لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

 

مأساة قضية وموت حزب: نهضويون ولكن.....

بقلم منير حيدر (26/9/2008)

 

لم يساوِر تفكيرَ سعاده أيُ شك حول صعوبة القضية التي أسس لها، ولا حول نوعية الحركة التي القادرة على حملها، ولا حول نوعية الرجال الذين تحتاج إليهم هذه الحركة.  وهو أدرك منذ البداية ضرورة ان تكون الحركة مصنعاً لهذه النوعية من الرجال، فعمل مع المقبلين على دعوته تلقيناً، وتعليماً، وتثقيفاً، وتوجيهاَ، وإرشاداً، وتشجيعاً، وشحذَ همم، وإدارةً، وتنظيماً وقدوة، كي يصل الى هذه النتيجة.  لقد كان عليه أن ينقل الأفراد من ثقافة المجتمع القائم بكل ما يطغى عليها  من أمراض ومساويء فردي وإجتماعية وعصبيات تمزيقية، الى ثقافة الوحدة الإجتماعية والنهوض القومي ومناقب الحياة الجديده.

لقد أدرك سعاده أن القضية القومية تتطلب رجالاً من نوع خاص،

رجالاً  يفهمونها ويؤمنون بها،

رجالاً يدركون خطورتها وأهميتها ويكونوا على استعداد للارتفاع الى متسوى هاتين الخطورة والأهمية،

رجالاً يخلصون لها اخلاصاً لا يخالطه شك أو شائبة،

رجالاً يمتلكون إرادات صلبة لا تثنيها عراقيل ولا تهتز أمام الصعوبات والمخاطر،

رجالاً يعون طبيعة المسؤوليات الملقاة على أكتافهم وعياً تاماً كاملاً، ويكونوا مستعدين لتحمل تلك المسؤوليات وقادرين على تحملها،

رجالاً شرفاء لا يخلطون بين ما هو ذاتي، خاصٍ بهم وحق لهم، وبين ما هو من ذات القضية والحركة وخاصيتها وحقها،

رجالاً يعرفون كيف يكونوا جنوداً وقادةً سواءً بسواء.

لقد وظّف سعاده كلّ جهده ووقته وعمل بدون كللٍ أو مللٍ من أجل الوصول بالمقبلين على دعوته الى هذا المستوى من الرجال.

لكن، هل نجح الذين اقبلوا على الدعوة القومية الإجتماعية في الوصول الى مرتبة الرجال النهضويين الحقيقيين الذين أرادهم سعاده؟

الجواب الفوري هو، لا! لكنه من غير المنصف أن نقولَ أنه لم يوجد في الحزب مثل هؤلاء الرجال، لكن وجودهم الرجال كان عملة نادرة الوجود والتداول!

بدل أن يجتهد المقبلون على الدعوة القومية الإجتماعية للوصول الى مرتبة الجندية النهضوية المطلوبة، بقوا بمعظمهم أشخاصاً عاطفيين، إنفعاليين، حماسيين، إتكاليين، إستعراضيين، تمظهريين، نفعيين، ذاتيين، صبيانيين في تفكيرهم، تافهين في سلوكهم، كثيري الكلام، قليلي الأفعال.  كما وجد في دوائرهم العليا الإنتهازيون وتجّار السياسة والعقائد من اصحاب الأطماع والغايات الشخصية الذين اتخذوا من المساومة أسلوباً لعملهم.

لقد كان معظمهم بارعين في إظهار حماستهم أمام سعاده، باهرين في الإيحاء بعظمة قدراتهم الذاتية، خادعين في مدى استعداداتهم لتحمل المسؤوليات، يهتفون باسم سعاده وحياته باستمرار، لكنهم كانوا في الحقيقة على استعداد دائم للتخلي عنه بسهولة في أوقات الشدائد والحسم!

 ألم يكن الأمر الذي حصل عام 1949 أكبر وأعظم شاهداُ على ما نقول؟

عند عودة سعاده من مغتربه القسري عام 1947، استقبلته في الغبيري آلاف مؤلفة من القوميين، تهتف باسمه وحياته، فأين ذهبت تلك الآلاف عام 1949؟ 

هل فعلاً أن سعاده قد اغتيل لأن بعضاً من العملاء وعدداً من الطغاة قرروا أن يغتالوه، أم لأنه لم يكن هناك حوله رجال حقيقيون مصممون على حمايته، وقادرون على الدفاع عنه؟

إذا كان كلامنا هذا يثير استغراباً عند بعض الرؤوس والعقول، فإننا نحيل أصحاب تلك الرؤوس والعقول المفترضين، الى دراسة تاريخ الحزب، والرجوع الى جميع الأدبيات التي تناولت تلك المرحلة،  كي يتحققوا بأنفسهم من صحة ما ذهبنا إليه!

