|
لا شك ان كتاب نشؤ الامم لسعاده هو
كتاب علم وليس كتاب فلسفة، ولكن....
ما هو العلم وما هي الفلسفة؟
ما هي العلاقة بين العلم والفلسفة؟
لماذا احتاج سعاده لتأليف كتابه العلمي من أجل شرح
فلسفته-عقيدته واثبات صحتها وإقناع الناس بها؟
هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عليها ههنا من اجل اعادة توضيح
ما كان واضحاً من الأساس ومن اجل جلاء غموض افتعله ورماه
على قضية سعاده من كان يجب ان يرمي عنها وليس عليها!
ونحن إذ نتكلم عن غموض نعرف انه مفتعل وفي غير مكانه،
ولكنه رُمِيَ على قضية سعاده بواسطة من كان يفترض أن يكون
مقتنعاً بها بعد ان درسها وفهمها وشكلت له يقيناً وإيماناً
وعقيدة.
إن سجالات ومجادلات،أخذت احياناً صفة التجريح الشخصي،
اندلعت بين من كانوا رؤساءً وعمداً في الحزب، ودارت حول
كتاب نشؤ الامم وعلميته (حياديته) من جهة او كونه مكاناً
لشرح العقيدة-الفلسفة القومية الإجتماعية، من جهة اخرى،
وكأنما هناك تناقض بين هذا وذاك.
ولعل ابرز واطول هذه المجادلات هي التي دارت بين المرحوم
انعام رعد والدكتور عبود عبود.
ما كان يمكن ان يكون لهذه المجادلات اهمية واثر لولا انها
ادت الى تحزبات ومؤيدين ومعارضين لهذا او ذاك، كما ادت الى
بلبلة وشك وغموض في حين ان العقيدة-الفلسفة القومية
الإجتماعية واساسها العلمي قد اتت لتزيل البلبلة والشك
والغموض، ولولا أن المجادلات تلك ادت الى تطرُف كبير
ومبالغة وشطط، دفعت الأول لاعتبار العقيدة مشروحة في كتاب
نشؤ الامم، متجاهلاً قول سعاده نفسه في مقدمة الكتاب بأن
كتابه "علمي بحت تجنبت فيه
التأويلات والإستنتاجات النظرية وسائر فروع الفلسفة ما
وجدت الى ذلك سبيلاً"، ودفعت الثاني الى ركوب
المركب النقيض تماماً حيث اعتبر ان كتاب نشؤ الامم ليس
لسعاده وان سعاده نفسه اعترف بذلك مسنداً حقائقه الى
مصادرها الموثوقة وحتى ان تعريف سعاده للأمة ليس له بل
لمكايفر وأن سعاده ليس عالماً بل هو دارس علوم...الخ،
وكأنما سعاده لم يبتدع شيئاً وان عقيدته نفسها تجد اساسها
عند مكايفر وغيره من العلماء الذين ذكرهم سعاده في كتاب
نشؤ الأمم، أي أن عقيدة سعاده هي نفسها ليست لسعاده.
العلم والفلسفة
العلوم تتناول الحياة بواقعها وظروفها وعواملها ومظاهرها
كلها، العلوم تتناول كل ما هو امام الإنسان وفي محيطه،
لدرسه ومعرفته معرفةً وضحةً بواسطة الحواس والمنطق، أي
بواسطة العقل، مستعملاً طرائق المراقبة والتحليل والتركيب
والإستنتاج والتجربة والخطأ... الخ.
العلم هو معرفة حقائق الحياة، وإن أدّق وأخطر وأهم العلوم
إطلاقاً هو علم الإجتماع لأنه يدرس العلاقات الإجتماعية
الإنسانية ودوافعها وعواملها ومظاهرها ونتائجها، وهذه شؤون
ليست كلها مادية تقاس بالأمتار او تزان بالأرطال، بل هي
شؤون مركّبة مادية-روحية وعواملها ليست كلها ظاهرة ويترتب
على جهلها فوضى في العقائد وبلبلة في الأفكار تؤدي الى نشؤ
احكام اعتباطية "وتوجد صعوبات
تؤدي الى إساءة الفهم وتقوية عوامل التصادم في المجتمع
فيعرقل بعضه بعضاً، ويضيع جزءٌ غير يسير من فاعلية وحدته،
ويضعف فيه التنبّه لمصالحه وما يحيط بها من أخطار من
الخارج" (من مقدمة كتاب "نشؤ الأمم").
