|
القضية والحزب هما نقطة
الإرتكاز لتفكيرنا ومحوره منذ أن وعينا وجودهما، وتعرفنا
عليهما، وادركنا قيمتهما وأهميتهما في حياة شعبنا
ومستقبله.
القضية هنا هي تحديداً
القضية السورية القومية الإجتماعية، اي قضية الشعب السوري
وحياته ونهضته وحقه في أرضه ووطنه وسيادته عليهما.
أما الحزب فهو الحزب
الذي أسسه سعاده ليحمل هذه القضية ويسير بها ويصارع من أجل
تحقيقها وانتصارها.
خمسون عاماً لاحقاً،
والقضية والحزب ما زالا يشغلان تفكيرنا، ويملكان أحاسيسنا
ومشاعرنا، ويبيتان في مضاجعنا، ويأخذان منّا الجهد والوقت.
خلال إنشغالنا الطويل
في مجال القضية والحزب، توصلنا إلى إدارك حقيقة أساسية،
بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها ومعناها ودلالاتها. هذه
الحقيقة هي تحديداً، ترابط القضية والحزب ترابطاً عضوياً،
يجعل من وجود واحدهما دليلاً على وجود الآخر، ويجعل من موت
واحدهما دليلاً على موت الآخر. فهما مترابطان في الحياة
وفي المصير.
بدون القضية، ليس هناك
حزب ولا معنى لوجود الحزب. وبدون حزب يحمل أعباء القضية
ويعمل لها، ويضيء مشعلها، ويكتوي بنارها، تبقى القضية
افكاراً ومباديء في صفحات الإهمال وسجلاّت التاريخ.
بدون الحزب تصبح القضية
يتيمةً، منسيةً، كامنةً ربما في حفنة من النفوس والعقول
المؤمنة بها، والمخلصة لها، بإنتظار جيل جديدٍ، قد يأتي
أو لا يأتي، مؤهّلٍ لإعادة بعثها من جديد، وبناء حركة
قادرة على حملها والنضال من أجلها والسير بها نحو التحقيق
والنصر.
من المهم في هذا المجال
إدارك أهمية التمييز بين القضية وموضوعها. فإذا كان موضوع
القضية هو الشعب السوري ووحدته وحقه في أرضه ووطنه، فإن
القضية هي مجموعة الأسس والمباديء والأهداف والغاية التي
تحدد حقيقة الشعب وحقيقة الوطن، وترسي قواعد العمل
الصحيحة من أجلهما.
إن القضية هي ما هي
لأنها تحدّدت وتوضحت بمبادرة إرادية واعية، يحركها العقل،
وتنيرها المعرفة، ويحرض عليها الإدراك للواقع بكل حقائقه
الإجتماعية-الإقتصادية-الجغرافية-التاريخية، ويثيرها توقُ
الى حياة كريمة عزيزة، عادلة، تليق بالناس وتضمن لهم
مستقبلاً راقياً، آمناً، مضموناً.
فإذا كانت القضية
تكوّنت بعامل الوعي والمعرفة والإدراك لحقائقها، فإنها
تبقى مرتبطاً إرتباطاً أساسياً، جوهرياً، مصيرياً بعامل
الوعي والمعرفة والإدراك لهذه الحقائق. فالقضية هي كذلك
للذين وعوا وعرفوا وأدركوا هذه الحقائق، أما الذين لم يعوا
ولم يعرفوا ولم يدركوا هذه الحقائق، أو الذي لا يريدون أن
يعوا أو يعرفوا أو يدركوا هذه الحقائق، فالقضية لا تعني
لهم أي شيء.
أصحاب القضية هم الذين
وعوها وأمنوا بها، لذلك هم المسؤولون عنها وعن العمل
والنضال والصراع من أجلها، وهم المطالبون تجاهها، وهم
الذين يتحملون نتائج العمل والنضال.