لا يلغي كلامنا حقيقة أنه كان هناك أبطال مميزون في الحزب، وأنه كان هناك تضحيات كثيرة من قبل القوميين الإجتماعيين، لكننا نصِّر أن معظم تلك البطولات والتضحيات كانت بطولات وتضحيات سلبية وليست إيجابية.  لا يخفى عن أي مدرك لطبيعة الأمور، أن الإيجابية تعني القرار والمبادرة والفعل، بينما السلبية تعني مواجهة الأمر المفعول وتحمل نتائجه.

لم ينتسب معظم الذين انتسبوا الى الحزب لانهم آمنوا بالفعل بقضيته إيماناً صحيحاً، كاملاً، شاملاً، بل فعلوا ذلك لأن الحزب م كان يلبي حاجة معينة في نفوسهم وفي حياتهم، او كان انتسابهم إليه بسبب فهمهم له حسب طريقتهم ومن خلال مقاييس خاصة بهم.

لقد كانوا جميعهم نهضويين بمستوى فهمهم للنهضة والتغيير، وليس على المستوى الحقيقي للنهضة والتغيير النهوض وما يتطلبانه من عمل وجهد. 

أن النهوض والتغيير ليسا قصيدة أو مقالاً، أو خطاباً، بل ان لهما أثمانهما الباهظة التي تترواح ما بين التضحية بالوقت والجهد والمال، الى التضحية بالدماء. 

لا نشك أن كثيرين من القوميين الإجتماعيين أدركوا هذه الحقيقة، لكن قلائل جداً هم الذين مارسوها بكل تفاصيلها ودقائقها، وهؤلاء هم الذين صنعوا الصفحات المشرقة في تاريخ الحزب.

أما الكثرة القومية الإجتماعية، فكانت دائماً وأبداً كثرة خيالية، حالمة، تدّعي المعرفة وتمارس الجهل، تدّعي البطولة وتمارس الإنكفاء، تدّعي العطاء وتمارس الإستحواذ،  تتغنى بأعمال وأمجاد وبطولات ليست من صنعها، وتتكلم عن أحلام لا تفعل شيئاً لتحقيقها.

هذه الكثرة تتغنى بالعطاء والتضحيات والصراع والإستشهاد، لكن مفهومها لهذه الأمور هو عطاء الآخرين، وتضحيات الآخرين، وصراع الآخرين، وإستشهاد الآخرين.

من هنا، كان لا بأس بالنسبة لهذه الكثرة أن يستشهد سعاده، بينما بقيت هي تتغنى باستشهاد سعاده وتنظم حوله القصائد والأناشيد.

لقد كان هذا الأمر صحيحاً في حياة سعاده وإشرافه المباشر، وهو تحوّل الى ثقافة عامة بعد غيابه واستشهادهج.

هذا النوع من الثقافة هو الذي أوصل الحركة الى حالة العقم التي تغرق فيها الآن، وهو الذي قزّم الحزب من حزب نهضوي فاعل يقود القرار القومي وينفذ الإرادة القومي، الى مجرد ميليشيا متواضعة تحاول أن تحافظ على موقع لها بين مختلف القوى المؤثرة على الساحة السياسية.

من أهم مخاطر هذه الثقافة، أنها أصبحت هي التي توجِّه تفكير القوميين الإجتماعيين ونهجهم، وهي التي تسيطر على منطقهم، وهي التي تحدد سلوكهم وتضع لهم المقاييس التي يقيسون بها المسائل والموازين التي يزنون بها الأمور.

إن هذا الثقافة وما ينتج عنها من فهم وتقييم للمسائل والأمور، تطالعنا وتواجهنا كل منحى واتجاه، وفي كل حدب وصوب.

فيما يلي نسوق بعضاً من مواجهاتنا في هذا المجال.

في مواجهة أولى، سألني الشخص الذي تعرفت عليه للتو، وقد لاحظ حماستي في الموضوع الذي كنت أتكلم فيه: "وهل ما زلت تؤمن بالنجاح؟" - "النجاح" هنا يعني نجاح القضية القومية ونجاح الحزب الذي أوجِدَ ليحمل القضية القومية.

