لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 
 

جان داية في ولادة قيصرية مشوهة

 

 "في الأفراد فقط تلعب المفاسد. ولا يمكن لهؤلاء أن يصموا المجتمع كلّه بالمفاسد التي في أنفسهم".            سعاده

           ليس المهمّ أن يكون الكشف عن الحقائق هدف الباحثين والدارسين فحسب، بل إن الأهمّ من ذلك هو الالتزام بقواعد البحث عن هذه الحقائق من موضوعية ومنطق وصدق وجرأة ووضوح، وإلاّ فقد الباحث طريقه عن قصدٍ أو عن غير قصد، وبالتالي يقع في مستنقع الفوضى، ويوقع القراء في دائرة من الحيرة والتشكيك إلاّ الذين لا يأخذون بالظاهر السطحي. ومن البديهيّ عندها أن يمسي الباحثُ جامعَ معلومات، يستفيد منها ويحلّلها بطريقة عقلية صافية من يتسمون بخصائص البحث العلمي، بينما يخسر هو شرف الكشف المعرفي الموضوعي.

           إشارة إلى أنّ الباحث الحقّ قد يضلّ السبيل أحيانًا، فيقع في استنتاجات خاطئة، ولكنّه حين يكتشف خطأه يعتذر ويصوّب؛ وليس باحثًا من يركب رأسه حتى ولو ثبت أنّ بعضًا ممّا كتب أو استنتج خارج عن دائرة الواقع والحقيقة.

            ثمّ إن تناول أيّ موضوع بالتحليل والتدقيق والتفصيل يتطلّب إحاطة معمّقة بكلّ جوانبه، ومن خلال التدبّر بمنطلقاته وأبعاده، وإلاّ افتقر البحث إلى مقوّمات أساسية تضع الباحث في دائرة الشك بمعلوماته وباستنتاجاته، فيضيف إبهامًا على إبهام، وشكًا على شكّ، في الوقت الذي يفترض فيه أن يزيل الغموض ويكشح غمامات الشك عن كل جوانب الموضوع الذي يتناوله، ويقارب الحقيقة، لا بل يدخل إلى محرابها بكبر وجرأةٍ وعقلانية

             كان لا بدّ من هذه المقدّمة قبل أن نسلّط الضوء على ما كتبه السيد جان دايه حول مؤلَّف أنطون سعاده "نشوء الأمم" في كتاب سمّاه: "أنطون سعاده-نشوء الأمم-النسخة الأصلية كما نقّحها المؤلِّف"، حقّقها وقدّم لها جان دايه. صدر عن "فجر النهضة" بيروت 2007 – الطبعة الأولى.

           أمرٌ آخر لا بدّ من الإشارة إليه قبل الولوج في عملية التصويب والتوضيح وكشف المغالط التي وقع فيها السيد جان دايه كتابه المذكور أو هو أوقع نفسه فيها، وهو أنّ هذا التوضيح قدّ أعدّ منذ أشهر، بعيد صدور كتابه، ولكنّ معلومات وردت ممّن يهتمون بهذه المواضيع وهم أهل ثقة، جعلتنا نتريث بانتظار أن تصبح كلّ المعطيات متوفّرة، خاصة وأنّ السيد دايه قد حصل على نسخة أخرى منقّحة من المغتربات بواسطة السيد سهام عكره. وكنا ننتظر، وإن كان انتظارنا مشوبًا بالشك، أن يُخرج هذه النسخة إلى النور، لكنه لم يفعل، إلى الآن على الأقلّ. ولأنه انتقل إلى متابعة أضاليله وأباطيله في جريدة "الديار" تاريخ  الاثنين 11 آب 2008 في الصفحة الثامنة، متخطيًا قواعد أخلاقية أساسية حين وسم طبعة 1951 بـ"المزوّرة" كاشفًا عن عمق حقده، آثرنا إصدار التوضيح في انتظار أن نحصل على نسخة أخرى من النسخ الأصلية غير النهائية التي نقحها سعاده،علمًا أنّ النسخة الأصلية النهائية قد اختفت في دمشق إثر اغتيال عدنان المالكي عام 1955، أو هي رهينة أحد الذين كانوا من جلاّدي تلك الفترة. وهي وحدها النسخة الأصلية النهائية كما سنتبين ذلك من خلال سياق هذا التوضيح، لا بل هي مداره ومحوره.

 

 وتسهيلاً للقارئ سنتبع أسلوب إيراد ما قاله المؤلّف ونصوّب مباشرة، في نقاط متتابعة.

 1-       في الصفحة السادسة إهداء إلى فادي الياس الديري الذي عثر على نسخة "نشوء الأمم" المنقحة بقلم سعاده وحافظ عليها. "وتبرّع بصورة كاملة عنها".

