لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 

من يتحمل مسؤولية  العار الناتج عن إقامة علاقات دبلوماسية بين بيروت ودمشق

بقلم منير حيدر (17/8/2008)

 

صدر عن المباحثات التي أجراها الرئيسان السوري (الشامي) بشار الأسد والرئيس اللبناني ميشال سليمان بيان تضمن، من جملة ما تضمّن، النقاط التالية:

  • إقامة علاقات دبلوماسية بين الكيان الشامي والكيان اللبناني على مستوى السفراء.

  • إستئناف أعمال اللجنة المشتركة لتحديد وترسيم الحدود بين الكيانين.

  • العمل المشترك من أجل ضبط الحدود ومكافحة التهريب.

  • تفعيل وتكثيف أعمال اللجنة المشتركة المتعلقة بالمفقودين من الطرفين.

·        مراجعة الاتفاقيات الثنائية القائمة بين البلدين بصورة موضوعية ووفق قناعات مشتركة بما ينسجم مع التطورات الحاصلة في العلاقات بين البلدين ويستجيب لمصلحة الشعبين.

وقد جاءت ردات فعل السياسيين اللبنانيين على مختلف صورهم وأشكالهم ومرجعياتهم ومرابطهم وإنشداداتهم وجهالاتهم، متراوحة بين المرحِّب بهذا الإنجاز ترحيباً كاملاً، والمرَحِّب به مرفقاً مع تحذير من ان هذا لا يعني أن السوريين (الشاميين) يمكن أن يخطر على بالهم أن يحوِّلوا سفارتهم الموعودة في بيروت الى "عنجر" أخرى. 

كذلك كان هناك ردات فعل دولية مرحبة بالإتفاق ومعتبرة إياه بدايةً جيدةً  لتطبيع العلاقات بين "السوريين" واللبنانيين!

الآن يستطيع السيئان الذكر، البريطاني مارك سايكس والفرنسي جورج فرنسوا بيكو، ان يرقصا، بل أن يطيرا، في قبريهما فرحاً، ذلك أن الإتفاق المشؤوم الذي عقداه بينهما عام 1915 كانت له نتائج تفوق بكثيرٍ ما كانا يرغبان من تحقيقه، بل أنهما لم يكن باستطاعتهما حتى أن يحلما بمثل النتائج التي حصلت له.

عندما وضع هذان السيدان الممقوتان إتفاقهما، كانا واثقين من أنه يمكن لبلديهما أن يحتلا الأرض السورية ويسيطران عليها، ويقتسماها بينهما، ويمكن لهما أن يخمدا أية حركة وطنية ضدهما.  لكن ما لم يكن بإمكان  مارك سايكس وجورج بيكو أن يحلما به إطلاقاً، هو أن يأتي يومٌ، لا تصبح فيه الأرض مجزئة ومقطعة الأوصال ومغتصبة ومسلوبة فحسب، بل أن نفوس اصحاب الأرض قد أغتصبت هي الأخرى وغرقت في جحيم الجهل والتفرقة والأحقاد واللامسؤولية والذل والعار والخنوع والخضوع للإرادات الخارجية بصورة كاملة.  لم يخطر على بالَي هذين السيدين الشريرين أن يتحوّل إتفاقهما إلى رقية او لعنة تفعل فعلها في نفوس الناس، فيصبح هؤلاء الناس عبيداً أبَدِيين لهما، ينفذان إرادتهما جيلاً بعد جيل.

أي جنونٍ هذا، أي عارِ هذا، أي ذلٍ هذا، ان نصل إلى زمن يصبح فيه ابن بيروت بحاجة الى "تطبيع" مع ابن دمشق؟

من سمح لشعبنا ان يصل الى استعمال لغة في التعامل مع بعضه بعضاً هي نفسها اللغة التي فُرِضَ عليه التعامل بها مع الأعداء.

لقد كان منطق الحق، ومنطق مصالحنا الحياتية، ومنطق وجودنا ومستقبلنا، ومنطق كرامتنا وشرفنا وعزتنا، أن نحارب المغتصبين والسالبين ونطردهم من أرضنا، فما هو الذي اوصلنا ان نستعمل بدل مفردات المقاومة والحرب والجهاد والنضال، مفردات الممانعة والتطبيع والسلام العادل والشامل وكل ما يوجد في قواميس الذل والعار وفقدان الكرامة؟

من هو الذي اوصلنا الى إستعمال هذه المفردات عينها في التعامل بين بعضنا بعضاَ؟

كيف يمكن أن تصبح هذه المفردات عينها هي التي تحكم العلاقات  بين شعبنا في لبنان وفي الشام؟

