|
دأبنا منذ نحو تسع
سنوات الى التنبيه الى وضع الحزب السوري القومي الإجتماعي
وما وصل إليه من تراجعٍ وتقهقرٍ واختلاطٍ بالمفاهيم
وانحدارٍ في الأخلاق والمناقب وابتعادٍ عن جوهر العقيدة
القومية الإجتماعية وقضيتها. كما حاولنا من خلال كتابتنا
الكثيرة والمتنوعة حول هذا الموضوع أن نحث القوميين
الإجتماعيين الى التحرك السريع والقيام بالعمل المطلوب
لإنتشال الحزب من هذه الحالة ووضعه على خطه القويم.
إننا لا ننكر أننا
اسلوبنا في التعبير عن رأينا وعن أفكارنا في هذا المجال
كان اسلوباً قاسياً حاداً يتناول المسائل كما هي، بعيداً
عن الديبلوماسية والمراوغة واللف والدوران. ذلك أن
الديبلوماسية والمراوغة ليستا من طبيعة اسلوبنا في التوجه
والمخاطبة والتفاهم مع الناس، دع جانباً قناعتنا الشديدة
أنه في مناخ الحركة والنهضة والحزب وبيئتهم لا يجب أن يكون
هناك مكان للديبلوماسية والمراوغة في عملية التواصل
والتخاطب والتفاهم بين القوميين الإجتماعيين. هذا لا يعني
مطلقاً انتفاء الاحترام في عملية التواصل والتخاطب
والتفاهم، ذلك أن الاحترام شيء مختلف تماماً عن
الديبلوماسية والمراوغة
لقد وجد اسلوبنا معارضة
قوية من قبل كثيرين من القوميين الإجتماعيين، سواءً من
الذين
يوافقوننا في المضمون أو من الذين يرفضون المضون جملة
وتفصيلاً.
لقد كان رأي الذين
يوافقوننا في المضمون، انه كان من الممكن أن نعبر عن
الآراء نفسها بصورة مختلفة تتميز بالنعومة والطراوة. لكنه
غاب عن بال هؤلاء لا يمكن وصف الحقائق سوى بأسمائها. إذ
كيف يمكن لنا أن نصف الذي يسرق البيضة؟ هل نقول بأنه
استعارها الى أجل غير مسمى؟
الحقيقة أن الذي يرتكب
فعل السرقة هو سارق، والذي يرتكب فعل الجريمة هو مجرم،
والذي يدجِّل هو دجال، والذي يمشي في طريق الفساد هو فاسد،
والذي يرتكب فعل العمالة هو عميل، والذي يرتكب فعل الخيانة
هو خائن.
أما الذين لا يوافوننا
في المضمون فقد اعتبروا أن ما نسوقه من آراء هو تعبير عن
حقدٍ وكراهيةٍ متأصلة في نفسنا، كما عبّر عن ذلك تحديداً
الدكتور ميلاد السبعلي. ذلك أن السيد السبعلي، وبالرغم من
الدرجة العملية التي يحملها، لا يرى مكاناً لعملية تحليلٍ
ونقدٍ واستنتاجٍ لتاريخ الحزب واشخاصه، مبنية على الاطلاع
والمعرفة والتجربة، بل هو يميل الى الأخذ بالعقلية
المتوارثة في الحزب التي تتميز بالعاطفية والحماسة
والأوهام والأحلام ورفض فكرة أن الأشخاص يمكن أن يقعوا في
الأخطاء.
ثم هو تساءل أيضاً في
من نكون كي نخول نفسنا في سوق ما نسوق من أفكارٍ وآراءٍ
ونقد، وهذا ان دلّ على شيْ فإنه يدِلّ على ضيق مساحة
الثقافة الحزبية ومعرفة تاريخ الحزب واشخاصه عند السيد
السبعلي.
ما فات السيد السبعلي
هو أن ثقافتنا الحزبية ترفض المنافسة الشخصية ضمن النهضة
والحزب، وأننا نؤمن بالتسابق على التضحية والعمل من أجل
القضية والحزب دون أي نوع من حسابات الربح والخسارة. فنحن
خلال عملنا الحزبي الطويل، لم نسع الى خدمة أو وظيفة او
مركز او مسؤولية من اي نوع، بل كان تحملنا للمسؤوليات من
ضمن المبدأ القائل إن المسؤولية هي تكليف وليس تشريف.