 = لا بدّ أولاً من توجيه تحية إلى السيد فادي الديري على اهتمامه واحتضانه للنسخة التي عثر عليها في موجودات أحد الضباط اللبنانيين، واحتفظ بها بعناية فائقة، وحاول أن يؤمّن سبيل طبعها كما هي، فاتصل بحضرة رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي الدكتور أنطوان أبي حيدر وتمّ لقاء حضره بالإضافة إلى حضرة الرئيس والسيد الديري بعض المسؤولين المركزيين وأحد المواطنين الذين اصطحبهم السيد الديري معه. ولمّا درسنا النسخة المشار إليها تبيّن أنّ الخط هو خط سعاده دون كثير عناء، وأنّ ما نقّح بعضٌ ممّا نقّحه الزعيم في طبعة 1951؛ما يؤكّد أنّ سعاده، كما يعرف جيدا هذا الأمر الذين كانوا على علاقة تماسٍّ معه في تلك الفترة، قد نقّح بخط يده أكثر من نسخة حتى كانت النسخة النهائية الأصلية التي ضاعت في أقبية السلطة الحاكمة في دمشق آنذاك مع ما أتلف وضاع، في نيسان من العام 1955. وقد تداولنا في الأمر مع السيد الديري وتمّ الاتفاق على أنّ هذه النسخة، على أهميتها، قد لا تؤدي الغاية المتوخاة من طبعها؛كما تمّ الاتفاق على تزويدنا بصورة عن النسخة المشار إليها للاحتفاظ بها بانتظار ظروفٍ يكون فيها طبع النسخة متوافقًا مع الهدف الذي يرمي إليه أبناء الحياة المنضوون تحت لواء حزب سعاده، وقد أودعنا النسخة المصوّرة مشكورًا. حصل كلّ ذلك قبل أن يضع السيد الديري النسخة بين يدي جان دايه على أن ينشرها كما هي؛فكان أن قدّم و"حقّق" واستنتج ما يتناقض مع واقع الحال إمًا لنقصٍ في المعلومات، أو  لسبب في نفس يعقوب وهو الأرجح إن لم يكن المؤكّد.

           2- وفي "المدخل" في الصفحة السابعة:"... وحيث ان راسمي علامة التشكيك قد عبرا قنطرة الشك، فأعادت الدكتورة صفية سعاده نشر طبعة 1951 "المنقّحة" من "نشوء الأمم" ولكنها اعتبرت أن التنقيح الذي تميّزت به عن طبعة 1938 لم يتمّ بقلم والدها، بل أجرته "لجنة النشر" التي شكلتها قيادة الحزب القومي في دمشق".

 =  أمّا الدكتورة صفية سعاده فلم تعبر قنطرة الشك، إلاّ إلى ما هو أكثر شكًا وتشكيكًا، شأنها شأن السيد دايه نفسه، لا لسبب إلاّ لأنهما أسرى خلفيات حاقدة وآراء استنسابية تحت عنوان الموضوعية والعلمية، وهي براء منهما كليهما. والدكتورة سعاده لها سقطات منهجية وفكرية وتاريخية تتعلّق بالعقيدة السورية القومية الاجتماعية وتاريخ والحزب السوري القومي الاجتماعي وتاريخه، يعرفها كل متتبّع لكتاباتها ومقابلاتها الإعلامية، وقد كان لنا في الحزب تصويبات لبعض هذه السقطات نشرناها في نشرة عمدة الإذاعة الداخلية، يمكن للباحث الحقّ أن يعود إليها، إذ ليس المجال هنا مجالَ تفصيلِ وتوضيحِ ذلك، لأن مدار بحثنا لا يسمح.

     ويتابع السيد دايه في الصفحة الثامنة:

 3-       أما "مؤسسة سعاده للثقافة" فكانت أكثر حسمًا، عندما نشرت الطبعة الأولى من "نشوء الأمم"[أي طبعة 1938] في المجلّد الثالث من الأعمال الكاملة" لسعاده على أساس أنها الطبعة الأصلية، ثمّ أوضحت في مقدّمة المجلَّد 12، سبب عدم إعادة نشرها لطبعة 1951، وهو السبب نفسه الذي أبدته الدكتورة صفيّة في المقدّمة... ولم يكن متوقّعًا حسم الإشكال والعودة إلى نسخة 1938 من "نشوء الأمم" لأن الدليل الذي اعتمدته "دار سعاده للنشر" و "مؤسسة سعاده للثقافة" ارتكز على التحليل والاستنتاج". ويضيف"... أي بحث يعتمد على التحليل والاستنتاج في الحكم على حقيقة تنقيح سعاده لنسخة 1951 من نشوء الأمم قد يزيد الطين بلّة". ولكن عندما توفّرت الوثيقة الحاسمة وهي النسخة الأصلية المنقّحة بقلم سعاده،  شقّ هذا الكتاب  طريقه إلى المطبعة...".

 =  إنّ "مؤسسة سعاده للثقافة" و "دار سعاده للنشر" هما في الأساس مؤسسة واحدة كانت تعمل على نشر كتابات سعاده، في إطار تعاون متبادل؛ولأمر مادي وصل إلى مستوى الاحتكام إلى القضاء، أصدر كلّ منها مجموعة على طريقته الخاصة، لكنّ منهج العمل والمعلومات بقي القاسم المشترك بينهما. نقول هذا لنؤكّد أنّ خلفيات التشكيك التي تركّزت بشكل خاصّ على "نشوء الأمم" طبعة 1951، وكتاب "الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية" طبعت هاتين المؤسستين وبعض الأفراد ومنهم جان دايه.

           ومن المفيد أن نذكر في هذا السياق أن "التحليل والاستنتاج" اللذين اعتمدتمها كل من المؤسستين المذكورتين، لم يلتزم بهما حين "استنتج" ولم يحلّل في قوله في الصفحة 40:

 "... وهذا يعني "أنّ لجنة النشر" قد اطلعت على النسخة المنقّحة. إذ لا يعقل أن ترد بالصدفة عبارات عديدة تتطابق حرفيًا... ولكن من المستبعد ورود عبارات عديدة متشابهة بكلماتها ومصطلحاتها وفواصلها ونقاطها... [أليس هذا استنتاجًا خاليًا من التحليل؟]

 4-       في الصفحة 32 في سياق المراجع والحواشي الرقم 21 يذكر جان دايه ما يلي:":سامي الخوري-الرد على ساطع الحصري -دمشق- 1952-ص96".

