|
ن
في حياتنا الاجتماعية، في الوطن وفي المغترب، ظاهرة
النزعة الفردية في تصرفاتنا الاجتماعية وافكارنا وميولنا،
وما يوجب الاهتمام الكبير لهذه الظاهرة هو انها تدخل في
جميع اسباب حياتنا الاجتماعية، العائلية والعمومية على حد
سواء، وهي مع الظاهرة الاخرى المصاحبة لها، اي ظاهرة
الاستهزاء والاستخفاف، في مقدمة الصعوبات التي تواجه
الحركة القومية في عمل التربية والتنظيم القوميين.
الفرد الذي يتعود ان لا يسمع رأياً غير
رأيه وان لا يشعر بالحاجة الى الإلفة والتفاهم لا يحترم
رأي احد، او لا يشعر انه مكلّف او مضطر للإصغاء الى رأي
غيره ولماذا يجب ان يحترم رأي غيره ويصغي اليه؟ ولماذا يجب
ان يتوهم ان هنالك رأياً فوق رأيه مبنيّاً على علم وخبرة
فوق علمه وخبرته؟
التصادم الفردي هو نتيجة هذه الظاهرة
الاجتماعية التي ترافق جميع أعمالنا العمومية التي تحتاج
الى تآلف عدد كبير من الافراد وتعاونهم في عمل مشترك. فكل
فرد يعد العمل كله دائرة واحدة يجول فيه تفكيره، ففكرة ان
العمل العام دوائر صغرى في كبرى وان كل فرد يجب ان يعمل
ضمن الدائرة التي يقع فيها اختصاصه وكفاءته هي فكرة جديدة
اوجدها التنظيم القومي الاجتماعي. ولذلك هي فكرة لا تزال
غير مفهومة الفهم اللازم، حتى اكثر القوميين الاجتماعيين
أنفسهم، بدون استثناء المتنورين منهم.
بعض الافراد تصل بهم النزعة الفردية الى حد
لا يرون عنده فارقاً بين الاختصاصي في فن من الفنون ومن لا
علم له به او بين المعلم والتلميذ والقائد والجندي او
الضابط الصغير. وتشتد هذه النزعة في من شعر بذكائه ونجاحه
في ناحية من النواحي او من ظهر بشكل من الاشكال في عالم
الادب وحمله ذلك على الاغترار بنفسه.
النزعة الفردية تقود حتماً الى عدم الشعور
بالمسؤولية. فكل من ارتبط بعهد اجتماعي سياسي لا يمنعه
عهده من اطلاق العنان لنزعته الفردية التي شب عليها. وفي
حالة حصول تصادم بين نزعته الفردية والنظام الذي تعهد له
فضّل نزعته على النظام غير عابئ بالاضرار التي تلحق
بالمجتمع من هذا التفكك.
صاحب النزعة الفردية يحسب كرامته الخاصة،
كما يراها هو، فوق كل الكرامات. وتدفعه شدة الاحساس
بكرامته الى سلوك مسلك الحدة دائماً والى حسبان كل حدة
معاكسة لحدته اهانة موجهة إليه لا يقبلها، بل يفضل ان يدير
ظهره لكل من لا يراعي احساسه بذاته، مهما كانت العواقب
وخيمة بشرط ان لا تكون وخامتها عليه.
ان الفوضى التي يتخبط فيها مجتمعنا خارج
الحركة القومية الاجتماعية لا تسمح بتثقيف النفوس وفاقاً
لمنهاج واحد، لأنه لا يوجد هناك مرجع تعليمي محترم كل
الاحترام، وموقر كل التوقير يقبل عليه الكبير والصغير
ويسلم لحكمه الرفيع والوضيع. كل واحد ينادي برأيه ويسفه
رأي غيره إلا اذا وافق هوى من نفسه او كان مؤيداً له.
ونادرون جداً هم الذين يتحفظون عند ابداء آرائهم، خصوصاً
حين يكونون تجاه من علمه فوق علمهم ومعرفته اوسع من
معرفتهم ونظرته اعمق من نظراتهم.
قد يخطر في بال بعض المتأملين غير
المتعمقين ان هذه الظاهرة هي جزء من طبيعة شعبنا لا يتغير
ولا يتبدل وكثيرون بنوا على هذا الاستنتاج المستعجل
تشاؤمهم ويأسهم من قيام قائمة شعبنا ولذلك لم يقبلوا ولم
يلبوا الدعوة القومية الاجتماعية. ولكن الحقيقة ليست كما
يتوهمون. فهذه الظاهرة هي نتيجة انحلال نظامنا الاجتماعي
السياسي وانحطاط مستوى ثقافتنا وتهذيبنا.
ان النزعة الفردية ليست طبيعة في السوري
وان تكن متفشية في ابناء الجيل الحاضر، لا فرق بين من تخرج
منهم من المدارس العليا والجامعات ومن تخرج من المدارس
الابتدائية او من لم يدخل مدرسة قط ولم يسلك مسلك العلم،
انها مرض طارئ يجب التغلب عليه. وطريق الشفاء هي الطريق
عينها لجميع الامراض:
1-
الاعتراف بوجود المرض
2-
قبول العلاج، حلواً او مراً
المصح الوحيد لهذا المرض، كما لغيره من
امراضنا الاجتماعية هو نظام الحزب السوري القومي
الاجتماعي، والمقبلون على هذا النظام يجب ان يضعوا نصب
اعينهم وجوب وضع قواهم تحت تصرف الادارة العليا لمكافحة
هذا الداء الوبيل في نفوسهم كما في نفوس رفقائهم، ولا
يقولن احد منهم "ان الداء في غيري وليس فيّ " فهذا القول
من اقوى الاعراض الدالة على وجود الداء في القائل. اما
الصحيح فالادارة القومية الاجتماعية لا تغفل عن صحته وهي
تعطيه براءة بها. ولكن الذي يعطي نفسه براءة شخصية ويستغني
بها عن براءة المنظمة القومية الاجتماعية فهو من الذين
يريدون الاعتراف بوجود المرض ولا يقبلون علاجاً.
انهم اصحاء لأنفسهم ولكنهم ليسوا اصحاء
للمجتمع.
يجب على القوميين الاجتماعيين ان يكافحوا
النزعة الفردية مكافحتهم الاحتلال الاجنبي، بل اشد، فخطر
الاحتلال الاجنبي من الخارج اما خطر النزعة الفردية على
سلامة المجتمع فمن الداخل.
ان النزعة الفردية مرض عام فينا وليس
الاعتراف بوجوده عاراً على احد ولكن العار في تركها تتمكن
من النفس وتقضي على مواهبها الجميلة وفوائدها الجليلة،
فهنالك رجال ذوو مواهب كبيرة تمنع مواهبهم هذه الآفة التي
لا يكد يسلم منها احد من ابناء الجيل الحاضر من شعبنا.
والتغلب عليها يبتدئ باعتماد قوة الارادة وصدق العزيمة.
ليست هذه الكلمة موجهة الى فرد معين. انها
موجهة الى كل فرد ذي وجدان حي وغيرة حقيقية على سلامة
مجتمعه ونهضة امته. |