|
1
يصعب تحديد كلمة مقاومة خارج تحديدها
القاموسي تحديداً عاماً يشمل كل حالات استعمالها على
أختلافها وتعددها. لكننا نتجرأ ونقول إنه لن نكون بعيدين
كثيراً عن شمولية التحديد إذا ما قلنا إنها تعني ردة الفعل
الطبيعية التي يقوم بها جسم ما عندما يتعرض هذا الجسم لأمر
مفعول او مستحدث يوجد خللاً في حالته الطبيعية.
فالحالة الطبيعية لجسم الإنسان، على
سبيل المثال لا الحصر، هي أن يكون هذا الجسم سليماً معافى
تقوم فيه جميع أعضائه بوظائفها الطبيعية المعروفة أو
المفترضة لها. وعندما يتعرض الجسم لمرض او لحالة من
الحالات المرضية التي تؤثر او تلغي الحالة الإنسجامية فيه،
تنشأ فيه ردة فعل لمقاومة تلك الحالة الطارئة.
أما غرضنا في معرض معالجتنا للمقاومة
هنا، فهو المقاومات التي تنشأ في المجتمعات الإنسانية
تحديداً. إننا نميل بشدة الى مقارنة حالات المجتمعات
الإنسانية مع حالة الجسم الإنساني. فإذا كانت طبيعة الجسم
الإنساني ان يكون جسماً سليماً معافى ، تسوده حالة من
الإنسجام والتناغم والتناسق والإيقاع والنظام، فإن الطبيعة
المفترضة للمجتمعات الإنسانية هي أن يكون الإنسجام
والتناغم والتناسق والنظام في أساس وجودها، وفي أساس سلامة
هذا الوجود ونموه واستمراره وارتقائه.
المقاومة تنشأ في هذا
المجتمع أو ذاك من المجتمعات الإنسانية عندما يحصل أو
يطرأ خلل ما على حياة ذلك الممجتمع، مما يقطع أو يعطِّل أو
يلغي الحالة الطبيعية المفترضة له او يؤثر على انسجام تلك
الحياة وما يسودها من تناغم ظاهر. إن العناوين التي تحدث
تحتها المقاومة في مثل هذه الحالات هي كثيرة ومتنوعة
تتناسب مع كثرة وتنوع المشاكل التي يمكن ان تواجهها أو
تتعرض لها الجماعات الإنسانية.
إن المشاكل التي تعنينا في هذا السياق
هي تلك التي تنشأ عن طبيعة الذات الإنسانية وما تحفل به
تلك الذات من عوامل مختلفة ومتناقضة تتوزع بين مفاهيم
الخير ومفاهيم الشر. إن حدوث مثل هذه المشاكل في مجتمع ما
يعود الى اسباب تنشأ من داخل المجتمع المجتمع او لأسباب
من خارج المجتمع، كتعرض هذا المجتمع لتدخّلٍ او عدوان من
قبل مجتمع آخر.
إن نوع المقاومات التي تنشأ في مجتمع
ما تحدده طبيعة المشاكل الناشئة والأسباب التي أدت الى
نشوئها.
المقاومة تكون مقاومة داخلية عندما
تهتزّ حالة التناغم والإنسجام والتناسق والنظام في
المجتمع، فيتحرك جزء أو أجزاء من هذا المجتمع تحت شعارات
تصحيح الخلل وإعادة الأمور الى سيرها الطبيعي. مثل هذه
الأمر يحدث في مجتمع ما عندما يبرز فيه ما يعرِّض العدالة
أو الإنصاف أو المساواة أو الحرية أو غيرها من الشؤون
المنظِّمة لحياته الى خلل او اهتزازات او الى إنتفاء كلي،
حيث تحل مكانها حالة من الإجحاف أوالظلم أو التحيّزِ أو
التمييزِ أو التسلّط والقهر.
إن الإجحاف والتسلط والقهر والظلم قد
يكون مصدرها الأفراد (المستبدين، الطغاة، الدكتاتوريين)،
أو الحكومات، او تكون ناتجة عن محاولة تسلط شريحة من
المجتمع المعني على بقية شرائح ذلك المجمتع.
غالباً ما تكتسب مقاومة الظلم الناتج
عن فرد أو حكومة في مجتمع ما، عطف أو تأييد أو مشاركة
الغالبية العظمى من الناس في ذلك المجتمع.
أما عندما يكون الظلم ناتجاً عن تسلط
فئة من الشعب على بقية الفئات فيه، فهناك دائم خوف من خطر
تحوّل المقاومة في هذه الى نزاعات بين الفئات المختلفة
تضيع في خضمِّها مفاهيم العدالة والشرعية المزعومتين لها.
والمقاومة تنشأ لأسباب خارجية عندما
يتعرض مجتمع ما الى تدخّلِ او غزوِ أو اعتداء خارجي، مما
يدفع بالمجتمع او بعضه، الى مقاومة العدو ومحاولة رد الظلم
والإعتداء عنه.
إذا كان الحكم على عدالة المقاومات
الداخلية ومبرراتها في مجتمع ما غالباً ما يحتاج الى كثير
من الجهد والمعرفة لطبيعة المشاكل او العوامل التي أوصلت
إليها، فإن المقاومة التي تنشأ بسبب اعتداء خارجي تحمُلّ
شرعيتها وعدالتها في ذاتها ولا يجوز أو يصِحّ غير هذا
المنطق او غير هذا الفهم.