 =الواقع أنّ كتاب "الردّ على ساطع الحصري" قد كتبه سامي أيوب الخوري في 11 نيسان 1952 كما هو واضح من خلال ما ذكر في نهاية الردّ، ومن خلال النسخة الأصلية بخط المؤلِّف نفسه، وهي في عداد موجوداتنا الحزبية. ولكن طباعته ونشره كانا في 10 أيار 1956 كما هو واضح من خلال مقدّمة الناشر في الصفحة الرابعة من الكتاب؛ مع ذكر السبب الذي جعل الطباعة تتأخر عن الإعداد من 1952 إلى 1956. مع الإشارة إلى أن الكتاب يخلو من ذكر "دمشق" مكان الطباعة. فـ"الموضوعية" والمصداقية والعلمية تقتضي نقل المعلومات حرفيًا"؛على أن يضيف المؤلّف ما يريد إضافته، شرط أن يضعه بين مركنين [ ]. وإذا كان جان دايه قد أغفل لسبب أو لآخر هذه الدقة في المعلومات، فإنّ د. سامي أيوب الخوري الذي يحتجّ به في أكثر من موضع، قد جعل صدور الكتاب في مذكراته "أمل لا يغيب"، في بيروت عام 1958. فالخلل في الدقة والموضوعية سمة الاثنين علة تفاوت.

 5-       في الصفحة 37 يقول:" زرت أحد المهتمين والعارفين بتراث سعاده والمصرّين على أنّ طبعة 1951 من نشوء الأمم منقّحة بقلم مؤلّفها، الدكتور جورج متري عبد المسيح، في مكتبه في بعبدات، وسألته عن رأيه بنفي الدكتورة صفية سعاده و"لجنة الجمع والتحقيق" في "مؤسسة سعاده للثقافة" أن يكون سعاده هو الذي نقّح طبعة 1951 من "نشوء الأمم"، وكان جوابه مستفيضًا وخلاصته أن الدكتورين سامي الخوري وهشام شرابي هما اللذان اطلعا على النسخة المنقّحة بقلم مؤلّفها وأشرفا على إصدارها بتكليف حزبي. في اليوم التالي، قمت بزيارة الدكتور شرابي في منزله وراء فندق ريفيرا، وسألته عن دوره في ورشة إصدار طبعة 1951 من "نشوء الأمم" فأجاب:"كنت في واشنطن حين تلقيت من قيادة الحزب في دمشق نسخة منقّحة من كتاب"نشوء الأمم"، لإبداء رأيي وملاحظاتي". أضاف ردًا على سؤال حول ما إذا كان التنقيح بخط سعاده:"أنا أعرف جيدًا خط الزعيم بفعل مسؤوليتي في عمدة الثقافة عام 1948. لذلك يمكنني الجزم بأن التنقيح لم يكن بخطّه". وكان جواب الدكتور شرابي كافيًا لقناعتي بأن طبعة 1951 ليست منقّحة بقلم سعاده. وقد عزّزه قول الدكتور الخوري للجنة "الجمع والتحقيق" في "مؤسسة سعاده"أن الطبعة تلك قد صدرت"دون أن يشرف عليها". وهذا القول كرّره مجددًا في مذكراته"أمل لا يغيب"، وأضاف عليه"أن جورج عبد المسيح هو الذي قد تولّى أمر طبع هذا الكتاب".

 = لم يكن نقل خلاصة ما أوضحه الدكتور جورج متري عبد المسيح لجان دايه دقيقًا، وقد كان لزامًا على دايه كـ"موضوعي" أن يُطلع الدكتور عبد المسيح على ما نقله عنه بشأن مضمون كلامه كما تقتضي الأصول العلمية، فيأذن له بعد الموافقة على نشره، خصوصًا وأنه لم يدوِّن، بل كان مستمعًا، وبرفقة صديقٍ له. فليس من المعقول أن يوضح لجان دايه ما يعاكس معرفته الدقيقة بهذا الأمر. فالدكتور عبد المسيح  ذكر له ما يعرفه تمامًا من أنّ جورج عبد المسيح، نقل تنقيحات الزعيم بخط يده عن النسخة الأصلية النهائية التي بقيت في مكتبة سعاده في دمشق، وأرسل نسخًا إلى رفقاء في المغتربات، ومنهم هشام شرلبي وجورج عطيه. كما أن سامي الخوري اطلع على النسخة الأصلية النهائية المنقّحة.

           ولا يعقل أن يقول له إنّ هشام شرابي قد أشرف مع سامي الخوري على طباعة الكتاب وهو الذي كان في الولايات المتحدة الأميركانية. كما أنه لم يقل له إنّ النسخة المنقّحة كانت بخط سعاده، بل التنقيح هو لسعاده. ولمَ لم يسأل جان دايه هشام شرابي آنذاك أين تلك النسخة المنقّحة التي أرسلها إليه المركز؟؟ أليس من المنطق والمصداقية أن يضع هشام شرابي تلك النسخة بين أيدي المهتمين بهذا الأمر؟ لماذا تجاهل دايه أمر الحصول على تلك النسخة؟

           ما قاله هشام-كما نقل دايه- من أن التنقيح الذي أرسل إليه لم يكن بخط سعاده هو قول صحيح لا غبار عليه، لأن نسخة "نشوء الأمم" التي أرسلت إليه كانت بخط جورج عبد المسيح فعلاً،  نقلاً عن النسخة الأصلية النهائية، وهذا ما يعرفه هشام شرابي جيدًا. أما لماذا لم يشر إلى هذا الأمر إلى السيد دايه، أو إذا كان ذكره لـ"دايه" وتجاهله هذا الأخير، فـ"وراء الأكمة ما وراءها"، وكلاهما تجمعهما حالة واحدة بشأن الرفيق عبد المسيح. لم يقل هشام شرابي إنّ النسخة بخط الزعيم، ولكنه لم ينكر مضمون التصحيحات والتنقيحات بغضّ النظر عن صحّة عرض جان دايه؛ولو كانت لهشام شكوك حول حقيقة التنقيحات المدوّنة على النسخة المرسلة إليه، لكان ظهر ذلك في مذكراته التي هاجم فيها الرفيق عبد المسيح بضراوة.