إذا كانت العلوم هي معرفة حقائق
الحياة، بواسطة العقل، فالفلسفة هي "نظرة" تتكون نتيجة تلك
العلوم، تأتي نتيجة المعارف والمدارك لتلخصها وتصوغها
بصورة نظرية أو تأويل، بواسطة كلمات قليلة وعناوين صغيرة.
الفلسفة هي تأويل وتلخيص لتلك المعارف والمدارك والعلوم،
وما أشد حاجة هذا التلخيص والتأويل الى العقل.
العلم هو عمل العقل، والفلسفة هي عمل
العقل ايضاً، ولا استقلال بينهما، بل تكامل وانسجام!
الفلسفة هي عناوين يحتاج شرحها واثباتها الى العلم.
الفلسفة هي خلاصات ناتجة عن عمل العلم ونتائجه.
لا فلسفة بدون علم، لا يوجد فلسفة
مجردة من العلم، وثمّة من يذهب الى أن العلم يحتاج الى
الفلسفة، خاصة علم الإجتماع، ومهما يكن من امر، فكما يوجد
علم الفلسفة يوجد ايضاً فلسفة العلوم...
الفلسفة التي لا تستند الى علم، التي تستغني عن العلم،
ليست بفلسفة، انها تفلسف فارغ، أنها اوهام وخيالات لا
علاقة لها بالواقع، إنها تخيلات فاسدة، وهذه تسقط في "صراع
العقائد والأفكار" بسبب فسادها، بسبب عدم استنادها الى
العلم.
إن تحييد الفلسفة عن شؤون العلم يرجع بالفلسفة الى العهود
القديمة حيث كانت تعني الحكمة أو الرأي الحكيم غير المبني
على حقائق ومعارف، غير المؤسس على العلم، وحيث كانت
الفلسفة هي البحث في الماورائيات والغيبيات قبل ان يصبح
الوجود موضوعاً لها وقبل ان يصبح الإنسان وشؤونه
الإجتماعية والإقتصادية من أهم مواضيع الفلسفة.
ثم أن العلم والفلسفة لا يختلفان في اختلاف المواضيع التي
يتناولانها، بل يختلفان في اسلوب النظر الى الموضوع نفسه.
أحب ان أذكر في هذا المجال ما يقوله الأمين انيس فاخوري
حول هذه المسألة، يقول:
"بينما العلوم على اختلافها
تعني بالجزئيات وتفاصيل الأمور كل علمٍ حسبما يخصه ويدخل
في نطاق بحثه، نرى الفلسفة لا تعني بالجزئيات بقدر ما تعني
بالكليات او المباديء والأصول الأساسيين للأمور والأشياء،
بالنظام الأساسي الذي يسَيِّر الأمور والأشياء. إن
الفلسفة تعني بخلاصات جميع العلوم لتصوغها في قالب واحد
وتلقي نظرة واحدة شاملة محيطه وتستخلص حقيقة واحدة كبيرة".
(النظام الجديد – العدد الخامس – صفحة 58)
وعلى ذمة الامين انيس فاخوري، وفي المصدر نفسه أيضاً:
"كانت نصيحة الزعيم لفايز صايغ
قبل طرده وقبل ظهور تمرد فايز صايغ وخيانته هي:
إذا كنت تريد التعمق في الفلسفة والوصول الى فهم حقيقي للوجود
يُمَكِّنك من تكوين رأي فلسفي فعليك بدرس علوم اساسية كعلم
النفس وعلم الحياة وعلم الإنسان وغيرها من علوم الإجتماع".
هكذا، فكتاب نشؤ الامم، هذا الكتاب العلمي الإختصاصي الذي
"يوّضح من حقائق علم الإجتماع ما يجلو الغوامض في فهم
الأمم والقوميات" يتيح لنا بما يقدمه من معارف بأن نبني
عليه نظرتنا-فلسفتنا-عقيدتنا الإجتماعية بناءً متيناً
ثابتاً صحيحاً لا يزعزعه جهل ولا يهزه شكّ ولا يكتنفه غموض
او التباس.
