لا يشعر بالعار من لا يعرف العار ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف

 

     

إن الحياة وقفة عز فقط

حماية المسيحيين في الهلال الخصيب هي مسؤوليتهم في الدرجة الأولى، ومصيرهم في أيديهم اولاً وأخيراً

بقلم منير حيدر (23/10/2008)

 

تدفع الإعتداءات المستمرة التي تتعرض لها الأقليات الإثنية في العراق، بصورة خاصة منهم المسيحيين بجميع اصولهم الأشورية والكلدانية والسريانية وغيرهم، الى نشؤ اصوات تتطالب بإجراءات كفيلة بحماية المسيحيين "في الشرق".

هنا لا بد الإشارة الى أن هذه الإعتداءات تأخذ منحىً خطيراً جداً في العراق، وفي مدينة الموصل بصورة خاصة، حيث إجبر حوالي 15000 مواطن سرياني أو ما يعادل ألفي عائلة، بالنزوح من هذه المدينة بعد أعمال قتلٍ وتدميرٍ لبيوت وكنائس ورسائل تهديد للعائلات والأفراد من قبل أشخاصٍ "مجهولين".

كل هذه الأعمال لم تدفع الحكومة الكرتونية في العراق ولا سلطات الأمر الواقع المتمثلة بالمحتل الأميركي وشركائه وأعوانه، الى اتخاذ اي إجراءات تمنع هذه الإعتداءات وتوقف عملية النزوح وكأن هذا الامر عملية مطلوبة ومخطط لها من قبل الغزاة المحتلين.

ثم أن هذا الموضوع برمّته يطرح مسألة جميع الأقليات في وطننا، هذه الأقليات التي هي كذلك لأنها تقوقعت على أنفسها وراح كلٍ منها يحلم بمستقبل ومصيرٍ مستقلين عن مصير الآخرين ويقوم بأعمال  وأفعال نابعة من وحيٍ أحلامهم هذه.

لقد عانت الأقليات الكثير في وطننا.  فبعد انتشار الدين المحمدي في الهلال السوري الخصيب وجد المسيحيون انفسهم فيه أقلية تعيش كأهل ذمة.  فكانت أوضاعهم  ترتبط ارتباطاً كبيراً بنظرة الخليفة إليهم وموقفه منهم.  ثم بعد نشؤ المذاهب والفرق والنحل في الدين المحمدي، أصبح بعض هذه المذاهب والفرق والنحل أقليات بالنسبة الى المذهبين الأساسيين: المذهب السني والمذهب الشيعي، وتعرض بعضها الى اضطهادات متنوعة تفوق ما كان يتعرض إليه المسيحيون.

لم يكن وصول الخلافة المحمدية الي الأتراك إلاّ ليزيد من مشاكل الأقليات وإلاّ ليعمِّق مشاعرها بذواتها وتقوقعها على أنفسها.  وبدل أن يكون طريق الخلاص لهذه الأقليات هو في وحدتها وتفاهمها وعملها بإرادة واحدة ولأهدافٍ واحدة، لجأت كلُ منها الى قوة خارجية تستظل بحمايتها.  وهذا ينطبق أكثر ما ينطبق على الأقليات المذهبية في لبنان التي اتجهت ذلك الاتجاه منذ اواسط القرن التاسع عشر.

لقد شكّلَت نتائج الحرب العالمية الأولى للأقليات في بلادنا باباً واسعاً للخلاص من أوضاعها السابقة ومحاولة الوصول الى حالة لها تناسب تطلعاتها وأحلامها.  وبما أن تلك التطلعات والأحلام كانت ذاتية ابداً تنطلق من حسابات الأقلية الضيقة، لذلك كانت الخطوات والتحركات التي قامت بها تلك الأقليات جزئية تنطلق من وهم مصالح الأقلية المعنية على حساب مصالح غيرها من الأقليات الأخرى وعلى حساب بقية الشعب عامة.

إن أفضل مثل على هذا النوع من التحرك والسلوك هو ذلك الذي أبداه غلاة الطائفيين الموارنة.  وأن افضل من يمثل غلاة الموارنة هؤلاء هو المطران يوسف الحويك الذي كان يعمل بخطى متسارعة من أجل إيجاد إستقلالية للموارنة تحت حماية فرنسية.