           ثمّ أليس من الضروري والمنطقيّ والملحّ أن يسأل دايه الدكتور شرابي عن تلك النسخة المنقّحة قبل أن يعلن "قناعته" المشبوهة بأن "طبعة 1951 ليست منقّحة بقلم سعاده"؟! ويدعّم "قناعته" بما قاله سامي أيوب الخوري "للجنة الجمع والتحقيق في مؤسسة سعاده" أن الطبعة تلك قد صدرت "دون أن يشرف عليها"، "وقد تولّى أمر طبع هذا الكتاب" جورج عبد المسيح على ما يذكر في مذكراته "أمل لا يغيب".

           وللحقيقة والتاريخ، وللمقارنة والتدقيق، ننقل بعض ما جاء في برقية الدكتور سامي أيوب الخوري إلى المركز بعد سؤاله عمّا ادعاه محمّد سعيد حماده في جريدة "نداء الوطن" في 14 آذار 2000 من تلاعب بكتاب "نشوء الأمم":

"إلى جميع الرفقاء القوميين الاجتماعيين

... وصلني أن أحد العاملين في حقل الصحافة قد نقل عن لساني أنني اشتركت في تنقيح كتاب "نشوء الأمم" لسعاده.

           "... كما أنني لا بدّ أن أشير للحقيقة أن طبعة دمشق لـ"كتاب نشوء الأمم" استندت إلى النسخة الأصلية التي كانت موجودة في مكتبة سعاده. وأنا أعرف، كما يعرف عدد آخر من الرفقاء العاملين في ذلك الوقت، أن هذه النسخة كانت تحمل على هوامشها عددًا من الملاحظات بخط سعاده، ولا أذكر أنني أشرفت على طباعة هذه الطبعة أو اشتركت في الإشراف عليها، وكلّ ما لا أزال أذكره هو أننا كنا نعامل محتويات مكتبة سعاده باحترام عميق".

           ويضيف الدكتور الخوري في برقيته"... أمّا التشكيك بصحّة ما ورد في طبعات دمشق من كتب سعاده فـإنني لا يمكن أن أفسّره إلاّ بأنه عملية تشويه لصورة الحزب وتشكيك في حقيقة مبادئه".

أرجو أن يبقى الرفقاء واثقين من صحّة عقيدتهم وصحّة كتابات سعاده، وخاصّة شرح التعاليم والمحاضرات الخمس الأولى وكتاب "نشوء الأمم"...".

                     في 16/6/2000                  الأمين

                                             الدكتور سامي الخوري

           فما هو رأي السيد دايه، خصوصًا وأنه اطلع على ردنا على مذكرات الأمينة الأولى تحت عنوان "مذكرات الأمينة الأولى بين مطرقة الأحقاد وسندان التلاعب"، والذي يتضمن هذه الرسالة كاملة؟ هل غفل عنها أو أغفلها؟

      وفي الصفحة 38 "في شباط هذا العام(2007)، أعلمني الصديق شربل عقيقي أنّ صديقه فادي الديري عثر على نسخة "نشوء الأمم" طبعة 1938 وهي منقّحة بقلم سعاده". وفي الصفحة نفسها ذكرٌ لبعض من"قلّد" خط سعاده، كمحمّد يوسف حمود وعجاج المهتار. والمعروف أنّ كتبة الخط المائل كثر لا حصر لهم قبل تأسيس الحزب وخلاله وبعده. وليس من الضروري أن يكونوا في عملهم هذا قد قلّدوا سعاده. مع العلم أن النبيه الدَّرِب يمكنه ببساطة وبدون خبير خطوط أن يميّز بين المذكورين وبين خطّ سعاده. وللعلم فقط إنّ الخط الوحيد الذي كان الأقرب إلى خط سعاده، ويمكن للرائي أن تختلط عليه الأمور فيه مقارنة مع خط سعاده هو خط الرفيق أدمون عبده.

=إشارة إلى أنّ كلّ ما ذكره دايه حول صحّة الخط بما يقارب الصفحة ويزيد،  ليس أكثر من محاولة لتسويق ادعائه بأنّ هذه النسخة هي النسخة الأصلية التي يعتمدها للتشكيك بصحة طبعة 1951، ولإعطاء عمله هالة "التعب والدقة" علّ ذلك يترك صدًى إيجابيًا عند القرّاء.

7- "... ولكن هل التزمت اللجنة بكل التنقيحات التي أجراها المؤلّف في كتابه "نشوء الأمم" الصادر في بيروت عام 1938؟ وإذا الم تلتزم اللجنة بتنقيحات المؤلِِّف، هل مارست الأستذة على سعاده، فنقّحت كلمات وعبارات لم يصلها قلم الكوبيا؟؟"."(صفحة 45)........................................سؤال غير بريء يطرحه في مجموعة أسئلة في الصفحة.

