|
القضية
السورية القومية الإجتماعية هي، كما أشرنا سابقاً، وحدة
الشعب السوري ووحدة مصالحه وسيادته على أرضه ووطنه.
غني عن القول
أن وحدة الشعب السوري ووحدة مصالحه تحمل معنى التكامل
والشمولية من حيث هي وحدة إجتماعية- نفسية – روحية –
إقتصادية - سياسية، يتساوى فيها جميع المواطنين في العدالة
والحقوق والواجبات.
وغني عن
القول أيضاً إن هذه الوحدة هي أساسية وضرورية لحياة الشعب
السوري ومستقبله وتقدمه، يبقى بدونها غارقاً في شتى أنواع
المصاعب والمشاكل والخلافات والتقهقر، ويبقى هدفاً سهلاً
لكل الأطماع الخارجية وما يرافقها أو يتبعها من إعتداءات
عليه وعلى ارضه وحقوقه ومصالحه وكرامته.
ثم غني عن
القول أيضاً وأيضاً، إن الوحدة السورية متولِّدة "من
تاريخ طويل يرجع الى ما قبل الزمن التاريخي الجلي"،
وإن هذه الوحدة تحتضنها بيئة طبيعية "ذات
حدود جغرافية تميزها عن سواها تمتد من جبال طوروس في
الشمال الغربي وجبال البختياري في الشمال الشرقي الى قناة
السويس والبحر الأحمر في الجنوب شاملة شبه جزيرة سيناء
وخليج العقبه، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة
قبرص، الى قوس الصحراء العربية وخليج العجم في الشرق".
هذه الوحدة
هي حقيقة تاريخية-جغرافيا يراها جميع المؤرخين والمفكرين
الذين ينظرون الى التاريخ بتجرد ومن خلال حقائقه وليس من
خلال تأثرهم بمشاعر شوفينية منحازة.
وهذه الوحدة
هي حقيقة رآها سعاده وآمن بها ووضع لها أسس تحقيقها
ونهوضها دون يأس أو كلل أو ملل، كما رآها المقبلون على
دعوته ومن المفترض ان يكونوا قد آمنوا بها ايضاً.
لكن مأساة
هذه الحقيقة – حقيقة وحدة الشعب السوري في ارضه ووطنه – أن
عدد الذين يرونها ويعترفون بها من أبناء الشعب السوري يشكل
نسبة ضئيلة جداً منه. ثم أن
ضعف هذه النسبة الضئيلة وهامشيتها وانعدام تأثيرها ليس في
قلة عددها، بل في سكونيتها وقدريتها وسطحية عملها.
صحيح أن "لا
الكثرة ولا القلة تقرر الحق
وتفرضه فرضا"،
كما يقول سعاده، وصحيح "إن مسألة
الحق ليست مسألة
عددية، بل مسألة إنسانية إجتماعية"، وصحيح
أن "الحق قد يبتديء
بفرد، وقد يبتديء بعدد قليل، ضئيل، وقد يبتديء بعدد كثير"،
كما يستطرد سعاده، لكن الصحيح أيضاً، كما يؤكِّد سعاده أن
"شرط الحق في الإنسانية، ليكون
حقاً، أن لا يعلن نفسه
ساعة ويختفي، وأن لا يختزنه العدد الفردي أو المجموعي في
نطاقه الخاص، فيفنى فيه - أن لا يكون حقاً عددياًـ
بل حقاً إجتماعياًـ لا ينفرد فيه الفرد ولا يستقل به
العدد، بل يمتد بالمجتمع بلا حدود، في المتحد نفسه في
تعاقب أجياله".
بين أن يكون الحق حقاً ساكناً، يكمن في فرد أو عدد من
الأفراد، وبين أن تكون الحقيقة حقيقة ساكنة، تكمن في كتاب
أو فرد أو مجموعة من الأفراد – وبين أن يكون الحق حقاً،
يسَلِّم به المتحد بكامله ويحوِّله الى جزءٍ متكاملٍ من
حياته وفاعلٍ فيها، وأن تكون الحقيقة حقيقةً، يراها المتحد
بكامله ويحياها بكامل مضامينها وقوتها، ويبني سلوكه
واتجاهاته على أساسها – يوجد فرق شاسع لا حدود له.
هذه هي المفارقة الكبرى والخطورة الشديدة التي تهدد القضية
القومية برمّتِها وتضع مستقبل الشعب السوري في مَهَبِّ
الرياح وتخضعه لتأثير وفعلِ منطق الأحداث الجارية.
