|
فرحة اللبنانيين باعلان الصياغة النهائية للبيان الوزاري
كانت كبيرة جدا.
فالبيان كان قراءة لبنانية بريئة من اي
تدخل اجنبي من جهة، وافسح المجال
من جهة ثانية امام انطلاق العهد الجديد، وحال دون استقالة
الحكومة ومن خلالها دخول ازمة
جديدة كان يمكن ان تنقل البلاد من خيبة الى خيبة ومن
الوفاق الموعود الى اعصار جديد يلف الوطن
ويقذفه بوابل من السم والحقد
والكراهية.
لقد عالج البيان الوزاري العديد من
الملفات الشائكة التي طال انتظار
مقاربتها وبخاصة ملفي المهجرين والمفقودين وخطة لمنع
التوطين وحفظ حق عودة الفلسطينيين،
وتخصيص المقاومة بالعمل على تحديد ما بقي من اراض
محتلة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء
الشمالي من بلدة الغجر بكل
الوسائل المشروعة والمتاحة والتصدي لاي اعتداء اسرائيلي.
وهو
ما اكده فخامة الرئيس ميشال سليمان من خلال مطالبته
«بوجوب معانقة سلاح الجيش لسلاح المقاومة لمواجهة العدو
الاسرائيلي».
لقد كان ذلك مفرحاً جداً.
ولكننا كنا نأمل بان يضاف الى عبارة ما
بقي من اراض محتلة «عبارة استرداد لبنان للجزء المفقود من
ثروته المائية الغالية».
نقول الثروة المائية الغالية، لانها غالية
حقا.
فمنذ فجر الخليقة واهتمام الانسان مشدود
الى المياه.
والماء عنصر الحياة الاول وهي المادة التي
اودع فيها الرب سر الوجود واستمرار البقاء والعمران
والحضارة الانسانية.
فالحضارات الغابرة نظرت الى الماء ككتلة
من الاسرار، تحيط بها الاساطير
وتتصل برموز الطبيعة وما وراءها وبالارضيات والسماويات في
آن معا.
وبعد ذلك كان المصريون واليونانيون
يتصورون العالم خضما من مياه تسبح فوقه الكرة الارضية
الصغيرة المحاطة بغلاف من هواء.
اما الاشوريون، والبابليون، فكانوا
يعتقدون بان الكائنان بمن فيها الالهة
هي خلاصة تمازج المياه الحلوة Apson
والمياه المالحة Tiamat.
ولئن سقطت هذه المفاهيم السماوية التي
كانت سائدة حول المياه في الماضي
السحيق فان دورها الارضي في عصرنا الحاضر لم يفقد من
اهميته بالرغم من تبدل الصورة،
والتصقت المياه بحاجاتنا الانسانية الدنيوية، فاصبحت اهم
المواد الاولية التي يستخدمها الانسان
واقترنت باحب مظاهر الحياة بل
اصبحت عنصرها الاول بحيث «جعل الله منها كل شيء حي».
لن نستعرض كمية الموارد المائية في العالم
والحاجة اليها مستقبلا واثر ذلك
على الامن، والاقتصاد، والبقاء البشري، ولكننا سنكتفي
بالاشارة وبالاختصار الى وضع
الثروة المائية في لبنان.
لقد كنا دائما نستعمل عبارة لبنان هو
القصر المائي وخزان الشرق الاوسط.
والا ان هذه المقولة، وبكل اسف فقدت دقتها
وبات من الصعف الركون اليها، حاضرا وبخاصة، مستقبلا.
فلبنان يقع اليوم على حدود الانكشاف
المائي، كما تظهر الاحصاءات المتوفرة
حول كمية المياه «المتجددة» المعبّر عنها
بالهواطل المطرية والمتساقطات
الثلجية ومقارنتها مع حاجات لبنان المائية في حدها
الادنى.
ان كمية المياه المتجددة تتراوح في لبنان
بين حوالى 4 مليارات متر مكعب
السنوات الشحائح، وحوالى 9 مليارات متر مكعب في السنوات
الفوائض.
واذا ما اخذنا كمية المياه في سنة «فائضة»
(9 مليارات م3 فانها تتعرض للتبخر الفيزيائي والفيزيولوجي
بما يعرض حوالى 4.
5
مليارات متر مكعب منها للهدر فيبقى منها ما يعرف
«بالكمية المتاحة» بالمقادر عينه (4.