= (إن "لجنة النشر" لم تطّلع فقط على التنقيحات التي نقحها سعاده في النسخة الأصلية النهائية، بل اطلع عليها المجلس الأعلى وأجازها، ودوّن محضرًا في ذلك وحفظت النسخ الأصلية في مكتبة سعاده كما سنتبيّن ذلك فيما بعد.

8 - في الصفحة 45 بعنوان "مقارنة بين طبعة 1951 والنسخة المنقّحة بقلم سعاده" ويليها في الصفحات من 46 إلى 54 جدولان أحدهما لنسخة 1951 والآخر لنسخة 1938. ويقول دايه :"يتضمّن الأوّل كل التنقيحات التي أكّدت اللجنة أنها من وضع المؤلّف... ويحتضن الثاني كلّ التنقيحات التي أجراها سعاده على إحدى نسخ طبعة 1938".

=هل صحيح أنّ المقارنة تشمل كلّ التنقيحات؟ وهل التنقيحات الموجودة على النسخة التي حصلنا عليها من السيد الديري تناقض أو تتعارض مع التنقيحات الواردة في طبعة 1951من حيث الأمور الجوهرية الأساسية؟ (يمكن العودة إلى المقارنة الكاملة بين النسختين 1938 و 1951 في نشرة عمدة الإذاعة العدد 4/68-نيسان- أيار 2000 من صفحة 27 إلى صفحة 31.

9- في الصفحة 45 يسأل وبطريقة غير "بريئة" :" هل مارست اللجنة الأستذة على سعاده فنقّحت كلمات وعبارات لم يصلها قلم الكوبيا؟".

= يبدو أنّ السيد دايه يحاول أن يسقط ما في نفسه على اللجنة، إذ هو الذي يحاول أن "يمارس الأستذة، ليس على القراء فحسب، بل على سعاده في الصفحة 18 حين ينصّب نفسه خبيرًا في الشؤون العلمية والاجتماعية فيدعي أنّ " نشوء الأمم" "لم يخلُ من بعض الثغرات والهنات حيث يحلّ فيها حضور العاطفة السياسية مكان العقل الاجتماعي العلمي، كما هو الحال  في الصفحة 178 حتى نهاية الكتاب في الصفحة 183، من فصل "الإثم الكنعاني". فالصفحات الست تضمّنت كلامًا إيجابيًا ودعائيًا عن قصائد قوميّة لثلاثة شعراء، وهم الياس فرحات وأمين تقي الدين وسليمان البستاني، ناهيك عن الإضاءة على الفينيقيين المنتشرين في القارتين الإفريقية والأميركية". ويضيف: "...كان من الأفضل تغييب هذه الصفحات القليلة عن كتاب "نشوء الأمم" لأنها غير منسجمة مع حياديته وعلميته. وكان من المستحسن لو احتلّت هذه الصفحات حيزًا من كتاب "نشوء الأمة السورية" لأنها من صميم هويته وطبيعته".

أليست هذه محاولة للأستذة على سعاده، حتى وإن كانت فاشلة سلفًا؟

          كنا نودّ أن نثبت تلك الصفحات في هذا التصويب ليكون أمام القارئ الثبت الواضح الذي يكشف عن  "ثغرات وهنات" وسقطات ليس الـ"دايه" بعيدًا عنها في مجمل كتبه وليس في هذا الكتاب فقط، ولكننا سننقل بعض ما كتبه سعاده بشأن الفينيقيين (الكنعانيين)، تاركين للقارئ الرجوع إلى باقي ما ذكره دايه في هذا المجال، للمقارنة بين علميّة سعاده وهوس دايه العاطفي والنفسي المزمن.

          يقول سعاده في الصفحتين 179 و 180 :"ومن الهام جدًا للعلم الاجتماعي أن نستقصي سبب الرابطة القومية المؤسسة على فكرة الوطن إلى السوريين الكنعانيين، لأنّ هذا الاستقصاء يساعدنا على فهم الرابطة الروحية المتينة. ولا بدّ من الاعتراف بأننا لم نقف في ما طالعناه من كتب التاريخ والاجتماع على سوى هذه الإشارة السريعة إلى أصل الوطنية الكنعاني ومع ذلك فلن يصعب علينا اكتشاف السبب بدرس أحوال الكنعانيين الاجتماعية والسياسية.

"إن....(نقل ما هو مطبوع).

أين عدم الانسجام مع العلمية والحيادية الذي يدعيه دايه؟؟!!

10- في الصفحة نفسها (18) يضيف السيد دايه فيقول:"...ولكن وجود بضع صفحات تعتبر دعاية حزبية في كتاب علمي...لا تقلّل كثيرًا من قيمة الكتاب، ولا تبرّر مقاطعته من جمهور الباحثين، وفي المسار نفسه يقول في الصفحة 30 "وإذا كانت المقالات التي رجّحت، وبحقّ، أن تكون طبعة 1951 منقّحة من قبل "لجنة النشر"، قد حالت وتحول دون ظهور دراسات جديدة حول كتاب مشكوك بصحّة تنقيحه من مؤلّفه. فالمأمول أن تساهم هذه الطبعة الأولى المنقّحة بقلم سعاده، في تحريض الباحثين على درس "نشوء الأمم" بشكل عام والنواحي المنقّحة بشكل خاصّ".