كانت إجابتي على السائل: "افترِضْ أن القضية هي شخص يسبح في مياه المحيط، وأعتبر ان هذا الشخص تتقاذفه أمواج المحيط وتياراته، فهل يترك نفسه يغرق ويموت أم يستمر في محاولاته للنجاة من الغرق والعودة الى شاطيء الأمان؟".

في مواجهة ثانية، وخلال مكالمة هاتفية مع صاحب لي،  وبعد أن ذكرت له أن هدفي هو إعادة بناء الهيكل كما يجب أن يكون الهيكل او هدمه وإزالة البقايا الموجودة منه، قال: "أفهم قصدك من إعادة بناء الهيكل، ولكن ماذا يفيد أن تهدم ما هو موجود منه؟" 

كانت إجابتي على سؤال صاحبي هو أنني حريص على هدم بقايا الهيكل كي لا تقوم فوقها أكواخ تنتشر منها روائح العفونة والنتانة!  

في حادثة أخرى، وصف أحد الأشخاص من الذين يسوِّقون أنفسهم على أنهم "عباقرة" وأصحاب رؤية مستقبلية،   كتاباتي من أنها تعبير عن حقد وكراهية عندي، وأن عدداً كبيراً من أصحابه الذين يحترم آراءهم يوافقونه على رأيه بهذا الخصوص، وهم لا يقرأون كتاباتي ويقاطعونها،  وهو يفتخر بنفسه أنه تجرأ وسألني مرة عن "من  أكون لأقوم بتقييم رجالات الحزب التاريخيين؟".

كان صاحبنا هذا يشير الى حادثة مضى عليها أربع سنوات عندما كنت أحاور المجموعة التي ينتمي إليها واتعامل معها على أنها مجموعة شابة واعدة، قادرة على حمل أعباء الحزب المستقبلية.  أجبت ذلك الصاحب بتفصيل كافٍ يعطي صورة كافية وواضحة "عمن أكون"، ثم أنتهيت بتوجهة إليه سؤالاً: "هذا هو من أنا، فهل عليك أنت تخبرني الآن عمن تكون؟".  لقد وجّهت إليه هذا السؤال وأنا أدرك تماماً أنه لن يجيب عليه لأني لمست نوع الغرور الذي يسيطر عليه ومنغمس في الاعتقاد بعبقريته.

وفي حادثة أخرى أيضاً، أرسل شخص إلي، الرسالة الإلكترونية التالية:

الرفقاء في موقع حركة البناء القومي المحترمين
....

”تحية سورية قومية اجتماعية
لقد اطلعت على الموقع في سياق  تفريخ المواقع(!) القومية الاجتماعية على الشبكة
ولفتتني عملية التجميع (؟) في هذه المواقع ومنها موقعكم
بالتأكيد(!؟) وكما تعلمون(!؟) فإنني لا ( أتعاطى) الأزمات الداخلية في الحزب منذ زمن بعيد ونذرت عملي القومي الاجتماعي على الساحة الدولية واسست شبكة تفكير دولية يمكنكم الاطلاع على موقعها باللغات السبع على العنوان التالي:....   كما أنشر النشرة الاستراتيجية نصف الشهرية .... ويمكنكم الاطلاع على بعض اصداراتها على الموقع نفسه في قسم اللغة العربية
لكن حرصي على الحزب ب أل التعريف يجعلني اتوجه اليكم بنداء قومي اجتماعي أصيل للسمو بالعمل النهضوي إلى أعلى درجات الدقة والمصداقية والفرب من الناس الطيبين في وطننا.
وأن تبقى القافلة تسير و .... تنبح
كان بودي أن يكون التعريف بحركة البناء القومي أكثر وضوحا للناس جميعا وللقوميين الاجتماعيين خاصة
فهل لي أن نتواصل ونتعارف مجددا عسى ولعل
الإمضاء"

لم يخطر على بال صاحبنا في النموذج الأول أن الإخفاق هو حليف القضية القومية قبل حصول تجربته الحزبية.  فهو لو لم يكن يعرف مسبقاً أن "هذا الحزب" الماثل أمامه ليس هو بالفعل الحزب الذي أراده سعاده، وهو أعجز من أن يتنطح لقضية مثل القضية التي اسس لها سعاده.  