أكثر من ذلك، فقد اعتبر سعاده ان صدور
كتاب نشؤ الأمم كان "ضرورة ملحّة" دفعته لإكماله في السجن
مع ان السجن ليس المكان الصالح للبحوث العلمية، ودفعته
لطبعه دون مراجعة أو تنقيح. ففي كتاب التعاليم الطبعة
الرابعة بيروت 18 – 9 – 1947 وتحت عنوان "إيضاح وتوطِئة"،
يستفيض سعاده بشرح أهمية كتاب نشؤ الأمم والحاجة الملحة
التي جعلته يهتم في السجن بإكمال الكتاب الأول منه مع أن
السجن ليس المكان الصالح لمتابعة التحقيقات الإثنية
والجغرافية والتاريخية، وأنه في السجن لا يمكن زيارة
المكتبات العلمية والوقوف على المكتشفات الإخيرة واكتشاف
حقائق ضائعة، "فاضطررت للإقتصار
على ما كنت بلغته في السجن ودفعت المخطوطه الى الطبع من
غير إعادة نظر وتنقيح"؟
لقد اخترنا ثلاثة نصوص لسعادة تؤكِّد
بوضوح حاجة العقيدة الى كتاب نشؤ الأمم العلمي، وضرورة درس
الكتاب وفهمه ومعرفة حقائقه العلمية من اجل فهم العقيدة
وتأكيد صحتها وبالتالي اعتناقها والإيمان بها.
النص الأول
في مقالة المجموع والمجتمع المنشورة لأول مرة في النشرة
الرسمية للحركة القومية الإجتماعية، المجلّد الأول، العدد
1، تاريخ 1 – 12 – 1947، وبعد أن يقول: "إن
من أشد الأسف أن تكون العقيدة قد اُهْمِلَت بالكلية بعد
سفر الزعيم بسنة وان لا تكون المؤسسات الحزبية العليا
تنبهت الى ان معرفة العقيدة معرفة صحيحة هي اول ضرورة
نفسية للقوميين الإجتماعيين"، يذكر أن "رفيقاً
واحداً قدّر هذه الحاجة وعوّل على الإطلاع بهذه المهمة في
السنة الأولى لسفر الزعيم هو الأمين السابق فخري المعلوف
الذي قرر بصفته رئيساً للندوة الثقافية لعام 1938-1939
تدريس كتاب نشؤ الأمم فصلاً فصلاً طوال ذلك العام.... وبعد
تلك المحاولة الأولى التي قام بها الأمين السابق فخري
المعلوف طويت العقيدة وبقيت كامنة في نفوص المؤمنين بها...".
هكذا يذكر سعاده بنص واضح وصريح انه بعد توقف تدريس كتاب
نشؤ الامم طويت العقيدة. فتدريس نشؤ الأمم هو ضرورة
لتدريس العقيدة. العقيدة تجد اساسها في المعارف والحقائق
العلمية المشروحة في كتاب نشؤ الأمم.
العقيدة ليست مشروحة في نشؤ الأمم، لكن نشؤ الأمم يشرح
الحقائق العلمية التي تأسست عليها العقيدة.
النص الثاني
الفلسفة المدرحية مستخرجة من كتاب نشؤ الأمم.
يقول سعاده في كتاب الإسلام في
رسالتيه صفحة 101 ما يلي: "ومن استعارات رشيد الخوري قوله في الرسالة المحمدية إنها مدرحية، اي مادي
روحي معاً، فقد يظن القاريء غير المطّلِع أن هذا القول هو
فكرة فلسفية جديدة للخوري، والحقيقة أنه مأخوذ من كتابي
نشؤ الأمم ومن شرح مباديء الحزب، فهو فكرة فلسفية إجتماعية
ابديتها في مناسبات عديدة...".
نفهم من هذا النص لسعادة ان المدرحية، هذه الفكرة
الفلسفية، تجد اساسها العلمي في كتاب نشؤ الأمم.
إن كون كتاب نشؤ الأمم هو كتاب علم وليس كتاب فلسفة لم
يمنع ان تكون حقائقه العلمية اساساً قوياً لفلسفة جديدة،
أي الفلسفة المدرحية.
وإذا لاحظنا ان كلمة مدرحية ليست واردة اطلاقاً في كتاب
نشؤ الأمم، نستنتج ان ما استعاره رشيد الخوري لم يكن مجرد
اللفظة، بل الفكرة الفلسفية (الكلمة-اللفظة قد يكون رشيد
الخوري او من كتبها، والأرجح انه سمعها من سعاده).
