لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

لم يجتمع اهل الباطل على شيء الا وتفرقوا عليه «سعادة».‏

تدافع فوق جسد الوطن الجريح

بقلم إيلي عون (نقلاً عن جريدة الديار 9/8/2008)

ان لم نكن ملمين بخلفيات المشهد السياسي يصعب فهم وتفسير ما يجري والذين يظنون ان هذا ‏التدافع المقيت لهذا الهجيع المتنافر والمتجاذب، المتخاصم والمتوافق من الكتل الطائفية ‏والمذهبية فوق جسد الوطن، ان هذا هو الشواذ والامر الطارئ نقول لهم ان ما يرونه هو ‏حقيقي وهو النتيجة المنطقية لثقافة سياسية ممسوحة قامت على ازدراء قوانين علم الاجتماع ‏واصول بناء الدولة وكيفية تأسيس حياة جديدة، فاستبدلت العلم وضوابطه بالنشاط ‏السياسي ولم تأخذ بسيرورة التطلع ولم تأبه لنتائج مخالفة نواميس الحياة ولم تشأ ان تتعلم ‏من تجارب الشعوب خاصة تلك التي اخذت باسباب قيام الدول وبنائها على اسس حديثة متينة ‏وراسخة كالدول الاوروبية على وجه الخصوص فتوهمت واوهمت ان بامكانها بناء وطن على قواعد ‏الطائفية والمذهبية والمحاصصات يمكن ان يكتب له الحياة.

كانت الطائفية وكان لا بد ان يكون ‏لها ولد، فكان الانعزال.

فالانعزال ابن الطائفية، فالشر يلد الشر.

وما برحت الطائفية ‏تغذي الانعزال وهذا يرد بدوره «الجميل» لها ويغذيها ويبتدع لها طرقاً واساليب ومبررات ‏ويستجلب لها وله للطائفية وللانعزال، دعماً وعطفاً وقوى اقليمية ودولية حتى يبقى هذا ‏الشلو الممسوخ والمولود بطريقة غير شرعية ومن اب وام غير شرعيين والمصاب بعاهات دائمة ‏وقاتلة، مستمرا على قيد الحياة، بتقلد اوشحة براقة والجميع يبدون اهتمامهم به، كأن ‏يستفيق الرئيس بوش وطوني بلير وغيرهما على واجب اعطاء جرعة تصاريح يومية من شأنها تعزيز ‏وتمديد فترة الوضع الشاذ واطالة حالة العذاب والمآسي التي يعيشها هذا الوطن.

ولعل آخر ‏توليفة من توليفات الامعان في نحر هذا الوطن والسكر من نجيعه وآخر مبتكرات «العقل» ‏الطائفي وثقافته هي القانون الانتخابي العتيد والعتيق الذي اتفق عليه ناحرو اوردة ‏الوطن وممزقو اوصاله.

نحن مع الاتفاق من حيث المبدأ، كبديل عن الحرب الاهلية ولكن شراءما ‏اتفق عليه هؤلاء.

فاتفقوا بيد واسسوا لحروب مستقبلية بيد اخرى.

فقانون الانتخابات ‏العتيد هو خطوة رجعية متجددة وهو تتويج لعصر الطائفية الذميمة وتعزيز لاواصرها ‏وقانون تفتيت المفتّت وتجزئة المجزأ ومذهبة الطائفية وتحصين للاقطاعات الطائفية الفردية ‏القديمة لاستعادة مواقعها وانفاسها وتحفيز لنشوء اقطاعات فردية جديدة تقوم على العلاقة ‏الفردية المباشرة بين المرشح والافراد فتبرز عوامل الضغط الفردي والمصلحة الشخصية وسلطة ‏المال والانتماء الطائفي وتهافت رجال الدين وانتعاش ظاهرة المنافع الشخصية وضمور دور ‏الكفاءات والتنافس الصحي السليم على اساس البرامج والمبادئ والرؤى الجديدة للحياة ‏والاجتماع والاقتصاد والسياسة والمصير اي على حساب الاعتبارات الوطنية والقومية ‏والاجتماعية.

لا يا جماعة بل جريمة ما تصنعون.