أما خارج نطاق هذا
الوعي وهذه المعرفة وهذا الإدارك، يبقى الناس غارقين في
المسائل والقضايا التي نشأوا واعتادوا عليها، وهم يستهلكون
جهودهم وأعمالهم في سبيلها، لذلك هم مطالبون ومسؤولون عن
مسائلهم وقضاياهم فحسب، ولا يمكن التعويل عليهم في مسألة
القضية الناشئة بفعل الوعي والمعرفة والإدراك.
المسؤولية عن القضية
مرتبطة بمسألة وعينا ومعرفتنا وإدراكنا لها. فالمسؤولية
في هذا السياق، هي نسبية قبل أي شيء.
لا يغير من هذا الواقع
أن القضية هي قضية صحيحة ومحقة ومترابطه ومتماسكة ومتكاملة
وضرورية لحياة الشعب ومستقبله، فمسؤوليتها هي أولاً
وأخيراً تقع على الذين اختاروا ان يكونوا اصحابها،
والعاملين من أجلها، والمصارعين في سبيلها.
من هنا فإن القضية
مرتبطة بمسألة العمل لها، والصراع من أجلها حتى التحقيق
والنصر. فإذا كانت القضية قضية صحيحة وقضية محقة، وهي
كذلك، يصبح العمل لها والصراع من أجلها مقياساً لمصداقية
أصحابها وجدرارتهم وأهليتهم للمهمة التي تنطحوا لها
واختاروها بملء إرادتهم.
القضية بدون عمل هي
مجرد أفكارٍ في صفحات ساكنة. فالعمل وحده يحوِّل الأفكار
والمباديء الى قضية.
لقد كررنا مراراً ان
العمل مقياسه الإنتاج. بدون انتاج، يكون العمل مجرد ضجيجٍ
وثرثرةٍ ومظاهر فارغة، ودليلاً على عدم جدارة الضاجين
والمثرثرين والمتظاهرين، وطعناً في مصدافيتهم ونزاهتهم
وأخلاصهم للقضية التي يدّعون الإيمان بها والعمل لها.
أما الإنتاج فقيمته
وفاعليته وتأثيره، أن يكون إنتاجاً متنوعاً تنوّع حاجات
القضية وحاجات الصراع من أجلها. فإذا لم يشمل الإنتاج
جميع ضروريات الصراع النفسية والمادية، يبقى هذا الصراع
متخلفاً، عاجزاً، فتصبح معه القضية مجرد احلام يقظة
وتمنيات وأوهام.
الإنتاج وحده يعطي
القضية معناها الحقيقي، وهو وحده يفرضها على ارض الواقع،
وهو وحده يمكِّنها من التحقيق والإنتصار.
إذا كان العمل والصراع
من اجل القضية هما ما يعطيان للقضية معناها الحقيقي، فإن
الحزب هو المسؤول أولاً وأخيراً عن هذا العمل وهذا
الصراع.
فالحزب في مفهومه
القومي الإجتماعي، هو الخطة-العمل-الجهد الذي يحتضن القضية
ويحملها ويسير بها نحو التحقيق والإنتصار. فإذا لم يكن
الحزب كذلك، فمعناه أن القضية لا وجود لها، وهي مهددة من
الذين يدّعون الإيمان بها، قبل أن تكون مهددة من خصومها
وأعدائها.
لقد أدرك سعاده خطورة
القضية التي اسس لها وخطورة مشروعه القومي الإجتماعي، لذلك
كان لا بد أن يؤسس للخطة-العمل-الجهد القادرة على حمل هذه
القضية والسير بها نحو التحقيق والإنتصار. لذلك، هو كان
يدرك تماماً الطبيعة المنشودة للحزب الذي سعى الى تأسيسه
لحمل هذه القضية.
لقد صرّحنا سابقاً، أن
الحزب السوري القومي الإجتماعي كما أراده سعاده، هو قبل أي
شيء حزب الموقف القومي الإجتماعي وهو حزب إدارة القضية
القومية الإجتماعية.
إننا نشك كثيراً أن
يكون هناك كثيرون من الذين قرأوا هذا التعريف قد توقفوا
عنده وادركوا أهميته.