إننا نميل الى الإعتقاد أن الذي جذبه الى الحزب هو علمانيته ومفاهيم الوحدة الإجتماعية التي وضعها سعاده، لكنه بعد تجربة فيه، توصّل الى حقيقة أن "هذا الحزب" ليس سوى مجرد الميليشيا التي تقلّص إليها حزب سعاده منذ بداية الأحداث في لبنان عام 1975.

لم يكتشف صاحبنا هذه الحقيقة قبل دخوله الحزب، لكنه عند اكتشافها، لاحظ ان الاخفاق هو حليف القضية القومية.

الثقافة التي انطلق منها صاحبنا هنا لا تسمح له أن ينظر الى القضية القومية من زاوية المؤمن بها والمصارع من أجلها، بل من زاوية "واقعية"-حيادية.

وحيث اننا نعتقد انه خارج تفكير هذا الصاحب وقناعاته أن يكون ميليشيوياً، أو ينضم لهذا الفريق الطائفي أو الفئوي أو ذاك، لذلك حصر عمله في كتابة نقدية عامة للواقع ومعطياته وافرازاته، يستعمل فيها غالباً تمنيات افتراضية تتمثل بعبارة "ماذا لو"، دون أن ينتبه أن هذا النوع من التمني لا يمكن أن يغير من واقع الأشياء، ولا يمكن أن يكون له تأثير عليها.  أن التغيير، أن النهضات، أن الثورات، أن التقدم والإرتقاء، لا تحصل بالصدفة أو أو بالرغبة أو بالتبني، بل تحصل بالمعرفة الهادفة والتخطيط والتنظيم والعمل والمقاومة والصراع.   

لا يوجد عند صاحبنا في النموذج الثاني أي قلق على واقع الحزب ومصيره، وهو يعتبر أن ما نقوم به من نقد ومراجعة للعمل الحزبي هو نوع من "جلد للذات". 

إن الحديث عن الأخطاء والإنحرافات والخيانات والفساد والإفساد وطمس القضية القومية وطمسها والمتاجرة بدماء القوميين، واستمعال جهود القوميين الإجتماعيين لتحقيق مآرب ومكاسب شخصية، هو في نظر هذا الصاحب "جلد للذات". 

وفي مجال الكلام عن "جلد الذات"، لا بأس أن أشير الى أن أحد القوميين أرسل إلي رسالة إلكترونية، على أثر نشر موقع "حركة البناء القومي" مواداً تدين أحد المسؤولين في "هذا الحزب"، يقول فيها أن نشر مثل هذا "الغسيل الوسخ" هو "جلد للذات". 

هنا نلاحظ أن استعمال كلمة "جلد للذات"، اصبح من عنواناً عماً  للهروب من مسؤولية النقد والمحاسبة في الحزب.  فإذا كان رئيس "هذا الحزب" فاسداً وقاتلاً ومُرتَهناً وعميلاً،  وإذا ذكرت أنه فاسد وقاتل ومرتهن وعميل، فذلك لا يجوز ابداً، لان هذا الشخص هو رئيس للحزب، وكأن رئاسة الحزب هي مطهر للمفاسد والذنوب والموبقات!

إننا لا نستغرب مثل هذا المنطق، فهو نتيجة للثقافة المنتشرة اليوم تحت باسم القومية الإجتماعية، والقومية الإجتماعية منها براء. 

مثل صاحبنا في النموذج الثاني هو مثل النعامة التي ترتاح الى كونها نعامة فتغرس رأسها بالرمال كي لا تحمي ذاتها من كل ما يدور حولها.  هو يكتفي من الحزب بلقب "الأمانة" وبالإشارة إليه ب "حضرة الإمين"، فيتدغدغ شعوره، ويشعر بأن له أهمية كبرى وأنه يقوم بدور عظيم،عظيم، فيغمض أجفانه على وقع هذا الشعور.

صاحبنا هنا لا يرى أكواخ العمالة والمصالح الشخصية وخيانة القضية القومية تقوم على بقايا الهيكل القومي الإجتماعي وباسمه، ولا يرى أي مشكلة في هذا الأمر.

اما صاحبنا في النموذج الثالث، فهو نشأ على الثقافة الزائفة وترعرع ضمنها وأتخذ من بعض أشخاصها مثالاً أعلى له، فمن الطبيعي أن يفكّر بالعقلية الضحلة نفسها ويستعمل المنطق الفاسد ذاته.

لقد أجاد صاحبنا هنا اسلوب التقرّب من مشايخ النفط وأمرائه واستطاع التقرّب من بعض الحكام واصحاب السلطة الآخرين – هذا بعض من عبقريته على الأرجح – مما فسمح له بجمع ثروة محترمة على ما يبدو.