يقودنا هذا الكلام الى تناول المقاومات
التي توجد في مجمتعنا والبحث في طبيعتها وشرعيتها وعدالتها
والضرورة إليها والعوامل التي تساعدها على انتصارها او
فشلها. ولكن من هو مجتمعنا؟
إن الحاجة الى طرح هذا السؤال، وحقيقة
أننا لا نملك مفهوماً واحداً لهذا المجتمع، هو دليل صارخ
على أننا في مأزق كبير وورطة عميقة، ودليل قويّ على أن
حياتنا بعيدة عن الإنسجام والتناغم والتناسق والنظام، مما
يفسر الحالة الدائمة من النزاعات والمشاكل والتصارعات
والإصطدامات والتقاتل التي تغزو حياتنا منذ امد طويل.
لقد نشأنا ندرس عن تاريخ شعبنا وسجل
نزاعاته الداخلية وسجل الإعتداءات الخارجية عليه، وكنا في
الوقت نفسه نعيش هذه النزاعات والمشاكل المستمرة في حيتنا
ابداً ونذوق طعمها المر، وها نحن بعد مرور عقود علينا نورث
النزاعات والمشاكل عينها الى أولادنا وأحفادنا.
قد تتغير العناوين التي تنشأ تحتها
النزاعات والمشاكل عندنا، لكن طبيعتها ما زالت هي هي.
إن مسألة الهوية وإختلاف الناس عليها
وعلى مفهومها، هي من أهم الأسباب التي تنتج المشاكل عندنا
وهي من أهم الأسباب التي تفقدنا القدرة والمناعة على حل
مشاكلنا بصورة جذرية قاطعة.
لقد أدرك أنطون سعاده أهمية هذه
المسألة منذ أكثر من ثمانية عقود، لذلك عمل على حلها
ومعالجتها بصورة لا تقبل التأويل أو الدحض أو التسفيه او
المكابرة سوى من الذين اعتادوا على زرع رؤوسهم في الرمال
او الذين لا يعرفون طريقاً لمواجهة المشاكل سوى زرع الرؤوس
في الرمال.
في لبنان يسود الإختلاف بيننا حول ما
إذا كنا لبنانيين أو سوريين أو عرباً، أو إذا ما كنا
دروزاً أو مسيحيين أو شيعة أو سنة، او إذا ما يجب أن ننغمس
في إنتماءات طائفية أو مذهبية أو عائلية أو عشائرية او
اثنية او ما غير ذلك من العصبيات الجزئية القاتلة!
وما يسود شعبنا في فلسطين والأردن
والشام والعراق لا يختلف عما هو سائد في لبنان، حيث ينتج
عن هذا كله دمارٌ كبير يقطع شرايين حياتنا ويغرق شعبنا في
التخلف والمآسي والبؤس.
إذا كان هناك من اختلاف في مشهد
الصراعات والنزاعات والمقاومات في المرحلة الحاضرة من حياة
شعبنا عن غيرها من المراحل التي سبقت من تاريخه، فهناك
أمران يمكن تمييزهم بصورة واضحة:
الأمر الأول، هو طبيعة الإعتداءات
الخارجية علينا وحجمها وخطورتها على وجودنا وحياتنا
ومستقبلنا. أما الثاني، فهو بروز مقاومة من نوعٍ جديد غير
مسبوق عندنا من قبل، تصحّ أن تكون النمط الذي يجب أن يعمم
على شعبنا كله.
إن خطورة الإعتداءات الخارجية التي
مورست وتمارس ضدنا اليوم، لا تنبع من اغتصاب المعتدين او
احتلالهم لأجزاء واسعة من ارضنا وإخضاع شعبنا في هذه
الأجزاء لتسلطهم وساديتهم وإرادتهم، ولا من حجم وطبيعة
وإمكانات القوى المعتدية علينا، وهي لا تنحصر في سرقة هذه
القوى لموارد سشعبنا وثرواته، بل أن الخطورة، كل الخطورة،
تتمثل في إصرار هذه القوى على محو شخصيتنا الثقافية
والحضارية وإحلال ثقافة الأضاليل والأكاذيب اليهودية
محلها، بحيث تضيع شخصيتنا ضياعاً كاملاً فيسهل على الأعداء
اخضاع إرادتنا الى زمن طويل.
لقد أدرك سعاده مبكراً حجم الأخطار
الخارجية التي تهدد حياة شعبنا، لذلك بادر الى وضع مشروعه
النهضوي ووضع له أسسه القوية المتينة وخطته النظامية
المعاكسة لخطط الأعداء والقادرة أن تقود شعبنا الى الذود
عن نفسه ودحر الطامعين والمعتدين.
ولم يفت سعاده حجم الأمراض الداخلية
التي تفتك بشعبنا وما يمكن أن يخلقه ذلك الواقع من صعاب
وعراقيل في وجه مشروعه النهضوي الثوري، لكنه راهن على
إصالة شعبنا التي يشهد عليها تاريخه المليء بالإنجازات
الحضارية العظيمة، فكان واثقاً أن شعبه لا بد أن يستفيق من
غيبوبة فرضت عليه.
إذا كان الشك قد غزا قلوب ونفوس وعقول
غالبية الذين آمنوا بعقيدة سعاده وبخطة سعاده ومشروعه بين
الحين والآخر، وفي أوقات من الضعف والإرتباك والمعاناة،
فإن سعاده نفسه كان واثقاً كل الثقة من النجاح والإنتصار،
وكان متأكداً أنه لا بد أن ينشأ عندنا جيل تكون إرادته هي
القضاء وهي القدر.