أن الموقف القومي هو
الحد الأدنى من المسؤولية التي تقع على الحزب. أما القدرة
على إدارة القضية القومية، فمعناها أن الحزب في موقع من
القوة التي تمكنه من توجيه الأحداث المتعلقة بقضيتنا في
اتجاه مصلحة هذه القضية، وأنه رقم صعب لا يمكن تجاوزه او
تخطيه في كل ما يتعلق بمصالح هذه القضية. هذا يعني أن
الحزب هو في قلب الصراع، وأنه هو الذي يخلق الصراع ويديره.
هذا هو الحزب الذي
أراده سعاده، وهذا هو الحزب الذي عمل على تأسيسه سعاده،
وهذا هو الحزب الذي استشهد من أجله سعاده. لكن مثل هذا
الحزب، لم يوجد إلاّ مع سعاده وبشخصه، إذ لم يستطع معظم
الذين اقبلوا على دعوة سعاده وتعاقدوا معه، الى الإرتقاء
الى مستوى العمل والمسؤولية التي ألقاه عليها ذلك التعاقد.
فبينما أراد سعاداً
حزباً على حجم القضية القومية، وحجم الأهمية والخطورة التي
تمثلها هذه القضية، نتجرأ ونقول، إن جميع معاونيه ومعظم
المتعاقدين معه، كانوا يريدون حزباً على أحجام محدودية
قدراتهم، وضيق آفاقهم ومداركهم، وما كان لهم من طموحات
ومصالح ذاتية.
إن الحقيقة المرة هي أن
سعاده أمضى كل لحظة من حياته في سبيل أجل إيجاد مثل هذا
الحزب، شرحاً، وتثقيفاً، وتعليماً، وإعداداً، وإدارةً،
ومواجهاتٍ، وقدوةً، لكنه بالرغم من كل ذلك، بقي مريدوه
والمقبلون الى دعوته عاجزين من الإرتفاع الى مستوى الفهم
والإدراك والمسؤولية التي يفترضها مثل هذا الحزب.
لقد بقي الحزب السوري
القومي الإجتماعي مشروعاً ينتظر جيلاً يفهم معناه على
حقيقته، فيحوله من تنظيمٍ ينفعلُ بالأحداث ويخضع لمعطياتها
وتأثيراتها وأحكامها ويعاني من نتائجها، الى حزب يعرف ما
يريد، ويعرف كيف يحقق ما يريد، ويعرف كيف يوجه الأحداث في
مصلحة أهدافه وغايته.
لقد بدأ الحزب يحتضر
منذ أن استشهد سعاده، وهو أنتهى اليوم الى أن يكون جثة لا
حياة فيها ولا قيمة لها.
من هنا تنبع مأساة
القضية السورية القومية الإجتماعية، فالحزب الذي كان يفترض
أن يكو حزبها قد مات، فتحولت الى تمنيات وأحلام وأوهام في
رؤوس القوميين الإجتماعيين على اختلاف أفهامهم ومداركهم
لهذه القضية.
قد يثير هذا الرأي
إستنكارَ المستنكرين، وغضبَ الجاهلين، وحماسةَ المراهقين،
لكن ذلك لا يلغي الحقيقة التي يعبر عنها هذا الرأي، والتي
بنيناها بعد تجربة واسعة، وأطلاع عميق، وتأمل في تاريخ
الحزب ونهضته.
إننا ندرك تماماً، أن
مصدر الإستنكار والغضب والحماسة، هو أن هناك جهل عام
لحقيقة الحزب الذي أراده سعاده، الحزب القادر فعلياً
وعملياً، وليس بالحماسة والعواطف والأوهام والإدعاء، على
حملِ القضية القومية والإنتصار بها.
لم نكن ندركُ مثل هذه
الحقيقة عندما كنا في حالة مثل حالة المستنكرين أو
الجاهلين أو المراهقين، ذلك أننا كنا خاضعين لأوهام مثل
أوهامهم، وجهل مثل جهلهم، وحماسة مثل حماستهم، ولم تكن
عندنا المعرفة التي تسمح لنا برؤية الأشياء على حقيقتها.
