|
ان لم نكن ملمين بخلفيات المشهد السياسي يصعب فهم وتفسير
ما يجري والذين
يظنون ان هذا التدافع المقيت لهذا الهجيع
المتنافر والمتجاذب، المتخاصم
والمتوافق من الكتل الطائفية والمذهبية فوق جسد الوطن، ان
هذا هو الشواذ والامر الطارئ نقول
لهم ان ما يرونه هو حقيقي وهو النتيجة المنطقية
لثقافة سياسية ممسوحة قامت على ازدراء
قوانين علم الاجتماع واصول بناء
الدولة وكيفية تأسيس حياة جديدة، فاستبدلت العلم وضوابطه
بالنشاط السياسي ولم تأخذ بسيرورة
التطلع ولم تأبه لنتائج مخالفة نواميس الحياة ولم تشأ ان
تتعلم من تجارب الشعوب خاصة تلك التي
اخذت باسباب قيام الدول وبنائها على
اسس حديثة متينة وراسخة كالدول الاوروبية
على وجه الخصوص فتوهمت واوهمت ان
بامكانها بناء وطن على قواعد الطائفية والمذهبية
والمحاصصات يمكن ان يكتب له
الحياة.
كانت
الطائفية وكان لا بد ان يكون لها ولد، فكان الانعزال.
فالانعزال ابن الطائفية، فالشر يلد الشر.
وما
برحت الطائفية تغذي الانعزال وهذا يرد بدوره «الجميل» لها
ويغذيها ويبتدع
لها طرقاً واساليب ومبررات ويستجلب لها وله للطائفية
وللانعزال، دعماً وعطفاً وقوى
اقليمية ودولية حتى يبقى هذا الشلو الممسوخ والمولود
بطريقة غير شرعية ومن اب وام غير شرعيين
والمصاب بعاهات دائمة وقاتلة،
مستمرا على قيد الحياة، بتقلد اوشحة براقة والجميع يبدون
اهتمامهم به، كأن يستفيق الرئيس
بوش وطوني بلير وغيرهما على واجب اعطاء جرعة تصاريح يومية
من شأنها تعزيز وتمديد فترة الوضع الشاذ
واطالة حالة العذاب والمآسي التي
يعيشها هذا الوطن.
ولعل
آخر توليفة من
توليفات الامعان في نحر هذا الوطن والسكر من نجيعه وآخر
مبتكرات «العقل»
الطائفي وثقافته هي القانون
الانتخابي العتيد والعتيق الذي اتفق عليه
ناحرو اوردة الوطن وممزقو اوصاله.
نحن
مع الاتفاق من حيث المبدأ، كبديل عن الحرب الاهلية ولكن
شراءما اتفق عليه هؤلاء.
فاتفقوا بيد واسسوا لحروب مستقبلية بيد اخرى.
فقانون الانتخابات العتيد هو خطوة رجعية متجددة وهو تتويج
لعصر الطائفية
الذميمة وتعزيز لاواصرها وقانون تفتيت المفتّت وتجزئة
المجزأ ومذهبة الطائفية وتحصين
للاقطاعات الطائفية الفردية القديمة لاستعادة مواقعها
وانفاسها وتحفيز لنشوء اقطاعات فردية
جديدة تقوم على العلاقة الفردية
المباشرة بين المرشح والافراد فتبرز عوامل الضغط الفردي
والمصلحة الشخصية وسلطة المال
والانتماء الطائفي وتهافت رجال الدين وانتعاش ظاهرة
المنافع الشخصية وضمور دور
الكفاءات والتنافس الصحي السليم على اساس البرامج
والمبادئ والرؤى الجديدة للحياة
والاجتماع والاقتصاد والسياسة والمصير اي
على حساب الاعتبارات الوطنية والقومية
والاجتماعية.
لا يا
جماعة بل جريمة ما تصنعون.
ما
هكذا تبنى الاوطان وما هكذا تؤسس الدول.
هكذا
تندثر الاوطان وتتقوض الدول.
خطآن
ايهما وكلاهما قاتل للوطن.
