لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

 

بعد هالكبره جبه حمره!

بقلم جهاد الخازن (نقلاً عن جريدة الحياة 13/7/2008)

 

في أوائل السبعينات انضمت أختي الى أخوي في الولايات المتحدة لإكمال الدراسة الجامعية، وأصبحت والدتي تقضي معهم وقتاً أكثر مما تقضي معي في بيروت، فأنا وحدي مقابل ثلاثة، وأنا في بيت العائلة وسط الأهل والأصدقاء، أما هم ففي غربة.

واقترح أخي الأوسط بعد أن كثرت زيارات الوالدة أن يصدر لها جواز سفر أميركياً، فقد كان يحمل الجنسية الأميركية، وهكذا كان وبعد انجاز كل المعاملات ذهبت الى دائرة الهجرة والجنسية في وسط العاصمة واشنطن لتتسلم جواز سفرها الأميركي.

فوجئت الوالدة بأن جواز السفر يقول إنها ولدت عام 1922 في عكا، اسرائيل، وقالت للموظف انها ولدت في عكا، فلسطين، ورد أنه لا يوجد بلد اسمه فلسطين، وردت بدورها انها عندما ولدت لم يكن هناك بلد اسمه اسرائيل.

وعندما أصر الموظف على إبقاء اسم اسرائيل في جواز السفر اعادته اليه على رغم الحاح أخويي عليها أن تقبل، لأن إصدار تأشيرة اميركية على جواز سفرها اللبناني مشكلة دائمة. إلا أنها بقيت على موقفها وهي تقول ما معناه 'بعد هالكبرة جبّة حمره'.

موظف الهجرة أعجب بعناد السيدة العجوز الواقفة أمامه، وقال إنه سيأخذ لها موعداً مع رئيس الدائرة. وهي أعطيت موعداً بعد حوالى اسبوعين.

عادت والدتي الى دائرة الهجرة واجتمعت مع رئيس الدائرة الذي كان وضع أمامه كتباً وملاحظات، وهو بادرها الى القول: أنتِ محقّة يا سيدتي، أنتِ ولدت في عكا فلسطين، وهذا جواز سفرك الأميركي وعليه فلسطين كما تريدين.

نسيت هذه القصة لولا أن الزميل والصديق القديم سليم نصار ذكرني بها وهو يعزيني بوفاة الوالدة رحمها الله. وهي تقرأ ما أكتب أو ما أقول على التلفزيون، وتذكرني بأنني قلت قبل ذلك شيئاً آخر فأقول: «أنت أمي. مشّيها...'.

كنت اخترت ألا أشرك القراء في حزني عندما توفيت والدتي، وتلقيت رسائل تعزية كثيرة بعضها توقع مني أن أودع الوالدة بكلمات الرثاء والعاطفة، بدل أن أستمر في كتابة هذه الزاوية كأن شيئاً لم يكن.

الحزن ذاتي، وعند كل منا أسباب خاصة للحزن، فلا يحتاج الى حمل حزن الآخرين، وأكتب اليوم بعض الذكريات العائلية من دون حزن.

بقيت والدتي زوجة أقل من عشر سنوات وأرملة أكثر من 50 سنة، وترك لنا الوالد محاضرات وشعراً، وكانت هي تهتم بالأشياء الكهربائية والميكانيكية ووجدت ضالتها في عديلي، أي زوج أخت زوجتي، وكان مهندساً كهربائياً، فكانت تشترك معه في تصليح مكنسة كهربائية أو مدفئة أو محمصة الخبز.

ولعلنا من قلّة في الأسر العربية اختارت النساء فيها العلوم والرجال الآداب، فأختي الوحيدة تخرجت مهندسة زراعية، في حين أن اشقاءها الأربعة درسوا العلوم السياسية وما شابه ذلك.

وتساقطنا نحن الصبيان على مسيرة الثورة، فلا أذكر أن أحداً منا انضم الى حزب أو شارك في تظاهرة، أما البنت فكانت نشطة سياسياً، ورأست اتحاد الطلاب العرب في جامعتها في ميسوري، وبقيت نشطة عبر الزواج والأولاد وحتى اليوم، فأقول بثقة انه لا يمكن أن ننظم تظاهرة أمام السفارة الاسرائيلية في واشنطن، إلا وأختي بين المتظاهرين، غالباً مع ابنها الأصغر.

وَعدت أن أكتب ذكريات لا حزناً فأعترف بأن رجال العائلة كانوا دائماً من طلاب الحل السلمي. وبما أن الذكريات يجر أحدها الآخر، فعندي للقراء ذكرى أخيرة: ذهبت الوالدة وأختي وابن الاخت ذات يوم أحد للمشاركة في تظاهرة ضد السفارة الاسرائيلية، وكان دور الوالدة الحضور فقط بسبب سنّها، أما الأخت وابنها فكانا يشاركان في الهتاف، ورأى الولد ديبلوماسيين اسرائيليين في النوافذ يتبادلون الحديث والابتسام كأنهم لا يرون التظاهرة، فأخذ يصرخ فيهم: الله أكبر، الله أكبر، وعاد الجميع في النهاية الى البيت.

لم تمضِ ساعات حتى كان اثنان من رجال الشرطة، ولعلهما من «أف بي آي'، يزوران البيت، فقد عرفا العنوان من رقم السيارة، وسألا الصغير عن تصرفه، فقال انه طالب طب لا ينتمي الى أي حزب أو جمعية، وإنه أراد أن يغيظ الديبلوماسيين لأنهم لم يهتموا بالتظاهرة. وسجل الشرطيان كلام الصغير وخرجا، غير أن أحدهما عاد بعد ثوانٍ ووضع يده على كتف الولد وقال له: استمر. وكنت قبل ذلك بسنوات شاهداً على مثل هذا الموقف عندما وصلت وأستاذي وصديقي البروفسور هشام شرابي الى مطار واشنطن، وخرج هو من الجزء الخاص بالأميركيين وأنا من جزء 'آخرون'، ورأيته يبتسم مع أن كلوفيس مقصود أطلق عليه بسخرية لقب «البشوش» لأنه لا يضحك للرغيف السخن. وسألته ماذا حدث، فأشار الى موظف الهجرة الأسود الذي مر أمامه وقال إنه عندما رأى: يافا، فلسطين، على جواز سفره، قال له: إبقَ صامداً.

ســنبقى، فــلا خــيار ثانياً، وحتى لا تزعل الوالدة.

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
صفحة منوعات
البتراء مدينة من العجائب السبع
سركوزي عميل للموساد
زوجة الحريري الثالثة
إذا كنا جالي...فأين وطننا؟
أحقائق أم تشويش على النظام
صراع الحضارات
سامحوني: لم أكن أصلاً يهودية
قواد ابن  قواد
بعد هالكبره، جبه حمره!
القذافي: تاريخ من الهذيان
نفط العراق
حتى انت يا اوباما