من الذي اوصلنا الى هذه الحال؟

من هو المسؤول عن كل ذلك؟

كيف يمكن لنا في غضون ثلاث وثلاثون سنة أن نتخلى عن مفرداتٍ تعبِّرُ عن أحلامنا باستعادة حقوقنا وكرامتنا وعزنا ونستبدلها بمفردات غريبة، دخيلة، تعبِّر عن الجهالة والذُلِّ والأحقاد والكراهية والإستسلام؟

لم يكن يمكن لأحد حتى أن يحلّمَ في استعمال مثل هذه المفردات في السبعينات، فكيف أصبح بالإمكان أن يتسابق الأفراد الى استعمالها، دون خجلٍ، أو استحياء، أو وجلٍ، أو خوفٍ، ودون أن يندى لهم جبين؟

من هم أولئك الذين أوجدوا مشاكل سيادة، ومشاكل تهريب، ومشاكل مخطوفين ومفقودين، ومشاكل قناعات غير مشتركة، الى ما هنالك من مشاكل وشؤون؟

من الأكيد أن مسؤولية ذلك لا تقع على أفراد في الشام أو أفرادٍ في لبنان، بل تقع على مجمل النظامين في لبنان وفي الشام!

إن مسؤولية ذلك لا تقع بالتأكيد على شخص الرئيس بشار الأسد ولا على شخص الرئيس ميشال سليمان.  فالرئيس ميشال سليمان إنما يسير بمفعول ما هو قائم وحاصل، ولم يكن له يدُ في إقامته أو حصوله.

أما الرئيس بشار الأيد فعد استلم تركةً ثقيلةً جداً، والتاريخ سيجل له فشله في إصلاح أخطاء تلك المرحلة وغرقه في متاهاتها، أو سيجل له جرأته وجدارته ونجاحه في تجاوز أخطاء تلك المرحلة وشقِّ طريق بناء جديدٍ لشبعنا في الشام ومساعدةِ بناء حياةٍ جديدة لشبعنا في لبنان.

عندما اوصلت الجهالة والأحقاد والضغائن والتجاوزات والتعديات، الأوضاع في لبنان الى الإنفجار عام 1975، لم نرّ بداً لوقف ذلك الجنون وذلك الإقتتال العبثي، من ضرورة لجوئنا واعتمادنا على جيشنا القومي في الشام ليقوم بتلك المهمة الحيوية والمطلوبة. 

لقد كنا نعتقد بصدق، أن دخول الجيش الشامي الى لبنان، سيحقق عدة نتائج وإنجازات تاريخية مهمة، وسيشكِّل أيضاً فرصة تاريخية نادرة في تاريخ شعبنا، يرسم فيه طريق مستقبلنا من جديد.  لقد دافعنا شخصياً بقوة عن ذلك الإعتقاد ودفعنا ثمنه خطفاً وساديةً مورست علينا.

كان اعتقادنا أنه سيكون النظام الشامي مؤهلاً وقادراً على انتشال اللبنانيين من محنتهم بين بعضهم بعضاَ، فيساعدهم على استعادة حياتهم بصورة طبيعية، ويدخل الطمأنينة الى قلوبهم جميعاً، ويكفل بصورة مطلقة أمنهم وسلامتهم، ويشجعهم على الحوار بين بعضهم بعضاً، ويتعاون معهم لبناء دولة الكيان بناءً صحيحاً، فيسود النظام وحكم العدالة والقانون.  كما اعتقدنا، أن النظام الشامي سيكون قادراً على الأخذ بيد الفلسطينيين، فيدلهم على أخطائهم، ويشجعهم ويساعدهم على تأسيس مقاومةٍ، فعالةٍ، يحتضنها جميع اللبنانيين ولا يكون هناك اي سبب لأن يمقتها أو يكرهها أي لبناني.

لقد ظننا أن النظام في الشام هو من والوعي والمقدرة والإخلاص والفهم ما يجعله أن يكون مؤهلاً للعب ذلك الدور الذي كنا نعتقد ان له قدرة على القيام به.  لم تكن قناعتنا بذلك الأمر تنطلق من فراغ، بل كانت تستند الى ما كنا نسمعه ونشهده من كلام ومواقف يصدر عن المسؤولين في الشام.  ولم نكن نملك الحق في عدم تصديق ما كنا نسمع ونشهد، إذ أن "الحركة التشرينية" كانت في بداية سنواتها الأولى، فلم نسمع أو نشهد لها من تجارب يمكن أن يزعزع حسن ظننا بها.  إلى جانب ذلك كنا نرى عبثية الحركة الوطنية وانتهازيتها ووصولية أحزابها والغايات الخصوصية للفاعلين في تلك الأحزاب، كما كنا نرى خطورة التجاوزات "الفلسطينية" وأخطاءهم التي لم يكن لها علاقة بموضوع مقاومة اليهود في الأرض المغتصبة.