جريمة
معالجة المسألة الطائفية بتعزيزها (Accentuating)
وجريمة الرد
على اخطاء العلاقة مع الشام بمزيد من الابتعاد عنها
وتعزيز ثقافة الانعزال مروراً
بترسيم الحدود واقامة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين
ظناً منهم ان في ذلك تعزيزاً للسيادة
والاستقلال.
ان
تصحيح العلاقة مع الشام وتصحيح العلاقة مع لبنان ليس
خياراً بل قدر
محتوم والعلاقات الشاذة او السيئة يجب ان ترى من منظور
افرازات التجزئة (سايكس
بيكو) وشرورها وهي عين الشواذ وعين السوء ومبعثه.
تصحيح العلاقات تبدأ بالنظر الى واقع وحاجات ومصالح الناس
الاقتصادية
والاجتماعية والتاريخية - اي المصالح الحياتية عبر تطوير
الرؤية في الكيانين من اجل قيام
نظام علماني يزيل الحواجز بين مختلف الطوائف
والمذاهب ويوحد الحقوق المدنية لكافة
افراد المجتمع وتعزيز قواعد الدولة
المدنية بعد ان اغتصبتها دويلات الطوائف
والمذاهب وصادرت املاكها فيتعزز
وجود وبقاء المواطن - وخاصة المسيحيين - في دولة قومية
بعد ان تكفلت دويلة الطوائف
والمذاهب بذرهم ونثرهم افراداً وجماعات في كل مشارق الارض
ومغاربها فامس هذا الكيان الذي اوهمهم به
المستعمر بانه سيكون «Christian
Enclave» (حجرا مسيحيا)
مقتلا مسيحيا ومقتلاً وطنيا لكافة
افراد الوطن.
تصحيح
العلاقة بين لبنان
والشام يبدأ من توليد رؤية اقتصادية تقوم
على اساس الانتاج في هذين الكيانين
وعلى صياغة مصلحة الانتاج القوي وتصريفه دون القضاء على
الحوافز الفردية من جهة وعلى صيانة
مصلحة الدولة في ضبط الاقتصاد والعملية
الاقتصادية على قاعدة التفريق بين الحرية
الاقتصادية والدشر الاقتصادي،
الذي يقضي على الانتاج ويحول البلد الى سوق استهلاكية
للدول المنتجة تكون اقل نتائجها
فقراً مستمراً وهجرة تحصد الاف الشباب.
لا
يمكن لاي اجراء في العالم ان يغني عن عوامل وحدة المصالح
الاقتصادية الاجتماعية السياسية - الحياتية بين لبنان
والشام.
والظن
ان ترسيم الحدود والتمثيل الدبلوماسي يمكن ان يساهم في
خلق دولة هو وهم يضاف الى اوهام قيام دويلات الطوائف.
ان اي
اجراءات سياسية - وكل اجراءات سياسية - لا تتوافق ولا
تنسجم مع حاجة
تأمين المصالح الاقتصادية الثابتة والمستمرة والآيلة الى
كبح جماح الهجرة وفي تأمين حياة
اقتصادية راقية وفي تأسيس وتثبيت سياسة دفاعية
مشتركة هي اجراءات ساقطة ويجب رفضها
ومنها اجراءات ترسيم الحدود والتمثيل
الدبلوماسي.
ان
تصحيح العلاقة بين لبنان
والشام يجب ان تؤول وتتمثل في ازالة
الحدود لا في ترسيمها والا فوهماً ما
ندعي باننا نريد تصحيح العلاقة بين
البلدين.
ان
تصحيح العلاقة بين الدول الاوروبية خاصة تلك التي خاضت
حروباً طاحنة
بين بعضها البعض (الأولى والثانية) تمثلت بالسوق الاوروبية
المشتركة وبالبرلمان الاوروبي
الموحد وبالعملة الموحدة وبإلغاء الحدود لا بترسيمها
وبإزالة التمثيل الديبلوماسي الا من
الوجهة الفنية الإدارية الشكلية.