إذن أن المدرحية كفكرة فلسفية هي مستخرجة من الحقائق
العلمية الواردة في الكتاب، هي تأويل فلسفي للحقائق
العلمية الواردة في الكتاب، هي خلاصة وعنوان لتفاصيل علمية
مشروحة في الكتاب، هي من صلب الكتاب وجوهره، لذلك ذكر
سعاده ان المدرحية قول مأخوذ من كتاب نشؤ الأمم، اي
مستخرجة منه.
النص الثالث
كتاب نشؤ الأمم أساس علمي-فلسفي... وبلسان سعاده.
كتب سعاده عام 1946 مقالاً بعنوان: "نسر
الزعامة ووحول توكمان وذبابها"، وفي هذا المقال نقع
على النص التالي:
"وقد تحقق الزعيم من عجز جبران
مسوح عن ادراك النقاط الجوهرية في القضايا
الإجتماعية-السياسية الكبرى من عدة امتحانات: في سنة 1940
زار الزعيم مدينة سانتياغو لدعوة المواطنين الى النهضة
القومية، وصحبه في هذه الرحلة جبران مسوح. فألقى الزعيم
محاضرة اشتملت على نظرية من أروع النظريات
الإجتماعية-السياسية ويصِحّ ان تسمى نظرية الديمقراطية
التعبيرية خلافاً للديمقراطية التمثيلية الشائعة في
العالم. وكلّف جبران مسوح تدوين ما سيقوله وتلخيص
المحاضره لترسل الى سورية الجديدة ففعل هذا كما اشار
الزعيم. ولما عرض تلخيصه عليه وجد الزعيم انه اغفل
بالكلية شأن النظرية الخطيرة التي اعلنها والتي هي اهم ما
قيل في تلك المحاضرة، لأنه لم يفقه لها معنى ولا يعرف لها
قيمة. فاضطر الزعيم الى تعديل التلخيص واكماله بنفسه.
ولما ظهرت نظرية الزعيم في سورية الجديدة ووصلت الى الدارس
والمفكر القومي الكبير الدكتور فخري المعلوف وهو بعد طالب
فلسفة في جامعة ميتشيغن في اميركانيا، أدرك حالاً خطورتها
ورآي انها تصلح مستند ثقة لرأي خاص كان قد توصّل إليه
تفكيره الخاص في معالجة القضايا الإجتماعية-السياسية في
اساسها الفلسفي من وجهة نظر عقيدتنا ومبادئنا، فكتب ونشر
في جريدة "السمير" مقالتين في الديمقراطية الجديدة ذكر
فيهما نظرية الزعيم فكانت تانك المقالتين من انفس الكتابات
في هذه الموضوعات الجليلة التي يعجز تفكير امثال جبران
مسوح عن ادراكها وتناولها في كتاباتهم.
كان عجز جبران مسوح عن ادراك خطورة نظرية الزعيم المذكورة أنفاً دالاً
ليس فقط عن نقص قوته الفكرية، بل عن فقره العلمي أيضاً،
فأخذ الزعيم يعالج ذهن جبران مسوح بالشروح المسهبة وصار
يكرر عليه وجوب قراءة كتابه نشؤ الأمم ليكتسب منه اساساً
علمياً-فلسفياً يمَكِّنه من فهم الأبحاث الإجتماعية
والسياسية الهامة للمجمع الإنساني ومصيره..."
نعتقد انه صار واضحاً العلاقة القوية
بين العلم والفلسفة وضرورة الأول للثانية. وأصبح يستقيم
فهمنا لعبارة سعاده: "كتاب نشؤ
الامم كتاب إجتماعي علمي بحت تجنبت فيه التأويلات الفلسفية
والإستنتاجات النظرية وسائر فروع الفلسفة ما وجدت الى ذلك
سبيلاً..."
فالتأويلات الفلسفية ليس مكانها في كتاب نشؤ الأمم, ليست
موجودة فيه, بل هي مستندة إليه، مؤسسة عليه، مستخرجة منه.
هذه هي نسبة كتاب نشؤ الأمم الى الفلسفة القومية
الإجتماعية، أنه اساسها العلمي, وإن درس الفلسفة-العقيدة
القومية الإجتماعية، المدرحية، يبدأ من درس هذا الكتاب
العلمي العالي الأهمية. |