لقد شهد مجتمعنا على مدى تاريخه مثل
جميع هذه المقاومات بغض النظر عن نجاحها او فشلها.
في تاريخنا الحديث نسمع عن تحركات او
مقاومات أو ثورات على امتداد الكيانات السورية ضد المحتلين
الفرنسين والبريطانيين. وفي تاريخنا القريب شاهدنا
المقاومة الفلسطينية التي تمركزت بصورة رئيسية في الأردن
ثم في لبنان بعد أن وجه النظام الأردني لها ضربةً حاقدة
وقاسية، الحادثة التي يشار إليها ب"أيلول الأسود".
في تاريخنا الأقرب، وعندما اجتاح العدو
الإسرائيلي لبنان، كانت ردة فعل الأفراد الذين عندهم شعور
قومي أصيل ولا يهن عليهم إصابتهم بكرامتهم القومية، أنهم
تصدوا لهذا العدو بمبادرات فردية في كثير من الأوقات وبجهد
مجموعات صغيرة في بعضها، وبصورة منظمة في بعض الأحيان.
يجدر الإشارة أنه كان بين أولئك المقاومين من جميع
الإنتماءات السياسية القومية واليسارية.
لقد كانت المشكلة الأساسية لتلك
المقاومة أنها كانت مقاومة غير منظمة، فكانت أكثر عملياتها
بدون فائدة تذكر، لكنه حصل بعض العمليات النوعية التي جعلت
العدو الإسرائيلي يعيد حساباته اللوجستية ويعيد تنظيم
تحركاته وطريقة أنتشاره. لكن تلك المقاومة على ما كان
فيها من عدم تنظيم وأخطاء، أجبرت العدو على الإنسحاب من
منطقتي الشوف وعاليه.
لكن المقاومة التي ارساها حزب الله في
لبنان، كانت مقاومة مختلفة جداً بسلوكها ومنهجيتها
وتنظيمها وأستعداداتها وجديتها واستراتيجيتها وصمودها، وهي
تحتاج الى بحث ودراسة في العمق، من أجل التوصل الى إظهار
عناصرها
الأساسية وإكتشاف اسباب قوتها وتماسكها
ومناعتها.
إذا كانت بطولات الأفراد في جميع
المقاومات التي أفرزها شعبنا على مدى تاريخه، بصورة خاصة
تاريخه الحديث والقريب، تدل على إصالته وشموخه وعزه، فإن
المقاومة التي يتمتع بها حزب الله اليوم ما هي إلاّ دليل
قاطع على عظمة القوة الكامنه في شعبنا، هذه القوة التي
أدركها سعاده بمعرفته وثاقب نظره، وهي تعبير عن المخزون
الحضاري لهذا الشعب.
إن المقاومة التي توصل إليها حزب الله
الآن، هي نموذج رائع يجب أن يكون يحتذى من قبل كل شعبنا
على مدى الوطن.
كم من الإنجازات يمكن لنا أن نحقق، وكم
من الإنتصارات يمكن لنا أن ننتصر، لو أن شعبنا، في لبنان
وعلى امتداد سوريه الطبيعية، بل لو ان الشعوب العربية
كلها، أخذت هذا النمط من المقاومة وحوّلتها الى ثقافة حياة
لها؟
إن حاجة هذه المقاومة-الظاهرة الى بحث
ودراسة مختصتين، لا يمنعنا من التجرؤ على الإشارة بإيجاز
الى ما ميزاتها ومكوِّناتها الأساسية، حسب اعتقادنا.
إن عناصر القوة الأساسية التي نلاحظها
في مقاومة حزب الله، هي التالية:
-
التماسك الروحي والنفسي والأخلاقي بين أعضاء الحزب.
-
إخلاص جميع أعضاء الحزب أفراداً ومجموعات وقيادات
لأهدافه وقضيته المعلنة.
-
وجود قيادة فذة، فاهمة، ومدركة، ومخلصة، ووفية،
وفاعلة، وساهرة، قادرة على فهم الاحداث واستباقها
والتخطيط والتحضير لجميع احتمالاتها.
-
الثقة العالية بين أفراد الحزب، على جميع المستويات،
وإنتفاء كل ما يزعزع هذه الثقة في داخله.
-
إدراك الحزب وفهمه لكل لإحتياجات المقاومة
الإستراتيجية التي يمكن التعويل عليها والإطمئنان الى
فاعليتها ونتائجها.
-
توصل الحزب بعض مرحلة من النمو الى التركيز على أهدافه
الأساسية المعلنة وعدم الإنجرار الى أهداف جانبية.
-
الاستنفار النفسي والمادي الدائمين وعدم السماح
بالمفاجاءات.
إن انتصارات حزب الله على العدو
الإسرائيل، حيث كان صموده الأسطوري في وجه العدوان البربري
في تموز 2006 أهمها على الإطلاق، هو تأكيد على أن هذه
المقاومة هي ضرورية لنا، وهو تأكيد على أن هذه المقاومة
وجدت لتبقى. يخطيء من يعتقد غير ذلك، مهما كانت الأسباب
التي يسوقها في اعتفاده هذا!
لكن المقاومة الإسلامية، على عظمة
انتصاراتها، وعلى عظمة كل اسباب القوة التي تتمتع بها،
تبقى مجرد نموذجاً يجب أن يحتذى به، ويبقى تأثيرها
محدوداً، وتبقى مهددةً دائماً، إذا لم يعمل على إلغاء
نقيضها وتحويلها الى مقاومة شاملة.
