لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

           

 

إن الحياة وقفة عز فقط

الوجدان القومي

بقلم سهيل رستم (17/10/2008)

 

يقول سعاده في كتابه (نشوء الأمم) وفي فصل (الإثم الكنعاني) تحت عنوان (المتحد): في تعريف الوجدان الاجتماعي إنه «الشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير فيتكون من هذا الشعور الشخصية الاجتماعية بمصالحها وإرادتها وحقوقها». ويرى في مقدمة (نشوء الأمم) أن الوجدان القومي هو (أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا) تتوقف عليها علاقة الفرد مع جماعته أو أمته، ويترتب عليها فهم الواقع الاجتماعي للجماعة أو المتحد الاجتماعي، وظروفه وما يحيط به، وما ينتج عنه من علاقات، وبالتالي إدراك ووعي شخصية الجماعة التي ترتبط بعلاقات اجتماعية اقتصادية سياسية، ينشأ عنها بنية نفسية- فكرية، وثقافة تميزها.. هذه العلاقات التي تعين مقدار حيوية الأمة أو الجماعة، ومسارها في النمو والارتقاء بما تضعه أو تتبناه من مبادئ وقواعد تضبط حركتها في مسارها، وبما تتطلع إليه من مثل عليا وقيم اجتماعية تحدد وجهة سيرها وتقدمها وارتقائها، إذ يقول سعاده في مقدمته المذكورة آنفاً: «إن الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا، وهي الظاهرة التي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدن. ولقد كان ظهور شخصية الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النفسية البشرية وتطور الاجتماع الإنساني. أما ظهور شخصية الجماعة فأعظم حوادث التطور البشري شأناً وأبعدها نتيجة وأكثرها دقة ولطافة وأشدها تعقداً، إذ إن هذه الشخصية مركب اجتماعي- اقتصادي- نفساني يتطلب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته، أمته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسية متحده الاجتماعي وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويود خيره كما يود الخير لنفسه» ويتابع في (المقدمة) فيقول: «كل جماعة ترتقي إلى مرتبة الوجدان القومي، الشعور بشخصية الجماعة، لا بد لأفرادها من فهم الواقع الاجتماعي وظروفه وطبيعة العلاقات الناتجة عنه. وهي هذه العلاقات التي تعين مقدار حيوية الجماعة ومؤهلاتها للبقاء والارتقاء». فالمجتمع لا يمكن أن يكون مجتمعاً حقيقياً إذا لم يصل إلى مرتبة الوجدان القومي الاجتماعي، إذ حتى يكون المجتمع مجتمعاً حقيقياً أو طبيعياً يعني أنه يشكل وحدة حياة من خلال وعيه لوجوده، ومصالحه وعلاقاته، وتطلعاته، ومن خلال فهمه لواقعه ونفسيته ومؤهلاته، وموارد بيئته، وتراثه الثقافي وتكوينه نظرة واضحة فاهمة للوجود الإنساني، وإدراكه أن الوجود الإنساني هو وجود اجتماعي قبل كل شيء، وإن مصيره مرتبط بوعي وحدته ونظرته إلى الحياة وكل ما يتعلق بشؤونه وهذا ما يشكل البداية لوجود الأمة التي هي (المتحد الاجتماعي الأتم). فإدراك المجتمع لوحدة وجوده وحياته ومصيره، ففي تفاعله مع بعضه وذوبان المصالح الجزئية فيه في مصلحة المجتمع الكلية الشاملة شؤون الحياة كافة وفق مبادئ وقواعد وأخلاق وأنظمة ضابطة لها. وفي فصل (الإثم الكنعاني) من كتاب (نشوء الأمم) وتحت عنوان (المتحد) يقول سعاده: «هذه هي نقطة الابتداء الأساسية لوجود الأمة، شرط المجتمع ليكون مجتمعاً طبيعياً أن يكون خاضعاً للاتحاد في الحياة والوجدان الاجتماعي، أي أن تجري فيه حياة واحدة ذات دورة حياة اجتماعية اقتصادية واحدة تشمل المجموع كله وتنبه فيه الوجدان الاجتماعي، أي الشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير فيتكون من هذا الشعور الشخصية الاجتماعية بمصالحها وإرادتها وحقوقها»، ويرى سعاده أن (الكنعانيين السوريين) هم أول شعوب العالم القديم الذين توصلوا إلى درجة محبة الوطن وتمشوا عليها، ورغم انتقالهم إلى ما وراء الحدود، وتأسيس مستعمرات على طول سواحل المتوسط، وفي جزره، فإنهم حافظوا على ولائهم للوطن، وعلى شخصيتهم الاجتماعية وارتباطهم بجذورهم، ورافقتهم هذه الروحية في كل المناطق التي وصلوا إليها وانتشروا فيها وورثتها الأمة السورية، ولا تزال متأصلة فيها رغم ما تعرضت له وما تتعرض له الآن، وما نسب عنه من ضعف وبلبلة وتفكك. فتحت العنوان السابق يقول سعاده: «إن الكنعانيين من بين جميع شعوب العالم القديم، كانوا أول من تمشى على قاعدة محبة الوطن والارتباط الاجتماعي وفاقاً للوجدان القومي، للشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير».

