
الحريري وعلى حسابه.
إما المخضرمون من جماعة جنبلاط وجعجع فهم يعرفون أن الفوضى تجلب لهم
المن والسلوى. فهم في مثل هذا الأوقات يتمكنون من السرقة والنهب
وفرض الخوات الأمر الذي مارسوه من قبل وجمعوا من خلاله الثروات
الطائلة. وهم يحلمون أن الريّس سعد الحريري سيكون كريما معهم
ويستعدون لبيعه أي موقف يريده منهم.
إن شحن النفوس بهذا الشكل والإصرار على التصرف بحماقة وجهل، وكل ما هو
مصاحب لذلك من تدريبات وإعدادات، الى جانب ما تقدم ذكره يجعلنا نتوقع
بشكل كبير حصول الإنفجار الكبير في لبنان، الذي إن حدث نعمل كيف يبدأ،
لكننا نجهل كيف سينتهي.
هل
هناك من بديل عند اللبنانيين عن التقاتل؟
الجواب: نعم.
إذا كان اللبنانيون يريدون الخلاص وتجنب مكاره الإقتتال وبشاعاته
ونتائجه، عليهم أن يتحاوروا حول الأمور التالية:
·
لبنان هو كيان سياسي بمشيئة اللبنانيين وليس بمشيئة طائفة من طوائفه.
·
لبنان جزء حيوي من محيطه الطبيعي وعليه العمل والتعاون في كل ما يعود
عليه وعلى هذا المحيط من خير ومصالح.
·
بقاء لبنان كيانا سياسيا مستقلا ودولة سياسية مستقلة رهن بإرادة أبنائه
المبنية على روح التفاهم والحرية والمنطق.
·
المساواة بين جميع المواطنين وقطع دابر الفوضى والرشوة والفساد والهدر
والسرقة في الدولة وأجهزتها.
·
أن تكون الدولة الملاذ الأول والأخير لكل المواطنين والإستماع إليهم
وحل مشاكلهم.
·
إخضاع جميع أعضاء الدولة الى قانونها بالتساوي ودون تمييز.
·
تشجيع التفكير العلماني وإعتماد العلمانية في وظائف الدولة كطريق
لتطبيق العلمانية وعلى أساس ديمقراطي شامل في كل مؤسسات الدولة من
تشريعية وتنفيذية.
·
إعتبار الدولة العبرية عدوة للبنان والحفاظ على مقاومته الى أن يتم حل
جذري للمسألة الفلسطينية كاملا شاملا، إن كان من جهة الفلسطينيين
أنفسهم، أو من جهة الكيانات السورية ومنها الكيان اللبناني، الذي تحتل
له الدولة العبرية عددا كبيرا من القرى والأراضي.
·
التعارف أن المقاومة لا تتعرض لأي شأن من الشؤون المحلية ولا لأي جماعة
وفرد، والمقاومون هم مقاومون من خلال إعدادهم وتأهيلهم لا من خلال
تعاطيهم مع الناس أو في شؤون الناس. وهم يخضعون للقانون بكل ما
يتعلق بحياتهم المدنية.
·
وحدة اللبنانيين وتضامنهم مع بعضهم البعض هو إعتبار جذري لا يقبل
المساومة وهو أهم من إغضاب أو إرضاء الأميركيين، كائنا ما ستكون ردة
فعلهم على هذه الوحدة وما سيكون موقفهم منها.
·
رفض تدخل السفراء الأجانب في الشأن اللبناني وطرد كل سفير يتخطى الحدود
الدبلوماسية التي تفرضها أي دولة تحترم شعبها ونفسها.
هذا هو الحوار الذي يمكن أن يقود اللبنانيين الى شاطيء الأمان والوحدة
والمحبة والثقة ببعضهم البعض. أي شيء غير هذا هو أوهام بأوهام
ولا ينتج عنه سوى المزيد من الكوارث والنكبات.
|