هكذا
تصححت العلاقات بين دول اوروبا وهكذا يكون اتجاه تصحيح
العلاقة بين لبنان والشام.
نحن
بحاجة الى بناء جسور تواصل بين لبنان والشام لا الى مزيد
من الحواجز والحدود والفرقة.
فلا
ترسيم الحدود سيعزز الواقع السياسي والاقتصادي ولا
التمثيل الديبلوماسي سيعزز شرعية الكيان.
اخرجوا من هذه الأوهام.
نحن
بحاجة الى دولة علمانية راسخة يكون لها اسباب استقرارها
وارتقائها الاقتصادي بتصحيح العلاقة، قوميا، مع الشام.
والكيان الطائفي نقيض الاستقرار السياسي والانعزال نقيض
النهضة الاقتصادية.
للاستقرار السياسي اصول وللنهضة الاقتصادية اصول وليست
تركيبة الكيان اللبناني الطائفي الانعزالي متوافقة مع هذه
الاصول.
تعزيز
الاستقلال والسيادة والحرية لا يكون بترسيم الحدود
والتمثيل
الديبلوماسي بل في توحيد الرؤيا السياسية والاقتصادية
والدفاعية وفي العمل باتجاه ما
يؤمن المصالح الحياتية الثابتة لهذين الكيانين.
إن
ترسيم الحدود والتمثيل الديبلوماسي الإتيين على مركبة
الدفع
الاستعماري سيكونان صمامي تأزيم وتفجير للعلاقة وللوضع
بين لبنان والشام.
ان
العلاقة المأزومة بين لبنان والشام لا تنفع معالجتها بـ
«رقوق الذهب» بينما هذا «الضرس المسوس» - جبران - يتآكل من
الداخل.
أليس
غريبا ومثيرا للقلق ان تقوم الدول الاوروبية التي خبرت
نتائج حربين
مدمرتين راح ضحيتها اكثر من 75 مليون قتيل في اقل من نصف
قرن وبعد ان طوت صفحة الماضي
القريب الدامي والمدمر تسير اليوم في طريق التوحد هذا،
بعد ان وحّد بسمارك ألمانيا
والثورة الفرنسية فرنسا والثورة الإنكليزية
انكلترا وايرلندا، نقول أليس غريبا ومثيرا
للقلق والغضب ان تأتينا السيدة
ميركل (الأمينة العامة الألمانية) التي كان اول ما صنعته
بلادها بعد سقوط الإتحاد السوفيتي
هو إزالة حائط برلين والإسراع في توحيد ألمانيا - ان
تأتينا هذه السيدة صبحا ومساء بالإرشادات
والمواعظ والترغيب والترهيب فتؤيد
اقامة حائط الفصل داخل فلسطين وتدفع باتجاه ترسيم حدود
الذل والعار والفرقة والمعاناة بين
لبنان والشام؟ يقيمون جسور التواصل
ويفرضون علينا اسوار الإنقسام والتجزئة.
لماذا
تريدنا اوروبا الموحدة ممزقين منقسمين مفتتين؟ لأن ذلك
يخدم مصالحها.
ولكن
لماذا نريد انفسنا منقسمين ممزقين؟
ان مصلحة الشام ومصلحة لبنان بشكل خاص هي
في إزالة معوقات الوحدة وفي الدولة
المدنية وفي التكامل الاقتصادي والدفاعي بين البلدين وليس
من الضروري ان يتم هذا بين يوم
وضحاه غير ان واجب وضع الأسس السليمة امر في
غاية الضرورة وإلا «فقبض الريح» ما
تصنعون.
نحن
لا نقول بوجوب الوحدة السياسية بين لبنان والشام فهذا امر
وقف على ارادة الشعب في لبنان والشام وهو يقرر مصيره.
ما
نقوله هو تعزيز ثقافة جديدة منسجمة مع واقع الحياة
ومتطلباتها متوائمة
مع الظروف العينية الحياتية لكل من هذين
الكيانين ومصلحتهما في الحياة
والارتقاء.
|