ويرى سعاده في محاضرته السادسة من (المحاضرات العشر) وفي شرحه (للمبدأ الأساسي السابع) الذي ينص على ما يلي: «تستمد النهضة السورية القومية الاجتماعية روحها من مواهب الأمة السورية وتاريخها الثقافي السياسي القومي» أن إهمال نفسية الأمة السورية ونتاجها الثقافي، بما قدمته عبر تاريخها من علوم وفنون وآداب، ولازالت ابتكاراتها الأولى فاعلة في العالم حتى الآن، وأبرزها ابتكار الأبجدية الذي طور العلاقات والتواصل في المجتمع وما بين المجتمعات التي انتقلت إليها، إن هذا الإهمال كان من أهم العوامل التي حققت الوجدان القومي في الأمة، وعلى هذا يترتب إعادة إحياء التراث السوري ليشكل حافزاً للأمة للعودة إلى فاعليتها في الإبداع والابتكار والارتقاء بالوجدان القومي الذي كادت أن تفقده. وفي شرحه السابق الذكر، يقول سعاده: «والحقيقة أن من أهم عوامل فقدان الوجدان السوري القومي، أو من عوامل ضعفه، إهمال نفسية الأمة السورية الحقيقية الظاهرة في إنتاج رجالها الفكري والعملي وفي مآثرها الثقافية» وكان سعاده قد رأى من خلال متابعته لمجريات الحرب العالمية الثانية، أن تخبط العاملين في الحقل الوطني والسياسي في سورية، ونظرتهم إلى مصيرها واعتماد بعضهم على الإرادات الخارجية، وعدم إدراكهم للشخصية السورية وإرادتها، كان ناتجاً عن ضعف الوجدان القومي في الأمة، ولقد حدد موقفه من تلك الحالة وأعلن أن مصير سورية لا يتوقف على العوامل الخارجية والإرادات الأجنبية إنما على إعادة إحياء الوجدان القومي، وتفعيل إرادة الأمة، فقال في مقالته (مصير سورية بعد الحرب) عام 1940. في الجزء السابع من آثاره: «إن مصير سورية لا يتوقف على نتيجة الحرب أو العوامل الخارجية والإرادات الأجنبية إلا لفاقدي الشعور بشخصية سورية وإرادتها الذين لا يساوون أنفسهم بها وإن كانوا من أبنائها، أما أصحاب الوجدان القومي فيرون أن مصيرها لا يتوقف على شيء من ذلك، بل على الصراع الداخلي بين إحياء الوجدان القومي في الشعب وأمانيه، بين إيجاد إرادة الأمة السورية فعلياً في التاريخ وإعدامها منه، بين نفسية النهضة السورية القومية الواعية المؤمنة المنشئة تاريخ سورية الحديث، المستقل، ونفسية الخمول القومي والتفسخ الروحي والانحلال الوجداني والتعويل على التواريخ الغربية التي أنشأتها إرادة غير سورية»  ومن المؤسف له أنه حتى الآن، وبعد مضي حوالي سبعة عقود على ما نبّه إليه سعاده فإن الحالة لازالت عينها في كيانات سورية الطبيعية، ولازالت بعض القيادات في العراق ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين، وبعض الخارجين عن مفهوم الأمة في الجمهورية الشامية، يرون أن مصير هذه الكيانات وبالتالي مصير الأمة مرتبط بالإرادات الخارجية، ويوهمون أنفسهم أو أنهم بالفعل يتوهمون أن تلك الإرادات تعمل لتحقيق مصالح الأمة وسيادتها، فرهنوا أنفسهم بإملاءات تلك الإرادات، وعجزوا عن الالتقاء والتفاهم مع الشعب الذي يتلاعبون بمقدراته ومشاعره وطموحاته. جاهلين أو متجاهلين تاريخ تلك الإرادات، وما فعلته في الأمة من تقسيم وتفتيت واستنزاف موارد، ولازالت حتى الآن تعمل بهذا الاتجاه وهذا التوجه سواء في الدعوة إلى تقسيم العراق، أو الفيدرالية في لبنان، أو تشتيت الوضع في فلسطين أو الضغوطات التي تمارسها على الشام، وأمام ما يجري ليس لنا إلا أن نطالبهم بالعودة إلى ما نبّه إليه سعاده، وإنما نطالب أنفسنا بالعمل الجاد لإحياء الوجدان القومي والاعتماد على إرادتنا في تقرير مصيرنا.

 

Back ] صفحة رئيسة ] Up ] Next ]

صفحة رئيسة
Up
السياسة وسيلة شريفة لغاية نبيلة
تدافع فوق جسد الوطن الجريح
نورٌ يضيء للجميع
القدس ليس وقف الله
الوجدان القومي
حول العلاقات الديبلوماسية بين بيروت ودمشق
بيان حول العلاقات الديبلوماسية بين بيروت ودمشق
عمدة الثقافة في الاول من آذار
ما أغفله فؤاد بطرس من مذكراته
عيد أكيتو - الأول من نيسان
إحتفالات رأس السنة السورية-الاشورية
اليهود يغزون الفاتيكان
توما
رسالة الى عميد