= لمن السخف والاستهتار بمدارك القارئ وتخيل ما ليس في واقع الحال في ظلّ دراسات غير محدّدة تناولت كتاب "نشوء الأمم"، عربية وأجنبية، غير عابئ أصحابها بدسٍّ وأوهام أمثال جان دايه. ومما يضحك أنّ من أحجم عن دراسة نشوء الأمم إنما بسبب ما يدعيه هو وغيره منذ فترة بدوافع تتوزع بينهم وتلتقي في محاولة تشويه فكر سعاده. ولا يأخذ بعين الاعتبار إذإ كان ما يزعمه من حيث ضآلة الذين تناولوا بالدرس نشوء الأمم صحيحًا، الهجمات الداخلية والخارجية على الحزب والعقيدة والزعيم. ولكن ومهما حاولوا التطاول على سعاده وعلى بعض كبار في الحزب، ومهما ضاعفوا من تجنياتهم وأباطيلهم، فباطلهم إلى زوال، والحقّ والحقيقة وحدهما يستمران.

          11- في المقال الثالث بعنوان "مقارنة بين طبعة 1951 والنسخة المنقّحة بقلم سعاده" من  الصفحة 45 وحتى 54، جدولان تتصدرهما مقدّمة يشرح فيها طريقة وضعه للجدولين. إنهما جدولان متقابلان لمقارنة بين ما جاء في طبعة 1951 وما جاء في الطبعة التي حصل عليها منقّحة بخط سعاده. ويدّعي أنّ المقارنة تتضمّن كلّ التنقيحات في كلتا الطبعتين. والتزامًا منا بوضع النقاط على الحروف نذكر أنّه غفل أو تغافل عن إثبات طريقة كتابة اسمين في كل من الطبعتين. ففي طبعة 1951 وفي الحواشي يحتج سعاده بعالمين هما قيقر وونقر في الصفحات 87 و 89 و 108 و 109 و 110 و 111 و 118 و 19 و 126 و 127 و 128 و 143 ويلتزم كتابة الاسمين على النحو الآنف. وفي طبعة 1938 يكتب الاسمين على الشكل التالي:غيغر وونغر. والسؤال هل إنّ لجنة النشر هي التي قامت بهذا التغيير فتكمل "أستذتها" على سعاده كما يدّعي؟ ثمّ ما الذي تبتغيه من هذا التغيير؟ ولماذا لم يتناول تقديم المسعودي من الدرجة التاسعة في طبعة 1938 إلى الدرجة الثانية في طبعة 1951 في مستندات الكتاب، بينما ذكر حذف العبارة الواردة في باب المستندات من الطبعة المنقّحة، وأعمل مخيلته لتبرير هذا الحذف؟ ما العبرة من تجاهل هذه التنقيحات؟ هل التبرير سيكون بـ"ربما" و "قد" وسواهماه من أساليب الاحتمال والظن؟؟؟

=في المقال الرابع "تنقيح التنقيح" يفترض واهمًا أنّ ما أنجزه قد أثبت "التزوير" في طبعة 1951، فيسترسل في شرح الجدولين المذكورين مدعيًا أنّ "لجنة النشر" هي التي قامت بتلك العملية فيخترق مكنونات أفكارها ومكنونات أفكار الزعيم ويستنتج ما لا يتوافق مع أبسط قواعد العلم والمنطق، ويستند إلى آخرين لا تقدّم فيها أسانيده ولا تؤخّر، أكانت "دار فكر للأبحاث والنشر" أو صفيه سعاده أو سواهما.

          يدّعي دايه أنّ "لجنة النشر" حذفت تنويهًا بـ"الفرسان" الخمسة "نعمة تابت وفخري معلوف وزكي النقّش وجورج حكيم وأسد الأشقر". ويرجّح "أنّ اللجنة غيّبت الأسماء الخمسة لأن أربعة منهم أصبحوا خارج الحزب، ولم يذكر  سبب حذف اسم الخامس أي أسد الأشقر ربما لأنه لم يعرف السبب الحقيقي الذي من أجله حذف الزعيم، وليس اللجنة، اسم أسد الأشقر، أو هو يتقصّد التمويه للتعمية على السبب الحقيقي، في  حين يعرف كما يعرف القوميون الاجتماعيون وآخرون مطلعون ومتابعون سبب حذف الزعيم  للأسماء الأخرى. لماذا لم يسأل الـ"دايه" نفسه أو هو سأل أحد العارفين الذين عايشوا تلك الفترة، هل احتجّ أسد الأشقر على حذف اسمه من كتاب "نشوء الأمم" إذا كانت اللجنة قد حذفته كما يدّعي؟ أوَ يعقل أن يقبل أحد المسؤولين المركزيين المعروفين شطبَ اسمه دون أن يوجّه ولو سؤالاً إلى رئيس الحزب أو إلى لجنة النشر؟ ألا يعتقد السيد دايه أنه لولا حذف الزعيم لتلك الأسماء ومنهم أسد الأشقر لما كان الأمر قد فرض نفسه دون أي ضجة أو اعتراض؟ وللمناسبة نوضح للسيد دايه ولمن يهمّه الأمر أنّ سبب حذف اسم الأشقر يعود إلى كون هذا الأخير قد قدّم مئة إسترلينية لطبع الكتاب فكان التنويه. ولكنّ الزعيم، بعد الطباعة اكتشف أنّ هذه الأموال هي من تبرعات القوميين في المغتربات، وأنّ أسد الأشقر لم يدفع منها سوى إسترلينية واحدة؛ فكان الحذف. ويمكن لمن يريد إذا أُمنت له الظروف أن يتأكّد من ذلك في موجودات أسد الأشقر نفسه

12-     في الصفحة التاسعة يسأل:"هل هو [نشوء الأمم] كتاب علميّ أم حزبيّ أم الاثنين معًا؟ وهل يفترض بأعضاء الحزب القومي أن يعتمدوا مقالاته بحذافيرها كما هو حالهم مع كتاب "المحاضرات العشر"؟".