فما هو نقيض هذه المقاومة وما هي
المقاومة الشاملة؟ هذا ما سنحاول الإيجابة عنه في الحلقة
القادمة.
الحلقة
الثانية والخيرة
لا يمكن لأية مقاومة أن
تحقق انتصارها الإستراتيجي الكامل إلاّ إذا تحولت الى
مقاومة شاملة. لا نعني بالمقاومة الشاملة هنا بأن تكون
هذه المقاومة شاملة جميع أفراد الشعب وفئاته فحسب، بل بأن
تكون مقاومة لجميع ما يعرقل نموها أو يبقيها محدودة في
نطاقٍ مرسومِ سلفاً، فتبقى مهما كبرت متشرنقةً في نطاقِ
ضيق، فيكون سقف نموها محدوداً بحجم وحدود الشرنقة نفسها.
فالمقاومة التي لا تستطيع أن تنمو باستمرار وتكبر وتصبح
أكثر مناعة وقوة هي مقاومة محكومة بالإنحلال ثم الإضمحلال.
ما تقدمنا به من كلام
عام في المقاومة، يجب إلا يأخذنا بعيداً عن غاية هذا
الكلام الأساسية وهي موضوع المقاومة الإسلامية في لبنان.
لقد استطعنا أن نميز أن
هذه المقاومة هي فريدة في النموذج الذي خلقته من نفسها
وروعة هذا النموذج وفعاليته وتأثيره وبعد نتائجه. وهي
بذلك قد نجحت في تحقيق ما فشل غيرها من تحقيقه وأنجزت ما
عجز غيرها من إنجازه.
إذا كان لا يمكن لنا
مقارنةَ مقاومة حزب الله وما توفر لها من بيئة مهمة تنمو
فيها وما توفر لها من إمكانات ومصادر تسليح وتمويل، مع
مقاومات الأحزاب العلمانية التي كانت موجودة قبل ظهور
مقاومة حزب الله ومرافقة لها لسنوات عدة، فإن مقارنة هذه
المقاومة مع المقاومة الفلسطينية هو أمر جائز ومقبول، مع
عدم إهمالنا لبعض الإختلاف في البيئات الحاضنة لكل منهما.
فالمقاومة الفلسطينية
لم يكن ينقصها التأييد الشعبي ولم يكن تنقصها البيئة
الحاضنة. وهي كذلك لم تنقصها الإمكانات ولا مصادر التمويل
والتسليح، لكنها بالرغم من كل ذلك، فشلت في الوصول الى
المستوى الذي يسمح لها بالأستمرار والنمو والصمود
والإنتصار. إن إعلاناً من هذا النوع يحتاج حكماً الي
شرحٍ وتقديمِ للبراهين وكل ما يدعم مصداقيته. لكن هذا
الأمر يحتاج الى بحث طويل لسنا بوارد القيام به وليس هناك
من ضرورة له لتوضيح الرأي الذي نريد إعلانه وشرحه هنا.
لقد نجحت مقاومة حزب
الله في الموضع الذي فشل فيه غيرها بسبب ما تقدم ذكره من
أسباب عناصر القوة الأساسية فيها، وهي ما افتقدت مثلها
المقاومة الفلسطينية وافتقدت مثلها الأحزاب العلمانية
والوطنية العاملة في لبنان.
في هذا المجال نلاحظ،
أن هناك أخصام داخليون كثيرون لمقاومة حزب الله، لكن هؤلاء
الأخصام لم ينشأوا نتيجة لتحرش حزب الله بهم أو إثارتهم أو
الإعتداء عليهم، بل هم نشأوا لإعتبارات سياسية واعتبارات
مذهبية غير مبررة، وإختلافِ في الرؤية ولمخاوف متنوعة
ومتعددة، كما لأسباب أخرى خارجية واضحة لكل متابع لمجرى
الأحداث.
يجدر الإشارة الى أن
تحت طبقة الإتهامات وإثارة المخاوف المذهبية ضد حزب الله،
بقي هذا الحزب يتمتع بتأييد شعبيٍ واسع ضمن جميع الطوائف
في لبنان. إن هذا التأييد لحزب الله، لم يكن منحة من أحد،
بل أن هذا التأييد كسبه حزب الله نتيجة لجهوده وعمله وروعة
آدائه للمهمات التي تنطّحَ إليها.
إن نجاح حزب الله في
التحالف مع التيار العوني وتعزيز هذا التحالف بترسيخ ثقة
متبادلة بينهما، لهو دليل قوي على تفهّم حزب الله للواقع
اللبناني وتكيفه مع هذا الواقع، كما يدل على فهم التيار
العوني ووعيه لأهمية الدور الذي يؤديه حزب الله وضرورة
تنمية هذا الدور وترسيخ، والوصول الى اعتباره نوعاً من
الضرورة الوطنية أو القومية.
كما إن كلام الجنرال
ميشال عون في المجلس النيابي يعكس مستوى الإدراك الحاصل من
قبل شريحة واسعة من المسيحيين في لبنان لدور المقاومة
وحاجة لبنان إلى مثل هذه المقاومة، وهو امر لم يكن موجوداً
من قبل بين السياسيين المسيحيين الكلاسيكيين. وهذا إن دلّ
ايضاً على شيء، فإنه يدل على أن تعميم مثل هذين الإدراك
والفهم على جميع فئات الشعب اللبناني ليس بالأمر الصعب،
إذا ما توفر الإخلاص وتوفر الوضوح في الرؤية كما هو حاصل
مع الجنرال ميشال عون والتيار الحر.