لم يبقَ أمام صاحبنا هذا سوى خطوة واحدة للوصول بالقضية القومية الى مستوىً أرقى وأهم. هذه الخطوة هي وصوله الى مقعد نيابي.  لذلك نراه اليوم يحضِّر نفسه، و"يسن أسنانه"، ويقيم الولائم والإستقبالات تمهيداً للترشح عن مقعد نيابي.

من دونكيشيات صاحبنا وتناقضاته أنه نشأ في مجموعة قومية مخاصمة "للشاميين"، لكنه يوحي الى محيطيه اليوم بانه هو رجل النظام الشامي في منطقته وهو مدعوم بالتالي منهم.

إننا منذ وقت طويل أدركنا أن صاحبنا هذا لا تهمه القضية القومية، وقد تبين لنا بعد أن اطلعنا على رؤيته المستقبلية أنه لا يفهم القضية القومية ولا يفهم طبيعة الحركة القومية الإجتماعية أيضاً.

لقد كانت نصيحتنا لصاحبنا هذا، أن من حقّه أن يطمح الى مقعدٍ نيابي، وأن من حقه أن يسعى لتحقيق طموحه في هذا الشأن، وليس لنا من مشلكة معه بهذا الخصوص، لكن مشكلتنا كبيرة عندما يفعل ذلك باسم القضية القومية والتلاعب بمبادئها ومنطلقاتها، ومن ضمن زعمه بأنه يقوم بذلك من اجل مصلحة هذه القضية.

أما صاحبنا في النموذج الرابع الذي يعلم "دولياً" من أجل القضية القومية، فإن كلامه يدل عليه وعلى مدى فهمه للقضية القومية الإجتماعية، , ومدى اغتراره بنفسه الى درجة كاركاتورية مضحكة، ولا حاجة للزيادة على ذلك شيء.  لكن يجدر الإشارة الى أن هذا الصاحب تخلى عن عمله "الدولية" الذي كان يقوم به ب"اللغات السبع" ليعود ويلتحق بمسؤولية في "هذا الحزب".

ما يجمع بين هذه النماذج الأربعة هو ضحالة الفهم الى القضية القومية الإجتماعية وهامشية الإلتزام بها.  كما يجمعهم أنهم جميعهم من حملة الشهادات العالية فالصاحبان الأولان يحملان إجازة جامعية على الأقل.  أما الصاحبان الأخيران فيحملان درجة دكتوراه في مجال اختصاصهما.

فإذا كانت حقيقة الأمر أن ضحالة الفهم للقضية وهامشية الإلتزام بها هي الميزة الاساسية في الأشخاص الذين يعتبرون انفسهم اصحاب علمٍ واصحاب ثقافة، فماذا نقول عن المجموع القومي العام الذي لم تتسنَ له اسباب التحصيل والمعرفة الأكاديميتين!

الحقيقة أن المجموع القومي العام هو بمعظمه مجموع سكوني، جامد، جاهل، طاووسي، مدعٍ، كيديٍ، لا يفهم القضية القومية ولا يفقه معنى الإلتزام بها.

إن معظم القوميين الإجتماعيين هم أعداءٌ للقراءة والإطلاع، وهم بمعظمهم إذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يملكون الإرادة لتحويل الفهم الى عمل، وإذا أرادوا أن يعملوا لا يعرفون ماذا يعملون!

إن هذا الجمهور القومي العام هو جمهور بسيط، فقير، وهو أعجز من حمل القضية القومية. إنه جمهور يلهو بالقضية القومية ولا مدركٍ مدى خطورتها.  إن مثل هذا الجمهور هو مثل الأطفال الذين يلهون بمواد متفجرة ظناً منهم أنها مجرد مفرقعات بسيطة، فينتج عن هذا اللهو مآسيٍ وكوارث.  لذلك لا نستغرب تعرض هذا المجموع الى اعتداء هنا، وجريمة هناك، ومجزرة في مكان آخر.  إذ أن القوى المتربصة بالقضية القومية الإجتماعية تأخذهم على محمل الجد فتخطط للإعتداء عليهم كلما وجدت الى ذلك سبيلاً.

من هنا، لا نلوم صاحبنا في النموذج الأول مطلقاً عندما يعتقد أن الإخفاق هو نصيب القضية القومية وان الموت هو مصير الحزب.  إذ ليس هناك حزب.