5
مليار متر مكعب)، فيبقى منها كمياه مفقودة حوالى 700
مليون م3 باتجاه
البحر وعبر نهري العاصي والكبير حيث وقعت
اتفاقية بشأنهما مع سوريا و160
مليون م3 من خلال نهري الحاصباني والوزاني.
وهكذا يبقى من المياه المتاحة في سنة
فائضة حوالى 2.
4
مليون متر مكعب قابلة للاستثمار موزعة على النحو التالي:
600 مليون متر
مكعب من المياه الجوفية و800 مليون متر مكعب من المياه
السطحية وحوالى 1000
مليون متر مكعب قابلة
للتخزين.
اما
في سنة جافة، فان كمية المياه المتاحة (وهي في حدود 50%
من المتساقطات
المطرية اي قرابة 2250 مليون م3) فتذهب عبر الحدود باتجاه
البحر حوالى 50% ليبقى 1125 مليون م3.
وبمقابل ذلك فان الحاجة الحالية للمياه في
لبنان هي في حدود 800 مليون م3
للري و400 مليون م3 للشفة، و200مليون م3 للصناعة اي انها
تتجاوز الكمية المتاحة بفارق يقدر
بـ300 مليون م3 وهو ما يحصل في السنة الحالية.
واخذا بالاعتبار هذه الارقام وما يتوقعه
لبنان من زيادة في عدد سكانه بعد
عقدين من الزمن فان حاجاته المائية سترتفع تدريجياً لتصبح
حوالى اربعة مليارات م3.
فهل نحن جاهزون لتأمين المصادر المائية
الملبية لهذه الحاجات التي يتوقف
عليها استقرار لبنان من كافة الوجهات السياسية
والاقتصادية والاجتماعية؟؟ اننا
مدعوون ومهما كانت الصعوبات لتوفير هذه المصادر من خلال
استراتيجية مائية تهدف للتحكم قدر
الامكان بالمصادر المتوفرة والممكنة وبحصار
الامطار التي منحنا اياها الله من طريق
التخزين في البحيرات والسدود
النهرية والجبلية وضبط شامل للمياه المتوفرة وحسن
استخدامها واسترجاع ما تسرب من
حقوقنا منها خارج الحدود سواء كان ذلك من طريق البحر او
مما سلبا منا العدو الإسرائيلي،
منذ قرابة النصف قرن من الزمن.
لقد قامت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني،
مشكورة، بضبط جزء من الثروة
المائية المتوفرة في نهر الليطاني وروافده فخزنت 220
مليون م3 في بحيرة الليطاني وكميات
اخرى في السدود المتفرعة منه كما تم الآن استخدام جزء من
هذه المياه لانتاج الطاقة الكهربائية
والري وحالت الأوضاع المالية
والامنية من استكمال مشاريعها الاخرى.
كما
قامت وزارة الطاقة من خلال الخطة العشرية (تتسع لـ 520
مليون م3) بتنفيذ جزء
ولو بسيط للاسباب التي ذكرت آنفا من عشرات السدود التي
خططت لها منذ
سنوات ويبقى الجزء الآخر رهن الموارد المالية والظروف
الاخرى المؤاتية.
اما استرجاع ما تسرب من حقوقنا المائية
خارج الحدود فإنه الموضوع المرتبط
بما يعود الى مياه نهري الحاصباني والوزاني حيث يبقى
لبنان حتى الآن الحلقة الاضعف في
السعي لاستعادة تلك الحقوق التي استولت عليها اسرائيل
منذ قيامها والمقدرة بصورة غير عادلة وفقا
للمشاريع الدولية التي وضعت
للمنطقة، وبخاصة من خلال مشروع جونستون الذي رفضته اسرائيل
واستبداله بمشروع المهندس
الاميركي »كوتون» الذي كان يعمل مستشارا للحكومة
الاسرائيلية.
وكان
الطبيعي بأن يكون اقل عدالة بالنسبة للبنان.
ان حقوق لبنان الدولية من مياه نهري
الحاصباني والوزاني قدرت بحوالى 255
مليون م3 سنويا (138 مليون م3 من المياه
السطحية و115 مليون م3 من المياه
الجوفية) اي بزيادة 60 مليون م3 سنويا عن مشروع جونستون
لتصبح بذلك كمية المياه المستعملة
في اسرائيل خارج الحدود الدولية وعلى مدى 30
سنة اي حوالى مليار وثمانمئة مليون متر
مكعب ويقتضي استرجاع الكمية
السنوية منها اضافة الى الكمية الإجمالية على امتداد
السنوات الثلاثين الماضية والمقدرة
بمليارات الدولارات.