فالمعرفة لا تولد مع الأشخاص، وهي لا تهبط عليهم من
السماء، بل تتكون عندهم نتيجة جهودٍ كبيرة ومستمرة،
يبذلونها في الإطلاع والبحث والتجربة.
إن غياب الحزب الحامل
للقضية القومية الإجتماعية، يعني أن موضوع هذه القضية،
خاضع لواقع الأمور ومجريات الأحداث.
إن موضوع القضية
القومية، الذي هو الشعب السوري ووحدة حياته ووطنه ومصالحه،
يقع اليوم تحت تأثيرات المفاهيم السائدة المجتمع - على
إختلافها، وتناقضاتها، وتصادماتها، وعلى ما فيها من تحقيرٍ
لعقول الناس،.وتعطيلٍ لتفكيرهم، وسوءٍ في توجهاتهم
وسلوكهم، وقتلٍ لنفوسهم وأرواحهم، ودمارٍ لحياتهم
ومستقبلهم -كما يخضع لأفعال تلك المفاهيم وسيطرتها.
لا يعوِّض على القضية
غيابها، أن هذه القوة أو تلك من قوى المجتمع الناشطة
والفاعلة قد نجحت في التعبير تعبيراً صحيحاً عن جانب من
جوانب موضوعها ومجالها، أو مسألة من مسائلها، أو معركة من
معاركها، ذلك هو أن تبقى في حدود الشهادة على الأسس التي
بنيت عليها القضية، وليس دليلاً على سلامتها وانتصارها.
فالقضية لا يمكن أن تنتصر بدون الأسس والمبادي التي قامت
عليها.
إن القضية لا تكون هي
القضية إذا لم تكن حاضرة بمباديئها، وأسسها، وتفاصليها،
وتكاملها، وأهدافها، وغايتها.
إن تحديد القضية
ووضوحها يظهران في ما بُنِيَت عليه من مباديء وأسسٍ، وما
وضع لها من أهداف وغاية.
بدون هذه الأسس
والمباديء والأهداف والغاية ليس هناك قضية.
لا يمكن أن يكون الحزبُ
حزبَ القضية إذا لم تكن هذه القضية في صلب خطته وعمله
وجهده ومواقفه وقراراته وتوجهاته وسلوكه ومناقبه وأخلاقه.
ولا يمكن أن يكون
الحزبُ حزبَ القضية إذا كان حزباً مقيداً في إرادته،
مطعوناً في أخلاقه ومناقبه، سيئاً في سلوكه وتصرفاته،
مرتهناً في توجهاته ومواقفه، ضحلاً في ثقافته ومعرفته
وتفكيره، وإذا كان مطيةً لأصحاب المطامع الشخصية وطالبي
الثروة والجاه والمراكز والوظائف على حساب المصلحة العامة
وحساب القضية ذاتها.
أن تدّعي جماعة أنها
تمثل القضية السورية القومية الإجتماعية وهي لا تملك من
إرادة التعبير عنها شيئاً، وهي لا تملك من أخلاقها
ومناقبها شيئاً، وهي لا تسلك السلوك التي تفرضه هذه
الأخلاق والمناقب، فإن إدعائها باطلاً، كاذباً، زائفاً،
يحمل في طياته عناصر التآمر على القضية برمتها.
إننا نشهد اليوم كثيراً
من الزيف، وكثيراً من التدجيل، وكثيراً من الكذب، وكثيراً
من الإدعاء، وكثيراً من الإستغلال، وكثيراً من الإنتهازية،
وكثيراً من تجارة الدماء، وكثيراً من البساطة في الفهم،
وكثيراً من الجهل، كما نشهد كثير من الشك والقرف والتشاؤم
والإستسلام.
إذا كنا لا نستطيع
شيئاً تجاه الشك والقرف والتشاؤم والإستسلام، فإننا بدون
شك، مصممون على وقف ما يحصل من موبقات باسم سعاده وقضيته. |