لسنا بحاجة كي نعلن أن
المذهبية هي نقيض أساسي للمقاومة، ذلك أن حزب الله قد
سبقنا الى إدراك مثل هذه الحقيقة، فجاء آداءه آداءً واعياً
بعيداً عن المذهبية، وقد بذل على هذا الصعيد جهداً عالياً
بالرغم من كل المحاولات التي استهدفت جرّه الى مستنقعات
المذهبية.
بعض المغرضين وبعض
أصحاب الضحالة والبساطة في التفكير، يعلنون أن السابع من
أيار هو خرق لهذه القاعدة، لكن الحقيقة أن تحرّك السابع من
أياراً كان عملاً ضرورياً لمواجهة المؤامرة الحاصلة. لقد
كانت عملية جراحية ضرورية لإستئصال مرض المؤامرة السرطاني
ومنعه من التمدد وإماتت الجسم.
غير أن بقاء المقاومة
محصورة في حزب الله، هو ايضاً امر يضِرّ بالمقاومة ولا
يساعد على نموها وإزدياد فعاليتها. هذا بالإضافة أنه من
غير الجائز والمعقول والمفيد للدفاع عن الوطن، أن تبقى
مسؤولية المقاومة فيه محصورة بأبناء طائفة واحدة، بينما
يبقى أبناء الطوائف الأخرى يتفرجون ويراقبون من بعيد.
لكن شمول المقاومة جميع
أبناء شعبنا في لبنان، ليس مسؤولية حزب الله ولا تعود الى
حزب الله مسألة تقريرها. إن هذه المسألة هي مسألة الدولة
اللبنانية.
الدولة اللبنانية لا
تكون دولة إذا لم تستطع أن تحمي ارضها وتدافع عن كرامتها
وتذود عن حياض وطنها. الدولة التي تستجدي الدول الأخرى من
أجل حمايتها والتي لا تمتلك سوى البكاء وتقديم الشكاوى الى
مجلس الأمن كلما حصل عليها إعتداء، ليست دولة ولا يحق لها
أن تكون دولة، وهي لا تمثل الشعب بشيء. إن الدولة تكون
دولة عندما يكون قرارها بيدها وتكون قادرة علىقيادة في كل
مجالات الحياة، بصورة خاصة في عملية الدفاع عن وطنه والذود
عن كرامته عند تعرضه لإعتداء خارجي.
إن شعبنا في لبنان
بحاجة الى دولة بكل ما للكلمة من معنى، دولة تكون المقاومة
خياراً واضحاً لها لا لبس فيه، ولا يكون هناك فيها، من
يقول الشيء ويضمر عكسه ويعمل على تحقيق ما يضمر وليس على
تحقيق ما يقول. فالمقاومة ليست كلاماً يقال، بل هي عمل
وتحضير وتوفير لكل حاجات المقاومة وأسبابها ومتطلباتها.
لا تنحصر حاجات
المقاومة في توفير مقاتلين مدربين على أحدث فنون القتال
ولهم إرادة القتال وإرادة الصمود في القتال وتزويدهم
بالسلاح المناسب التي تستطيع الدولة ان توفره، بل هي تتعدى
ذلك الى خلق الشعب المقاتل. الشعب لا يكون شعباً مقاتلاً
إذا كان يعاني من الإنقسامات الطائفية والمذهبية
والإجتماعية والطبقية ويسيطر عليه وضع من عدم التساوي في
الحقوق والواجبات، ويعاني من عدالة إنتقائية تراعي
الأقوياء وتستهدف الضعفاء. إن شعباً حالته مثل هذه الحالة
لا يمكن أن يكون شعباً مقاتلاً أو يصبح شعباً مقاتلاً.
لقد برهن اللبنانيون
بمختلف طوائفهم وفئاتهم وأحزابهم، وعبر الحروب الأهلية
وغير الأهلية التي خاضوها تحت مختلف الشعارات، أنهم شعب
مقاتل لا يهابون الموت إذا ما أوجدوا له العناوين أو
الشعارات التي التي تثير حماستهم أو تلهب مشاعرهم أو توقظ
غرائزهم وأحقادهم فتدفعهم للقبول بالتضحية بالغالي والنفيس
من أجل صيانة تلك العناوين او تحقيق هذه الشعارات. فإذا
كانت هذه حالة شعب من هذا النوع، فماذا يمنع هذا الشعب من
خلق مقاومة له تكون على قياسه كله وعلى قياس الوطن كله،
عناوينها الدفاع عن الأرض والكرامة والعزة والشرف
الوطني؟ لماذا لا يكون هناك شعور واحد عند اللبنانيين
جميعاً، مثلاً، عندما تخرق أجواء لبنان، ولا يرون ذلك
نيلاً من كرامتهم وعزتهم الوطنيين؟ هل تستطيع طائرة
عسكرية لبنانية خرق أجواء فلسطين حيث يقوم الإغتصاب
اليهودي، ام أن اليهود سيعملون على إسقاط هذه الطائرة
دفاعاً عن إغتصابهم ودفاعاً عن الكرامة التي يقيمونها لذلك
الإغتصاب؟ لماذا يكون للمغتصبين شعور بالكرامة ويكون لهم
كرامة واحدة بينما لا يكون لأصحاب الحق كرامة ولا تكون هذه
الكرامة واحدة عندهم جميعاً؟
لماذا يمكن أن تزدهر في
لبنان المقاومات الطائفية أو المذهبية ولا يكون لنا مقاومة
وطنية باسم كل اللبنانيين ويشترك فيها اللبنانيون كلهم؟
لماذا يستميت "أهل السنة" من اللبنانيين في الدفاع عن
زواريب بيروت أو صيدا أو طرابلس، ويهبّ الدروز في الدفاع
عن "كرامة الطائفة" في عالية والشوف، ويبقى المسيحيون
متيقظين كي لا تتعرض "مناطقهم" لسؤ، ويبني "أهل الشيعة"
مقاومتهم التي تتحصن في الطائفة الشيعية والمناطق التي
يسكنها ابناء هذه الطائفة؟
إن اللبنانيين اليوم هم
أمام حالة فريدة من نوعها وأمام فرصة لا تتكرر دائماً، وهي
وجود مقاومة فذة ونمط مقاومة عظيم ومميز، أثبت جدارته
وفعاليته في الدفاع عن الأرض وعن الكرامة، فإما ان يتخذوا
من هذه المقاومة نقطة لبناء مقاومتهم الوطنية الشاملة،
وإما أن يخسروا هذه الفرصة ويدخلون في مجهول السياسات
الدولية وخططها ومفاجآتها وإفرازاتها.