ما هكذا تبنى الاوطان وما هكذا تؤسس الدول.

‏هكذا تندثر الاوطان وتتقوض الدول.

خطآن ايهما وكلاهما قاتل للوطن.

جريمة معالجة المسألة ‏الطائفية بتعزيزها (‏Accentuating‏) وجريمة الرد على اخطاء العلاقة مع الشام بمزيد من ‏الابتعاد عنها وتعزيز ثقافة الانعزال مروراً بترسيم الحدود واقامة التمثيل الدبلوماسي بين ‏البلدين ظناً منهم ان في ذلك تعزيزاً للسيادة والاستقلال.

ان تصحيح العلاقة مع الشام ‏وتصحيح العلاقة مع لبنان ليس خياراً بل قدر محتوم والعلاقات الشاذة او السيئة يجب ان ترى ‏من منظور افرازات التجزئة (سايكس بيكو) وشرورها وهي عين الشواذ وعين السوء ومبعثه.

‏تصحيح العلاقات تبدأ بالنظر الى واقع وحاجات ومصالح الناس الاقتصادية والاجتماعية ‏والتاريخية - اي المصالح الحياتية عبر تطوير الرؤية في الكيانين من اجل قيام نظام علماني ‏يزيل الحواجز بين مختلف الطوائف والمذاهب ويوحد الحقوق المدنية لكافة افراد المجتمع وتعزيز ‏قواعد الدولة المدنية بعد ان اغتصبتها دويلات الطوائف والمذاهب وصادرت املاكها فيتعزز ‏وجود وبقاء المواطن - وخاصة المسيحيين - في دولة قومية بعد ان تكفلت دويلة الطوائف ‏والمذاهب بذرهم ونثرهم افراداً وجماعات في كل مشارق الارض ومغاربها فامس هذا الكيان الذي ‏اوهمهم به المستعمر بانه سيكون «Christian Enclave‏» (حجرا مسيحيا) مقتلا مسيحيا ومقتلاً ‏وطنيا لكافة افراد الوطن.

تصحيح العلاقة بين لبنان والشام يبدأ من توليد رؤية ‏اقتصادية تقوم على اساس الانتاج في هذين الكيانين وعلى صياغة مصلحة الانتاج القوي ‏وتصريفه دون القضاء على الحوافز الفردية من جهة وعلى صيانة مصلحة الدولة في ضبط ‏الاقتصاد والعملية الاقتصادية على قاعدة التفريق بين الحرية الاقتصادية والدشر الاقتصادي، ‏الذي يقضي على الانتاج ويحول البلد الى سوق استهلاكية للدول المنتجة تكون اقل نتائجها ‏فقراً مستمراً وهجرة تحصد الاف الشباب.

لا يمكن لاي اجراء في العالم ان يغني عن عوامل وحدة ‏المصالح الاقتصادية الاجتماعية السياسية - الحياتية بين لبنان والشام.

والظن ان ترسيم ‏الحدود والتمثيل الدبلوماسي يمكن ان يساهم في خلق دولة هو وهم يضاف الى اوهام قيام ‏دويلات الطوائف.

ان اي اجراءات سياسية - وكل اجراءات سياسية - لا تتوافق ولا تنسجم مع ‏حاجة تأمين المصالح الاقتصادية الثابتة والمستمرة والآيلة الى كبح جماح الهجرة وفي تأمين حياة ‏اقتصادية راقية وفي تأسيس وتثبيت سياسة دفاعية مشتركة هي اجراءات ساقطة ويجب رفضها ‏ومنها اجراءات ترسيم الحدود والتمثيل الدبلوماسي.

ان تصحيح العلاقة بين لبنان والشام ‏يجب ان تؤول وتتمثل في ازالة الحدود لا في ترسيمها والا فوهماً ما ندعي باننا نريد تصحيح ‏العلاقة بين البلدين.

ان تصحيح العلاقة بين الدول الاوروبية خاصة تلك التي خاضت حروباً ‏طاحنة بين بعضها البعض (الأولى والثانية) تمثلت بالسوق الاوروبية المشتركة وبالبرلمان ‏الاوروبي الموحد وبالعملة الموحدة وبإلغاء الحدود لا بترسيمها وبإزالة التمثيل ‏الديبلوماسي الا من الوجهة الفنية الإدارية الشكلية.