غالبية الشعب السوري هي أبعد ما تكون عن الشعور بوحدة هذا
الشعب. الشعب السوري اليوم هو عبارة عن مجموعات متقوقعة
في خاصياتها وعقدها وأحلامها ومخاوفها وقلقها على
مستقبلها. إن كل مجموعة من هذه المجوعات لا تفتش عن
مصيرها وبناء مستقبل حياتها في الإنخراط في المجموع العام
والإتحاد المصيري معه، بل ان بعضها يبنى مصيره وكأنه لا
يوجد
غيرها في المجتمع، أما بعضها الآخر، أما بعضها الذي هو أقل
عدداً وقوة وتساوره مخاوف كبيرة وقلق عظيم على مستقبله،
فهو يستجدي الدعم الخارجي وينتظر الظروف المؤاتية من أجل
ترتيب وضعه وحمايته وضمان أمنه ومستقبل.
حقيقة واقع الشعب السوري اليوم، أنه شعب منقسم على نفسه،
بين مذهبياتٍ وإثنياتٍ، يمتلكها هوس في خاصيتها وذاتيتها،
فتجد نفسها بعيدة عن بعضها بعضاَ، لا يجمع بينها إلاً
التكاذب والأحقاد والكراهية، التي غالباً ما تنتظر الظروف
المؤاتية والملائمة حتى تطفو على سلوكها الظاهر، والتي
غالباً ما تنتهي الى التصادم والمواجهات.
حقيقة واقع الشعب السوري اليوم، أنه منقسم الى مجموعتين
كبيرتين هما "أهل السنة" و"أهل الشيعة"، حيث تتنافسان
وتتنازعان وتتسابقان على السيطرة على شؤونه ومقدراته، وحيث
تتوفر لهما مصادر الدعم المادي والمعنوي اللامحدودين.
أما باقي مجموعات الشعب السوري، من مسيحيين ودروز وعلويين
وشراكسة وأكراد وغيرهم من المجموعات المذهبية والإثنية
الصغيرة، فإنها تعيش قلقاً على المصير، فتحاول كلُ منها أن
تأخذ لها موقعاً في الصراع الدائر بين المذهبيين الشيعة
والمذهبيين السنة، او موقفاً منه.
إن "أهل السنة" و"أهل الشيعة" من شعبنا يعيشان عقدالماضي
وعقد التصارع المذهبي بينهما، كأن التاريخ بالنسبة لهما،
توقف وتجمّد عند اللحظة التي نشأا وإختلفا فيها.
إن الإستبداد المذهبي والتصارع المذهبي هما الطابع الذي
سيطر على حياة شعبنا منذ أن نشأت المذهبية السنية
والمذهبية الشيعية، مما أوقع بقية شعبنا في خانة أهل الذمة
أو خانة الأقليات التي تعاني سادية المذهبيين وتسلطهم
وقهرهم، فتجد لنفسها ملجأً في التقية والتستر والسرية
ومراعاة حكّام المذاهب وسلاطينهم.
إن حقيقة واقع الشعب السوري اليوم، هي أن الصراع
السني-الشيعي يطغى اليوم على غيره من صراعات شعبنا
المصيرية، حتى أنه يكاد يحوِّل صراع شعبنا مع الصهاينة،
إلى مسألة من الماضي، لا معنى ولا ضرورة لها، ويحاول أن
ينسينا استمرار اغتصاب الصهاينة لأرضنا في فلسطين،
واستمرار قهرهم وتعذبيهم وتقتيلهم لشعبنا هناك.
منذ بروز الخطر الصهيوني في أواخر القرن ما قبل الماضي،
وتزايد خطورته مع بدايات القرن الماضي، ومع طرد العثمانيين
من بلادنا وحلول الفرنسيين والبريطانيين مكانهم، برز أهل
السنة وكأنهم دعاة استقلال شعبنا، وكأنهم المتصدون
الأساسيون للمشروع الصهيوني والمدافعون الأساسيون عن حقوق
شعبنا ومصالحه.
لقد كان موضوع الخطر الصهيوني على فلسطين مادة دسمة،
للمتاجرة بحقوقنا من قبل الذين يعتبرون أنفسهم المرجعية
الأساسية لأهل السنة، هذه المرجعية التي تمثلت وتتمثل
اليوم في الوهابيين من آل سعود.
إن من مفارقات الأحداث، لا بل من نتائجها المنطقية
المحتومة، أن تصبح غالبية المذهبيين السنة في حالة قبولٍ
وخضوع للإغتصاب الصهيوني ونتائجه وتعمل على التعايش
والتوافق معه، فتعمل جاهدة لتطبيع حياتنا معه، وكأنه ليس
هناك اغتصاب لأرضنا، وليس هناك أعتداء على شعبنا، وليس
تعذيب وقهر وتقتيل له، وكأن شبعنا هو بلا كرامة أو عز أو
عنفوان.