صحيح أن المقاومة
الإسلامية قد انطلقت في المذهب الشيعي وتمركزت فيه، لكنّ
هذه المقاومة قد نعمت بقيادة وطنية، ورفعت شعارات وطنية،
وكانت أعمالها وطنية، وإنجازاتها وطنية بإمتياز.
كيف يمكن أن يتبادر
لذهن أي لبناني ضرورة إنهاء هذه المقاومة وإنهاء دورها؟
أي عاقل يمكن أن يصل الى هذا النوع من التفكير؟
لماذا لا يتركز تفكير
جميع اللبنانيين حول ضرورة تطوير هذه المقاومة وإخراجها من
دائرة هويتها المذهبية وتحويل هذه الهوية الى هوية وطنية؟
هل إن نشؤ مثل هذا
التفكير ممكن عند جيمع اللبنانيين؟
إن التوصل الى مثل هذا
التفكير الجامع عند اللبنانيين، ليس ممكناً فحسب، بل انه
من السهولة بمكان في حال تعاملهم مع الواقع بصورة عقلية
ومنطقية وتخليهم عن أحلامهم الجزئية الناشئة عن الحالات
الطائفية او المذهبية أو الطبقية أو الإجتماعية، والإرتقاء
الى الحالة الوطنية المدركة لمفهوم الوطن الصحيح ومفهوم
المواطنية الصحيحة وإداركهم للأخطار الحقيقية التي تتهدد
حياتهم.
ما هي الأخطار الحقيقية
التي تهدد حياة اللبنانيين؟ هنا يمكن أن نتكلم عن خطرين
إثنين:
المشلكة الأساسية
بالنسبة للخطر الأول، أن اللبنانيين لا ينظرون الى هذا
الخطر بعين واحدة ومفهوم واحد. ففي الوقت الذي يدرك بعض
اللبنانيين طبيعة المخطط الصهيوني الذي لم يكن نجاحه في
إغتصاب فلسطين الاّ خطوة على طريق إغتصاب أكبر وأشمل،
يقتنع بعض آخر أنه يمكن التعايش بسلام وطمأنينة مع هذا
الإغتصاب وإمكانية تعامل الدولة اللبنانية مع دولة
الإغتصاب تعامل الند للند!
إن الخطر الخارجي لا
يقاس بشيء أمام الخطر الداخلي. ذلك أنه يمكن مقاومة الخطر
الخارجي بسهولة إذا كان هناك تصميم عند اللبنانيين على
مقاومتهم. وما نجاح اللبنانيين في طرد العدو الإسرائيل من
أرضهم على أثر إجتياحه للبنان عام 1982، والصمود الأسطوري
والإنتصارات النوعية التي حققها اللبنانيون عام 2000 وعام
2006، سوى أمثلة حية على قدرة اللبنانيين على صيانة
مصالحهم إذا ما توفرت عندهم إرادة الصمود والقتال. يجب أن
لا ننسى هنا، ان هذه الإنتصارات قد تحققت بالرغم من وجود
حالات الإنقسامات المختلفة بين اللبنانيين. فإذا كان
اللبنانيون قادرين على تحقيق ما حققوه وهم منقسمين، فماذا
يمكن أن يحققوا في حالة وجود إرادة واحدة لهم؟
إن الإنقسامات المذهبية
بين اللبنانيين هي الخطر الأساسي الذي يهدد حياتهم، وهو
كفيل إذا ما استمر في تدمير هذه الحياة ورميها في
المجهول. إنه لمن المستغرب جداً أن تنشأ عند اللبنانيين
مخاوف واحدة في طبيعتها ولكن متغيرة في عناوينها. في
السبعنيات كان "المسيحيون" يخافون "الفلسطينيين" والمقاومة
الفلسطينية، وكانوا يخافون الطوائف الإسلامية عامة، بصورة
خاصة الدروز والسنة. وقد كان المسيحيون يعتقدون أن
المقاومة الفلسطينية هي مقاومة سنية، وكان السنة يتعاملون
مع المقاومة الفلسطينية على أساس أنها مقاومة سنية. ولقد
كان الشعور الشيعي أيضاً هو أن المقاومة الفلسطينية هي
مقاومة سنية. لقد نتجت عن ذلك كله حرب أهلية توِّجت
بالإجتياح الإسرائيلي للبنان وكلفت اللبنانيين
والفلسطينيين مئتي الف قتيل وخراب الإقتصاد اللبناني بصورة
مريعة.