=لمن الواضح لكل ذي عيان من خلال مقدّمة "نشوء الأمم" من أنّ هذا الكتاب هو "اجتماعي علميّ بحت"، وهذا ما يثبته "دايه في الصفحة 16 من كتابه. أما لماذا يطرح تساؤله، فلأنه يريد أن يذهب بعيدًا في محاولات زعزعة ثقة القوميين، ومن يرون رأيهم، بكتابات سعاده. ونطمئنه، كما نطمئن من ينحو نحوه أن القوميين أهل فكر ومعرفة وإيمان ولا تهزهم مثل هذه التشكيكات-الهرطقات. وللعلم نوضح أنّ كتاب نشوء الأمم هو الأساس العلمي الذي تقوم عليه العقيدة السورية القومية الاجتماعية، فهو بهذا المعنى علميّ فقط، لكنه ككتابات سعاده الأخرى، هو كتاب حزبي يدخل في صميم العقيدة القومية الاجتماعية، ويثبتها على الأسس العلمية التي لا يرقى إليها شك، إلاّ شك الذين لم يتمكنوا من تدبّر شمولية العقيدة القومية الاجتماعية، ولم يعرفوا جوهرية وصفاء الإيمان في حياتهم، فغرقوا في جزئيات مفككة أبعدتهم عن حقيقة هذه العقيدة وترابطها وتكامل جزئياتها.

وانطلاقًا من كلّ الملاحظات والتساؤلات والتصويبات نختم بما أوضحه الرفيق عبد المسيح بشأن طبعة "نشوء الأمم" الأصلية النهائية المنقّحة بقلم سعاده والتي نشرت عام 1951، وكذلك بالنسبة لكتاب "الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمّدية"وهو كان رئيسًا للحزب والمشرف والمسؤول عن كتابات سعاده خاصة في تلك الفترة الحرجة والصعبة بعد استشهاد سعاده، مع الإشارة إلى أننا نعدّ لنشر يوميات الرفيق عبد المسيح قبيل وبعد الاستشهاد، وستكون مادة لأهل العلم لكي يستفيدوا منها، ومادة محرجة لأهل التجني والأحقاد.

           لقد ذكر الرفيق جورج عبد المسيح في مقدّمة الإسلام في رسالتيه الطبعة الرابعة –بيروت-آذار 1980، وتحت عنوان"مقدّمة وإيضاح" توضيحًا يتعلّق بـ"كتاب الإسلام في رسالتيه" وكتاب "نشوء الأمم" في الصفحتين الثامنة والتاسعة، ما يلي:"...وكان الزعيم قد وضع الإشارات الأولى في عملية التنقيح على نسخة من مجموعة "الزوبعة" كان قد حملها معه أو مع أمتعته المستقدمة من الأرجنتين، وهذه النسخة "المنقّحة" هي التي اعتمدتها "لجنة النشر" المؤلّفة من عميد الثقافة[جورج عبد المسيح] ووكيل عميد الثقافة[سامي الخوري] عام 1952  لإصدار الطبعة الأولى من كتاب "الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية".

          وضعنا كلمة "المنقّحة" بين مزدوجين لأنّ التنقيح النهائي لم يكن للزعيم متسع من الوقت للقيام به. والتنقيح المعتمد كان على صفحات الجريدة. وقد أقرّ المجلس الأعلى الموقّر لجنة النشر على إصدار الكتاب كما كان قد أقرّ إصدار ما جاء في موضوع الأدب في عدد "النظام الجديد" بعنوان " جنون الخلود". وكذلك حصل لكتاب "نشوء الأمم" المنقّح بقلم الزعيم على نسخة من الطبعة الأولى الصادرة عام 1938.

وقد تمّ إصدار الكتابين في دمشق.

            لقد أقرّ المجلس الأعلى الموقّر  في حينه النشر وفقًا للتنقيح الأولي على النّسخ الأصلية للطبعة الأولى لكتاب "نشوء الأمم" ولجريدة الزوبعة، وأنشأ محضرًا بهذا الصدد وحُفظت النسخ الأصلية في محفوظات المجلس الأعلى وقتذاك".

           إضافة إلى نثبت ما ذكره الرفيق عبد المسيح بشأن "جنون الخلود" و"الإسلام في رسالتيه" و "نشوء الأمم" في يومياته التي تعد للنشر: " في أيار[1950] كنت قد حصلتُ على مجموعة "الزوبعة" التي أصدرها الزعيم في بونس أيرس الأرجنتين،...فجمعت منها سلسلة المقالات التي كتبها الزعيم في الردّ على"محاضرة" حارضة كان قد ألقاها رشيد سليم الخوري الشاعر القروي في إحدى المناسبات حشاها بالمغالطات والأفكار السطحية في الدين.

 

          عرضت نسخة من البحث على الخوري "جباره " فأعجب بها أيما إعجاب واعتمدها في أطروحة كان يعدّها للدكتوراه في اللاهوت(قدّم النسخة الرفيق أنطوان سلامه). أما نحن فأجلنا نشرها إلى أن يصبح لنا صفّ من المصارعين بالقلم حتى إذا ما أثيرت ضدنا بسببه تحركات غوغائية ننبري للردّ والشرح.