هذه هي حقوقنا المائية الضائعة والمتسربة
الى اسرائيل من غير وجه حق.
فما هو السبيل الى استعادتها ليس فقط لأنه
واجب وطني مقدس بل لاننا بتنا على
ابواب انكشاف مائي يهددنا اذا ما تراجعت كميات المياه كما
هو متوقع في العالم وعلى النحو
الذي عرفناه منذ فترة في لبنان بأن نقع في المحظور
الذي يقودنا الى العطش والبحث عن بدائل
صعبة ومكلفة جدا لسد الحاجات
الملحة التي استحالت على العديد من الدول وهي تحلية مياه
البحر واستيراد المياه من الخارج
ونقل المياه المجلدة وذلك لعدم جدواها الإقتصادية وعدم
تلبيتها للطلب الذي سيكون متزايدا اكثر
فأكثر في المستقبل.
ويبقى السبيل الأوحد الذي لا بديل عنه هو
النضال بدون هوادة لاستعادة مياهنا
المسلوبة بدأ بالإستناء الى القانون الدولي عبر المفاوضات
مع المراجع والمنظمات الدولية
وصولا الى النضال العسكري عبر تعزيز المقاومة
ومدها بالدعم المعنوي والمادي.
فالاستيلاء على الحقوق واهمها واغلاها
المياه، هو كالإستيلاء على الأرض
والتاريخ ويستأهل بالتالي بذل اغلى المتوفر لدينا بما فيه
المهج والارواح.
لقد عجزنا حتى الآن من استعادة مياهنا
المسلوبة وهو حق من حقوقنا المشروعة
فحقنا في مياه نهري الحاصباني والوزاني
يعتبر في نظر القانون الدولي العام
امرا محسوما انطلاقا من معاهدة برشلونة سنة 1921، التي
وقعتها 46 دولة ومنها الحكومة
البريطانية سنة 1924 بالنيابة عن فلسطين، وهي
المعاهدة المتعلقة بالأنهر التي تمر في
اكثر من دولة وحيث يؤكد الاستاذان
القانونيان الدوليان الشهيران «اكشيولي» و«فوشيل» في
كتابيهما المتعلقين بالقانون
الدولي العام بأنه «يحق للبنان استعمال الحاصباني وتحرير
مجراه لحاجاته الزراعية والصناعية
والسكنية الى ان حسم هذا الحق مؤتمر
المواصلات والترانزيت في جنيف سنة 1923
فأوصى بأن يكون لكل دولة الحرية
في حدود القانون لتنفيذ جميع الأعمال والانشاءات للطاقة
المائية التي تراها مناسبة لها
على الانهر النابعة لديها وفي الجزء العابر لأراضيها
وذلك شرط الا يؤدي عملها الى تجفيف هذه
الانهر عندما يصب في اراضي الدول
المجاورة.
ولكن هل سبق لاسرائيل ان ابدت احترامها
للمعاهدات والقوانين الدولية
انطلاقا من كيانها المصطنع والجائر، وعبر تطبيق القرارات
الصادرة عن الأمم المتحدة بدءا
بالقرار رقم 194 المتعلق بعودة الفلسطينيين الى
بلادهم وصولا الى القرار رقم 1701 الذي لم
يمنعها من استباحة لبنان ارضا
وجوا وساحلا؟ من هنا وانطلاقا من
الاعتداءات التي توالت على الارض اللبنانية وصولا الى
العاصمة بيروت وكان اخرها حرب تموز 2006
حيث تمكنت المقاومة اللبنانية
متسلحة بإيمانها، وببسالتها، وعلو كفاءتها فلوت ذراع اعتى
واعظم جيش في منطقة الشرق الاوسط.
ومن هنا نفهم الاجماع على نص البيان
الوزاري بصيغته النهائية وعلى رسالة
فخامة الرئيس ميشال سليمان بوجوب «معانقة
الجيش لسلاح المقاومة الموجه الى
صدر العدو» لإزالة احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا
والجزء الشمالي من بلدة الغجر».
ولا
شك بأن الرسالة والبيان يتضمنان تحرير مياه الحاصباني
والوزاني التي حرم منها اللبنانيون على امتداد اكثر من
نصف قرن.
|