مقارنة مع السبعينات
نرى انه ما زالت المخاوف المذهبية قوية وفاعلة، ولكن بدل
أن يكون خوف "المسيحيين" هو من خوف من الدروز وخوف من
السنة، تبدّل هذا الخوف فأصبح خوفاً من الشيعة، وكذلك لم
يعد "الدروز" يخافون من المسيحيين ويحقدون عليهم، بل تبدّل
هذا الخوف وهذا الحقد الى خوف من الشيعة وحقد عليهم.
وكذلك يبادل الطوائفيون الشيعة الدروز والسنة أحقاداً
مشابهة. أم "الشارع السني" فقد اصبحت عنده مقاومة الشيعة
أم أهم من مقاومة العدو الإسرائيلي.
لا يمكن للبنانيين ان
يصلحوا حياتهم وأن يبنوا هذه الحياة وأن يصونوا مصالحهم
إذا استمروا بممارسة سياسة النعامة بغرز رؤوسهم في
الرمال. المذهبية هي الخطر الأساسي عليهم، واي معالجة
للشأن اللبناني يجب أن ينطلق من هذا الأمر. فالمذهبية
يمكن أن تطيح بكل شيء في لبنان، حتى في مقاومته التي أثبتت
جدارتها وأهليتها في وجه العدو الصهيوني.
كيف يمكن للبنانيين أن
يتخطوا المذهبية؟
لا علاقة للمذاهب
بالدين والإيمان الديني! فإذا كان مصدر الدين هو الله،
فإن مصدر المذاهب هو الإنسان، فمن نُغلِّب على الآخر: الله
ام الإنسان؟ إن الخلافات المذهبية المحمدية لا يجب ان
تتخطى حدود ما يقوم به الفرد في ممارسته لإيمانه الديني،
سواءً في البيت أو العمل أو الجامع، وهذا ينطبق أيضاً على
المذاهب الميسحية.
لا يجب أن يفهم الدين
على أنه أكثر من علاقة بين الفرد وخالقه! الدين هو دين
ولا يمكن أن يكون دولة! إن مفهوم أن الدين هو دولة هو
مفهوم يتناقض مع جوهر الدين، ويتناقض مع جوهر العصر، وهو
مرفوض كلياً في عالمٍ اصبح من التقدم والتعقيد والإرتقاء
والمعرفة والمنافسة الشديدة على مصادر الثروة ومصادر
الحياة على درجة عالية، تهدد حياة المتخلفين عن العصر
ومفاهيمه، وتنصر أولئك الذين يتعايشون من العصر بمعرفة
وإداركٍ عاليين.
ثم إن استمرار الأحقاد
المذهبية في لبنان وغير لبنان، وتطلع المذاهب الى إنشاء
دولها المذهبية يعطي اليهود كامل الحق وكامل الشرعية في
إغتصابهم لأرض فلسطين. عندما يكون الصراع صراعاً مذهبياً،
فإن اليهود هم مذهب وهم دين، فيكون اغتصابهم لأرضاً مبرراً
بقوة منطق الصراع المذهبي.
من العبث أن نأمل في
بناء مستقبل أجيال شعبنا القادمة في ظلِّ الصراعات
المذهبية. إن بقاء الصراعات المذهبية هو حكم مسبق بالموت
على تلك الأجيال.
الأن، كيف يمكن
للبنانيين أن يبنوا حياتهم وان ينشئوا مجتمعهم المقاوم
القادر على ردع الأطماع الخارجية عنهم؟
الجواب بسيط وواضح، هو
أن يصلوا الى العمل بإيمان وطني واحد وإرادة وطنية واحدة!
إن مثل هذه الإرادة
يمكن أن تنشأ عند اللبنانيين إذا توصلوا الى قناعة بمفاهيم
واحدة. ما هي هذه المفاهيم؟
-
لبنان هو لجميع اللبنانيين.
-
لبنان الشعب والوطن هو جزء من الهلال
السوري الخصيب.
-
الكيان اللبناني – لبنان الدولة، هو
كيان فرضته ظروف مختلفة هو يستمر بإرادة أبنائه ويرفض
رفضاً باتاً تغيير هذه الإرادة بأي نوع من انواع القوة
المادية.
-
إن التعاون السياسي والإقتصادي
والإجتماعي والعسكري بين الكيان اللبناني والكيانات
السورية الأخرى هو أمر ضروري وجوهري، لكن الوحدة
السياسية لا يمكن أن تكون واردة قبل نضوج ظروفها
الإجتماعية والثقافية نضوجاً كاملاً.
-
لا يمكن أن يكون لبنان خارج الصراع ضد
الإغتصاب الصهيوني لفلسطين، لكن لبنان لا يمكن ان
يتحمل وحده أعباء هذا الصراع، ولا يعقل أن يستمر وحده
في تحمل مثل هذه الأعباء.
-
إن الدفاع عن لبنان هو مسؤولية الشعب
في لبنان كله، وان اللبنانيين لا يمكن أن يعتمدوا في
الدفاع عن لبنان على الحماية الدولية لهم.