لقد زال عجبنا من حكم
السيد السبعلي علينا بعد أن رأينا أن كل مقولاته ونشاطاته
"الحزبية" هدفت الى الوصول للترشّح عن مقعد نيابي في المتن
الشمالي. وهو لم يفته أن الطريق الى السدة النيابية تبدأ
بجمع المال وبناء القصر، ثم إقامة المناسبات الإجتماعية
فيه لتسويق نفسه.
وبينما نحن لا نحسد أحد
على مالٍ أوبيت أو قصرٍ، ولا نرى أي مانع من أن يطمح شخص
ما الى الوصول الى أي وظيفة أو مركز او جاه، نرفض ان يخلط
هذا الأمر مع العمل لمصلحة النهضة والحزب وباسمهما.
لقد انتهى رأينا بعد
تأمّلٍ طويل أن الحزب قد مات. بل قلنا أن الحزب السوري
القومي الإجتماعي لم يكن يوماً كما آراده سعاده. وتضمّن
رأينا أن معظم الذين يعرِّفون عن أنفسهم بأنهم قوميون
اجتماعيون بعيدين بعداً شاسعاً عن هذه الصفة وهم لا يعرفون
عماذا يتكلمون.
إن رأينا هو أنه لا
يمكن للنهضة السورية القومية الإجتماعية أن تأخذ وجهة
مؤثرة وفاعلية باتجاه تحقيق القضية القومية بنوعية مثل هذه
النوعية من "القوميين". ففهم معظم القوميين الإجتماعيين
للحركة والنهضة والمؤسسات والنظام والواجبات والمسؤوليات
والعمل الحزبي برمتِه، هو فهم سطحيٌ، بدائيٌ، ساذجٌ لا
يمكن أن يقدِّم للقضية القومية أية فائدة. لذلك لا غرو ان
نرى ما آلت إليه القضية القومية بالرغم من مرور ما يزيد عن
ثلاثة ارباع القرن على إطلاق سعاده للحركة السورية القومية
الإجتماعية.
هنا يجب التأكيد بأننا
لم نكن بعيدين خلال شبابنا وعملنا الحزبي الناشط عن الفهم
السطحي، البدائي، الساذج لمختلف مفاهيم العمل الحزبي، ذلك
أننا أخذنا، مثلنا مثل غيرنا، بعقلية العمل الحزبي
المتوارثة والسائدة دون التمكن من التمحيص والتحقيق
والتدقيق لأسباب مختلفة تتعلق بظروف حياة الخاصة وظروف
العمل الحزبي العامة.
لم يوجد بيننا أحد يعكف
على التاريخ الحزبي والعمل الحزبي بالدرس والتحليل والنقد
للوصول الى خلاصات اساسية تقود الى تقويم المسيرة الحزبية
وتوظيف طاقات القوميين بالاتجاه والفعل الصحيحيين.
إننا ومن خلال كل ما
سقناه من آراءٍ خلال السنوات التسع الماضية، لم نهدف الى
مصلحة شخصية او الوصول الى مركزٍ او وظيفة أو مكانة معينة.
ونحن إذ نكمل الكتابة في هذا الاتجاه، فنحن لا نهدف الى
الوصول الى اية منفعة خاصة، خاصة أن المرض السرطاني يشهر
سيفه علينا بتصميم وقوة.
هنا لا بد أن أقارن بين
وضع الحزب ووضعنا شخصياً. ذلك أنه لوقت ليس ببعيد كنت
أعتقد من أنني أكثر الأشخاص على الكرة الأرضية صحة وقوة
ونشاطاً. لم يخطر على بالي ابداً أن عندي مرض خبيث يفعل
فعله في جسدي.
وجه المقارنة هنا، أن
كثيرين من القوميين الإجتماعيين يعتقدون ان حزبهم هو في
صحة جيدة ولا ينقصه سوى إزاحة هذا أو ذاك من الأشخاص. إذ
هم لا يدركون مدى التضخم السرطاني الذي نهش جسم الحزب ووصل
به الى مرحلة اللاعودة.
وإذا كان هناك تصميم
عندي لمقاومة مرضي السرطاني، وإذا كنت اعتقد ان باستطاعتي
القيام بمحاولة لمقاومة هذا المرض، فإننا أستطيع أن أجزم
أنه ليس هناك اي تصميم عند القوميين الإجتماعيين
لمقاومة التضخم السرطاني في حزبهم، وأنه ليس هناك اية
محاولة للقيام بمثل هذا العمل.
عجباً كيف تتشابه
الحالات! |