من مفارقات الأحداث أيضاً، لا بل من نتائجها المنطقية
المحتومة، أنه في الوقت الذي يبرز في لبنان مقاومة للعدو
الصهيوني، شيعية في تركيبتها، قومية في تطلعاتها، فريدة في
صمودها وبطولاتها، ونموذجية في طرق سلوكها وأفعالها
وعملها، لا يجد "أهل الشيعة" من شعبنا في العراق حرجاً في
التعامل مع الأحتلال الأميركي/اليهودي، والخضوع لشروطه.
ومن مفارقات الأحداث، لا بل من نتائجها المنطقية المحتومة،
أن تدعو الدول العربية التي يسيطر عليها أهل السنة الى
تطبيع العلاقة مع "الدولة اليهودية" اللقيطه، بينما يعلن
"اهل الشيعة" في إيران تصميمهم على إزالة هذه الدولة. يجب
الملاحظة هنا، أن تنامي قوة حزب الله كمقاومة للدولة
الصهيونية، مرتبط بلا حدود ببقاء إيران على موقفها من هذه
الدولة، الى جانب ارتباطه بمستقبل العلاقة بين النظام
الشامي والنظام الإيراني.
كل ما تقدم، يظهر أن القضية القومية، هي الغائب الأكبر من
عقول شعبنا ومداركه وتطلعاته وسلوكه وتوجهاته.
"لم
تكن للشعب السوري قبل تكوين الحزب السوري القومي الإجتماعي
قضية قومية بالمعنى الصحيح"
(سعاده)، وهو ليس له الآن قضية بالمعنى الصحيح بعد أن لم
يبقَ من هذا الحزب إلاّ الإسم فحسب، وتقلّص الى ميليشيا
صغيرة، تصارع للبقاء على الساحة السياسية اللبنانية .
إن انتصار أية قضية لا يتم إلاّ بواسطة القوة، القوة في
جميع أسبابها النفسية-المادية.
لقد عمل سعاده بكل ما أعطي من إرادة وما قَدِرَ عليه من
جهود، على بناء مثل هذه القوة التي تستطيع فرض القضية
القومية وانتصارها. لكنه، وبالرغم من الانتشار الذي حققه
لحزبه، بقي وحيداً في تطلعاته، فلم يرقَ الحزب الى مستوى
تلك القوة المطلوبة.
القضية القومية غائبة بالكلية اليوم. هذا يعني أن مستقبل
شعبنا، بكل فئاته ومذاهبه وطوائفه، وقبائله وإثنياته، خاضع
لإرادات قوى الأمر الواقع الدولية، وقدرتها على استغلال
الصراعات والمخاوف المذهبية والإثنية.
إنه من البساطة والضحالة وقصر النظر، أن يعتبر بعض
القوميين أن انتصار القضية القومية مسألة حتمية مؤكدة. إن
هذا النوع من القدرية، في حال وجودها، إنما يدل على ضحالة
الفهم وعقم التفكير.
لم يأتِ اليوم الذي "يشهد
فيه العالم منظراً جديداً وحادثاً خطيراً – رجالاً
متمنطقين بمناطق سوداء، على لباس رصاصي، تلمع فوق رؤوسهم
حراب مسنونة، يمشون تحت رايات الزوبعة الحمراء يحملها
جبابرة من الجيش فتزحف غابات الأسنة صفوفاً بديعة النظام،
فتكون إرادة الأمة السورية التي لا ترد، لأن هذا هو القضاء
والقدر!"
(سعاده). لم يوجد مثل هذا الجيش سوى في زجليات عجاج المهتار وتمنيات
القوميين الإجتماعيين، دون أن يدرك معظمهم أن دون مثل هذا
الجيش، ودون مثل هذه القوة، عقلية من العمل جديدة، حاول
سعاده جاهداً توجيههم إليها بدون نجاح كبير، كما تظهر
الوقائع والمعطيات.
لقد نسي
القوميون الإجتماعيون أن سعاده يقول: "وكل
عقيدة عظيمة تضع على أتباعها المهمة الأساسية الطبيعية
الأولى
التي هي، انتصار حقيقتها وتحقيق غايتها. كل ما دون ذلك
باطل. وكل عقيدة
يصيبها الإخفاق في هذه المهمة تزول ويتبدد أتباعها". |