-
إن الإعتماد على الحماية الأجنبية
للبنان، لا يمكن أن يحصل دون المساس بكرامة اللبنانيين
وعلى حساب دورهم ومسؤوليتهم تجاه الكيانات الاخرى.
-
إن إنشاء جيش قوي ومقاومة قوية هو في
صلب الحفاظ على الوطن والمصالح والكرامة الوطنيين.
-
إن لا يكون هناك مبادأة في أعمال حربية
أو أعمال تقود الى حرب مع العدو الإسرائيلي من قبل
لبنان واحترام لبنان لهدنة 1948.
-
أن لا يقبل لبنان في استمرار الخروقات
الإسرائيلية لأجوائه ومياهه واراضيه، وان يكون مستعداً
للمبادرة الى الرد بالطرق المناسبة في حال حصول مثل
هذه الإعتداءات.
-
إن لبنان لن يبادر ولن يقبل بتوقيع
معاهدة سلام منفردٍ مع العدو الإسرائيلي.
-
أن تكون حرية التعبير في لبنان مضمونة
كلياً، وان يحترم اللبنانيون حقوق بعضهم بعضاً في
التعبير عن آرائهم وعقائدهم دون اعتبار ذلك خرقاً
لواجبات المواطنية ومسؤولياتها.
-
أن يكون الحوار هو اللغة السائدة بين
اللبنانيين.
-
أن ينشأ في لبنان نظام إنتخابي يعتمد
على الأحزاب وبرامجها السياسية وليس على السياسيين
الافراد والمقاييس التي يعتمدونها في سياستهم.
-
أن يعمل على إنشاء دولة المواطن التي
ينتفي فيها الفساد والتسلط والمحسوبيات والرشوات.
-
ان تنشأ في لبنان دولة المساواة
والعدالة بكل مضامينها الإجتماعية والقضائية ويكون
فيها مفهوم الدولة-الخادمة للمواطن مفهوما أساسياً
لها.
إذا
استطاع اللبنانيون التوصل الى القناعة بالمفاهيم الواردة
أعلاه، فإننا لا نرى سبباً لعدم اتفاقهم وشروعهم في بناء
دولتهم القوية. إن تعميم المقاومة في لبنان هي مسؤولية كل
اللبنانيين. وهي حتما ليست مسؤولية حزب الله وحده. لقد
طرح الجنرال عون أفكاراً تصلح لرسم خطة عملية لتعميم مثل
هذه المقاومة. أما مطالبة حزب الله بإدخال عناصر غير
العناصر الشيعية التي يعمل هو على تنشأتها هو أمر غير
منطقي. إن سرية تحركات حزب الله وأعماله، هي من أهم ما
مكن هذا الحزب من الصمود والإنتصار الرائعين في مواجتهم
للإعتداءات الصهيونية.
إن بناء مقاومة عسكرية
تشمل جميع اللبنانيين بغض النظر عن إنتماءاتهم الحزبية او
الطوائف التي جاءوا منها، مسألة يمكن للجيش اللبناني أن
يتولها، ولا أرى سبباً يمنع الجيش اللبناني تدريب الشباب
اللبناني الذي يرغب في ان يكون مقاوماً في حالات
الإعتداءات والحرب على لبنان، على الأسلحة التي يستعملها
حزب الله نفسه بالإضافة على الأسلحة التي يستعملها الجيش
نفسه.
تبقى كلمة أخيرة هنا
بالنسبة الى المشكلة اليهودية في فلسطين. إن بقاء دولة
اليهود في فلسطين، سيبقي الكيانات السورية كلها في دائرة
الخطر، حتى ولو قام "سلام" بين جميع هذه الكيانات ودولة
الإغتصاب. إن خطر الإنفجارات الأمنية وخطر الحرب وعدم
الإستقرار سيبقى ماثلاً ابداً فوق رؤوس المغتصبين ورؤوس
شعبنا.
أمام هذا الواقع، ما هو
الحل الإنساني الذي يمكن أن نقدمه ويكون كفيلاً بإزالة هذه
المشكلة من اساسها؟
طبعاً، لا يمكن لنا
التفكير برمي اليهود في البحر حتى ولو كان بإمكاننا رميهم
في البحر!
إن الحل الإنساني
لمشكلة وجود اليهود في فلسطين الذي يمكن لنا ان نواجه فيه
العالم، هو الحل الذي قدمه أنطون سعاده. هذا الحل يكون في
بناء الدولة القومية الإجتماعية التي وحدها تستطيع أن
تعتني باليهود في فلسطين وتفهم حاجاتهم الى الامن
والأستقرار، وتفسح لهم ممارسة حياتهم بدون شعور بالإضطهاد
والخطر. الدولة القومية الإجتماعية وحدها القادرة على
تقدم مثل هذا الحل الإنساني المتقدم. إن أي خطة أخرى
لمعالجة هذه المسألة لن تؤدي سوى الى مزيد من الدمار
والنكبات.
إن محاربة الدولة
اليهودية على اساس مذهبي او ديني قد يؤدي الى تدمير الدولة
اليهودية، ولكن هذا ايضاً سيكون سبباً في تدمير حياة شعبنا
ايضاً، ليس بسبب الأخطار الخارجية او ردات فعلها، بل بسبب
ما يمكن أن ينتج بين شعبنا من إقتتال وصراعات.
قمة الصفحة |