هكذا تصححت العلاقات بين دول ‏اوروبا وهكذا يكون اتجاه تصحيح العلاقة بين لبنان والشام.

نحن بحاجة الى بناء جسور تواصل ‏بين لبنان والشام لا الى مزيد من الحواجز والحدود والفرقة.

فلا ترسيم الحدود سيعزز الواقع ‏السياسي والاقتصادي ولا التمثيل الديبلوماسي سيعزز شرعية الكيان.

اخرجوا من هذه ‏الأوهام.

نحن بحاجة الى دولة علمانية راسخة يكون لها اسباب استقرارها وارتقائها الاقتصادي ‏بتصحيح العلاقة، قوميا، مع الشام.

والكيان الطائفي نقيض الاستقرار السياسي والانعزال ‏نقيض النهضة الاقتصادية.

للاستقرار السياسي اصول وللنهضة الاقتصادية اصول وليست تركيبة ‏الكيان اللبناني الطائفي الانعزالي متوافقة مع هذه الاصول.

تعزيز الاستقلال والسيادة ‏والحرية لا يكون بترسيم الحدود والتمثيل الديبلوماسي بل في توحيد الرؤيا السياسية ‏والاقتصادية والدفاعية وفي العمل باتجاه ما يؤمن المصالح الحياتية الثابتة لهذين الكيانين.

‏إن ترسيم الحدود والتمثيل الديبلوماسي الإتيين على مركبة الدفع الاستعماري سيكونان ‏صمامي تأزيم وتفجير للعلاقة وللوضع بين لبنان والشام.

ان العلاقة المأزومة بين لبنان ‏والشام لا تنفع معالجتها بـ «رقوق الذهب» بينما هذا «الضرس المسوس» - جبران - يتآكل من ‏الداخل.

أليس غريبا ومثيرا للقلق ان تقوم الدول الاوروبية التي خبرت نتائج حربين مدمرتين ‏راح ضحيتها اكثر من 75 مليون قتيل في اقل من نصف قرن وبعد ان طوت صفحة الماضي القريب ‏الدامي والمدمر تسير اليوم في طريق التوحد هذا، بعد ان وحّد بسمارك ألمانيا والثورة ‏الفرنسية فرنسا والثورة الإنكليزية انكلترا وايرلندا، نقول أليس غريبا ومثيرا للقلق ‏والغضب ان تأتينا السيدة ميركل (الأمينة العامة الألمانية) التي كان اول ما صنعته بلادها ‏بعد سقوط الإتحاد السوفيتي هو إزالة حائط برلين والإسراع في توحيد ألمانيا - ان تأتينا هذه ‏السيدة صبحا ومساء بالإرشادات والمواعظ والترغيب والترهيب فتؤيد اقامة حائط الفصل داخل ‏فلسطين وتدفع باتجاه ترسيم حدود الذل والعار والفرقة والمعاناة بين لبنان والشام؟ يقيمون جسور التواصل ويفرضون علينا اسوار الإنقسام والتجزئة.

لماذا تريدنا اوروبا ‏الموحدة ممزقين منقسمين مفتتين؟ لأن ذلك يخدم مصالحها.

ولكن لماذا نريد انفسنا منقسمين ممزقين؟ ان مصلحة الشام ومصلحة لبنان بشكل خاص هي في إزالة معوقات الوحدة وفي الدولة المدنية ‏وفي التكامل الاقتصادي والدفاعي بين البلدين وليس من الضروري ان يتم هذا بين يوم وضحاه ‏غير ان واجب وضع الأسس السليمة امر في غاية الضرورة وإلا «فقبض الريح» ما تصنعون.

نحن لا ‏نقول بوجوب الوحدة السياسية بين لبنان والشام فهذا امر وقف على ارادة الشعب في لبنان ‏والشام وهو يقرر مصيره.

ما نقوله هو تعزيز ثقافة جديدة منسجمة مع واقع الحياة ‏ومتطلباتها متوائمة مع الظروف العينية الحياتية لكل من هذين الكيانين ومصلحتهما في ‏الحياة والارتقاء.