كان وقف الإقتتال بين اللبنانيين إنجازاً مهماً للجيش الشامي، اتخذناه منطلقاً لمزيد من القناعة بالدور الذي كان مفترضاَ ان يقوم به.  لكن حماستنا لم تطل كثيراً، إذ سرعان ما بدأت تطفو على سطح المهمة التي يقوم بها،  أمور ومسائل وأعمال صارت تدخل الشك الى نفوسنا وتزعزع الثقة التي وضعناه به.

لقد تبين لنا، بالتجربة والمشاهدة والمعايشة والإحتكاك المباشر، أن ثقتنا في أهلية النظام الشامي في حلِّ مشاكل غيره، كانت في غير محلها وكانت بعيدة كثيراً عن الدقة والصواب.  إذ لا يمكن لفاقد الشيء ان يعطيه، كما ردد أمامي أحد الرفقاء المتألمين.

إذا كان النظام في الشام قد استطاع أن يتجاوز المواجهات والخطط والمؤامرات الخارجية ويصمد امامها، فإنه لم ينجح في أن يُطَوِّر ذلك الصمود ليصبح صموداً قومياً، شاملاً لكل الشعب، فئات وافراداً، ويحوله الى قوة رادعة مقررة.

بعد مضي أكثر من خمس وثلاثين سنة على الحركة التصحيحية في الشام، لم يستطع البعثيون من تحقيق أي إصلاح يذكر على صعيد بناء الإنسان وبناء الدولة.  فما هو معنى الدولة إذا لم تكن دولة حقوق وواجبات ومسؤوليات وعدلٍ وعدالةٍ ومساواةٍ؟  ماذا تعني الدولة إذا لم تكن فيها حرية التعبير مصانة ومضمونة؟ 

ونحن لا يهمنا كثيراً أن نتساءل عن ديمقراطية الدولة، في أي معنى مطلق لها، بل نحن حريصون على التساؤل عن ديمقراطية الحزب الذي يحكم الدولة، ونتساءل أي نوع من الديمقراطية هي تلك التي لا تنتج إلاّ مسؤولين من عائلة واحدة او طائفة واحدة، واي دولة يمكن ان تكون تلك الدولة؟

لقد فشل حزب البعث في الشام قبل ان يفشل النظام الشامي في لبنان.   أما فشله في لبنان فهو فشل ذريع، هائل، مرعب، مدمر، سيعاني شعبنا من نتائجه الى زمن طويل.

لو كان النظام الشامي مؤهلاً للقيام بالدور الذين ظننا ان بإمكانه القيام به، لكان مفهوم الوحدة القومية يَعِمّ كل شعبنا في لبنان والشام وفلسطين والأردن والعراق اليوم، وكان شكلاً تطوراً نوعياً لحياة شعبنا، ومنع عنه كل الكوارث والإنهزامات المصاحبة أو اللاحقة.

عوضاً ان نرى مثل ذلك النجاح، راينا ان الدمار النفسي، أن الإنقسام النفسي بين ما هو لبناني وما هو شامي، وبين ما هو علوي، وبين ما هو سني، وبين ما هو شيعي، وبين ما هو درزي، وبين ما هو مسيحي، الى ما هنالك من عصبيات قاتلة، تصل الى مستوى خطير، لم يكن بمقدور الإسرائيليين، حسب تعبير احدهم، أن يحققوها مهما بذلوا من مال أو مهما قاموا بجهود.

إن المفردات التي وصل شعبنا في لبنان والشام الى استعمالها اليوم، إنما هي حصيلة المرحلة الأمنية الشامية في لبنان، وهي مسؤولية النظام الشامي تحديداً.

إن التحدي الذيث يواجه الرئيس بشار الأسد اليوم، يتمثل في قدرته على معالجة هذا الميراث الثقيل جداً، وقدرته على تجديد حزب البعث وتطوير مؤسساته، وبناء اسس الديمقراطية الصحيحة خطوة خطوة، وضمان حرية التعبير بحدود المصلحة القومية الحقيقية لا مصلحة النظام والأفراد، والسير على تحويل دولة الكيان الشامي الى دولة علمانية، ووضع قوانين تحمي المرأة والطفل وتلغي قوانين البداوة المعتمدة اللاإنسانية. هذا، بالتأكيد، الى جانب صموده في وجه العدو الصهيوني ومن يقف وراءه من قوى خارجية.

شعبنا بحاجة الى بطل ينقذه من العار الذي يقع فيه، فمن ممكن أن يكون هذا البطل؟