إن معاناة الأقليات اليوم، ومنها الأقليات المسيحية، هي نتيجة حتمية لذلك النهج الخاطيء الذي انتهجته تلك الأقليات والذي قام على منطلقات باطلة ومراهنات خاطئة وليس على نظرة واقعية منطقية.

ففي الوقت الذي كان المطران الياس الحويك المخضرم يمني النفس ويبني أحلامه على أقامة دولة مارونية مستقلة، أو دولة مستقلة تكون الكلمة الأولى والأخيرة فيها للموارنة تحت رعاية وحماية فرنسا، ويعد رعيته بقرب تحقيق مثل ذلك المشروع، وبينما كان متزعمين من طوائف أخرى يتشاورون فيما بينهم عن أفضل دولة يمكن أن يركنوا إليها من أجل اختيارها لإدارة شؤونهم، كان الحَدَث أنطون سعاده يفكر ويحلم في دولة قومية جامعة لجميع ابناء الشعب، مبنية على اسس الكرامة والعدالة والإخاء والمساواة القومية.

عندما اسس سعاده مشروعه القومي ودعا الشعب إليه، كان من أشد مقاوميه ومحاربه غلاة الطوائف أنفسهم، بخاصة منهم الطوائفيين الموارنة.

غني عن القول في هذه العجالة، إن سعاده لم يشكِّل فرصة حقيقية لجميع المسيحيين في الهلال السوري الخصيب في إيجاد مستقبل كريم عزيز أمنٍ لهم، بل شكّل فرصة حقيقية لجميع الأقليات في أمتنا من أجل بناء حياة كريمة عزيزة مستقلٍ في دولةٍ لا تبنى على أكثرياتٍ أو أقلياتٍ مذهبية بل على وحدة روحية-إجتماعية-قومية يكون فيها الولاء للدولة لا للمذهب.

أليس من غرائب الأمور أن القابضين على شؤون المذاهب المسيحية عملوا على محاربة شخص على سوية انطون سعاده ليتبنوا ويشجعوا ويدعموا أشخاصاً على صورة بيار الجميل وأمثاله.  لقد كان سعاده وحده، دون غيره، حماية المسيحيين والأقليات لو تلقى دعم المسيحيين والأقليات، ولو لم يحاربه رجال الدين المسيحيين والطوائفيين في المذاهب الأخرى، ولو لم يتآمر عليه جميع هؤلاء ويساهمون في اغتياله!

اليس سعاده هو القائل إن الشعوب الغبية تفعل برجالاتها كما يفعل الأطفال بألعابهم، يحطمونها ثم يبكون طالبين غيرها؟

بعد مرور تسع وخمسون سنة على اغتيال سعاده، لا يزال هو هو المنقذ الحقيقي للمسيحيين والأقليات وكل فئات شعبنا على الأطلاق.

يجب ألا يساور عقل أحد أن هناك خلاص لشعبنا من جميع المحن التي يغرق فيها، إذا لم يأخذ بمشروع سعاده ويعمل على تحقيقه اليوم قبل غدٍ.

يمكن للأكثريات في وطننا أن تعتدي على الأقليات، ويمكن لها ان تتضطهدم، ولكن عبثاً تحاول ان تجد الطمأنينة والإستقلال والأمن لنفسها!  وحده أنطون سعاده هو المنقذ شاء المكابرون أو رفضوا!

إن المسيحيين، في لبنان أو العراق أو الاردن أو فلسيطن او الشام، كما الأقليات جيمعهم من دروز وعلويين وغيرهم، إن مستقبل جميع هؤلاء يتعلق بمدى وعيهم وإدراكهم لأهمية مشروع انطون سعاده.

إن حماية المسيحيين ومصيرهم، كما حماية الدروز ومصيرهم، كما حماية جميع الأقليات ومصيرهم، هي في أيدي هؤلاء دون غيرهم!

إن حمايتهم لا يمكن أن تكون إلاّ من خلال مشروع انطون سعاده.

إن التسكع من قبل فئات مسيحية على ابواب الأمم المتحدة وعلى ابواب الحكومات الغربية لن يجدي هذه الفئات نفعاً ولن تلقى الحماية المطلوبة، وحده أنطون سعاده يستطيع ان يقدم لهذه الفئات المستقبل المنشود، ووحده مشروع سعاده القومي قادر على تقديم الحلول المطلوبة!