          "أما إعادة طبع كتاب"نشوء الأمم"، فقد أخّرها العجز المالي وضرورة إخراجها بحلّة جديدة لم تتسنَّ لنا عام 1950 في ظرف ارتفعت فيه أثمان الورق، وزاد في صعوبة الحصول عليه نظام القطيعة بين الشام ولبنان. في تلك الفترة كنت قد نقّحت عدّة نسخ من"" نشوء الأمم"على النسخة المنقّحة بقلم الزعيم، فتبقى تلك في أوراق الزعيم الخاصة؛ونضمن عدم ضياع التنقيح إذا حصل حادث طارئ؛فوزّعت النسخ وأرسلت واحدة منها إلى بيونس أيرس، وأخرى إلى "شيكاغو" إلى هشام شرابي وجورج عطيه".

 

          ربّما لن يقتنع السيّد دايه بهذه الإيضاحات ويصرّ على ضرورة أن تكون بين يديه تلك النسخة الأصلية النهائية التي على أساسها كانت طبعة 1951، وعلى أساسها كذلك نقّح الرفيق عبد المسيح النسخ المرسَلَة إلى المغتربات، ولن يقبلَ بحقيقة ضياعها كسواها في دمشق وفي غيرها، في حين أنّه يقبل بظروف منعتنا من الاستفادة من محاضرات فخري المعلوف التي شرح فيها ودرّس كتاب "نشوء الأمم"، والتي "فقدت بسبب الملاحقات التي تعرّض لها الحزب وأركانه". ألم يتعرّض الحزب لمثل تلك الملاحقات، لا بل لأبشع منها، عام 1955 في الجمهورية الشامية على أثر اغتيال العقيد عدنان المالكي؟ لماذا يقبل هذه ولا يقبل تلك أو يفترضها على الأقلّ؟ :أليس هذا "صيف وشتاء" على سطح واحد؟ نقلاً عما ذكره السيد دايه نفسه في جريدة "الديار" نهار الاثنين في الحادي عشر من شهر آب 2008 تحت عنوان "صيف وشتاء على سطح نشوء الأمم"، على أثر ندوة تناولت كتابه ولم يأنس لمضمونها لأنّ  "أصحابها  دعوا فيها إلى مقاطعة الكتاب " زاعمًا أنّ السبب فقط هو "وجود اسم محققه على غلافه". ونحن نعتقد أنّ الأمر لا يقتصر على ذلك، رغم أننا لم نعلم بالندوة، وبالتالي لم نحضرها ولا نعرف من هم المحاضرون، لكننا على يقين من أنّ الغالبية العظمى من القوميين ومن الأصدقاء ومن الذين يبحثون بعلمية وتجرّد هم على ثقة من صحّة طبعة 1951 والتي لن يغيّر من صحتها وإشراقتها حقدٌ دفين، وخلفية مشكوك في أمرها، وصلت إلى حدّ الإعلان بقحة عن أنّ طبعة 1951 "مزوّرة".

أما كان الأجدر به، لو كان حريصًا على العقيدة والعلم والموضوعية، أن يسأل نفسه:

أيمكن أن تكون النسخة الأصلية النهائية قد فقدت في الظروف القاسية في دمشق آنذاك؟

أيمكن أن تكون في مكانٍ ما وربما تظهر في يومٍ ما؟

هل نقّح سعاده نسخةً واحدةً؟ أم أنّ هنالك مجموعة من النسخ المنقّحة كانت النهائية منها تلك التي كانت طبعة 1951 قد طبعت على أساسها، وما قامت به "لجنة النشر"إنما يرتكز على تلك النسخة الأصلية النهائية ؟

 

          لماذا هذا التسرّع وكلّ المسؤولين المركزيين آنذاك لم يشر أحدٌ منهم إلى مثل الشكوك والظنون؟ أو ليس بعض الظنّ إثمًا؟

          هذه التساؤلات كان يجب على جان دايه أن يسألها ويلتزم بالعلمية والموضوعية والصدق في الإجابة عليها؛لكنّه لم يفعل، لأمر في نفس يعقوب، ونتمنى أن يفعل في المستقبل، إذا صفت سريرته وخلفيته. لم يفعل لأنه، أولاً، يضع فرضية وهمية ويبني عليها، وما يبنى على الوهم وهمٌ هو. والمشكلة الثانية التي تتحكّم به هي تلك الانتقائية أو الاستنسابية التي تجعل الحبّة قبّة إذا تعارضت مع قناعاته، وينعكس الأمر إذا كان المتناول في دائرة رضاه. ولنا على هذا أمثلة موزّعة على معظم كتاباته.

 

          ختامًا لا بدّ من التنويه بجهود السيّد دايه في مجال الحصول على عدد لا بأس به من المستندات الهامة. ولكننا نأخذ عليه التفسيرات والاستنتاجات الخاطئة التي أفقدت بعض المستندات مضمونها الحقيقي، ووضعت كتاباته في دائرة الشك الأمر الذي لا نريده ولا نرغب به كوننا نعمل، على خطى المعلّم، من أجل نهضة أمتنا  التي تعني:"الخروج من التفسخ والتضارب والشك إلى الوضوح والجلاء والثقة واليقين والإيمان والعمل بإرادة واضحة وعزيمة صادقة".

بهذا الإيمان نحن ما نحن ومن نحن، وبهذا الإيمان سيكون لنا نصر أمتنا. فلندع أنانياتنا جانبًا، ولنتمرس بما في نفوسنا من قيم أمتنا، ليكون لكلّ واحد منّا شرف العمل الإيماني الواعي الصادق لأمته.

 

        في  30 آب 2008                        عمدة الاذاعة